Полный текст (14 757 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وهكذا يعطينا الله حكمه عليهم بأنهم كما أنهم يخدعون أنفسهم ولا يشعرون ويحسبون أنهم يخدعون الله والمؤمنين. كذلك فإنهم يفسدون في الأرض ويدعون أنهم مصلحون، ولكنهم في الحقيقة مفسدون لماذا؟ . . لأن في قلوبهم كفراً وعداء لمنهج الله، فلو قاموا بأي عمل يكون ظاهره الإصلاح، فحقيقته هي الإفساد، تماماً كما ينطقون بألسنتهم بما ليس في قلوبهم.
والكون لا يصلح إلا بمنهج الله، فالله هو الذي خلق، وهو الذي أوجد، وهو أدرى بصنعته وبما يفسدها وبما يصلحها، لأنه هو الصانع، ولا يوجد من يعلم سر ما يصلح صنعته أكثر من صانعها.
ونحن في المنهج الدنيوي إذا أردنا إصلاح شيء اتجهنا لصانعه؛ فهو الذي يستطيع أن يدلنا على الإصلاح الحقيقي لهذا الشيء، فإذا لم يكن صانعه موجوداً في البلدة نفسها اتجهنا إلى من دربهم الصانع على الإصلاح، أو إلى ما يسمونه «الكتالوج» الذي يبين لنا طريق الإصلاح، وبدون هذا لا نصلح، بل نفسد، والعجيب أننا نتبع هذه الطريقة في حياتنا الدنيوية، ثم نأتي إلى الإنسان والكون، فبدلاً من أن نتجه إلى صانعه وخالقه لنأخذ عنه منهج الإصلاح، وهو أدرى بصنعته، نتجه إلى خلق الله يضعون لنا المناهج التي تفسد، وظاهرها الإصلاح لكنها تزيد الأمور سوءا والغريب أننا نسمي هذا فلاحا، ونسميه تقدما. ولكن لماذا لا نتجه إلى الصانع أو الخالق، الذي أوجد وخلق؟ هو أدرى بخلقه وبما يصلحهم وما يفسدهم.
стр. 107
ومادام الحق ، قد حكم على المنافقين، بأنهم هم المفسدون فذلك حكم يقيني، وكل من يحاول أن يغير من منهج الله، أو يعطل تطبيقه بحجة الإصلاح، فهو مفسد وإن كان لا يشعر بذلك، لأنه لو أراد إصلاحا لاتجه إلى ما يصلح الكون، وهو المنهج السماوي الذي أنزله خالق هذا الكون وصانعه، وهذا المنهج موجود ومُبَلَّغٌ ولا يخفى على أحد.
стр. 108
والسفهاء في قصد المنافقين هم الفقراء، ولكن ما معنى السفه في اللغة: السفه معناه الطيش والحمق والخفة في تناول الأمور، فهل تنطبق صفة السفيه على المؤمنين، الذين آمنوا بالله، أو أنها تنطبق على أولئك الذين لم يؤمنوا بالله؟ إذا كنتم تعتقدون أن الذين آمنوا هم السفهاء فلماذا تدعون الإيمان كذبا، لتكونوا سفهاء؟ لاشك أن هناك تناقضاً موجوداً في كل تصرفات المنافقين.
فالرسول ﷺ َ يدعوهم للإيمان، والمسلمون يدعونهم للإيمان، ولكنهم يصفون الذين آمنوا بأنهم سفهاء أي فقراء لا يملكون شيئاً، لأن سادة قريش لم يؤمنوا. . وهم يدعون أن الذين آمنوا، تصرفوا تصرفا أحمق، طائشاً، ولكن الغفلة هي المرض الذي يملأ قلوبهم لا يجعلهم ينتبهون إلى حقيقة مهمة، وهي أنهم يتظاهرون بالإيمان، ويدعون الإيمان ثم يصفون المؤمنين بالسفهاء، إذا كان هؤلاء سفهاء كما تدعون. فهل تتظاهرون بالإيمان لتصبحوا سفهاء مثلهم؟!
إن المنطق لا يستقيم ويدل على سفاهة عقول المنافقين، أنَّ هذه العقول. لم تتنبه إلى أنها حينما وصفت المسلمين بالسفهاء، قد أدانت نفسها، لأن المنافقين يدعون أنهم مؤمنون، إذن فكل تصرفات المنافقين فيها تناقض. تناقض مع العقل والمنطق، هذا التناقض يأتي من تناقض ملكات النفس بعضها مع بعض. . فاللسان يكذب القلب. والعمل يكذب العقيدة. والتظاهر بالإيمان يحملهم مشقة الإيمان ولا يعطيهم شيئا من ثوابه. ولو كان لهم عقول، لتنبهوا إلى هذا كله، ولكنهم لا يشعرون وهم يمضون في هذا الطريق، طريق النفاق، إنهم يجسدون السفاهة بعينها، بكل ما تحمله من حمق واستخفاف، وعدم التنبه إلى الحقيقة، والرعونة التي يتصرفون بها، والله حين وصفهم بالسفهاء، كان وصفا دقيقاً، لحالتهم وطريقة حياتهم.
стр. 109
وهكذا يرينا الحق سبحانه، أن كل منافق له أكثر من حياة يحرص عليها، والحياة لكي تستقيم، يجب أن تكون حياة واحدة منسجمة مع بعضها البعض، ولكن انظر إلى هؤلاء. . مع المؤمنين يقولون آمنا، ويتخذون حياة الإيمان ظاهرا، أي أنهم يمثلون حياة الإيمان، كما يقوم الممثل على المسرح بتمثيل دور شخصية غير شخصيته تماماً. . حياتهم كلها افتعال وتناقض، فإذا بعدوا عن الذين آمنوا، يقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ .
وانظر إلى دقة الأداء القرآني، الشيطان هو الدس الخفي، الحق ظاهر وواضح، أما منهج الشيطان وتآمره فيحدث في الخفاء لأنه باطل والنفس لا تخجل من حق أبدا، ولكنها تخشى وتخاف وتحاول أن تخفي الباطل.
ولنضرب لذلك مثلا بسيطا، رجل يجلس مع زوجته في منزله، وطرق الباب طارق، ماذا يحدث؟ يقوم الرجل بكل اطمئنان، ويفتح الباب ليرى من الطارق، فإن وجده صديقاً أو قريبا أكرمه ورحب به وأصر على أن يدخل ليضيفه. وتقوم الزوجة بإعداد الطعام أو الشراب الذي سيقدم للضيف، نأخذ هذه الحالة نفسها إذا كان الإنسان مع زوجة غيره في شقته وطرق الباب طارق، يحدث ارتباك عنيف، ويبحث الرجل عن مكان يخفي فيه المرأة التي معه، أو يبحث عن باب خفي ليخرجها منه، أو يحاول أن يطفئ الأنوار ويمنع الأصوات لعل الطارق يحس أنه لا يوجد أحد في المكان فينصرف، وقبل أن يُخْرِجَ تلك المرأة المحرمة عليه، فإنه يفتح الباب بحرص، وينظر يمينا ويسارا ليتأكد هل يراه أحد، وعندما لا يجد أحدا يسرع بدفع المرأة إلى الخارج، لأنها إثم يريد أن يتخلص منه، وإذا نزل ليوصلها يمشي بعيدا عنها، ويظل يرقب الطريق، ليتأكد من أن أحدا لم يره، وعندما يركبان السيارة ينطلقان بأقصى سرعة.
стр. 110
هذا هو الفرق بين منهج الإيمان، ومنهج الشيطان، الحادثة واحدة، ولكن الذي اختلف هو الحلال والحرام. انظر كيف يتصرف الناس في الحلال. . في النور. . في الأمان، وكيف يتصرفون في الحرام ومنهج الشيطان في الظلام وفي الخفية ويحرصون على ألا يراهم أحد، ومن هنا تأتي دقة التعبير القرآني. . ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ .
إن منهج الشيطان يحتاج إلى خلوة، إلى مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمعك فيه أحد، لأن العلن في منهج الشيطان يكون فضيحة، ولذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهدا أن يستر حركته في عدم الاستقامة، ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما يفعله جريمة وقبح، ولا يصح أن يعلمه أحد عنه، ومادام لا يصح أن يراه أحد في مكان ما، فاعلم أنه يحس أن ما يفعله في هذا المكان هو من عمل الشيطان الذي لا يقره الله، ولا يرضى عنه.
