Полный текст (14 757 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كل ما يدعون فإنهم ساعة العسرة يلجأون إلى الله باعتباره وحده الملجأ والملاذ. واقرأ قوله ﵎: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]
لماذا لم يستدع الأنداد؟ لأن الإنسان لا يغش نفسه أبداً في ساعة الخطر، ولأن هؤلاء يعرفون بعقولهم أنه لا يمكن أن يوجد لله أنداد. ولكنه يتخذهم لأغراض دنيوية. فإذا جاء الخطر. يلجأ إلى الله . لأنه يعلم يقينا أنه وحده الذي يكشف الضر، فحلاق الصحة الذي يعالج الناس دجلا. إذا مرض ابنه أسرع به إلى الطبيب لأنه يغش الناس. ولكنه لا يمكن أن يغش نفسه.
ولقد كان الأصمعي واقفاً عند الكعبة، فسمع إعرابياً يدعو ويقول:
«يا رب أنت تعلم أني عاصيك وكان من حقك علي ألا أدعوك وأنا عاص. ولكني أعلم أنه لا إله إلا أنت فلمن أذهب.» فقال الأصمعي: يا هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك «.
стр. 142
بعد أن بين الحق لنا أن هؤلاء الذين يتخذون من دون الله أنداداً لا يعتمدون على منطق ولا عقل. ولكنهم يعتمدون على شهوات دنيوية عاجلة. أراد أن يأتي بالتحدي بالنسبة للقرآن الكريم المعجزة الخالدة لرسول الله ﷺ َ حتى يثبت لهم أن الله إذا كان قد جعل خلق الكون إعجازاً محسا. . فإن القرآن منهج معجز إعجازاً قيماً. . قال الله ﷻ :
﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الخطاب هنا لكل كافر ومنافق غير مؤمن، لأن الذين آمنوا بالله ورسوله ليس في قلوبهم ريب، بل هم يؤمنون بأن القرآن موحى به من الله، مبلغ إلى محمد ﷺ َ بالوحي المنزل من السماء.
والريب: هو الشك. وقوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي إن كنتم في شك. من أين يأتي هذا الشك والمعجزة تحيط بالقرآن وبرسوله ﷺ َ؟ ما هي مبررات الشك، ورسول الله ﷺ َ لا يقرأ ولا يكتب ولم يعرف بالبلاغة والشعر بين قومه حتى يستطيع أن يأتي من عنده بهذا الكلام المعجز الذي لم يستطع فطاحل شعراء العرب الذين تمرسوا في البلاغة واللغة أن يأتوا بآيةٍ من مثله. هذه واحدة. والثانية أن رسول الله ﷺ َ لا يكذب أبداً ولم يعرف عنه كذب قبل تكليفه بالرسالة بل كانوا يلقبونه ﷺ َ بالصادق الأمين. والذين كانوا يلقبون رسول الله ﷺ َ هم الذين اتهموه بأن هذا القرآن ليس من عند الله. أيصدق رسول الله ﵊ ُ مع الناس. ويكذب على الله؟ ﴿. . هذا مستحيل.
الكلام الذي جاء به رسول الله ﷺ َ وهو القرآن لم يكن أحد ليستطيع أن يأتي به من فطاحل علماء البلاغة العرب. والعلم الذي نزل في القرآن
стр. 143
الكريم. لم يكن يعرفه بشر في ذلك الوقت. فكيف جاء النبي الأمي بهذا الكلام المعجز. وبهذا العلم الذي لا يعلمه البشر؟﴾ لو جلس إلى معلم أو قرأ كتب الحضارات القديمة. لقالوا ربما استنبط منها، ولكنه لم يفعل ذلك.
فمن أين دخل الريب إلى قلوبهم؟ لاشك أنه دخل من باب الباطل. والباطل لا حجة له. وبلا شك لقد فضحوا أنفسهم بأنهم لا يرتابون في القرآن ولكنهم كانوا يريدونه أن ينزل على سيد من سادة قريش. واقرأ قول الحق : ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
وهؤلاء المرتابون لم يجدوا حجة يواجهون بها القرآن، فقالوا ساحر، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟ إذا كان ساحرا فلماذا لم يسحركم أنتم؟ وقالوا مجنون.
والمجنون يتصرف بلا منطق. . يضحك بلا سبب. ويبكي بلا سبب. ويضرب الناس بلا سبب. ولذلك رد الحق سبحانه عليهم بقوله تعالى: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤]
فهل يكون المجنون على خلق عظيم؟ إذن فأسباب الريب كلها أو الأسباب التي تثير الشك غير موجودة. وغير متوافرة. ولا يوجد سبب حقيقي واحد يجعلهم يشكون في أن القرآن ليس من عند الله. ولكنهم هم القائلون كما يروي لنا الحق ﵎: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]
стр. 144
إذن فكل أسباب الشك غير موجودة وأسباب اليقين هي الموجودة ومع ذلك ارتابوا وشكوا. وقوله :
﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾
فالقرآن الكريم وجد في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الإنسان، وعندما جاء وقت مباشرته لمهمته في الكون نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزله الله على رسوله ﷺ َ بقدر ما احتاجت إليه المناسبات والأحداث.
إذن فقوله «نزلنا» أي نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة. وقوله تعالى «أنزل» أي أنزله آيات على محمد ﷺ َ بحسب اقتضاء الأحداث والمناسبات.
الحق يقول: «على عبدنا» وهذه محتاجة إلى وقفة. فالله ﷻ . له عبيد وله عباد. كل خلق الله في كونه عبيد لله . لا يستطيعون الخروج عن مشيئة الله أو إرادته. هؤلاء هم العبيد. ولكن العباد هم الذين اتحدت مراداتهم مع ما يريده الله . . تخلوا عن اختيارهم الدنيوي، ليصبحوا طائعين لله باختيارهم، أي أنهم تساووا مع المقهورين في أنهم اختاروا منهج الله وتركوا أي اختيار يخالفه.
هؤلاء هم العباد، وإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن الله يشير إلى العباد بأنهم الصالحون من البشر فيقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]
стр. 145
هذا ليس لكل خلق الله، ولكنه للعباد. الذين إذا قال الله تعالى لهم افعلوا فعلوا وإذا قال الله لا تفعلوا لم يفعلوا. أي أنهم لا يخالفون بقدرتهم على الاختيار منهج الله . ولذلك في الجهاد لا يقول الحق عن المجاهدين أنهم عبيد. بل يقول ﷻ : ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾ [الإسراء: ٥]
وبعض المستشرقين الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون أن كلمة عباد قد جاءت في وصف غير المؤمن في قوله تعالى:
﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧]
نقول: إنكم لم تفهموا أن هذا ساعة الحساب في الآخرة، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا كلنا مقهورون فلا اختيار لأحد في الآخرة وإنما الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ثم يصبح الإنسان بعد ذلك مقهوراً.
فنحن جميعا في الآخرة عباد ولكن الفرق بين العبيد والعباد هو في الحياة الدنيا فقط. والعبودية هي أرقى مراتب القرب من الله تعالى. لأنك تأتي إلى الله طائعاً. منفذاً للمنهج باختيارك. ولقد عرض على رسول الله ﷺ َ أن يكون ملكاً رسولاً، أو عبداً رسولا. فاختار أن يكون عبداً رسولا. وإذا أردنا أن نعرف معنى العبودية نقرأ في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]
стр. 146
لنرى أنه في أعلى درجات الأنعام من الله على رسوله ﷺ َ في المعجزة الكبرى التي لم تحدث لبشر قبله ﷺ َ سواء كان رسولاً أو غير رسول، ولن تحدث لبشر بعده. . ذلك أن رسول الله ﷺ َ صعد إلى السماوات السبع بالروح وبالجسد ثم عاد إلى الأرض. وتجاوز رسول الله ﷺ َ منزلة جبريل فتجاوز سدرة المنتهى وهي المكان الذي ينتهي إليه علم خلق الله من البشر والملائكة المقربين.
