← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14596–14635 · переход к 14601.

стр. 14596

من زينب، فكان رسول الله ﷺ َ يقول له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله ... .﴾ [الأحزاب: ٣٧] . وتأمل هنا هذه الرياضة الإيمانية بين سيدنا رسول الله وزيد وزينب ﵄: لما طلِّق زيدٌ زينب تركها رسول الله لتقضي عدَّتها، فلما قضتْ العِدَّة قال: يا زيد اذهب إلى زينب فاخطبها عليَّ، فما هذه العظمة؟ رسول الله يبعث المطلق ليخطب له المطلَّقة، وهذا يدل على ثقته في زيد، وأنه قد قضي وطره من زينب، ولم يَعُدْ فيها حاجة. ويدخل زيد على زينب، فيقول لها: أبشري يا زينب، لقد بعثني رسول الله لأخطبك له، فقالت: والله لا أجيب حتى أسجد شكراً لله، فقامت زينب فسجدتْ، عندها عاد زيد إلى رسول الله، فأخبره ما كان من زينب فجاءها رسول الله ﷺ َ، فدخل عليها بلا استئذان. تُرى لماذا يدخل عليها سيدنا رسول الله بلا استئذان؟ قالوا لأنها حينئذ صارت زوجته، كما قال سبحانه ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا. . .﴾ [الأحزاب: ٣٧]

стр. 14597

أي: زوَّجه الله بها من فوق سبع سماوات. لذلك كانت السيدة زينب حين تجلس مع زوجات النبي ﷺ َ - وهذه أيضاً من الرياضيات الإيمانية - تقول لهن: إني لأفتخر عليكن جميعاً بأنك زوجكُنَّ أولياؤكن، أما أنا فزوَّجني ربي، فلا تجرؤ إحداهن على الردِّ عليها. ليس هذا فحسب، إنما تُدِلُّ أيضاً على سيدنا رسول الله، فتقول له: يا رسول الله، أنا أُدِلُّ عليك بثلاث، فيضحك سيدنا رسول الله ويقول: أما الأولى؟ فتقول: أما الأولى فجدِّي وجدُّك واحد، وأما الثانية فلأن الله زوَّجني من فوق سبع سماوات، وأما الثالثة فلأن سفيري في الزواج لم يكُن زيداً، إنما كان جبريل. فأيُّ عظمة هذه التي نلاحظها في هذه القصة، وأيُّ رياضة إيمانية عالية من رسول الله وصحابته؟ إذن: لم يتزوج رسول الله من زينب، إنما زوَّجه ربه؛ لذلك نقول للمغرمين بالخوض في هذه المسألة، يحسبونها سُبَّة في حق رسول الله: افهموا الفرق بين زُوِّج وتزوج. تزوج أي: بنفسه

стр. 14598

وبرغبته، إنما زُوِّج أي زوَّجه غيره، وكلمة ﴿زَوَّجْنَاكَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] تحتوي على الفعل زوَّج والضمير (ن) فاعل يعود على الحق سبحانه، والكاف لخطاب رسول الله، وهي مفعول أول، والهاء تعود على السيدة زينب، وهي مفعول ثانٍ للفعل زوَّج. فرسول الله في هذه المسألة، وفي كل زوجاته لم يخالف عن أمر الله. فلتكونوا منصفين؛ لأن المسألة ليستْ عند محمد، إنما عند رب محمد، واقرأوا إن شئتم: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم: ٥] . ثم هَبُوا - جدلاً - أن محمداً فعلها، ما العيب فهيا وقد كان التعدُّد موجوداً، ولم ينشيء رسول الله تعدُّداً، كان التعدُّد موجوداً في الأنبياء والرسل، وفيكم وعندكم. أما الذين يتهمون رسول الله ﷺ َ بأنه وسَّع على نفسه، فتزوَّج تسعاً، وضيَّق على أمته بأربعة، فالرد على ذلك أن الله تعالى حكم بأن زوجات الرسول أمهاتٌ للمؤمنين، وما دُمْنَ أمهات للمؤمنين، فليس لأحد أنْ يتزوَّجهُنَّ بعد رسول الله، أمّا غيرهن من المؤمنات فإنْ كان مع الرجل سبعة مثلاً، فعليه أنْ يفارق ثلاثة منهن، وهؤلاء الثلاثة سيجدْنَ مَنْ يتزوج بهنَّ، إذن: على الرسول أنْ يُمسِك زوجاته كلهن، وعلى غيره من المؤمنين أنْ يفارقوا ما زاد على أربع.