ولابد أن نعلم أن القيم، هي القيم، حتى عند المنحرف، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا﴾ معناها أنهم عندما يتظاهرون بالإيمان يأخذون جانب العلن، بل ربما افتعلوه، وكان المفروض أن يكون المقابل عندما يخلون إلى شياطينهم أن يقولوا: لم نؤمن.
وهناك في اللغة جملة اسمية وجملة فعلية، الجملة الفعلية، تدل على التجدد، والجملة الاسمية تدل على الثبوت، فالمنافقون مع المؤمنين يقولون آمنا، إيمانهم غير ثابت، متذبذب، وعندما يلقون الكافرين، لو قالوا لم نؤمن، لأخذت صفة الثبات، ولكنهم في الفترة بين لقائهم بالمؤمنين، ولقائهم بالكافرين، الكفر متجدد، لذلك قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ .
стр. 111
أن هؤلاء المنافقين قوم لا حول لهم ولا قوة، ولكن الله ، وهو القادر القوي حينما يستهزئ بهم يكون الاستهزاء أليماً، وإذا كان المنافق، قد أظهر بلسانه ما ليس في قلبه، فإن الله يعامله بمثل فعله، فإذا كان له ظاهر وباطن، يعامله في ظاهر الدنيا، معاملة المسلمين، وفي الآخرة يوم تبلى السرائر يجعله في الدرك الأسفل من النار، لا يسويه بالكافر لأن ذنب المنافق أشد.
﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ والاستهزاء هو السخرية، فهم يأتون يوم القيامة محاولين أن يتمسكوا بالظاهر، فيظهر الله لهم باطنهم. والحق يقول: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] .
والهمزة هو الذي يسخر من الناس ولو بالإشارة. .
يرى إنسانا مصابا بعاهة في قدمه، يمشي وهو يعرج فيحاول أن يقلده بطريقة تثير السخرية، إما بالإشارة وإما بالكلام، وهناك همز وهمزه. . الهمز الاستهزاء والسخرية من الناس، علامة عدم الإيمان، لأننا كلنا مخلوقون من إله واحد، فهذه الصفة التي سخرت فيها من إنسان أعرج مثلا، لا عمل له فيها، ولا حول له ولا قوة. . والإنسان لم يصنع نفسه، والحقيقة أنك تسخر من صنع الله، والذي يسخر من خلق الله إنسان غبي لأنه سخر من خلق الله في عيب، ولم يقدر ما تفضل الله به عليه، كما أنه سخر من عيب ولم يفطن إلى أن الحق قد أعطى ذلك
стр. 112
الإنسان خصالا ومميزات ربما لم يعطها له، والله يقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] .
إن مجموع كل إنسان، يساوي مجموع كل إنسان آخر، وذلك هو عدل الله، فإذا كنت أحسن من إنسان في شيء فابحث عن النقص فيك. فإن استهزأت بمؤمن في شيء، فالاستهزاء غير مفصول عن صنعة الله، إذن فمن المنطق عندما قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أن يرد الله عليهم ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يزيدهم في هذا الطغيان، لأن المد هو أن تزيد الشيء، ولكن مرة تزيد في الشيء من ذاته، ومرة تزيد عليه من غيره، قد تأتي بخيط وتفرده إلى آخره، وقد تصله بخيط آخر، فتكون مددته من غيره، فالله يزيدهم في طغيانهم. وقوله تعالى «يعمهون» العمه يختلف عن العمى، والخلاف في الحرف الأخير، العمى عمى البصر، والعمه عمى البصيرة، ويعمهون أي يتخبطون، لأن العمه ينشأ عنه التخبط سواء التخبط الحسي، من عمى البصر، أو التخبط في القيم ومنهج الحياة من عمى البصيرة. والله تعالى يقول: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ فكأنما العمى المادي، قد لا يكون، ولكن يكون هناك عمى البصيرة، واقرأ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦] .
فكأن عمى البصيرة في الدنيا، يعمي بصر الإنسان، عن رؤية آيات الله في كونه، ويعميه عن الإيمان والمنهج. .
стр. 113
يعطينا الحق صفة أخرى من صفات المنافقين، فيصفهم بأنهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى. ومادام هناك شراء، فهناك صفقة، تتطلب مشتريا وبائعا، وقد كانت السلعة في الماضي تشترى بسلعة أخرى، أما الآن فإن كل شيء يشترى بالمال، ماذا اشتروا؟
إن هؤلاء المنافقين اشتروا الضلالة، واشتروها بأي ثمن؟ ﴿. . اشتروها بالهدى﴾ الباء في اللغة تدخل على المتروك، عندما تشتري شيئا تترك ثمنه، إذن كأن هؤلاء قد تركوا الهدى واشتروا الضلالة، ولكن هل كان معهم هدى ساعة الصفقة؟ .
إن الحال يقتضي أن يكون معهم هدى، كأن يهتدي إنسان ثم يجد أن الهدى لا يحقق له النفع الدنيوي الذي يطلبه فيتركه ليشتري به الضلال ليحقق به ما يريد، والهدى الذي كان معهم، قد يكون هدى الفطرة، فكأن هؤلاء كان يمكنهم أن يختاروا الهدى فاختاروا الضلالة.
والله يهدي كل الناس، هدى دلالة، فمن اختار الهدى يزده. واقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ [فصلت: ١٧]
وقول الحق ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ التجارة بيع وشراء، الشاري مستهلك، والبائع قد يكون منتجا، أو وسيطا بين المنتج والمستهلك. ما حظ البائع من البيع والشراء؟ أن يكسب فإذا ما كسب قيل ربحت تجارته. وإذا لم يكسب ولم يخسر، أو إذا خسر ولم يكسب، ففي الحالين لا يحقق ربحا، ونقول ما ربحت تجارته. .
стр. 114
فقوله تعالى ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ يدل على أنهم خسروا كل شيء لأنهم لم يربحوا، فكأنهم لم يحققوا شيئا له فائدة، وخسروا الهدى، أي خسروا الربح ورأس المال. ما ربحت تجارتهم ربما يكونون لم يكسبوا ولم يخسروا، ولكن هم قدموا الهدى ثمنا للضلال فلم يربحوا وضاع منهم الهدى، أي رأس مالهم. .
ونفسية المنافق إذا أردت أن تحددها، فهو إنسان بلا كرامة، بلا رجولة لا يستطيع المواجهة، بلا قوة، يحاول أن يمكر في الخفاء، ولذلك تكون صورته حقيرة أمام نفسه، حتى لو استطاع أن يخفي عيوبه عن الناس، فيكفي أنه كاذب أمام نفسه لتكون صورته حقيرة أمام نفسه، وفي ذلك يقول الشاعر:
إذا أنا لم آت الدنية خشية ... من الناس كان الناس أكرم من نفسي
كفى المرء عارا أن يرى عيب نفسه ... وإن كان في كُنٍّ عن الجن والأنس
فالمهم رأيك في نفسك. . والتمزق الذي عند المنافق أنه يريد أن يخفي عيوبه عن الناس.
стр. 115
يريد الحق أن يقرب صفات التمزق في المنافقين إلى فهمنا، ولذلك فهو يضرب لنا الأمثال، والأمثال جمع مثل وهو الشبيه الذي يقرب لنا المعنى ويعطينا الحكمة، والأمثال باب من الأبواب العريقة في الأدب العربي. فالمثل أن تأتي بالشيء الذي حدث وقيل فيه قولة موجزة ومعبرة، رأى الناس أن يأخذوا هذه المقولة لكل حالة مشابهة.
ولنضرب مثلا لذلك، ملك من الملوك، أراد أن يخطب فتاة من فتيات العرب، فأرسل خاطبة اسمها عصام لِترى هذه العروس وتسأل عنها وتخبره، فلما عادت قال لها ما وراءك يا عصام؟ أي بماذا جئت من أخبار، قالت: له أبدي المخض عن الزبد. المخض هو أن تأتي باللبن الحليب وتخضه في القربة حتى ينفصل الزبد عن اللبن، فصار الاثنان السؤال والجواب يضربان مثلا. تأتي لمن يجيئك تنتظر منه أخبارا فتقول له: ما وراءك يا عصام.