وبشرية الرسول أخذت جدلاً كبيرا منذ بدأت الرسالات السماوية. وحتى عصرنا هذا. واقرأ قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧]
وقوله تعالى: ﴿فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٤]
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤]
إذن فبشرية الرسول اتخذت حجة للذين لا يريدون أن يؤمنوا والرسول مبلغ عن الله. ولابد أن يكون من جنس القوم الذين أرسل إليهم. ولابد أن يكون قد عاش
стр. 147
بينهم فترة قبل الرسالة واشتهر بالأمانة والصدق حتى لا يكذبوه. وفي الوقت نفسه هو قدرة. ولذلك لابد أن يكون من جنس قومه. لأنه سيطبق المنهج عمليا أمامهم. ولو كان من جنس آخر لقالوا لا نطيق ما كلفتنا به يا رب. لأن هذا رسول الله مخلوق من غير مادتنا. ومقهور على الطاعة.
إذن فبشرية الرسول حتمية. وكل من يحاول أن يعطي الرسول صفة غير البشرية. إنما يحاول أن ينقص من كمالات رسالات الله، والله ليس عاجزاً، عن أن يحول البشر إلى ملائكة واقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]
إذن فبشرية الرسول هي من تمام الرسالة.
ثم يأتي التحدي من الله ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ والمطلوب أن يأتي العرب بسورة من مثل ما جاء به القرآن الكريم.
الشهود الذين يطلب الله دعوتهم هم شهود ضعفاء. شهود من البشر وليست شهادة من الله بالغيب.
والله وضع في هذه الآية معظم الشكوك لنفحصها، ولنصل فيما بعد ذلك إلى جوهر الإعجاز القرآني.
والحق تدرج في التحدي مع الكافرين. فطلب منهم أن يأتوا بمثل القرآن، ثم طلب عشر سور من مثله. ثم تدرج في التحدي فطلب سورة واحدة. والنزل في التحدي من القرآن كله إلى عشر سور. إلى سورة واحدة. دليل ضد من تحداهم. فلا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن، فيقول: إذن فأتوا بعشر سور. فلا يستطيعون ويصبح موقفهم مدعاة للسخرية. فيقول: فأتوا بسورة. وهذا منتهى الاستهانة بالذين تحداهم الله وإثباتاً لأنهم لا يقدرون على شيء.
стр. 148
وكلمة بمثل. معناها أن الحق يطلب المثيل ولا يطلب نص القرآن وهذا إمعان وزيادة في إظهار عجز القوم الذين لا يؤمنون بالله ويشككون في القرآن. وقوله تعالى: ﴿وادعوا شُهَدَآءَكُم﴾ .
معناه أن الله زيادة في التحدي يطالبهم بأن يأتوا هم بالشهداء ويعرضوا عليهم الآية ليحكم هؤلاء الشهود إذا كان ما جاءوا به مثل القرآن أم لا. أليس هذا إظهار منتهى القوة لله لأنه لم يشترط شهداء من الملائكة ولا شهداء من الذين اشتهر عنهم الصدق. وأنهم يشهدون بالحق. بل ترك الحق سبحانه لهم أن يأتوا بالشهداء وهؤلاء الشهداء لن يستطيعوا أن يشهدوا أن كلام هؤلاء المشككين يماثل سورة من القرآن.
الله طلب منهم أن يأتوا بأي شهداء متحيزين لهم. وأطلقها على كل أجناس الأرض فقال: ﴿مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ولكن إياكم أن تقولوا يشهد الله بأن ما جئنا به مثل القرآن. لأنكم تكونون قد كذبتم على الله وادعيتم شيئا لم يقله .
ولكن ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ صادقين في ماذا؟ وما هو الصدق؟ الصدق يقابل الكذب، والصدق والكذب، كل منهما نسبي. كلنا يعلم أن هناك كلاماً غير مفيد، فإذا قلت محمد وسَكَتَّ فمن يسمعك سيسألك، ماذا تقصد بقولك محمد؟ وسؤاله دليل على أنه لم يستفد شيئاً، ولكنه لو سألك من عندك؟ وأجبت محمد فكأنك تخبره بأن عندك محمداً وهذه كلمة واحدة لكنك فهمتها بالمعنى الذي أخذته من كلام السائل. إذن فلا تقل كلمة واحدة ولكن قل كلاماً مفيداً. إذن فالكلام المفيد هو الذي يسكت السامع عليه.
وكل متكلم قبل أن ينطق بالكلام يكون عنده نسبة ذهنية لما سيقول، يعبر عنها بنسبة كلامية. ولكن هناك نسبة خارجية لما يقول تمثل الواقع.
أي أنك لو قلت محمد مجتهد فلابد أن يكون هناك شخص اسمه محمد. ولابد أن يكون مجتهداً فعلاً. لتتطابق النسبة الكلامية. مع النسبة الواقعية. فإذا لم يكن هناك شخص اسمه محمد. أو كان هناك شخص اسمه محمد ولكنه ليس مجتهداً،
стр. 149
فإن النسبة الكلامية تخالف النسبة الواقعية.
والصدق أن تتطابق النسبة الكلامية والنسبة الواقعية. «والكذب» ألا تتطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية. . هذا المفهوم ضرورة لعرض معنى الآية الكريمة.
إذن فقوله تعالى «صادقين» أي أن تتطابق النسبة الكلامية التي ستقولونها مع نسبة واقعية تستطيعون أن تدللوا عليها. فإن لم يحدث ذلك فأنتم كاذبون.
فالله يريد منكم الدليل على صدقكم.
стр. 150
بعد أن تحدث الله عن الأدلة التي يستند إليها المشككون في القرآن الكريم. وهي أدلة لا تستند إلى عقل ولا إلى منطق. تحداهم بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، وأن يستعينوا بمن يريدون من دون الله، لأن القرآن كلام الله، والله سبحانه هو القائل. وبما أنهم يحاولون التشكيك في أن القرآن كلام الله. وأنه منزل من عند الله، فليستعينوا بمن يريدون ليأتوا بآية من مثله، لأن التحدي هنا لا يمكن أن يتم إلا إذا استعانوا بجميع القوى ما عدا الله .
ثم يأتي الحق بعد ذلك بالنتيجة قبل أن يتم التحدي. لأن الله يعلم أنهم لن يفعلوا ولن يستطيعوا.
إن قوله سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ معناه أنه حكم عليهم بالفشل وقت نزول القرآن وبعد نزول القرآن إلي يوم القيامة. لأن الله لا يخفى عن علمه شيء. فهو بكل شيء عليم. وكلمة «لم تفعلوا» عندما تأتي قد تثير الشك. فنحن نعرف أن مجيء إن الشرطية يثير الشك. . لأن الأمر لكي يتحقق يتعلق بشرط. وأنت إن قلت إن ذاكرت تنجح، ففي المسألة شك. . أما إذا قلت كقول الحق ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ فمعنى ذلك أن نصر الله آت لا محالة.
و «إن» حرف و «إذا» ظرف، وكل حدث يحتاج إلى مكان وزمن. فإذا جئت بأداة الشرط فمعنى ذلك أنك تقربها من عنصر تكوين الفعل والحدث. فإذا أردت أن تعبر عن شيء سيتحقق تقول إذا، وإذا أردت أن تشكك فيه تقول «إن» والله قال «فإن لم تفعلوا» ولأن الفعل ممكن الحدث أراد أن يرجح الجانب المانع فقال «ولن تفعلوا» هذا أمر اختياري. فإذا تكلمت عن أمر اختياري ثم حكمت أنه
стр. 151
لن يحدث. فكأن قدرتك هي التي منعته من الفعل. فلا يقال أنك قهرته على ألا يفعل. لا. علمت أنه لن يفعل. فاستعداداته لا يمكن أن تمكنه من الفعل.
وهذه أمور ضمن اخبارات القرآن الكريم في القضايا الغيبية التي أخبر عنها، فعندما يقول الله ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ معناه أنهم مصدقون ولكن ألسنتهم لا تعترف بذلك. وقوله تعالى «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا» معناه أن الشك مفتعل في نفوسهم؛ هم لا يريدون أن يؤمنوا ولذلك يأتون بسبب مفتعل لعدم الإيمان. لقد استقر فكرهم على أنهم لا يؤمنون، ومادام هذا هو ما قررتموه. فإنكم ستظلون تبحثون عن أسباب ملفقة لعدم الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ .
الحق يريد هنا أن يلفتنا إلى صورة أخرى عن عجز هؤلاء الكفار. فهم بحثوا عن أعذار، ليبرروا بها عدم إيمانهم وتظاهروا بأنهم يشكون في القرآن الكريم. يقول لهم: لو كانت لكم قدرة وذاتية فعلا فامنعوا أنفسكم من دخول النار يوم القيامة. كما منعتم انفسكم من الإيمان في الدنيا.