стр. 14599

شيء آخر: تظنون أن رسول الله وسَّع الله له هذه المسألة، والحقيقة أن الله ضيَّق عليه إذا ما قارناه بغيره من عامة المؤمنين، فالمؤمن له أنْ يمسك أربعَ زوجات، فإذا ماتت إحداهن تزوج بأخرى، وإنْ طلَّق إحداهن تزوج بدلاً منها، فإن مُتْنَ جميعاً أو طلَّقهن، فله أنْ يتزوَّج غيرهن حتى يكمل الأربعة، وهكذا يكون للمؤمن أن يتزوَّج بعدد كثير من النساء. أما رسول الله - نعم تزوج تسعاً - لكن خاطبه ربه بقوله: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فمَن الذي ضيِّق عليه إذن؟ محمد أم أمته؟ ثم يا قوم تنبهوا إلى الفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، هل استثني الله نبيه في العدد من أربع إلى تسع، أم استثناه في معدود بذاته، استثناه في المعدود لا في العدد، لأنه لو استثناه في العدد لكان له إذا ماتتْ إحدى زوجاته أنْ يتزوَّج بأخرى، إنما وقف به عند معدود بذاته، بحيث لو ماتوا جميعاً ما كان له ﷺ َ أنْ يتزوَّج بعدهن. وبعد ذلك أظلَّ الحكمُ على رسلو الله هكذا؟ لا، إنما كان في بداية الأمر وبعد ذلك حينما استقرتْ الأمور وأَمِن الله رسولَه قال له: افعل ما تشاء، لأنك مأمون على أمتك.

стр. 14600

ثم نقول: هَبُوا أن رسول الله له اختيار في هذه المسألة، ولم تكن مُسْبقة، ألم يُؤدِّ فِعْلُه هذا إلى إلغاء عادة التبني؟ ثم أنُزِعَتْ الرسالة من رسول الله بعد أنْ فعل ما فعل؟ إذن: لا يتناقض مراد الله ومراد رسول الله. والذين تناولوا سيدنا رسول الله في هذه المسألة مثل الذين تناولوا سيدنا يوسف ﵇ لما قال الله فيه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ... ﴾ [يوسف: ٢٤] وكأنهم أكثر غيرةً على يوسف من ربه ، نعم همَّ بها يوسف أي: فكَّر فيها أو غير ذلك، ولن نقول لكم على الصواب لتظلوا في حيرتكم، لكن أنزعَ الله منه الرسالةَ بعد ما همَّ بها؟ إذن: همُّه بها لم يناقض الرسالة، فما تقولونه في هذه المسألة فضول منكم. ثم تأتي العلة في هذه المسألة ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثم تختم الآية بما لا يدع مجالاً للشك في رسول الله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: لا بُدَّ أن يحدث، ولن يترك لأيِّ شخص آخر، حتى لا تفسد القضية في إلغاء عادة التبني، إذن، فزواج رسول الله من امرأة مُتبنَّاه ما كان إلا لرفع الحرج عن جميع المؤمنين، والآن يصح لكل مُتبنٍّ أن يتزوج امرأة مُتبنَّاه.

стр. 14601

قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي:

стр. 14602

إثم أو ملامة ﴿فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي: كيف تلومون رسول الله على تنفيذ أمر فرضه الله له وتأمل ﴿فَرَضَ الله لَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي: لصالحه ولم يقُلْ فرض عليه؟ ما دام أن الله هو الذي فرض هذا، فلتُصعِّدوا الأمر إليه، فليس لرسوله ذنب فيه. وهذه المسألة تشبه تماماً مسألة الإسراء، فحين أخبر سيدنا رسول الله قومه بخبر الإسراء قالوا: يا محمد أتدَّعي أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وهذا غباء منهم لأن محمداً لم يقل: سريْت إنما قال: أُسْرِي بي. فالذي أسري به ربه إذن: المسألة ليست من فعل محمد، ولكن من فعل الله. وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً توضيحياً - ولله المثل الأعلى - قُلْنا: هَبْ أن رجلاً قال لك: أنا صعدتُ بولدي الصغير قمة (إفرست) أتقول له: كيف صعد ولدك قمة (إفرست) ؟ لكن انتفعنا الآن بقول المكذِّبين: أتدَّعي يا محمد أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؛ لأن غباء المكذِّب يؤدي به إلى عكس ما قصده من غبائه، فهذا القول اتخذناه الآن دليلاً للرد على مَنْ يقولون بأن الإسراء كان رؤيا، أو كان بالروح دون الجسد. فلو قال رسول الله: رأيتُ في الرؤيا أني أتيتُ بيت المقدس ما