ولا يكون اسمه «عصام» . . ولم ترسله لاستطلاع أخبار، بينما تريد أن تسمع ما عنده من أخبار.
وحينما تريد مثلا. . أن تصور تنافر القلوب. . وكيف أنها إذا تنافرت لا تلتئم أبدا. . ويريد الشاعر أن يقرب هذا المعنى فيقول:
إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يشعب (أي لا يجبر)
стр. 116
وساعة تنكسر الزجاجة لا تستطيع اصلاحها. . ولكي يسهل هذا المعنى عليك وتفهمه في يسر وسهولة. . فإنك لا تستطيع أن تصور أو تشاهد معركة بين قلبين. . لأن هذه مسألة غيبية. . فتأتي بشيء مشاهد وتضرب به المثل. . وبذلك يكون المعنى قد قرب. . لأنك شبهته بشيء محسوس. . تستطيع أن تفهمه وتشاهده. .
ولقد استخدم الله الأمثال في القرآن الكريم في أكثر من موضع. . ليقترب من أذهاننا معنى الغيبيات التي لا نعرفها ولا نشاهدها. . ولذلك ضرب لنا الأمثال في قمة الإيمان. . وحدانية الله . . وضرب لنا المثل بنوره ﷻ . . الذي لا نشهده وهو غيب عنا. . وضرب لنا الأمثال بالنسبة للكفار والمنافقين. . لنعرف فساد عقيدتهم ونتنبه لها. . وضرب لنا الأمثال فيما يمكن أن يفعله الكفر بالنعمة. . والطغيان في الحق. . وغير ذلك من الأمثال. . قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ [الإسراء: ٨٩]
وقد ضرب الله ﷻ لنا الأمثال في الدنيا وفي الآخرة، وفي دقة الخلق. . وقمة الإيمان. . ومع ذلك فإن الناس منصرفون عن حكمة هذه الأمثال. . كافرون بها. . مع أن الحق ﵎. . ضربها لنا لتقرب لنا المعنى.
. تشبيها بماديات نراها في حياتنا الدنيا. . وكان المفروض أن تزيد هذه الأمثال الناس إيمانا. . لأنها تقرب لهم معاني غائبة عنهم. . ولكنهم بدلا من ذلك ازدادوا كفرا!!
ولابد قبل أن نتعرض للآية الكريمة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ . . أن نتحدث عن بعض الأمثال التي ضُربت في القرآن الكريم. . لنرى كيف أن الله حدثنا عن قضايا غيبية بمحسات دنيوية:
ضرب الله ﵎ لنا مثلا بالقمة الإيمانية. . وهي أنه لا إله إلا الله. . وكيف أن هذه رحمة من الله . . يجب أن نسجد له شكرا عليها. . لأن فيها وقاية لنا من شقاء. . ومع ذلك فإن الله ﵎ يريد بعباده الرحمة،
стр. 117
ولكن بعض الناس يريد أن يشقي نفسه فيشرك بالله ﷻ . . وبدلا من أن يأخذ طريق الإيمان الميسر. . يأخذ طريق الكفر والنفاق والشرك بالله الذي يملك كل شيء في الدنيا والآخرة. . يقول الحق ﷻ : ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]
بهذه الصورة المحسة التي نراها. . ولا يختلف فيها اثنان. . يريد الله ﵎ أن يقرب إلى أذهاننا صورة العابد لله وحده، وصورة المشرك بالله. . ويعطينا المثل في عبد مملوك لشركاء. . رجل مملوك لعشرة مثلا. . وليس هؤلاء الشركاء العشرة متفقين. . بل هم متشاكسون أي أنهم مختلفون. . ورجل آخر مملوك لسيد واحد. . أيهما يكون مستريحا يعيش في رحمة؟ . . طبعا المملوك لسيد واحد في نعمة ورحمة. . لأنه يتبع أمرا واحدا ونهيا واحدا. . ويطيع ربا واحدا. . ويطلب رضا سيد واحد. . أما ذلك الذي يملكه شركاء حتى لو كانوا متفقين. . فسيكون لكل واحد منهم أمر ونهي. . ولكل واحد منهم طلب. . فما بالك إذا كانوا مختلفين؟ أحد الشركاء يقول له تعالَ. . والآخر يقول له لا تأت، وأحد الشركاء يأمره بأمر، والآخر يأمره بأمر مناقض. . ويحتار أيهما يرضي وأيهما يغضب؟ . . وهكذا تكون حياته شقاء وتناقضا. .
إن الله يريد أن يقرب لنا الصورة. . في قضية هي قمة اليقين. . وهي الإيمان بالواحد الأحد. . يريدنا أن نلمس هذه الصورة. . بمثل نراه ونشهده. . وأن نرى فيض الله برحمته على عباده. . ويمضي الحق سبحانه ليلفتنا إلى أن نفكر قليلا في مثل يضربه لنا في القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ على شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
[النحل: ٧٦]
стр. 118
فالحق ﵎ في هذه الآية الكريمة. . يطلب منا أن نفكر في مثل مادي محسوس. . أيهما خير؟ . . أذلك الصنم الذي يعبده الكفار وهو لا يأتي لهم بخير أبدا. . لأنه لا يستطيع أن ينفع نفسه فكيف يأتي بالخير لغيره. . بل هو عبء على من يتخذونه إلها. . فإنهم يجب أن يضعوه وأن يحملوه من مكان إلى آخر إذا أرادوا تغيير المعبد أو الرحيل. . وإذا سقط فتهشمت أجزاء منه. . فإنه يجب أن يصلحوها. .
إذن فزيادة على أنه يأتي لهم بخير. . فإنه عبء عليهم يكلفهم مشقة. . ويحتاج منهم إلى عناية ورعاية. .
أعبادة مثل هذا الصنم خير؟ أم عبادة الله سبحانه الذي منه كل الخير وكل النعم. . والذي يأمر بالعدل. . فلا يفضل أحدا من عباده على أحد. . والذي يعطي لعباده الصراط المستقيم. . الذي لا اعوجاج فيه. . والموصل إلى الجنة في الآخرة. . إن الله يشرح بهذا المثل غباء فكر المشركين الذين يعبدون الأصنام ويتركون عبادة الله ﵎.
وهكذا يعطينا هذان المثلان توضيحا لقضية الوحدانية والألوهية. . ثم يأتي الله بمثل آخر. . يضرب لنا مثلا لنوره. . هذا النور الإلهي الذي يضيء الدنيا والآخرة. . فيضيء القلوب المؤمنة. . إنه يريد أن يضرب لنا مثلا لهذا النور بشيء مادي محس. . فيقول ﷻ : ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ [النور: ٣٥]
стр. 119
كأن الله . . يريدنا أن نعرف بتشبيه محس. . أن مثل نوره كمشكاة. . والمشكاة هي (الطاقة) . . وهي فجوة في الحائط بالبيت الريفي. . ونحن نضع المصباح في هذه الطاقة. . إذن المصباح ليس في الحجرة كلها. . ولكن نوره مركز في هذه الطاقة فيكون قويا في هذا الحيز الضيق. . ولكن المصباح في زجاجة. . تحفظه من الهواء من كل جانب. . فيكون الضوء أقوى. . صافيا لا دخان فيه. . كما أن الزجاج يعكس الأشعة فيزيد تركيزه. . والزجاجة غير عادية ولكنها: «كوكب دري» . . أي هي مضيئة بذاتها وكأنها كوكب. . ووقودها من شجرة مباركة يملؤها النور لا شرقية ولا غربية. . أي يملؤها النور من الوسط ويخرج صافيا. . والزيت مضيء بذاته دون أن تَمَسَّهُ النار. . فهي نور على نور. . أيكون جزء من هذه المشكاة ذات المساحة الصغيرة مظلما؟ .
. أم تكون كلها مليئة بالنور القوي؟ .
وهذا ليس نور الله ﵎ عن التشبيه والوصف، ولكنه مثل فقط للتقريب إلى الأذهان. . فكأن نور الله يضيء كل ركن وكل بقعة. . ولا يترك مكانا مظلما. . فهو نور على نور. .