وهذا وعيد من الله. لقد أعطاهم ذاتية الاختيار في الدنيا ولم يختاروا قهراً بل اختاروا عدم الإيمان بمشيئة الاختيار التي أعطاه الله لهم. ولكن هناك وقت ليس فيه اختيار وهو الآخرة فحاولوا أن تتقوا في الآخرة عذاب النار يوم القيامة. ولكن لن يكون لأحد اختيار. فالله يقول في ذلك اليوم: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦]
ويقول ﷻ : ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]
стр. 152
فإرادتكم التي منعتكم من الإيمان. . لن تقيكم يومئذ من عذاب النار، واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]
لماذا هم وما يعبدون؟ لأن العابد يرتجي نفع المعبود. فكأنهما عندما يرى كل منهما الآخر في العذاب. تكون الحسرة أشد. ولذلك فإن الحجارة والأصنام التي يعبدونها ستكون معهم في النار يوم القيامة. وليس هذا عقاباً للأحجار والأصنام. لأنها خلق مقهور لله مسبح له، ولكن هذه الأصنام والأحجار تكون راضية وهي تحرق الذين كفروا بالله. وتقول: «عبدونا ونحن أعبد لله من المستغفرين بالأسحار» .
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الله يخبرهم وهم في الدنيا، أن النار أعدت للكافرين. وقوله تعالى النار أعدت للكافرين تطمين غاية الاطمئنان للمؤمن. وإرهاب غاية الإرهاب للكافر. . وقوله تعالى «أعدت» معناها أنها موجودة فعلاً وإن لم نكن نراها. وأنها مخلوقة وإن كانت محجوبة عنا.
ورسول الله ﷺ َ قال:
«عرضت عليّ الجنة ولو شئت أن آتيكم منها بقطاف لفعلت» .
وهذا دليل على أنها موجودة فعلاً.
والمؤمن حينما يعلم أن الجنة موجودة فعلاً وأن الإيمان سيقوده إليها فإنه يحس بالسعادة ويشتاق للجنة. فإذا سمع قول الحق : ﴿أولئك هُمُ الوارثون الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]
ساعة تقرأ هذه الآية الكريمة تعرف أن الله سيجعلك في الجنة
стр. 153
تأخذ ما كان لغيرك. لأن الميراث يأتيك من غيرك. وقد سبق علم الله خلق الناس جميعاً. وقبل أن يخلق أعد لكل خلقه مقعداً في النار ومقعداً في الجنة. الذين سيدخلون النار خالدين فيها، مقاعدهم في الجنة ستكون خالية، فيأتي الله يعطيها للمؤمنين ليرثوها فوق مقاعدهم ومنازلهم في الجنة. والحق سبحانه عندما يقول: «أعدت» فهي موجودة فعلاً.
стр. 154
وبعد أن بين الله لنا مصير الكافرين الذين يشككون في القرآن ليتخذوا من ذلك عذراً لعدم الإيمان. قال: إذا كنتم قد اخترتم عدم الإيمان، بما أعطيتكم من اختيار في الدنيا، فإنكم في الآخرة لن تستطيعوا أن تتقوا النار. ولن تكون لكم إرادة.
ثم يأتي الحق ﵎ بالصورة المقابلة. والقرآن الكريم إذا ذكرت الجنة يأتي الله بعدها بالصورة المقابلة وهي العذاب بالنار. وإذا ذكرت النار بعذابها ولهيبها ذكرت بعدها الجنة. وهذه الصورة المتقابلة لها تأثير على دفع الإيمان في النفوس. فإذا قرأ الإنسان سورة للعذاب ثم جاء بعدها النعيم فإنه يعرف أنه قد فاز مرتين. فالذي يزحزح عن النار ولا يدخلها يكون ذلك فوزاً ونعمة، فإذا دخل الجنة تكون نعمة أخرى، ولذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
ولم يقل سبحانه ومن أدخل الجنة فقد فاز. لأن مجرد أن تزحزح عن النار فوز عظيم. . وفي الآخرة. وبعد الحساب يضرب الصراط فوق جهنم، ويعبر من فوقه المؤمنون والكافرون. فالمؤمنون يجتازون الصراط المستقيم كل حسب عمله منهم من يمر بسرعة البرق. ومنهم من يمر أكثر بطأً وهكذا، والكافرون يسقطون في النار.
стр. 155
ولكن لماذا يمر المؤمنون فوق الصراط. والله قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]
لأن مجرد رؤية المؤمنين لجهنم نعمة كبرى، فحين يرون العذاب الرهيب الذي أنجاهم الإيمان منه يحس كل منهم بنعمة الله عليه. أنه أنجاه من هذا العذاب. وأهل النار وأهل الجنة يرى بعضهم بعضاً. فأهل الجنة حينما يرون أهل النار يحسون بعظيم نعمة الله عليهم. إذ أنجاهم منها، وأهل النار حين يرون أهل الجنة يحسون بعظيم غضب الله عليهم أن حرمهم من نعيمه، فكأن هذه الرؤية نعيم لأهل الجنة وزيادة في العذاب لأهل النار. . والله يقول:
«وبشر» والبشارة هي الأخبار بشيء سار قادم لم يأت وقته بعد. فأنت إذا بشرت إنساناً بشيء أعلنته بشيء سار قادم. والبشارة هنا جاءت بعد الوعيد للكافرين.
والإنذار هو اخبار بأمر مخيف. لم يأت وقته بعد.
ولكن البشارة تأتي أحيانا في القرآن الكريم ويقصد بها الكفار. واقرأ قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧ - ٨]
البشارة هنا تهكمية من الله . فالحق ﵎ يريد أن يزيد عذاب الكفار، فعندما يسمعون كلمة «فبشرهم» يعتقدون أنهم سيسمعون خبراً ساراً، فيأتي بعدها العذاب الأليم ليزيدهم غما على غم.
يقول الحق : ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ .
стр. 156
البشرى هنا إعلام بخير قادم للمؤمنين، والإيمان هو الرصيد القلبي للسلوك. لأن من يؤمن بقضية يعمل من أجلها، التلميذ يذاكر لأنه مؤمن أنه سينجح، وكل عمل سلوكي لابد أن يوجد من ينبوع عقيدي. والإيمان أن تنسجم حركة الحياة مع ما في القلب وفق مراد الله : ونظام الحياة لا يقوم إلا على إيمان. . فكأن العمل الصالح ينبوعه الإيمان. ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [العصر: ١ - ٣]
وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين﴾ [فصلت: ٣٣]
ولكن هل يكفي الإعلان عن كوني من المسلمين؟ لا بل لابد أن يقترن هذا الإعلان بالعمل بمرادات الله .
الحق يُريدُ أن يلفتنا. . إلى أن قولنا «لا إله إلا الله محمد رسول الله» . . لابد أن يصاحبه عمل بمنهج الإسلام. . ذلك أن نطقنا بالشهادة لا يزيد في ملك الله شيئا. . فالله ﵎ شهد بوحدانية ألوهيته لنفسه، وهذه شهادة الذات للذات. . ثم شهد الملائكة شهادة مشهد لأنهم يرونه . . ثم شهد أولو العلم شهادة دليل بما فتح عليهم الله ﷻ من علم. . وفي ذلك يقول الحق : ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ١٨]
стр. 157
ولكن الحق يريد من المؤمنين أن يعملوا بالمنهج. . لماذا؟ . . حتى لا تتعاند حركة الحياة بل تتساند. . ومادامت حركة الحياة مستقيمة. . فإنها تصبح حياة متساندة وقوية. . وعندما انتشر الإسلام في بقاع الأرض لم يكن الهدف أن يؤمن الناس فقط لمجرد الإيمان. . ولكن لابد أن تنسجم حركة الحياة مع منهج الإسلام. . فإذا ابتعدت حركة الحياة عن المنهج. . حينئذ لا يخدم قضية الدين أن يؤمن الناس أو لا يؤمنوا. . ولذلك لابد أن ينص على الإيمان والعمل الصالح. . ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ . . والصالحات هي جمع صالحة. . والصالحة هي الأمر المستقيم مع المنهج، وضدها الفساد. . وحين يستقبل الإنسان الوجود. . فإن أقل الصالحات هو أن يترك الصالح على صلاحه أو يزيده صلاحا.