стр. 14603

قالوا هذه المقالة، إذن: فَهِمَ القومُ أن رسول الله أتي بيت المقدس بروحه وجسده، وإلا ما قارنوا بين ذهابهم وذهابه، فالذين عاصروا هذه الحادثة قالوا هذه المقالة، فكيف نأتي اليوم لنقول: إن الإسراء كنا مناماً، أو كان بالروح دون الجسد؟ وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي: إخوانه من الرسل السابقين، أو فيما كان قبل الإسلام من التعدُّد، فلم يكُنْ رسول الله بدَعاً في هذه المسألة. ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] تلحظ أن الآية السابقة خُتِمَتْ بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧] فلقائل أن يقول نعم مفعولاً في هذا الوقت الذي حدثتْ فيه هذه الأحداث؛ لذلك قال هنا ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي: أن ما حدث لرسول الله كان مقدراً أزلاً، ولا شيء يخرج عن تقدير الله، وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ على ما كُتِب، وعلى ما قُدِر.

стр. 14604

وكأن الحق سبحانه يُعيدنا إلى قوله تعالى في نبيه محمد: ﴿وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فالرسل

стр. 14605

لا يخشوْنَ شيئاً في البلاغ عن الله، فكأنه تعالى نفى عن الرسول ﷺ َ أن تكون خشيته في البلاغ، إنما خشيته استحياؤه مخافة أنْ تلوكه ألسنة قومه، وإلاَّ فَهُمْ لا يملكون له شيئاً يضره أو يخيفه. نلحظ هنا أن ﴿الذين يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٣٩] هذه العبارة مبتدأ لم يُخبر عنه؛ لأن قوله تعالى ﴿وكفى بالله حَسِيباً﴾ [الأحزاب: ٣٩] ليس خبراً لهذا المبتدأ، إنما هو تعليق عليه، فأين خبر هذا المبتدأ؟ قالوا: تقديره، الذين يُبلِّغون رسالات الله. . لا يمكن أنْ يُتَّهموا بأنهم خشنوا الناس من أجل البلاغ. ﴿وكفى بالله حَسِيباً﴾ [الأحزاب: ٣٩] أي: أنكم لن تحاسبوهم، إنما سيحاسبهم الله، وكان مقتضى الحساب مع رسول الله إنْ فعل ما لا يصحّ منه أنْ تسحب منه الرسالة، وأنْ يأتي الله بنبي آخر، ولم يحدث شيء من هذا. ثم يعود السياق إلى أمر آخر في قضية التبني، فيقول سبحانه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ... ﴾ .

стр. 14606

قال سبحانه ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] لأن علاج قضية التبني أهمُّ من أُبوته ﷺ َ لأحد منكم أن يكون أبوه رسول الله؛ لأن أبوته لآخر لا تنفعه بشيء، إنما ينفعه البلاغ عن الله، وأن يحمل له منهج ربه الذي يسعده في دينه ودنياه.

стр. 14607

إذن: ففرحكم برسول الله كرسول أَوْلَى من فرحكم به كأب، وإلاَّ فما أكثر من لهم آباء، وهم أشقياء في الحياة لا قيمة لهم. وقوله ﴿مَّا كَانَ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] النفي هنا يفيد الجحود، فهو ينكر ويجحد أنْ يكون محمدا أَباً لأحد من رجالكم، وتأمل عظمة الأداء القرآني في كلمة ﴿مِّن رِّجَالِكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولم يَقُلْ مثلاً أبا أحد منكم، لماذا؟ قالوا: لأنه ﷺ َ كان أباً لعبد الله وللقاسم ولإبراهيم، وكانوا جميعاً منهم، وهو ﷺ َ أبوهم، فجاءت كلمة ﴿رِّجَالِكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] لتُخرج هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم لم يبلُغوا مبلغ الرجال، فمحمد ما كان أبداً أبا أحد من الرجال، وإنْ كان أباً لأولاد صغار لم يصلوا إلى مرحلة الرجولة. وقوله ﴿ولكن ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أي: أهم من أُبوَّته أن يكون رسول الله ﴿ولكن رَّسُولَ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ليس هذا فحسب، ولكن أيضاً ﴿وَخَاتَمَ النبيين ... ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أي: الرسول والنبي الذي يختم الرسالات، فلا يستدرك عليه برسالة جديدة. وهذه من المسائل التي وقف عندها المستشرقون معترضين، يقولون: جاء في القرآن: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ... ﴾ [آل عمران: ٨١] . ومحمد ﷺ َ من ضمن الأنبياء الذين أُخذَ عليهم هذا العهد، بدليل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٧] . إذن: أخذ الله العهد على الأنبياء أنه من ضمن مبادئهم أنْ يُبلِّغوا قومهم بمقدم رسول جديد، وأنه إذا جاءهم عليهم أن يؤمنوا به، وأنْ ينصرونه، كما بشَّر مثلاً عيسى ﵇ برسالة محمد ﷺ َ