ولقد أراد أحد الشعراء أن يمدح الخليفة وكانت العادة أن يشبه الخليفة. . بالأشخاص البارزين ذوي الصفات الحسنة. . فقال:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
وكل هؤلاء الذين ضرب بهم الشاعر المثل كانوا مشهورين بهذه الصفات. . فعمرو كان مشهورا بالإقدام والشجاعة. . وحاتم كان مشهور بالسماحة. . وأحنف يضرب به المثل في الحلم. . وإياس شعلة في الذكاء. . وهنا قام أحد الحاضرين وقال: الأمير أكبر من كل شيء ممن شبهته بهم. . فقال أبو تمام على الفور:
لا تنكروا ضَرْبي لَه مَنْ دُونَهُ ... مثلاً شَرُوداً في النَّدَى والباسِ
стр. 120
فاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلَّ لنوره ... مثلاً من المِشْكَاةِ والنّبْراسِ
فأعجب أحمد بن المعتصم والحاضرون من ذكائه وأمر بأن تضاعف جائزته. والله . . يضرب لنا المثل بما سيشهده المؤمنون في الجنة. . فيقول ﷻ : ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]
هذه ليست الجنة. . ولكن هذا مثل يقرب الله لنا به الصورة بأشياء موجودة في حياتنا. . لأنه لا يمكن لعقول البشر أن تستوعب أكثر من هذا. . والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. . ومن هنا فإنه لا توجد أسماء في الحياة تعبر عما في الجنة. . واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]
فإذا كانت النفس لا تعلم. . فلا توجد ألفاظ تعبر عما يوجد في الجنة. . والمثل متى شاع استعماله بين الناس سمي مثلا. . فأنت إذا رأيت شخصا مغترا بقوته. . وتريد أن تفهمه أنك أقوى منه تقول له. . إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا. . ولا توجد ريح ولا إعصار فيما يحدث بينكما. . وإنما المراد المعنى دون التقيد بمدلول الألفاظ.
فالحق . . يريد أن يعطينا صورة. . عما في داخل قلوب المنافقين. . من اضطراب وذبذبة وتردد في استقبال منهج الله. . وفي الوقت نفسه
стр. 121
ما يجري في القلوب غيب عنا. . وأراد الله أن يقرب هذا المعنى إلينا. . فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ . . أي حاول أن يوقد نارا. . والذي يحاول أن يوقد نارا.
. لابد أن له هدفا. . والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهي. . وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك. . المهم أن يكون هناك هدف لإيقاد النار. .
يقول الحق : ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ . . ذلك أنهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم. . كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد أتى. . فقرروا أن يؤمنوا به. . ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في الإيمان. . ولكنه كان عن محاولة للحصول على أمان دنيوي. . لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم به قتل عاد وإرم. . فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود. . فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقا أن يحصلوا على الأمن. .
إن الحق يعطينا هذه الصورة. . إنهم أوقدوا هذه النار. . لتعطيهم نورا يريهم طريق الإيمان. . وعندما جاء هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه. . وعندما حدث ذلك ذهب الله بنورهم. . فلم يبق في قلوبهم شيء من نور الإيمان. . فهم الذين طلبوا نور الإيمان أولا. . فلما استجاب الله لهم انصرفوا عنه. . فكأن الفساد في ذاتهم. . وكأنهم هم الذين بدأوا بالفساد. . وساعة فعلوا ذلك ذهب الله بنور الإيمان من قلوبهم.
ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني. . في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل ذهب الله بضوئهم. . مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء. . ما هو الفرق بين الضوء والنور؟ . . إذا قرأنا قول الحق : ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً﴾ [يونس: ٥]
نجد أن الضوء أقوى من النور. . والضوء لا يأتي إلا من إشعاع ذاتي. . فالشمس ذاتية الإضاءة. . ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور. . وقبل أن
стр. 122
تشرق الشمس تجد في الكون نورا. . ولكن الضوء يأتي بعد شروق الشمس. . فلو أن الحق ﵎ قال ذهب الله بضوئهم. . لكان المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور. . ولكنه أبقى لهم النور. . ولكن قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ . . معناها أنه لم يبق لهم ضوءا ولا نورا. . فكأن قلوبهم يملؤها الظلام. . ولذلك قال الله بعدها؛ ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ . . لنعلم أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني. . كل هذا حدث بظلمهم هم وانصرافهم عن نور الله.
ونلاحظ هنا أن الحق . . لم يقل وتركهم في ظلام. . بل قال: «في ظلمات» . . أي أنها ظلمات متراكمة.
. ظلمات مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبدا. .
من أين جاءت هذه الظلمات؟ . . جاءت لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة. . وعندما جاءهم نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم. .
مثلا إذا أخذنا قصة زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيِّ، نرى أن رسول الله ﷺ َ دخل المدينة وأهلها يستعدون لتتويج عبد الله بن أبي ملكا عليها. . وعندما وصل رسول الله ﷺ َ انصرف الناس عن عبد الله بن أبي إلى استقبال الرسول ﵊ ُ. . فوصول الرسول ﵊ ُ ضيع على عبد الله بن أبي الْمُلْك. . ولقد كان من الممكن أن يؤمن. . وأن يلتمس النور من رسول الله ﷺ َ. . ولو آمن حينئذ ربما أعطى في الآخرة ملكا دائما. . يفوق الملك الذي كان سيحصل عليه في الدنيا. . ولكن لأن في قلبه الدنيا وليس الدين. . ولأنه يريد رفعة في الدنيا. . ولا يريد جنة في الآخرة، فقد ملأ الحقد قلبه فكان ظلمة. . وملأ الحسد قلبه فكان ظلمة. . وملأت الحسرة قلبه فكانت ظلمة. . وملأت الكراهية والبغضاء قلبه فكانت ظلمة. . إذن هي ظلمات متعددة. .
وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة. . ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم. . وظلمة تمني هزيمة الإيمان. . وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر. . وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله للتظاهر بالإيمان وفي قلوبهم الكفر. .
стр. 123
كل هذه ظلمات. . ولكن لا تحاول أن تأخذها بمقاييس عقلك. . والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى. . لأنك إذا قرأت قول الحق : ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥]
كيف يكون الحجاب مستورا؟ . . مع أن الحجاب هو الساتر الذي يستر شيئا عن شيء. . ولكن الحق يريدنا أن نفهم. . أنه برغم أن الحجاب يستر شيئا عن شيء، فإن الحجاب نفسه مستور لا نراه. . وبعض العلماء يقولون: إن مستورا اسم مفعول. . وهو في معنى اسم الفاعل ساتر. . نقول لا. . واقرأ قوله ﵎: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ [مريم: ٦١]
مأتيا اسم مفعول واسم الفاعل آتى. . ويقول البعض وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل. . نقول أنك لم تفهم. . هل وعد الله يلح في طلب العبد. . أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه. . والموعود هو المستفيد وليس الوعد. . إذن من دقة القرآن الكريم. . أنه يريد أن ينبهنا إلى أن الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد. . وليس الوعد هو الذي يطلب لقاء الموعود فيستخدم اسم الفاعل.
فحين يقول الحق : ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ . . نفى النور عنهم. . والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس. . ولكنه قانون البصر. .
وانظر إلى دقة التعبير القرآني. . إذا امتنع النور امتنع البصر. . أي أن العين لا تبصر بذاتها. . ولكنها تبصر بانعكاس النور على الأشياء ثم انعكاسه على العين. .
стр. 124
واقرأ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ الليل وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]
فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور. . فإذا ضاع النور ضاع الإبصار. . ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام. . وهذه معجزة قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول القرآن.
стр. 125
فالحق . . بعد أن أخبرنا أنه بظلم هؤلاء المنافقين لأنفسهم. . ذهب بنور الإيمان من قلوبهم فهم لا يبصرون آيات الله. . أراد أن يلفتنا إلى أنه ليس البصر وحده هو الذي ذهب. . ولكن كل حواسهم تعطلت. . فالسمع تعطل فهم صم. . والنطق تعطل فهم بكم. . والبصر تعطل فهم عمى. . وهذه هي آلات الإدراك في الإنسان. . واقرأ قوله ﵎: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]
إذن كونهم في ظلمات لا يبصرون معناها أنها قد تعطلت وسائل الإدراك الأخرى؛ فآذانهم صُمَّتْ فهي لا تسمع منهج الحق، وألسنتهم تعطلت عن نقل ما في قلوبهم وأبصارهم لا ترى آيات الله في الكون إذن فآلات إدراكهم لهدى الله معطلة عندهم. .
وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ . . أي لن تعود إليهم هذه الوسائل ليدركوا نور الله في كونه. . الإدراك غير موجود عندهم. . ولذلك فلا تطمعوا أن يرجعوا إلى منهج الإيمان أبدا. . لقد فسدت في قلوبهم العقيدة. . فلم يفرقوا بين ضر عاجل وما هو نفع آجل. . نور الهداية كان سيجعلهم يبصرون الطريق إلى الله. . حتى يسيروا على بينة ولا يتعثروا. . ولكنهم حينما جاءهم النور رفضوه وانصرفوا عنه. . فكأنهم انصرفوا عن كل ما يهديهم إلى طريق الله!! .
стр. 126
فالله في هذه الآية الكريمة. . أعطانا وصفا آخر من صفات المنافقين هو أن أدوات الإدراك التي خلقها الله ﷻ معطلة عندهم. . ولذلك فإن الإصرار على هدايتهم وبذل الجهد معهم لن يأتي بنتيجة. . لأن الله ﵎ بنفاقهم وظلمهم عطل وسائل الهداية التي كان من الممكن أن يعودوا بها إلى طريق الحق.
стр. 127
وقول الحق : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء﴾ . . الصيب هو المطر. . والله ﵎ ينزل الماء فتقوم به الحياة. . مصداقا لقوله ﷻ : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]
ومن البديهي أننا نعرف أن إنزال المطر. . هو من قدرة الله وحده. . ذلك أن عملية المطر فيها خلق بحساب. . وفيها عمليات تتم كل يوم بحساب أيضا. . وفيها عوامل لا يقدر عليها إلا الله . . فمسألة المطر أعدت الأرض لها حين الخلق. . فكانت ثلاثة أرباع الأرض من الماء والربع من اليابسة. . لماذا؟ من حِكَمِ الله في هذا الخلق أن تكون عملية البخر سهلة وممكنة. . ذلك أنه كلما اتسع سطح الماء يكون البخر أسهل. . وإذا ضاق السطح تكون عملية البخر أصعب. . فإذا جئنا بكوب مملوء بالماء ووضعناه في حجرة مغلقة يوما. . ثم عدنا إليه نجد أن حجم الماء نقص بمقدار سنتيمتر أو أقل. . فإذا أخذنا الماء الذي في هذا الكوب وقذفناه في الحجرة. . فإنه يختفي في فترة قصيرة. . لماذا؟ .؛ لأن سطح الماء أصبح واسعا فتمت عملية البخر بسرعة.
والله حين خلق الأرض. . وضع في الخلق حكمة المطر في أن تكون مساحة الماء واسعة لتتم عملية البخر بسهولة. . وجعل أشعة الشمس التي تقوم بعملية البخر من سطح الماء. . وتم ذلك بحساب دقيق. . حتى لا تغرق الأمطار الأرض أو يحدث فيها جفاف. . ثم سخر الريح لتدفع السحاب إلى حيث يريد الله أن ينزل المطر. . وقمم الجبال الباردة ليصطدم بها السحاب فينزل
стр. 128
المطر. . كل هذا بحساب دقيق في الخلق وفي كل مراحل المطر. .
ومادام الماء هو الذي به الحياة على الأرض. . فقد ضرب الله لنا به المثل كما ضرب لنا المثل بالنار وضوئها. . فكلها أمثلة مادية لتقرب إلى عقولنا ما هو غيب عنا. . فالماء يعطينا الحياة. .
لكن هؤلاء المنافقين. لم يلتفوا إلى هذا الخير. الذي ينزل عليهم من السماء من غير تعب أو جهد منهم. بل التفتوا إلى أشياء ثانوية، كان من المفروض أن يرحبوا بها لأنها مقدمات خير لهم. فالمطر قبل أن ينزل من السماء لابد أن يكون هناك شيء من الظلمة في السحاب الذي يأتي بالمطر. فيحجب أشعة الشمس إن كنا نهارا. ويخفي نور القمر والنجوم إن كنا ليلا. هذه الظلمة مقدمات الخير والماء. .
إنهم لم يلتفتوا إلى الخير الذي ملأ الله به الأرض. بل التفتوا إلى الظلمة فنفروا من الخير. . كذلك صوت الرعد ونور البرق.
الرعد يستقبله الإنسان بالأذن وهي آلة السمع. والبرق تستقبله العين. . وصوت الرعد قوي، أقوى من طاقة الأذن. ولذلك عندما يسمعه الإنسان يفزع، ويحاول أن يمنع استقبال الأذن له، بأن يضع أنامله في أذنيه.
وهؤلاء المنافقون لم يضعوا الأنامل. ولكن كما قال الله : ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم﴾ ولم يقل أناملهم. وذلك مبالغة في تصوير تأثير الرعد عليهم. فكأنهم من خوفهم وذعرهم يحاول كل واحد منهم أن يدخل كل إصبعه في أذنه. ليحميه من هذا الصوت المخيف. فكأنهم يبالغون في خوفهم من الرعد.
ونلاحظ هنا أن الحديث ليس عن فرد واحد، ولكن عن كثيرين. . لأنه يقول «أصابعهم» نقول أن الأمر لجماعة يعني أمراً لكل فرد فيها، فإذا قال المدرس للتلاميذ أخرجوا أقلامكم، فمعنى ذلك أن كل تلميذ يخرج قلمه. . وإذا قال رئيس الجماعة اركبوا سياراتكم، فمعنى ذلك أن كل واحد يركب سيارته. . لذلك فإن معنى ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم﴾ أن كل واحد منهم يضع إصبعيه في أذنيه. .
لماذا يفعلون ذلك؟ ﴿أنهم يفعلونه خوفا من الموت. لأن الرعد والبرق يصاحبهما الصواعق أحيانا، ولذلك فإنهم من مبالغتهم في الخوف يحس كل واحد منهم أن
стр. 129
صاعقة ستقتله. . فكأنهم يستقبلون نعمة الله بغير حقيقتها. . هم لا يرون النعمة الحقيقية في أن هذا المطر يأتي لهم بعوامل استمرار الحياة. ولكنهم يأخذون الظاهر في البرق والرعد. وكذلك المنافقون. . لا يستطيع الواحد منهم أن يصبر على شهوات نفسه ونزواتها. . إنه يريد ذلك العاجل ولا ينظر إلى الخير الحقيقي الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الآخرة. . وهو ينظر إلى التكاليف كأنها شدة ومسألة تحمل النفس بعض المشاق. ويغفل عن حقيقة جزاء التكاليف في الآخرة. وكيف أنها ستوفر لهم النعيم الدائم. . تماما كما ينظر الإنسان إلى المطر على أنه ظلمة ورعد وبرق، وينسى أنه بدون هذا المطر من المستحيل أن تستمر حياته. .
هم يأخذون هذه الظواهر على أنها كل شيء. بينما هي في الحقيقة تأتي لوقت قصير وتختفي، فهي قصيرة كالحياة الدنيا، وقتية. ولكن نظرتهم إليها وقتية ومادية لأنهم لا يؤمنون إلا بالدنيا وغفلوا عن الآخرة. . غفلوا عن ذلك الماء التي يبقى فترة طويلة، وتنبهوا إلى تلك الظواهر الوقتية التي تأتي مع المطر فخافوا منها وكان خوفهم منها يجعلهم لا يحسون بما في المطر من خير. والمنافقون يريدون أن يأخذوا خير الإسلام دون أن يقوموا بواجبات هذا الدين﴾ !
ثم يلفتنا الحق إلى قضية هامة. وهي أن خوفهم من زوال متع الدنيا ونفوذها لن يفعل لهم شيئا. لأن الله محيط بالكافرين. . والإحاطة معناها السيطرة التامة على الشيء بحيث لا يكون أمامه وسيلة للإفلات، وقدرة الله محيطة بالكافرين وغير الكافرين. .
إذن عدم التفاتهم للنفع الحقيقي، وهو منهج الله، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة الله في الدنيا والآخرة.