الحق ﵎ يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار. . والجنات جمع جنة، وهي جمع لأنها كثيرة ومتنوعة. . وهناك درجات في كل جنة أكثر من الدنيا. . واقرأ قوله ﵎: ﴿انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٢١]
الجنات نفسها متنوعة. . فهناك جنات الفردوس، وجنات عدن، وجنات نعيم.
. وهناك دار الخلد، ودار السلام، وجنة المأوى. . وهناك عِلِّيُون الذي هو أعلى وأفضل الجنات. . وأعلى ما فيها التمتع برؤية الحق ﵎. . وهو نعيم يعلو كثيرا عن أي نعيم في الطعام والشراب في الدنيا. .
والطعام والشراب بالنسبة لأهل الجنة لا يكون عن جوع أو ظمأ. . وإنما عن مجرد الرغبة والتمتع. والله ﷻ في هذه الآية يَعدُ بأمرٍ غيبي. . ولذلك فإنه لكي يقرب المعنى إلى ذهن البشر. . لابد من استخدام ألفاظ مشهودة وموجودة. . أي عن واقع نشهده. واقرأ، قوله ﵎: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]
стр. 158
إذن ما هو موجود في الجنة لا تعلمه نفس في الدنيا. . ولا يوجد لفظ في اللغة يعبر عنه. . ولا ملكة من ملكات المعرفة كالسمع والنظر قد رأته. . ولذلك استخدم الحق ﵎ الألفاظ التي تتناسب مع عقولنا وإدراكنا. . فقال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ . .
على أن هناك آيات أخرى تقول: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ ما الفرق بين الاثنين. . تجري تحتها الأنهار. . أي أن نبع الماء من مكان بعيد وهو يمر من تحتها. . أما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ فكأن الأنهار تنبع تحتها. . حتى لا يخاف إنسان من أن الماء الذي يأتي من بعيد يقطع عنه أو يجف. . وهذه زيادة لاطمئنان المؤمنين أن نعيم الجنة باق وخالد. .
ومادام هناك ماء فهناك خضرة ومنظر جميل ولابُدّ أَنْ يكون هناك ثمر. . وفي قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ . . حديث عن ثمر الجنة. . وثمر الجنة يختلف عن ثمر الدنيا. . إنك في الدنيا لابد أن تذهب إلى الثمرة وتأتي بها أو يأتيك غيرك بها. . ولكن في الجنة الثمر هو الذي يأتي إليك. . بمجرد أن تشتهيه تجده في يدك. . وتعتقد أن هناك تشابها بين ثمر الدنيا وثمر الجنة. . ولكن الثمر في الجنة ليس كثمر الدنيا لا في طعمه ولا في رائحته. . وإنما يرى أهل الجنة ثمرها ويتحدثون يقولون ربما تكون هذه الثمرة هي ثمرة المانجو أو التين الذي أكلناه في الدنيا. . ولكنها في الحقيقة تختلف تماما. . قد يكون الشكل متشابها ولكن الطعم وكل شيء مختلف. .
في الدنيا كل طعام له فضلات يخرجها الإنسان. . ولكن في الآخرة لا يوجد لطعام فضلات بل أن الإنسان يأكل كما يشاء دون أن يحتاج إلى إخراج فضلات، وذلك لاختلاف ثمار الدنيا عن الآخرة في التكوين. .
إذن ففي الجنة الأنهار مختلفة والثمار مختلفة.
. والجنة يكون الرزق فيها من الله الذي يقول «للشيء كن فيكون» . . ولا أحد يقوم بعمل.
стр. 159
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
الزوجة هي متعة الإنسان في الدنيا إن كانت صالحة. . والمنغصة عليه إن كانت غير صالحة. . وهناك منغصات تستطيع أن تضعها المرأة في حياة زوجها تجعله شقيا في حياته. . كأن تكون سليطة اللسان أو دائمة الشجار. . أولا تعطي اهتماما لزوجها أو تحاول إثارته بأن تجعله يشك فيها. . أما في الآخرة فتزول كل هذه المنغصات وتزول بأمر الله. فالزوجة في الآخرة مطهرة من كل ما يكرهه الزوج فيها، وما لم يحبه في الدنيا يختفي. فالمؤمنون في الآخرة مطهرون من كل نقائص الدنيا ومتاعبها وأولها الغل والحقد. . واقرأ قوله ﷻ : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]
فمقاييس الدنيا ستختفي وكل شيء تكرهه في الدنيا لن تجده في الآخرة. . فإذا كان أي شيء قد نغص حياتك في الدنيا فإنه سيختفي في الآخرة. . والحق ﵎ ضرب المثل بالزوجات لأن الزوجة هي متعة زوجها في الدنيا. . وهي التي تستطيع أن تحيل حياته إلى نعيم أو جحيم. .
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . . أي لا موت في الآخرة ولن يكون في الآخرة وجود للموت أبدا، وإنما فيها الخلود الدائم إما في الجنة وإما في النار.
стр. 160
بعد أن تحدث الحق ﵎ عن الجنة. . وأعطانا مثلا يقرب لنا صور النعيم الهائلة التي سينعم بها الإنسان في الجنة. . أراد أن يوضح لنا المنهج الإيماني الذي يجب أن يسلكه كل مؤمن. . ذلك أن الله لا يكلف كافرا بعبادته. . ولكن الإنسان الذي ارتضى دخول الإيمان بالله ﷻ قد دخل في عقد إيماني مع الله ﵎. . ومادام قد دخل العقد الإيماني فأنه يتلقى عن الله منهجه في افعل ولا تفعل. . وهذا المنهج عليه أن يطبقه دون أن يتساءل عن الحكمة في كل شيء. . ذلك أن الإيمان هو إيمان بالغيب. . فإذا كان الشيء نفسه غائبا عنا فكيف نريد أن نعرف حكمته. .
إن حكمة أي تكليف إيماني هي: أنه صادر من الله ، ومادام صادرا من الله فهو لم يصدر من مُساوٍ لك كي تناقشه، ولكنه صادر من إله وجبت عليك له الطاعة لأنه إله وأنت له عابد. . فيكفي أن الله قال افعل حتى نفعل. . ويكفي أنه قال لا تفعل حتى لا نفعل. .
الحكمة غائبة عنك. . ولكن صدور الأمر من الله هو الحكمة، وهو الموجب للطاعة. . فأنا أصلي لأن الله فرض الصلاة، ولا أصلي كنوع من الرياضة. . وأنا أتوضأ لأن الله ﵎ أمرنا بالوضوء قبل الصلاة. . ولكنني لا أتوضأ كنوع من النظافة. . وأنا أصوم لأن الله أمرني بالصوم. . ولا أصوم حتى أشعر بجوع الفقير. . لأنه لو كانت الصلاة رياضة لاستبدلناها بالرياضة في الملاعب. . ولو أن الوضوء كان نظافة لقمنا بالاستحمام قبل كل صلاة. . ولو أن الصوم كان لنشعر بالجوع ما وجب على الفقير أن يصوم لأنه يعرف معنى الجوع. .
стр. 161
إذن فكل تكاليف من الله نفعلها لأن الله شرعها ولا نفعلها لأي شيء آخر. . وكل ما يأتينا من الله من قرآن نستقبله على أنه كلام الله ولا نستقبله بأي صيغة أخرى. . ذلك هو الإيمان الذي يريد الله منا أن نتمسك به، وأن يكون هو سلوك حياتنا.
تلك مقدمة كان لابد منها إذا أردنا أن نعرف معنى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وعندما ضرب الله مثلا بالبعوضة. . استقبله الكفار بالمعنى الدنيوي دون أن يفطنوا للمعنى الحقيقي. . قالوا كيف يضرب الله مثلا بالبعوضة ذلك المخلوق الضعيف. . الذي يكفي أن تضربه بأي شيء أو بكفك فيموت؟ . لماذا لم يضرب الله ﵎ مثلا بالفيل الذي هو ضخم الجثة شديدة القوة.
. أو بالأسد الذي هو أقوى من الإنسان وضرب لنا مثلا بالبعوضة فقالوا: «ماذا أراد الله بهذا مثلا» . . ولم يفطنوا إلى أن هذه البعوضة دقيقة الحجم خلقها معجزة. . لأن في هذا الحجم الدقيق وضع الله كل الأجهزة اللازمة لها في حياتها. . فلها عينان ولها خرطوم دقيق جدا ولكنه يستطيع أن يخرق جلد الإنسان. . ويخرج الأوعية الدموية التي تحت الجلد ليمتص دم الإنسان. .