стр. 14608

فقال: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ ... ﴾ [الصف: ٦] . فكيف يخبر الله عن محمد أنه خاتم النبيين وهو واحد منهم؟ نقول: نعم هو واحد منهم، لكن إنْ كانوا قد أُمِروا بأنْ يُبشِّروا وأنْ يُبلغوا أقوامهم برسول يأتي، فقد أمر ﷺ َ أن يَبلِّغ قومه أنه خاتم الأنبياء والرسل. لذلك يُرْوَى أن رجلاً ادَّعَى النبوة في زمن المأمون، فأمر به فَوُضِع في السجن، وبعد عدة أشهر ظهر رجل آخر يدعي النبوة، فرأى المأمون أن يواجه كل منهما الآخر، فأحضر المدعي الأول وقال له: إن هذا الرجل يدَّعي أنه نبي، فماذا تقول فيه؟ قال: هو كذاب؛ لأنني لم أرسل أحداً - فارتقى إلى منزلة الألوهية، لا مجدر أنه نبي. والمرأة التي ادَّعَتْ النبوة أيضاً في زمن المأمون لما أوقفها أمامه يسألها قالها لها: ألم تعلمي أن رسول الله قال: لا نبيَّ بعدي؟ قالت: بلى، ولكنه لم يقل لا نبية بعدي! ثم يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٠] وما دام أن الله تعالى عليهم بكل شيء فليس لأحد أنْ يعترض؛ لأنه سبحانه هو الذي يضع الرسول المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب، وقد علم سبحانه أن رسالة محمد تستوعب كل الزمان وكل المكان.

стр. 14609

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ياأيها الذين ... ﴾ .

стр. 14610

أمرنا ربنا سبحانه بذكره ذِكْراً كثيراً؛ لأن الذكْر عمدة العبادات وأيسرها على المؤمن؛ لذلك نجد ربنا يأمرنا به عند الانتهاء من العبادات كالصلاة والصيام والحج، وجعله سبحانه أكبر فقال ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ... ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . والذكر شغل الذاكرة، وهي منطقة في المخ، قُلْنا: إن المعلومة يستقبلها الإنسان في بؤرة شعوره، فإذا أراد أنْ يحفظ بها لحين الحاجة إليها حفظها في الحافظة، أو في حاشية الشعور، فأنت مثلاً ترى شخصاً فتقول: هذا الرجل لم أَرَهُ منذ عشرين سنة، وآخر مرة رأيته كان في المكان الفلاني. إذن: الذكر لشيء كان موجوداً في بؤرة الشعور، الذكر يعني قضية موجودة عندك بواقع كان لها ساعة وجودها، لكن حصلتْ عنها غفلة نقلتها إلى حاشية الشعور أو الحافظة، بعد ذلك نريد منك ألا تنساها في الحاشية أو في منطقة بعيدة بحيث تحتاج إلى مجهود لتذكرها، إنما اجعلها دائماً في منطقة قريبة لك، بحيث يسهل عليك تذكُّرها دون عناء. وكذلك ينبغي أنْ يكون ذكرك لله، فهو القضية الحيوية التي ينبغي أنْ تظلَّ على ذِكْر لها دائماً وأبداً، وكيف تنسى ذكر ربك وقد أخذ عليك العهد، وأنت في عالم الذرِّ، وأخذ منك الإقرار بأنه سبحانه