стр. 130
أن الله يريد أن يلفتنا إلى أن البرق الذي هو وقتي وزمنه قليل. هو الذي يسترعي انتباههم. ولو آمنوا لأضاء نور الإيمان والإسلام طريقهم. ولكن قلوبهم مملوءة بظلمات الكفر فلا يرون طريق النور. . والبرق يخطف أبصارهم، أي يأخذها دون إرادتهم. فالخطف يعني أن الذي يخطف لا ينتظر الإذن، والذي يتم الخطف منه لا يملك القدرة على منع الخاطف. والخطف غير الغصب. فالغصب أن تأخذ الشيء برغم صاحبه.
ولكن. . ما الفرق بين الأخذ والخطف والغصب؟ . الأخذ أن تطلب الشيء من صاحبه فيعطيه لك. أو تستأذنه. أي تأخذ الشيء بإذن صاحبه. والخطف أن تأخذه دون إرادة صاحبه ودون أن يستطيع منعك.
والغصب أن تأخذ الشيء رغم إرادة صاحبه باستخدام القوة أو غير ذلك بحيث يصبح عاجزا عن منعك من أخذ هذا الشيء.
ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى. إذا دخل طفل على محل للحلوى وخطف قطعة منها، يكون صاحب المحل لا قدرة له على الخاطف لأن الحدث فوق قدرات المخطوف منه، فهو بعيد وغير متوقع للشيء، فلا يستطيع منع الخطف. . أما الغصب فهو أن يكون صاحب المحل متنبها ولكنه لا يملك القدرة على منع ما يحدث، وإذا حاول أن يقاوم. . فإن الذي سيأخذ الشيء بالرغم عنه لابد أن يكون أقوى منه. أي أن قوة المُغْتَصِب، تكون أقوى من المُغْتَصَب منه.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ .
لابد أن نتنبه إلى قوله تعالى «يكاد» أي يكاد أو يقترب البرق من أن يخطف
стр. 131
أبصارهم. وليس للإنسان القدرة أن يمنع هذا البرق من أن يأخذ انتباه البصر.
وقوله تعالى ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ .
أي أنهم يمشون على قدر النور الدنيوي. الذي يعطيه لهم البرق. فلا نور في قلوبهم. ولذلك إذا أظلم عليهم توقفوا، لأنه لا نور لهم.
وقوله تعالى ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ .
يدعي بعض المستشرقين أن ذلك يتعارض مع الآية الكريمة التي تقول ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ كيف يكونون صما بكما عميا. . أي أن منافذ الإدراك عندهم لا تعمل، ونحن هنا نتحدث عن العمى الإيماني، ثم يقول ﵎ ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ مع أنهم صم وبكم وعمي؟ . .
نقول أن قول الحق : ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي لا يرون آيات الله ويقين الإيمان، ولا يسمعون آيات القرآن ويعقلونها. . إذن فوسائل إدراكهم للمعنويات تتعطل. ولكن وسائل إدراكهم بالنسبة للمحسات تبقى كما هي. فالمنافق الذي لا يؤمن بيوم القيامة، لا يرى ذلك العذاب الذي ينتظره في الآخرة.
ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم.
بالنسبة للأشياء المحسة. لاستطاع لأنه قادر على كل شيء، ولكنه لم يشأ ذلك. حتى لا يأتوا مجادلين في الآخرة، من أنهم لو كان لهم بصر لرأوا آيات الله. ولو كان لهم سمع لتدبروا القرآن. فأبقى الله لهم أبصارهم وأسماعهم. لتكون حجة عليهم، بأن لهم بصرا ولكنهم انصرفوا عن آيات الله إلى الأشياء التي تأتيهم بفائدة عاجلة في الدنيا مهما جاءت بغضب الله. وأن لهم سمعا يسمعون به كل شيء من خطط المؤامرات على الإسلام. وضرب الإيمان وغير ذلك. فإذا تليت عليهم آيات الله فأنهم لا يسمعونها. وفي ذلك يقول الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ [محمد: ١٦]
стр. 132
أي أنهم يسمعون ولا يعقلون ولا يدخل النور إلى قلوبهم، فكأنهم صم عن آيات الله لا يسمعونها.
والحق يريد أن يعطينا مثل المنافقين بأنهم لا يلتفتون إلى القيم الحقيقية في الحياة. ولكنهم يأخذون ظاهرها فقط. يريدون النفع العاجل، وظلمات قلوبهم. لا تجعلهم يرون نور الإيمان. وإنما يبهرهم بريق الدنيا مع أنه زائل ووقتي. فيخطف أبصارهم. ولأنه لا نور في قلوبهم، فإذا ذهبت عنهم الدنيا، تحيط بهم الظلمات من كل مكان لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. مع أن الله لو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم، لأنهم لا يستخدمونها الاستخدام الإيماني المطلوب. والمفروض أن وسائل الإدراك هذه. تزيدنا إيمانا. . ولكن هؤلاء لا يرون إلا متاع الدنيا. ولا يسمعون إلا وسوسة الشيطان، فالمهمة الإيمانية لوسائل الإدراك توقفت، وكأن هذه الوسائل غير موجودة.
стр. 133
بعد أن حدثنا الله عن صفات المنافقين في ثلاث عشرة آية وأعطانا أوصافهم الظاهرة. وأعطانا أمثلة لما يحدث في قلوبهم كي يعرفهم المؤمنون ظاهرا وباطنا. ويحذروهم ولا يأمنوا لهم. بين لنا كيف أن المنافقين لم يكفروا بالله كإله فقط. ويستروا وجوده، ولكن كفروا به كرب. والرب عطاؤه مكفول لكل من خلق مؤمنهم وكافرهم، فهو الذي استدعاهم للوجود وخلقهم. ولذلك فإنه سبحانه يضمن لهم رزقهم وحياتهم.
والله لا يحرم خلقا من خلقه من عطاء ربوبيته في الدنيا. فالشمس تشرق على المؤمن والكافر. والمطر ينزل على من قال لا إله إلا الله ومن ستر وجوده تعالى: والهواء يتنفس به ذلك الذي يقيم الصلاة والذي لم يركع ركعة في حياته. . والطعام يأكله الذي يحب الله والذي يكفر بنعم الله. . ذلك أن هذه عطاءات ربوبية يعطيها الله تعالى لكل خلقه في الدنيا. .
أما عطاءات الألوهية، فهي للمؤمنين في الدنيا والآخرة.
فالله يلفت انتباه خلقه إلى أن عطاء الربوبية من الله لهم يكفي ليؤمنوا بالله ويعبدوه.
والحق حينما يخاطب الناس في القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلابد أن يكون الخطاب للناس في كل زمان ومكان. منذ نزول القرآن الكريم إلى يوم القيامة.
стр. 134
وخطاب الله خاص بقضية الإيمان في القمة، وهي الخضوع لإله واحد لا شريك له.
وقوله تعالى ﴿الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ معناه أن من مقتضيات العبادة. أن الله هو خالق الناس جميعا. وليس في قضية الخلق كما قلنا شبهة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق نفسه، أو خلق هذا الكون، بل إن الحق يطلب منا أن نحترم السببية المباشرة في وجودنا؛ فالأب والأم هنا سبب في وجود الإنسان. فنجد الله يقول: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء: ٢٣]
وهكذا نرى أن الحق قد احترم السببية في الموجد، مع أنه الموجد الذي خلق كل شيء. ولكن الله يحترم عمل الإنسان. مع أنه سبب فقط، فالمال هو مال الله، يعطيه لمن يشاء. لكننا نجد الحق هو يحث على الصدقة يقول: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥]
فكأنه سبحانه احترم عمل الإنسان في الحصول على المال، رغم أن المال مال الله. فقال وهو الخالق الأعظم: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ وهكذا تتجلى رحمة الحق بالخلق.
الله يقول: «ولَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» نتقي ماذا؟ نتقي صفات الجلال في الله. فالله له صفات جلال وصفات جمال، صفات الجلال هي «الجبار والقهار
стр. 135
والمتكبر والقوي والقادر والمقتدر والضار» وغيرها من صفات الجلال.
فالله يريدنا أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية حتى لا نغضب الله، فيعاملنا بمتعلقات صفات جلاله، وأن نتمسك بصفات جمال الله: الرحيم الودود، الغفار، التواب، فإذا نجحنا في ذلك كان لنا نجاة من النار التي هي أحد جنود الله، ومتعلقات جلاله.