والبعوضة لها أرجل ولها أجنحة ولها دورة تناسلية ولها كل ما يلزم لحياتها. . كل هذا في هذا الحجم الدقيق. . كلما دق الشيء احتاج إلى دقة خلق أكبر. .
ونحن نشاهد في حياتنا البشرية أنه مثلا عندما اخترع الإنسان الساعة. . كان حجمها ضخما لدرجة أنها تحتاج إلى مكان كبير. . وكلما تقدمت الحضارة وارتقى الإنسان في صناعته وحضارته وتقدمه، أصبح الحجم دقيقا وصغيرا، وهكذا أخذت صناعة الساعات تدق. . حتى أصبح من الممكن صنع ساعة في حجم الخاتم أو أقل. . وعندما بدأ اختراع المذياع أو الراديو كان حجمه كبيرا. . والآن أصبح في غاية الدقة لدرجة أنك تستطيع أن تضعه في جيبك أو أقل من ذلك. . وفي كل الصناعات عندما ترتقي. . يصغر حجمها لأن ذلك محتاج إلى صناعة ماهر وإلى تقدم علمي. .
وهكذا حين ضرب الله مثلا بالبعوضة وما فوقها. . أي بما هو أقل منها حجما. . فإنه ﵎ أراد أن يلفتنا إلى دقة الخلق. . فكلما لطف الشيء وصغر حجمه
стр. 162
احتاج إلى دقة الخلق. . ولكن الكفار لم يأخذوا المعنى على هذا النحو وإنما أخذوه بالمعنى الدنيوي البسيط الذي لا يمثل الحقيقة.
فالله حينما ضرب هذا المثل. . استقبله المؤمنون بأنه كلام الله. . واستقبلوه بمنطق الإيمان بالله فصدقوا به سواء فهموه أم لم يفهموه. . لأن المؤمن يصدق كل ما يجيء من عند الله سواء عرف الحكمة أو لم يعلمها. . واقرأ قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]
إن كل مصدق بالقرآن لا يطلب تأويله أو الحكمة في آياته. . ولذلك قال الكافرون: ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ ويأتي رد الحق ﵎: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ . . ومن هم الفاسقون؟ . . هم الذين ينقضون عهد الله. . أول شيء في الفسق أن ينقض الفاسق عهده.
. ويقال فسقت الرطبة أي بعدت القشرة عن الثمر. . فعندما تكون الثمرة أو البلحة حمراء تكون القشرة ملتصقة بالثمرة بحيث لا تستطيع أن تنزعها منها. . فإذا أصبحت الثمرة أو البلحة رطبا تسود قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن تنزعها عنها بسهولة. . هذا هو الفاسق المبتعد عن منهج الله. . ينسلخ عنه بسهولة ويسر، لأنه غير ملتصق به. . وعندما تبتعد عن منهج الله فإنك لا ترتبط بأوامره ونواهيه. .
стр. 163
فلا تؤدي الصلاة مثلا وتفعل ما نهى الله عنه لأنك فسقت عن دينه. . والذي أوجد الفسق هو أن الإنسان خلق مختارا. . قادرا على أن يفعل أو لا يفعل. . وبهذا الاختيار أفسد الإنسان نظام الكون. . فكل شيء ليس للإنسان اختيار فيه تراه يؤدي مهمته بدقة عالية كالشمس والقمر والنجوم والأرض. . كلها تتبع نظاما دقيقا لا يختل لأنها مقهورة. . ولو أن الإنسان لم يخلق مختارا. . لكان من المستحيل أن يفسق. . وأن يبتعد عن منهج الله ويفسد في الأرض. . ولكن هذا الاختيار هو أساس الفساد كله.
стр. 164
بعد أن شرح الله لنا مفهوم الإيمان. في أننا نتلقى عن الله وننفذ الحكم ولو لم نعرف الحكمة. فكل ما يأتي من الله نأخذه بمنطق الإيمان، وهو أن الله الذي قال. وليس بمنطق الكفر والتشكك. فكل شيء عن الله حكمته أنه صادر عن الحق .
وأخبرنا الحق ﵎ أن الفاسقين هم المبتعدون عن منهج الله. وأراد الحق أن يبين لنا صفات الفاسقين. فحددها في ثلاث صفات. . أولا: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. . ثانيا الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل. ثالثا: الذين يفسدون في الأرض. ثم حدد لنا الحق ﵎ حكمهم فقال: أولئك هم الخاسرون. والخسران أن الذي وصلوا إليه هو من عملهم. لأنهم تركوا المنهج وبدأوا يشرعون لأنفسهم بهوى النفس. ولذلك يقول الحق ﷻ عنهم: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]
إذن هم الذين اختاروا، وهم الذين اشتروا الضلالة ودفعوا ثمنها من هدى الله. فكأنهم عقدوا صفقة خاسرة. لأن هدى الله هو الذي يقودنا إلى الحياة الخالدة والنعيم الذي لا يزول.
стр. 165
والحق يعطينا الصورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرآن وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١١١]
إذن فالمؤمنون باعوا لله أموالهم وأنفسهم، وكانوا صادقين في عهدهم. أما الكفار والمنافقون، فقد باعوا هدى الله، واشتروا به ضلال الدنيا. فالحق ذكر لنا أول صفات الفاسقين أنهم لا عهد لهم. ليس بينهم وبين الناس فقط. ولكن لا عهد لهم مع الله أيضا. وكلما عاهدوا الله عهدا نقضوه. والله يحب الوفاء بالعهد. ولذلك يقول ﷻ : ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]
ويقول تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]
ما هو العهد الموثق الذي أخذه الله على عباده فنقضوه؟ أنه الإيمان الأول. الإيمان
стр. 166
الفطري الموجود في كل منا. فالله أخذ من البشر جميعا عهدا، فوفى به بعضهم ونقضه بعضهم.
والله ذكر لنا في القرآن الكريم. أن هناك عهدا موثقا بينه وبين ذرية آدم. فقال ﷻ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]
وهكذا أخذ الله عهدا على ذرية آدم بأن يؤمنوا به وأشهدهم أنه ربهم.
وجاءت الغفلة إلى القلوب بمرور الوقت. فنقضوا العهد واتخذوا آلهة من دون الله. إذن أول صفات الفاسقين أنهم نقضوا عهد الله. والذي ينقض عهدا مع بشر، فسلوكه هذا لا يقبله الحق حتى مع الكفار وغير المؤمنين. واقرأ قوله ﵎: ﴿إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ [التوبة: ٤]
وهكذا نرى أن الحق ﵎ حين أعلن براءته وبراءة رسوله ﷺ َ وبراءة المؤمنين من كل كافر مشرك في قضية إيمانية كبرى. حرم الله فيها على الكفار والمنافقين أن يقتربوا من بيته الحرام في مكة، احترم ﷻ العهد. حتى مع المشركين. وطلب من المؤمنين أن يوفوا به. فإذا كان هذا هو المسلك الإيماني مع كل كافر ومشرك إن كنت قد عاهدته عهدا فأوف به إلى مدته. فكيف بالمشركين وقد عاهدوا الخالق الأعظم. ثم ينقضون عهده الموثق. أنهم قد خانوا منهج الله وعهده. وإذا لم يكن لهم عهد مع الله فهل يكون لهم عهد مع خلق الله؟!
стр. 167
إذن فالفاسقون أول صفاتهم أنه لا عهد لهم مع خالقهم ولا عهد لهم مع الناس. ولذلك لا نأمن لهم أبدا.
ثم تأتي بعد ذلك الصفة الثانية للفاسقين في قوله تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ وما أمر الله به أن يوصل هو صلة الرحم. فقد أمرنا الله تعالى بأن نصل أرحامنا. فنحن كلنا أولاد آدم. والرسول ﷺ َ يقول في حجة الوداع «كلكم لآدم وآدم من تراب» .
وهكذا نرى أن هناك روابط إنسانية يلفتنا الله إليها. وهذه الروابط. . تبدأ بالأسرة ثم تتسع لتشمل القرية أو الحي. ثم تتسع لتشمل الدولة والمجتمع، ثم تتسع لتشمل المؤمنين جميعا، ثم تتسع لتشمل العالم كله. هذه هي الأخوة الإنسانية التي يريد الحق ﵎ أن يلفتنا إليها.