стр. 14611

ربُّك، الحق سبحانه خلق العقل ليستقبل المعلومات بوسائل الإدراك، كما قال تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . فكأن السمع والبصر هما عُمْدة الحواسِّ، وبهما نعلم ما لم نكُنْ نعلمه حين نزولنا من بطون أمهاتنا، ونحن حين نستقبل المعلومات يظن بعض الناس أن الناس يختلفون في ذلك ذكاء وبلادةً، فواحد يلتقط المعلومة من مرة واحدة، وآخر يحتاج إلى أنْ تعيدها له عدة مرات. والواقع أن العقل مثل آلة (الفوتوغرافيا) يلتقط المعلومة من مرة واحدة شريطةَ أن يكون خالياً ومستعداً لاستقبالها غير مشغول بغيرها؛ لأن بؤرة الشعور لا تسع ولا تستوعب إلا فكرة واحدة، وهذه المسألة تناولناها في قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ... ﴾ [الأحزاب: ٤] . فالإنسان الذكي هو الذي لا يشغل باله بأمرين في وقت واحد، ولا يفكر في شيء وهو بصدد شيء آخر، فإذا كانت بُؤْرة الشعور خالية فالناس جميعاً سواسية في التقاط المعلومة. لذلك، المدرس الموفّق هو الذي يستطيع أنْ يجتذب إليه انتباه التلاميذ، ولا يعطيهم الفرصة للانشغال بغير الدرس، وهذا لا يتأتى إلا بالتلطُّف إليهم وإشراكهم في الدرس بالأسئلة من حين لآخر، ليظل التلميذ متوقعاً لأنْ يسألَ فلا ينشغل، لذلك رأينا أن الطريقة الحوارية هي أنجح طرق التدريس، أما طريقة سَرْد المعلومات فهي تجعل المدرس في وادٍ والتلاميذ في واد آخر، كل منهم يفكر في شيء يشغله.

стр. 14612

وسبق أنْ قُلْنا: إن الطالب حين يعلم بأهمية درس من الدروس فيذاكره وهو ذاهب للامتحان وهو يصعد السلم إذا جاءه هذا الدرس يجيب عنه بنصه، لماذا؟ لأنه ذاكره في الوقت الحرج والفرصة ضيقة لا تحتمل انشغالاً ولا تهاوناً، فيلتقط العقل كل كلمة ويُسجِّلها، فإنْ أراد استرجاعها جاءت كما هي، لماذا؟ لأنها صادفتْ العقل خالياً غير مشغول. وتأمل عظمة الخالق سبحانه في مسألة التذكُّر، فالذاكرة جزء صغير في المخ، فكيف بالطفل الصغير الذي لا يتجاوز الثامنة يحفظ القرآن كاملاً ويُعيده عليك في أيِّ وقت، ونحن نتعجب من شريط التسجيل الذي يحفظ لنا حلقة أو حلقتين. والقرآن ليس حفظاً فحسب، إنما معايشة، فحروف القرآن ملائكة، لكل حرف منه ملك، والملَك يحب مَنْ يودُّه، فإذا كنتَ على صلة بالقرآن تكثر من تلاوته، فكأنك تود الملائكة، فساعة تريد استرجاع ما حفظت تراصتْ لك الملائكة، وجرى القرآن على لسانك. فإنْ هجرْته هجرك، وتفلَّت من ذاكرتك؛ لذلك حذرنا رسول الله ﷺ َ من هجر القرآن، فقال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تفصياً من الإبل في عقلها» . وسبق أنْ قُلْنا: إن الذكر هو العبادة الوحيدة التي لا تكلفك شيئاً، ولا تُعطل جارحة من جوارحك، ولا يحتاج منك إلى وقت، ولا إلى مجهود، وليس له وقت مخصوص، فمَنْ ذكر الله قائماً وذكر