على أننا لابد أن نتنبه إلى أن الله حينما يقول «يا أيها الناس» إنما يخاطب كل الناس، فإذا أراد الحق مخاطبة المؤمنين قال: «يا أيها الذين آمنوا» أي يا أيها الذين آمنتم بالله إلها، ودخلتم معه في عقد إيماني.
стр. 136
فبعد أن بين لنا الحق أن عطاء ربوبيته الذي يعطيه لخلقه جميعا، المؤمن والكافر، كان يكفي لكي يؤمن الناس، كل الناس. . أخذ يبين لنا آيات من عطاء الربوبية. ويلفتنا إليها لعل من لم يؤمن عندما يقرأ هذه الآيات يدخل الإيمان في قلبه. فيلفتنا الله إلى خلق الأرض في قوله تعالى:
﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ .
والأرض هي المكان الذي يعيش في الناس ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه خلق الأرض أو أوجدها. إذن فهي آية ربوبية لا تحتاج لكي نتنبه إليها إلى جهد عقلي. لأنها بديهات محسومة لله . وقوله تعالى: «فراشا» توحي بأنه أعد الأرض إعداداً مريحاً للبشر. كما تفرش على الأرض شيئا، تجلس عليه أو تنام عليه، فيكون فراشا يريحك.
ونحن نتوارث الأرض جيلا بعد جيل. وهي تصلح لحياتنا جميعاً.
ومنذ أن خلقت الأرض إلى يوم القيامة. ستظل فراشا للإنسان.
قد يقول بعض الناس أنك إذا نمت على الأرض فقد تكون غير مريحة تحتك فيها حصى أو غير ذلك مما يضايقك. نقول أن الإنسان الأول كان ينام عليها مستريحا. . إذن فضرورة النوم ممكنة على الأرض.
وعندما تقدمت الحضارة وزادت الرفاهية ظلت الأرض فراشاً رغم ما وجد عليها من أشياء لينة. فكأن الله تعالى. قد أعدها لنا إعداداً يتناسب مع كل جيل. فكل
стр. 137
جيل رفه في العيش بسبب تقدم الحضارة كشف الله سبحانه من العلم ما يطوع له الأرض ويجعلها فراشاً.
ونلاحظ أن الله في آية أخرى يقول: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداًَ﴾ [الزخرف: ١٠]
والمهد هو فراش الطفل، ولابد أن يكون مريحا لأن الطفل إذا وجد في الفراش أي شيء يتعبه. فإن لا يملك الإمكانات التي تجعله يريحه، ولذلك تمهد الأم لطفلها مكان نومه، حتى ينام نوماً مريحاً. ولكن الذي يمهد الأرض لكل خلقه هو الله . يجعلها فراشاً لعباده. وإذا قرأت قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]
فإن معنى ذلك أن الحق سبحانه جعل الأرض مطيعة للإنسان، تعطيه كل ما يحتاج إليه.
ويأتي الحق إلى السماء فيقول: «والسماء بناءً» والبناء يفيد المتانة والتماسك. أي أن السماء وهي فوقك لا نرى شيئا يحملها حتى لا تسقط عليك. إنها سقف متماسك متين. . ويؤكد الحق هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]
وفي آية أخرى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢]
стр. 138
والهدف من هذه الآيات كلها. أن نطمئن ونحن نعيش على الأرض أن السماء لن تتساقط علينا لأن الله يحفظها.
إذن من آيات الحق في الأرض أنه جعلها فراشاً أي ممهدة ومريحة لحياة الإنسان. وحفظ السماء بقدرته ﷻ ، فهي ثابتة في مكانها، لا تهدد سكان الأرض وتفزعهم، بأنها قد تسقط عليهم، ثم جاء بآية أخرى:
﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾
فكأن الحق وضع في الأرض وسائل استبقاء الحياة. فلم يترك الإنسان على الأرض دون أن يوفر له وسائل استمرار حياته. فالمطر ينزل من السماء، والسماء هي كل ما علاك فأظلك. فينبت به الزرع والثمر، وهذا رزق لنا، والناس تختلف في مسألة الرزق. والرزق هو ما ينتفع به، وليس هو ما تحصل عليه. فقد تربح مالاً وافراً ولكنك لا تنفقه ولا تستفيد منه فلا يكون هذا رزقك ولكنه رزق غيرك، وأنت تظل حارساً عليه، لا تنفق منه قرشاً واحداً، حتى توصله إلى صاحبه. والرزق في نظر معظم الناس هو المال، قال ﵊ ُ:
«يقول ابن آدم مالي مالي. . وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» .
هذا هو رزق المال. وهو جزء من الرزق. ولكن هناك رزق الصحة. ورزق الولد. ورزق الطعام. ورزق في البركة. وكل نعمة من الله هي رزق وليس المال وحده.
فالحق يريد أن يلفتنا بهذه الآية الكريمة إلى أن نفكر قليلاً، فيمن خلق هذا الكون. لنعرف أنه قبل أن يخلق الإنسان خلق له عناصر بقائه. ولكن هذا الإعداد لم يتوقف عند الحياة المادية. بل إن الله كما أعد لنا مقومات حياتنا المادية
стр. 139
أعد لنا مقومات حياتنا الروحية، أو القيم في الوجود. وإذا قرأت في سورة الرحمن قوله تعالى: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: ١ - ٤]
لوجدت القرآن يعطينا قيم الحياة، التي بدونها تصبح الدنيا كلها لا قيمة لها. لأن الدنيا امتحان أو اختبار لحياة قادمة في الآخرة. فإذا لم تأخذها بمهمتها في أنها الطريق الذي يوصلك إلى الجنة. أهدرت قيمتها تماماً.
ولم تعد الدنيا تعطيك شيئاً إلا العذاب في الآخرة.
وقد ربط الحق الرزق في هذه الآية بالسماء فقال سبحانه:
﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾
ليلفتنا إلى أن الرزق، لا يأتي إلا من أعلى، وضرب الله المثل بالماء لأنه رزق مباشر محسوس منا، والماء ينزل من السماء في أنقى صوره مقطراً. كل ما يأتينا من السماء. فيه علو. ينزل ليزيد حياة القيم ارتقاءً، عملية لو أراد البشر أن يقوموا بها ما استطاعوا لأنها كانت ستكلف ملايين الجنيهات، لتعطينا ماءً لا يكفي أسرة واحدة. ولكن الله أنزل من السماء ماءً في أنقى صوره لينبت به الثمرات، التي تضمن استمرار الحياة في هذا الكون.
وبعد أن نفهم هذه النعم كلها. والإعجاز الذي فيها ونستوعبها يقول الحق ﵎: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
«أندادا» جمع نِدّ، والند هو النظير أو الشبيه. وأي عقل فيه ذرّة من فكر يبتعد عن مثل هذا، فلا يجعل لله تعالى شبيهاً ولا نظيراً ولا يُشَبِّهُ بالله تعالى أحداً. فالله واحد في قدرته، واحد في قوته، واحد في خلقه. واحد في ذاته، وواحد في صفاته.
стр. 140
ولا توجد مقارنة بين صفات الحق وصفات الخلق. والله خلق لكل منا عقلاً يفكر به، لو عرضت هذه المسألة على العقل لرفضها تماماً، لأنها لا تتفق مع عقل أو منطق، ولذلك يقول الحق :
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
أي تعرفون هذا جيداً بعقولكم لأن طبيعة العقل ترفض هذا تماماً.
فمنذا الذي يستطيع أن يدعي أنه خلقكم والذين من قبلكم؟! ومنذا الذي يستطيع أن يدعي ولو كذبا، أنه هو الذي جعل الأرض فراشاً، وجعل السماء سقفاً محفوظاً، أو أنزل المطر وأنبت الزرع؟ لا أحد. إذن فأنتم تعلمون أن العقل كله لله وحده، ومادام لا يوجد معارض ولا يمكن أن يوجد. فالقضية محسومة للحق ﵎.