ولكن اللفتة هنا لا تقتصر على الناحية الإنسانية، بل تسجل أن ما فعلوا معصية، ومخالفة لأمر الله تعالى. فالله أمر بأن نصل الرحم. وجاء هؤلاء وخالفوا وعصوا ما أمر الله به. وقطعوا هذه الصلة. إذن فالمسألة فيها مخالفة لمنهج، وعصيان لأمر من أوامر الله . فصلة الرحم توجد نوعا من التكافل الاجتماعي بين البشر. فإذا حدث لشخص مصيبة. . أسرع أقاربه يقفون معه في محنته. ويحاول كل منهم أن يخفف عنه. هذا التلاحم بين الأسرة يجعلها قوية في مواجهة الأحداث. ولا يحس واحد منها بالضياع في هذا الكون، لأنه متماسك مع أسرته، متماسك مع حيه أو قريته. هكذا يختفي الحقد من المجتمع. ويختفي التفكك الأسري. .
ولعلنا إذا نظرنا إلي المجتمعات الغربية التي يعتريها تفكك الأسرة.
نجد أن كل واحد منهم قد ضل طريقه وانحرف لأنه أحس بالضياع. فانحرف إلى المخدرات أو إلى الخمر أو إلى الزنا وغير ذلك من الرذائل التي نراها. جيل ضائع. من الذي أضاعه؟ عدم صلة الرحم.
وإذا تحدثنا عن الانحرافات التي نراها بين الشباب اليوم فلا نلوم الشباب، ولكن نلوم الآباء والأمهات الذين تركوا أولادهم وبناتهم وأهدروا صلة الرحم. فشب جيل يعاني من عقد نفسية لا حدود لها، إن الابن الذي يفقد جو الأسرة. يفقد ميزان
стр. 168
حياته. والله يريد المؤمنين متضامنين متحابين خالين من كل العقد التي تحطم الحياة. إذن فعدم صلة الرحم تضيع أجيالا بأكملها.
ونأتي بعد ذلك إلي الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ . نقول: كل ما في الكون مخلوق على نظام: «قَدَّرَ فَهَدَى» أي كل شيء له هدى لابد أن يتبعه. ولكن الإنسان جاء في مجال الاختيار وأفسد قضية الصلاح في الكون.
ومن رحمة الله أنه جعل في كونه خلقا يعمل مقهورا. ليضبط حركة الكون الأعلى. فالشمس والنجوم والأرض وكل الكون ما عدا الإنس والجان. يسير وفق نظام دقيق. لماذا؟ لأنه يسير بلا اختيار له. والحق ﷻ أخبرنا بأنه لكي يعتدل ميزان حياتنا. الاختيار الإنساني أن نبتعد عن منهج الله. لأن الله له صفة القهر. فهو يستطيع أن يخلقنا مقهورين، ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب. وليس عن قهر. فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب الله أكثر. فتقيد نفسك بمنهج الله. إذن فالاختيار لم يُعْطَ لنا لِنُفْسِدَ في الأرض. ولكنه أُعْطي لنا. لنأتي الله طائعين ولسنا مقهورين.
ولذلك فكل منا مختار في أن يؤمن أو لا يؤمن. وهذا الاختيار يثبت محبوبية الله في قلوبنا. ولكن الإنسان بدلا من أن يأخذ الاختيار ليأتي الله عن حب. فينال الجزاء الأعظم. أخذه ليفسد في الأرض. .
والفساد أن تنقل مجال افعل ولا تفعل. فتضع هذه مكان هذه. فينقلب الميزان أي أنك فيما قال الله فيه افعل. لا تفعل، وفيما قال لا تفعل. تفعل. .
فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوسا. لماذا؟ لأننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس. فكل واحد سيضع قاعدة له. وكل واحد لن يفعل ما عليه. فيحدث تصادم في الحياة. وكل فساد يشكل قبحا في الوجود. فهب أنك تسير في الطريق. وترى عمارة مبنية حديثا. قد تسربت المياه من مواسيرها. عندما ترى ذلك تتأذى. لأن هناك قبحا في الوجود. في عدم أمانة إنسان في عمله. إذن فحين يفسد
стр. 169
عامل واحد. بعدم الإخلاص في عمله. يفقد الكون نعمة يحبها الله. في أن ترى الشيء الجميل. فتقول: الله. .
فكل إنسان غير أمين في عمله.
يفسد في الكون. وكل إنسان غير أمين في خلقه يفسد في الكون. ويعتدي على حرمات الآخرين وأموالهم. وهذا يجعل الكون قبيحا، فلا يوجد إنسان يأمن على عرضه وماله. .
لقد أراد المعتدي أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجلا. ولكنه أحدث فسادا في الكون كذلك عندما يغش التاجر الناس. وعندما يكتسب الإنسان المال بالنهب والسرقة. فيفتح الله عليه أسوأ مصارف المال في الوجود. فهو أخذ الحسرة بالفساد في الأرض.
والفساد في الأرض أن تخرج الشيء عن حد اعتداله. فتسرف في شهواتك وتسرف في أطماعك. وتسرف في عقابك للناس. وتسرف باعتدائك على حقوق الغير. والفساد في الأرض. أن يوجد منهج مطبق غير منهج الله.
إن غياب منهج الله معناه أن يصبح كل منا عبد أهوائه. وإذا صارت الأمور حسب أهواء الناس. جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء والشر بدلا من السعادة والأمن. أن ما نراه اليوم من شكوى الناس علامة على الفساد.
لأن معناها أن الناس تعاني ولا أحد يتحرك. ليرفع أسباب هذه الشكوى. ولن يستقيم أمر هذا الوجود، ويتخلص من الفساد إلا إذا حكمنا منهج لا هوى له. والذي لا هوى له هو خالق البشر. واضع ميزان الكون.
وأول مظاهر الفساد. أن يوكل الأمر إلى غير أهله. لأنه إذا أعطى الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. كما يقول الرسول ﷺ َ: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» .
стр. 170
لماذا؟ لأن المجتمع حينئذ يكون مبنيا على النفاق واختلال الأمور، لا على الإتقان والإخلاص. فالذي يجيد النفاق هو الذي يصل إلى الدرجات العلا، والذي يتقن عمله لا يصل إلى شيء. وتكون النتيجة أن مجموعة من المنافقين الجهلة هم الذين يسيرون الأمور بدون علم. والفساد في الأرض هو أن يضيع الحق. ويضيع القيم. ويصبح المجتمع غابة. كل إنسان يريد أن يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الآخرين. ويحس من يعمل ولا يصل إلى حقه. . أنه لا فائدة من العمل، فيتحول المجتمع كله إلى مجموعة من غير المنتجين.
والفساد في الأرض هو أن نجعل عقولنا هي الحاكمة. فلا نتأمل في ميزان الكون الذي خلقه الله، وإنما نمضي بعقولنا نخطط. . فنقطع الأشجار ونرمي مخلفات المصانع في الأنهار فنفسدها. ونأتي بالكيماويات السامة نرش بها الزرع أو مجاري المياه والأنهار كما يحدث الآن فنملؤه سُما ثم نأكله ثم نجد التلوث قد ملأ الكون. وطبقة الأوزون قد أصابها ضرر واضح يعرض حياة البشر على الأرض لأخطار كبيرة. وتفسد مياه الأنهار. ولا تصبح صالحة للشرب ولا للري. ويضيع الخير من الدنيا بالتدريج. والفساد في الأرض. هو أن ينتشر الظلم. وتصبح الحياة سلسلة لا تنتهي من الشقاء. والفساد في الأرض هو أن تضيع الأمانة.
فتفسد المعاملات بين الناس. وتضيع الحقوق.
هذه هي بعض أوجه الفساد في الأرض. والله قد وضع قانونا كليا، هو منهجه ليتعامل به الناس. ولكن الناس تركوه. ومشوا يتخبطون في ظلام الجهل. قال رسول الله ﷺ َ: «من استعمل رجلا من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين»
وهكذا يكون مدى حرص الإسلام على استقامة أمور الناس.
ثم يقول الحق : ﴿أولئك هُمُ الخاسرون﴾
خسروا ماذا؟ خسروا دنياهم وآخرتهم وخسروا أنفسهم. لأن الإنسان له حياتان. . حياة قصيرة في الدنيا مليئة بالمتاعب. وحياة طويلة خالدة في الآخرة.