стр. 14613

الله قاعداً وذكر الله على جَنْبه عُدَّ من الذاكرين - هذا بالنسبة لوضعك - ومَنْ ذكر الله بُكْرة، وذكر الله أصيلاً، أو غدواً وعشياً، أصبح من الذاكرين - هذا بالنسبة للزمان. ومن قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حْولَ ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثلاثين مرة في اليوم كُتِبَ من الذاكرين، ومَنِ استيقظ ليلاً فأيقظ أهله، وصلَّى ركعتين فهو من الذاكرين. إذن: فذِكْر الله مسألة سهلة تستطيع أنْ تذكر الله، وأنت تعمل بالفأس، أو تكتب بالقلم، تذكر الله وأنت تأكل أو تشرب. . إلخ فذكر الله وإنْ كان أكبر إلا أنه على المؤمن سهل هَيِّن. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٢] التسبيح: هو التقديس، والتقديس هو التنزيه، فعن أيِّ شيء نُنزه الله؟ قالوا: ننزه الله في ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، فالله تعالى له وجود، ولك أنت وجود، وللنهر وللجبل وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجود ما سواه، وجوده تعالى عن غير عدم، أما وجود ما سواه فوجود عن عدم، هذا في الذات. أما في الأفعال، فالله تعالى له فِعْل كما أن لك فعلاً، لكن نزِّه ربك أنْ يكون فعله كفعلك، وهذا ما قلناه في حادثة الإسراء والمعراج، وفي الفرق بين سَرَى وأسرى به، فإذا كان الفعل لله تعالى فلا تنظر إلى الزمن لأنه ليس فعلك أنت، بل فعلْ الله، وفعل الله بلا علاج، إنما يقول للشيء: كٌنْ فيكون. وقلنا: إنه حتى في طاقات البشر نجد الفعل يأخذ من الزمن على قدر قوة فاعله، فالولد الصغير ينقل في ساعة ما ينقله الكبير في

стр. 14614

دقيقة، فلو قِسْتَ فعلَ الله بقدرته تعالى وجدت الفعل بلا زمن. كذلك نُنزه الله في صفاته، فالله تعالى له سمع نُزِّه أن يكون كسمعك، وله وجه نُزِّه أنْ يكون كوجهك. . إلخ كل هذا في إطار ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ﴾ [الشورى: ١١] . وحين تستعرض آيات التسبيح في القرآن تجدها كثيرة، لكن للتسبيح طابع خاص إذا جاء في استهلالات السور، ففي أول الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ... ﴾ [الإسراء: ١] . فبدأت السورة بتنزيه الله لما تحتويه من أحداث عجيبة وغريبة؛ لذلك قال بداية ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ... ﴾ [الإسراء: ١] فالله له التسبيح والتقديس ثابت قبل أنْ يفعل، وسبحان الله قبل أنْ يوجد المسبِّح، كما أنه تعالى خالق قبل أنْ يوجد من خلق، فهو بالخالقية فيه أولاً خلق، كما قلنا في الشاعر: تقول فلان شاعر، هل لأنك سمعت له قصيدة أم هو شاعر قبل أن يقولها؟ هو شاعر قبل أنْ يقولها، ولولا أنه شاعر ما قال: والمتتبع لألفاظ التسبيح في القرآن يجد أنه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق المسبِّحين في قوله ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ. .﴾ [الإسراء: ١] ثم بعد أن خلق الله الخَلْق ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ... ﴾ [الحشر: ١] . وما يزال الخلق يُسبِّح في الحاضر: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ... ﴾ [الجمعة: ١] فتسبيح الله كان وما يزال إلى قيام الساعة، لذلك يأمر الحق سبحانه نبيه ﷺ َ ومعه أمته ألاَّ يخرج عن هذه المنظومة المسبِّحة، فيقول له: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ [الأعلى: ١] .

стр. 14615

وجاء الأمر بذكر الله وبعد الأمر بتسبيحه تعالى، وكأنه يقول لك كلما ذكرته: نزِّهه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، فمن مصلحتك في رحلة الحياة ألاَّ يكون لله مثيل ولا شبيه ولا نظير ولا نِدٌّ؛ لأن الجميع سيكونون تحت عَدْله سبحانه، فتنزيه الله لمصلحَتك أنت أيها المسبِّح. وسبق أنْ ذكرنا في ذلك قول أهل الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) فوجود كبير فوق الجميع يحميك أنْ يتكبر أحد عليه، إذن: عظمته تعالى وكبرياؤه من أعظم النعم علينا، فساعة تُسبِّحه وتُنزِّهه أحمد الله لأنه مُنزَّه، أحمد الله أنه لا شريك له، وأن الناس جميعاً عنده سواء، أحمد الله لأن كلامه وأمره نافذ على الجميع، أحمد الله أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وليس بينه وبين أحد من خَلْقه نَسَب. وكيف لا نذكر الله ولا نسبّحه ونحمده، وهو سبحانه الذي خلق الخَلْق، وقبل أنْ يخلقهم رتَّب لهم غاياتهم - والخَلْق: إيجاد على تقدير لغاية - بل وأعدَّ لهم ما يخدمهم، فطرأ الإنسان على كون مُعَدٍّ لاستقباله، فقبل أنْ يخلقه خلق له. ثم ما كلفك بمنهجه مباشرة، إنما تركك تربع في نعمه، منذ ميلادك إلى سِنِّ البلوغ بدون تكليف، ومعنى البلوغ أنْ تصل سنَّ الرشد فتُقبل على الله بعقل وفكر، فالدين ليس تقليداً إنما عقدة واقتناع. وسبق أنْ شبَّهنا نضج الإنسان بنضج الثمرة، فالثمرة لا تحلو إلا حين تنضج بذرتها، وتصير صالحة للإنبات إنْ زُرعت، وهذه من عظمة الخالق سبحانه، ولو أن الثمرة تحلو وتستوي قبل نُضْج