والحق يقول: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]
لماذا اتخذ هؤلاء الناس لله تعالى أنداداً؟ لأنهم يريدون دينا بلا منهج. يريدون أن يرضوا فطرة الإيمان التي خلقها الله فيهم. وفي الوقت نفسه يتبعون شهواتهم. عندما فكروا في هذا وجدوا أن أحسن طريقة هي أن يختاروا إلهاً بلا منهج، لا يطلب منهم شيئاً، ولذلك كل دعوة منحرفة تجد أنها تبيح ما حرم الله، وتحل الإنسان من كل التكاليف الإيمانية كالصلاة والزكاة والجهاد وغيرها.
أما الذين آمنوا. فإنهم يعرفون أن الله إنما وضع منهجه لصالح الإنسان: فالله لا يستفيد من صلاتنا ولا من زكاتنا. ولا من منهج الإيمان شيئاً، ولكننا نحن الذين نستفيد من رحمة الله. ومن نعم الله ومن جنته في الآخرة.
ولأن الذين آمنوا يعرفون هذا فإنهم يحبون الله حبا شديداً، والذين كفروا رغم
стр. 141
كل ما يدعون فإنهم ساعة العسرة يلجأون إلى الله باعتباره وحده الملجأ والملاذ. واقرأ قوله ﵎: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]
لماذا لم يستدع الأنداد؟ لأن الإنسان لا يغش نفسه أبداً في ساعة الخطر، ولأن هؤلاء يعرفون بعقولهم أنه لا يمكن أن يوجد لله أنداد. ولكنه يتخذهم لأغراض دنيوية. فإذا جاء الخطر. يلجأ إلى الله . لأنه يعلم يقينا أنه وحده الذي يكشف الضر، فحلاق الصحة الذي يعالج الناس دجلا. إذا مرض ابنه أسرع به إلى الطبيب لأنه يغش الناس. ولكنه لا يمكن أن يغش نفسه.
ولقد كان الأصمعي واقفاً عند الكعبة، فسمع إعرابياً يدعو ويقول:
«يا رب أنت تعلم أني عاصيك وكان من حقك علي ألا أدعوك وأنا عاص. ولكني أعلم أنه لا إله إلا أنت فلمن أذهب.» فقال الأصمعي: يا هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك «.
стр. 142
بعد أن بين الحق لنا أن هؤلاء الذين يتخذون من دون الله أنداداً لا يعتمدون على منطق ولا عقل. ولكنهم يعتمدون على شهوات دنيوية عاجلة. أراد أن يأتي بالتحدي بالنسبة للقرآن الكريم المعجزة الخالدة لرسول الله ﷺ َ حتى يثبت لهم أن الله إذا كان قد جعل خلق الكون إعجازاً محسا. . فإن القرآن منهج معجز إعجازاً قيماً. . قال الله ﷻ :
﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الخطاب هنا لكل كافر ومنافق غير مؤمن، لأن الذين آمنوا بالله ورسوله ليس في قلوبهم ريب، بل هم يؤمنون بأن القرآن موحى به من الله، مبلغ إلى محمد ﷺ َ بالوحي المنزل من السماء.
والريب: هو الشك. وقوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي إن كنتم في شك. من أين يأتي هذا الشك والمعجزة تحيط بالقرآن وبرسوله ﷺ َ؟ ما هي مبررات الشك، ورسول الله ﷺ َ لا يقرأ ولا يكتب ولم يعرف بالبلاغة والشعر بين قومه حتى يستطيع أن يأتي من عنده بهذا الكلام المعجز الذي لم يستطع فطاحل شعراء العرب الذين تمرسوا في البلاغة واللغة أن يأتوا بآيةٍ من مثله. هذه واحدة. والثانية أن رسول الله ﷺ َ لا يكذب أبداً ولم يعرف عنه كذب قبل تكليفه بالرسالة بل كانوا يلقبونه ﷺ َ بالصادق الأمين. والذين كانوا يلقبون رسول الله ﷺ َ هم الذين اتهموه بأن هذا القرآن ليس من عند الله. أيصدق رسول الله ﵊ ُ مع الناس. ويكذب على الله؟ ﴿. . هذا مستحيل.
الكلام الذي جاء به رسول الله ﷺ َ وهو القرآن لم يكن أحد ليستطيع أن يأتي به من فطاحل علماء البلاغة العرب. والعلم الذي نزل في القرآن
стр. 143
الكريم. لم يكن يعرفه بشر في ذلك الوقت. فكيف جاء النبي الأمي بهذا الكلام المعجز. وبهذا العلم الذي لا يعلمه البشر؟﴾ لو جلس إلى معلم أو قرأ كتب الحضارات القديمة. لقالوا ربما استنبط منها، ولكنه لم يفعل ذلك.
فمن أين دخل الريب إلى قلوبهم؟ لاشك أنه دخل من باب الباطل. والباطل لا حجة له. وبلا شك لقد فضحوا أنفسهم بأنهم لا يرتابون في القرآن ولكنهم كانوا يريدونه أن ينزل على سيد من سادة قريش. واقرأ قول الحق : ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
وهؤلاء المرتابون لم يجدوا حجة يواجهون بها القرآن، فقالوا ساحر، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟ إذا كان ساحرا فلماذا لم يسحركم أنتم؟ وقالوا مجنون.
والمجنون يتصرف بلا منطق. . يضحك بلا سبب. ويبكي بلا سبب. ويضرب الناس بلا سبب. ولذلك رد الحق سبحانه عليهم بقوله تعالى: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤]
فهل يكون المجنون على خلق عظيم؟ إذن فأسباب الريب كلها أو الأسباب التي تثير الشك غير موجودة. وغير متوافرة. ولا يوجد سبب حقيقي واحد يجعلهم يشكون في أن القرآن ليس من عند الله. ولكنهم هم القائلون كما يروي لنا الحق ﵎: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]
стр. 144
إذن فكل أسباب الشك غير موجودة وأسباب اليقين هي الموجودة ومع ذلك ارتابوا وشكوا. وقوله :
﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾
فالقرآن الكريم وجد في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الإنسان، وعندما جاء وقت مباشرته لمهمته في الكون نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزله الله على رسوله ﷺ َ بقدر ما احتاجت إليه المناسبات والأحداث.
إذن فقوله «نزلنا» أي نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة. وقوله تعالى «أنزل» أي أنزله آيات على محمد ﷺ َ بحسب اقتضاء الأحداث والمناسبات.
الحق يقول: «على عبدنا» وهذه محتاجة إلى وقفة. فالله ﷻ . له عبيد وله عباد. كل خلق الله في كونه عبيد لله . لا يستطيعون الخروج عن مشيئة الله أو إرادته. هؤلاء هم العبيد. ولكن العباد هم الذين اتحدت مراداتهم مع ما يريده الله . . تخلوا عن اختيارهم الدنيوي، ليصبحوا طائعين لله باختيارهم، أي أنهم تساووا مع المقهورين في أنهم اختاروا منهج الله وتركوا أي اختيار يخالفه.
هؤلاء هم العباد، وإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن الله يشير إلى العباد بأنهم الصالحون من البشر فيقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]
стр. 145
هذا ليس لكل خلق الله، ولكنه للعباد. الذين إذا قال الله تعالى لهم افعلوا فعلوا وإذا قال الله لا تفعلوا لم يفعلوا. أي أنهم لا يخالفون بقدرتهم على الاختيار منهج الله . ولذلك في الجهاد لا يقول الحق عن المجاهدين أنهم عبيد. بل يقول ﷻ : ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾ [الإسراء: ٥]
وبعض المستشرقين الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون أن كلمة عباد قد جاءت في وصف غير المؤمن في قوله تعالى:
﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧]
نقول: إنكم لم تفهموا أن هذا ساعة الحساب في الآخرة، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا كلنا مقهورون فلا اختيار لأحد في الآخرة وإنما الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ثم يصبح الإنسان بعد ذلك مقهوراً.
فنحن جميعا في الآخرة عباد ولكن الفرق بين العبيد والعباد هو في الحياة الدنيا فقط. والعبودية هي أرقى مراتب القرب من الله تعالى. لأنك تأتي إلى الله طائعاً. منفذاً للمنهج باختيارك. ولقد عرض على رسول الله ﷺ َ أن يكون ملكاً رسولاً، أو عبداً رسولا. فاختار أن يكون عبداً رسولا. وإذا أردنا أن نعرف معنى العبودية نقرأ في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]
следующие страницы →