стр. 171
والذي يبيع الحياة الأبدية ونعيمها وخلودها بحياة الدنيا التي لا يضمن فيها شيئا، يكون من الخاسرين. . فعمر الإنسان قد يكون يوما أو شهرا أو عاما. والحياة الدنيا مهما طالت فهي قصيرة. ومهما أعطت فهو قليل. فالذي يبيع آخرته بهذه الدنيا، أيكون رابحا أم خاسرا؟ طبعا يكون خاسرا. لأنه اشترى مالا يساوي بنعيم الله كله. .
وإذا كان الإنسان قد نسي الله وهو لاقيه حتما. ثم يبعث يوم القيامة ليجده أمامه. فيوفيه حسابه. أيكون قد كسب أم خسر؟! . . طبعا يكون خاسرا. لأنه أوجب على نفسه عذاب الله. وأوجب على نفسه عقاب الله.
إن قوله تعالى: «الخاسرون» تدل على أن الصفقة انتهت وضاع كل شيء لأن نتيجتها كانت الخسران، وليس الخسران موقوتا، ولا هو خسران يمكن أن يعوض في الصفقة القادمة. بل هو خسران أبدي، والندم عليها سيكون شديدا. واقرأ قوله ﵎: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]
لماذا يتمنى الكافر أن يكون ترابا؟ لهول العذاب الذي يراه أمامه. وهول الخسران الذي تعرض له. وهذا دليل على شدة الندم. يوم لا ينفع الندم. على أنه تحدث في هذه الآية عن الخاسرين. ولكنه ﷻ . تحدث في آية أخرى عن الأخسرين. فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أولئك الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]
стр. 172
إذن فهناك خاسر. وهناك من أخسر منه. والأخسر هو الذي كفر بالله ﷻ . وبيوم القيامة. واعتقد أن حياته في الدنيا فقط. ولم يكن الله في باله وهو يعمل أي عمل، بل كانت الدنيا هي التي تشغله. ثم فوجئ بالحق يوم القيامة. ولم يحتسب له أية حسنة، لأنه كان يقصد بحسناته الحياة الدنيا. فلا يوجد له رصيد في الآخرة.
والعجيب أنك ترى الناس. يعدون للحياة الدنيا إعدادا قويا.
فيرسلون أولادهم إلى مدارس لغات. ويتحملون في ذلك مالا يطيقون. ثم يدفعونهم إلى الجامعات. أو إلى الدراسة في الخارج. هم في ذلك يعدونهم لمستقبل مظنون. وليس يقينا. لأن الإنسان يمكن أن يموت وهو شاب. فيضيع كل ما أنفقوه من أجله. ويمكن أن ينحرف في آخر مراحل دراسته. فلا يحصل على شيء. ويمكن أن يتم هذا الإعداد كله، ثم بعد ذلك يرتكب جريمة يقضي فيها بقية عمره في السجن. فيضيع عمره.
ولكن اليقين الذي لاشك فيه هو أننا جميعا سنلاقي الله يوم القيامة. وسيحاسبنا على أعمالنا. ومع أن هذا يقين، فإن كثيرا من الناس لا يلتفتون إليه. يسعون للمستقبل المظنون. ولا يحس واحد منهم بيقين الآخرة. فتجد قليلا من الآباء هم الذين يبذلون جهدا لحمل أبنائهم على الصلاة وعبادة الله والأمانة وكل ما يقربهم إلى الله. . أنهم ينسون النعيم الحقيقي. ويجرون وراء الزائل فتكون النتيجة عليهم وبالا في الآخرة.
стр. 173
كيف في اللغة للسؤال عن الحال. والحق أوردها في هذه الآية الكريمة ليس بغرض الاستفهام، ولكن لطلب تفسير أمر عجيب ما كان يجب أن يحدث. وبعد كل ما رواه الحق في آيات سابقة من أدلة دامغة عن خلق السماوات والأرض وخلق الناس. . أدلة لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يخطئها. . فكيف بعد هذه الأدلة الواضحة تكفرون بالله؟ . . كفركم لا حجة لكم فيه ولا منطق. . والسؤال يكون مرة للتوبيخ. . كأن تقول لرجل كيف تسب أباك؟ أو للتعجب من شيء قد فعله وما كان يجب أن يفعله. . وكلاهما متلاقيان. سواء كان القصد التوبيخ أو التعجب فالقصد واحد. . فهذا ما كان يجب أن يصح منك. ثم يأتي الحق بأدلة أخرى لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يكذب بها. . فيقول ﷻ : ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ .
وهكذا ينتقل الكلام إلى أصل الحياة والموت. فبعد أن بين الحق . . ماذا يفعل الكافرون الفاسقون والمنافقون من إفساد في الأرض. . وقطع لما أمر الله به أن يوصل. . صعد الجدل إلى حديث عن الحياة والموت. وقوله تعالى ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ قضية لا تحتمل الجدل. . ربما استطاعوا المجادلة في مساءلة عدم اتباع المنهج، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل. . ولكن قضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها. فالله خلقنا من عدم. . ولم يدع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه. . وعندما جاء رسول الله ﷺ َ وقال للناس أن الذي خلقكم هو الله. . لم يستطع أحد أن يكذبه ولن يستطيع. . ذلك أننا كنا فعلا غير موجودين في الدنيا. . والله هو الذي أوجدنا وأعطانا الحياة. .
стр. 174
وقوله تعالى: «ثم يميتكم» . . فإن أحدا لا يشك في أنه سيموت. . الموت مقدر على الناس جميعا. . والخلق من العدم واقع بالدليل. . والموت واقع بالحس والمشاهدة. .
إن قضية الموت هي سبيلنا لمواجهة أي ملحد. . فإن قالوا إن العقل كاف لإدارة الحياة. . وأنه لا يوجد شيء اسمه غيب. . قلنا: الذي تحكم في الخلق إيجادا، هو الذي يتحكم فيه موتا. . والحياة الدنيا هي مرحلة بين قوسين. . القوس الأول هو أن الله يخلقنا ويوجدنا. . وتمضي رحلة الحياة إلى القوس الثاني. . الذي تخمد فيه بشريتنا وتتوقف حياتنا وهو الموت. أي أننا في رحلة الحياة من الله وإليه. . إذن فحركة الحياة الدنيا هي بداية من الله بالحق ونهاية بالموت.
. إنهم عندما تحدثوا عن أطفال الأنابيب. . وهي عملية لعلاج العقم أكثر من أي شيء آخر. . ولكنهم صوروها تصويرا جاهليا. . وكل ما يحدث أنهم يأخذون بويضة من رحم الأم التي يكون المهبل عندها مسدودا أو لا يسمح بالتلقيح الطبيعي. . يأخذون هذه البويضة من رحم الأم. . ويخصبونها بالحيوانات المنوية للزوج. . ثم يزرعونها في رحم الأم.
إنهم أخذوا من خلق الله وهي بويضة الأم والحيوان المنوي من الرجل. . وكل ما يفعلونه هو عملية التلقيح ومع ذلك يسمونه أطفال الأنابيب. . كأن الأنبوبة يمكن أن تخلق طفلا!! والحقيقة غير ذلك. . فبويضة الأم، والحيوان المنوي للرجل هما من خلق الله. . وهم لم يخلقوا شيئا. . أننا نقول لهم: إذا كنتم تملكون الموت والحياة فامنعوا إنسانا واحدا أن يموت. . بدلا من إنفاق ألوف الجنيهات في معالجة عقم قد ينجح أو لا ينجح. . ابقوا واحدا على قيد الحياة. . ولن يستطيعوا. .
إن الموت أمر حسي مشاهد. . ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله قربها لنا بشيء مشاهد. . كيف؟ . . عندما ينظر الإنسان إلى نفسه وهو حي. . لا يعرف كيف أحياه الله وكيف خلقه. . الله ذكر لنا غيب الخلق في القرآن الكريم فقال ﷻ أنه خلق الإنسان من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون ثم نفخ فيه من روحه. .
стр. 175
واقرأ قول الحق سبحانه: ﴿إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: ١١]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢]
стр. 176
فالحق ﵎ أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها. . ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعا. . ومادام مشهودا لنا، يأتي الحق به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها. . فالموت نقض للحياة. . والحياة أخبرنا الله ﵎ بأطوارها. . ولكنها غيب لم نشهده. .