стр. 14616

بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، ولما انتفع بها أحد بعدنا، ومثَّلْنا لذلك ببذرة البطيخ إن وجدتها سوداء صلبة فاعلم أن ثمرتها استوت وحَلَتْ وصارتْ صالحة للأكل، وهذه المسألة جعلها الخالق سبحانه لحفظ النوع. شيء آخر: بعد أن بلغتْ سنَّ التكليف، أجاءك التكليف مستوعباً لكل حركة في حياتك؟ أجاء قَيْداً لك؟ حين تتأمل مسائل التكليف تجدها في نطاق محدود أمرك الله فيه بافعل كذا ولا تفعل كذا، وهذه المنطقة لا تشغل أكثر من خمسة في المائة من حركة حياتك، وترك لك نسبة الخمسة والتسعين أنت حُرٌّ فيها، تفعل أو لا تفعل، فأيُّ عظمة هذه ﴿وأيُّ رحمة التي يعاملنا بها ربنا ﴾ وهذا إنْ دلَّ فإنما يدلُّ على حبِّ الخالق سبحانه لخَلْقه وصنعته. أفلا يستوجب ذلك منَّا ألاَّ نغفل عن ذكره، وأن نكثر من تسبيحه وشكره، في كل غدوة وعشية. والأعظم من هذا كله أنه جعل ذكْرك له وتسبيحك إياه لصالحك أنت، وفي ميزانك؛ لذلك قال في الآية التي بعدها: ﴿هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ... ﴾ .

стр. 14617

معنى ﴿هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٣] الصلاة هي الدعاء، والدعاء لا يكون إلا بطلب الخير للداعي، ولا يدعو إلا قادر على هذا الخير، وعليه كيف نفهم هذا المعنى؟ أيدعو ربنا نفسه تبارك

стр. 14618

وتعالى؟ قالوا: إذا كانت نهاية الصلاة طلبَ الخير، وهذا الخير إذا طلب حصل، فالحق سبحانه هو الداعي، وهو الذي يملك مفاتح الخير كله، فهو الذي يُصلِّي عليكم، وهو الذي يعطيكم، وهو الذي يرحمكم. وأيضاً يُصلِّي عليكم الملائكة ﴿وَمَلاَئِكَتُهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقد أخبرنا سبحانه عنهم أنهم ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] . وقال: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . والملائكة أقسام: منهم المكلفون بخدمتنا ومنافعنا في الأرض، ومنهم مَنْ يحفظنا من الأحداث التي قد تفاجئنا بإقدار الله لهم عليها، ومنهم الحفظة والكرام الكاتبون، وهؤلاء الملائكة المتعلقون بنا هم الذين أُمروا بالسجود لآدم ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . وهذا دليل على أنهم سيكونون في خدمته. وكأن الله تعالى قال لإبليس: طلبتُ منك أنْ تسجد لآدم، وطلبت من الملائكة وأنت معهم، فإنْ كنتَ من الملائكة فينبغي أن تستجيب، وإنْ لم تكُنْ من الملائكة وحشرتك بطاعتك في زمرتهم كان يجب عليك أنْ تطيع لأن الأعلى منك سجد. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثَل، ولله تعالى المثل الأعلى قُلْنا: إذا أعلن في أحد الدواوين الحكومية أن الرئيس سيزور هذ الديوان يوم كذا، وعلى الوزراء أنْ يصطفُّوا لتحيته، ألم يشمل هذا الأمر وكلاء الوزارة من باب أَوْلى؟