ولكن الذي خلق قال أنا خلقتك من تراب. . من طين. من حمأ مسنون. من صلصال كالفخار. . فالماء وضع على تراب فأصبح طينا. . والطين تركناه فتغير لونه وأصبح صلصالا. . الصلصال. . جف فأصبح حمأ مسنونا، ثم نحته في صورة إنسان ونفخ الحق فيه الروح فأصبح بشرا. . ثم يأتي الموت وهو نقض للحياة. . ونقض كل شيء يأتي على عكس بنائه. .
بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى أعلى. . وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل.
. ولذلك فإن آخر مرحلة من رحلة ما. . هي أول خطوة في طريق العودة. . فإذا كنت مسافرا إلى الإسكندرية. . فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت إليه.
أول شيء يخرج من الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه. . ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح كالحمأ المسنون. . ثم يتعفن فيصبح كالصلصال. . ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود ترابا. . وهكذا يكون الموت نقض صورة الحياة. . متفقا مع المراحل التي بينها لنا الحق . .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . . أي أن الله ﵎ يبعثكم ليحاسبكم. . لقد حاول الكفار والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية أن ينكروا قضية البعث. . وهم في هذا لم يأتوا بجديد. . بل جاءوا بالكلام نفسه الذي قاله أصحاب الجاهلية الأولى. . واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب الجاهلية الأولى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤]
وأمنية الكافر والمسرف على نفسه. . ألا يكون هناك بعث أو حساب. . والذين يتعجبون من ذلك نقول لهم: أن الله الذي أوجدكم من عدم
стр. 177
يستطيع أن يعيدكم وقد كنتم موجودين. . يقول ﷻ : ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ [الروم: ٢٧]
فإيجاد ما كان موجودا أسهل من الإيجاد من عدم على غير مثال موجود. . والله يرد على الكفار فيقول سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]
وهكذا فإن البعث أهون على الله من بداية الخلق. . وكل شيء مكتوب عند الله في كتاب مبين. . وما أخذته الأرض من جسد الإنسان ترده يوم القيامة. . ليعود من جديد.
وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الإنسان. . واقرأ قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]
وقول الله : ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . . هو اطمئنان لمن آمن. . ومادمنا إليه نرجع ومنه بدأنا. . فالحياة بدايتها من الله ونهايتها إلى الله. . فلنجعلها هي نفسها لله. . ولابد أن نلتفت إلى أن الله ﵎ أخفى عنا الموت زمانا ومكانا وسببا وعمرا. . لم يخفه ليحجبه، وإنما أخفاه حتى نتوقعه في كل لحظة. . وهذا إعلام واسع بالموت حتى يسرع الناس إلى العمل الصالح. . وإلى المثوبة. لأنه
стр. 178
لا يوجد عمر متيقن في الدنيا. . فلا الصغير آمن على عمره. . ولا الشاب آمن على عمره. . ولا الكهل آمن على عمره.
. ولذلك يجب أن يسارع كل منا في الخيرات. . حتى لا يفاجئه الموت. . فيموت وهو عاص. .
ونلاحظ أن قصة الحياة جاء الله بها في آية واحدة. والرجوع إلى الله وهو يقين بالنسبة للمؤمنين يلزمهم بالمنهج، فيعيشون من حلال. والتزامهم هذا هو الذي يقودهم إلى طريق الجنة. ويطمئنهم على أولادهم بعد أن يرحل الآباء من الدنيا.
فعمل الرجل الصالح ينعكس على أولاده من بعده. واقرأ قوله : ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء: ٩]
إذن فصاحب الالتزام بالمنهج، يطمئن إلى لقاء ربه ويطمئن إلى جزائه، والذي لا يؤمن بالآخرة أخذ من الله الحياة فأفناها فيما لا ينفع. ثم بعد ذلك لا يجد شيئا إلا الحساب والنار. . واقرأ قوله ﵎: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾ [النور: ٣٩]
أي أن الكافر سيفاجأ في الآخرة بالله الذي لم يكن في باله أنه سيحاسبه على ما فعل. . وقوله تعالى ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تقرأ قراءتان. بضمة على التاء. ومرة بفتحة على التاء. الأولى معناها. أننا نُجْبِرُ على الرجوع. فلا يكون الرجوع إلى الله تعالى بإرادتنا، وهذا ينطبق على الكفار الذين يتمنون عدم الرجوع إلى الله. أما الثانية «تَرجعون» فهذه فيها إرادة. وهي تنطبق على المؤمنين لأنهم يتمنون الرجوع إلى الله.
стр. 179
يذكرنا الله في هذه الآية أنه هو الذي خلق ما في الأرض جميعا. وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لتلفتنا إلى أن ما في الأرض كله ملك لله ﷻ ، وأننا لا نملك شيئا إلا ملكية مؤقتة. وأن ما لنا في الدنيا سيصير لغيرنا. وهكذا.
والحق حين خلق الحياة وقال ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ كأن الحياة تحتاج إلى إمداد من الخالق للمخلوق حتى يمكن أن تستمر. فلابد لكي تستمر الحياة أن يستمر الإمداد بالنعم. ولكن النعم تظل طوال فترة الحياة، وعند الموت تنتهي علاقة الإنسان بنعم الدنيا. ولذلك لابد أن يتنبه الإنسان إلى أن الأشياء مسخرة له في الدنيا لتخدمه. وأن هذا التسخير ليس بقدرات أحد. ولكن بقدرة الله . والإنسان لا يدري كيف تم الخلق. ولا ما هي مراحله إلا أن يخبرنا الله بها. فهو ﷻ يقول: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١]
وماداموا لم يشهدوا خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم. فلابد أن نأخذ ذلك عن الله ما ينبئنا به الله عن خلق السموات والأرض وعن خلقنا هو الحقيقة. وما يأتينا عن غير الله فهو ضلال وزيف. ونحن الآن نجد بحوثا
стр. 180
كثيرة عن كيفية السموات والأرض وخلق الإنسان. وكلها لن تصل إلى حقيقة. بل ستظل نظريات بلا دليل. ولذلك قال الله : ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ أي أن هناك من سيأتي ويضل. ويقول هكذا تم خلق السموات والأرض، وهكذا خلق الإنسان. هؤلاء المضلون الذين جاءوا بأشياء هي من علم الله وحده. جاءوا تثبيتا لمنهج الإيمان. فلو لم يأت هؤلاء المضلون، ولو لم يقولوا خلقت الأرض بطريقة كذا والسماء بطريقة كذا. لقلنا أن الله تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز أن هناك من سيأتي ويضل في خلق الكون وخلق الإنسان ولكن كونهم أتوا. فهذا دليل على صدق القرآن الذي أنبأنا بمجيئهم قبل أن يأتوا بقرون.
والاستفادة من الشيء لا تقتضي معرفة أسراره. . فنحن مثلا نستخدم الكهرباء مع أننا لا نعرف ما هي؟ وكذلك نعيش على الأرض ونستفيد بكل ظواهرها وكل ما سخره الله لنا. وعدم علمنا بسر الخلق والإيجاد لا يحرمنا هذه الفائدة. فهو علم لا ينفع وجهل لا يضر. والكون مسخر لخدمة الإنسان. والتسخير معناه التذليل ولا تتمرد ظواهر الكون على الإنسان. وإذا كانت هناك ظواهر في الكون تتمرد بقَدَر الله. مثل الفيضانات والبراكين والكوارث الطبيعية. نقول أن ذلك يحدث ليلفتنا الحق إلى أن كل ما في الكون لا يخدمنا بذاتنا.
ولا بسيطرتنا عليه، وإنما يخدمنا بأمر الله له، وإلا لو كانت المخلوقات تخدمك بذاتك. فأقدر عليها حينما تتمرد على خدمتك. وكل ما في الكون خاضع لطلاقة قدرة الله. حتى الأسباب والمسببات خاضعة أيضا لطلاقة القدرة الآلهية. فالأسباب والمسببات في الكون لا تخرج عن إرادة الله.
لذلك إذا تمرد الماء بالطوفان. وتمرد الرياح بالعاصفة. وتمردت الأرض بالزلازل والبراكين. فما ذلك إلا ليعرف الإنسان أنه ليس بقدرته أن يسيطر على الكون الذي يعيش فيه. واقرأ قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢]
следующие страницы →