стр. 14619

فإذا قال الله للملائكة: اسجدوا لآدم وكان معهم إبليس وهو أقلّ منهم، فكان عليه أنْ يسجد. ثم إنْ كنتَ يا إبليسُ أخذتَ منزلة أعلى من الملائكة بالطاعة، فلا بُدَّ أنْ تكون طاعتك لله على هذه المنزلة، فأنت مَلُوم على أيِّ حال، إلا أنه كان من الجن، والجن مختار، ففسق عن أمر ربه. وهناك نوع آخر من الملائكة لا دخلَ لهم بالإنسان ولا بدنياه، وهم الملائكة العالون أو المهيَّمون، وهم الذين قال الله فيهم لما أبى إبليس أنْ يسجد قال له ربه: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ [ص: ٧٥] . وهؤلاء العالون لم يشملهم الأمر بالسجود؛ لأنهم لا يدرون شيئاً عن آدم، وليس لهم علاقة به، وأخصُّهم حَمَلة العرش وهم أكرم الملائكة، وهؤلاء هم الذين يُصلُّون عليكم بعد أنْ صلَّى الله عليكم؛ لذلك يُبيِّن لنا الحق سبحانه هؤلاء الملائكة ودورهم في الصلاة علينا والاستغفار لنا، فيقول سبحانه: ﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ... ﴾ [غافر: ٧] . فهؤلاء هم أخصُّ الملائكة وأكرمهم يُسبِّحون بحمد ربهم ويؤمنون به، لكن ما فائدة (يؤمنون به) بعد أن سبَّحوه؟ قالوا: لأن التسبيح قد يكون عن خوف ورهبة، أما تسبيح هؤلاء فتسبيح عن حبٍّ وعن إيمان، وأنه يستحق أنْ يُسبَّح، ومن مهام هؤلاء أيضاً أنهم يستغفرون للذين آمنوا، وإنْ لم تكن لهم علاقة

стр. 14620

بالناس وليسوا في خدمتهم، إلا أنهم يُصَلُّون عليهم ويستغفرون لهم. إذن: نقول الصلاة من مالك الدعوة القادر على الإجابة رحمة وعطف وحنان، والصلاة ممَّنْ دونه دعاء للقادر المالك للخير، فهم يدعون الله للمؤمنين ويستغفرون الله لهم، بل ويبالغون في الدعاء ويتعطَّفون فيه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم﴾ [غافر: ٧] . بل لم يقفوا عند حَدِّ طلب النجاة للمؤمنين من النار، إنما يطلبون لهم الجنة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [غافر: ٨] . ثم يزيدون على ذلك: ﴿وَقِهِمُ السيئات وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ [غافر: ٩] . ووالله، لو أراد المؤمن أنْ يدعو لنفسه ما وجد أعمَّ ولا أشمل من دعاء الملائكة له، فبعد أنْ طلبوا له المغفرة والنجاة من النار لم يتركوه هكذا في أهل الأعراف، لا هُمْ في الجنة، ولا هُمْ في النار، إنما سألوا الله لهم الجنة عملاً بقوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ... ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وهذه المسألة من المسائل التي وقف أمامها المستشرقون، فقالوا: إنها تتناقض مع الحديث النبوي: «ما من يوم تطلع شمسه إلا وينادي ملكان يقول أحدهما: اللهم أَعْط مُنفقاً خَلَفاً، ويقول

стр. 14621

الآخر: اللهم أعْط مُمسكاً تَلَفاً» ، فكيف تقولون: إن الملائكة يدعون للناس بالخير وهم يدعون عليهم بالشر؟ وهم معذورون في اعتراضهم؛ لأن ملكاتهم لا تستطيع فَهْم المعاني في الحديث الشريف، والتناقض في نظرهم في قوله ﷺ َ: «ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» ، فالأولى واضحة لا تناقض فيها؛ لأنها دعوة بالخير، أما الثانية فهي دعوة بالشر. «اللهم أعْط ممسكاً تلفاً» . ولو تأملوا نصَّ هذه العبارة لوجدوا فيها الجواب، فالتلف يُعطي أم يؤخذ؟ المفروض أنه يُؤخذ، فحين يقول رسول الله: «اللهم أعط ممسكاً تلفاً» فاعلم أنه عطاء لا أَخْذٌ وإن كان في ظاهره تلفاً، والمعنى أن شيئاً شغلك، وفتنك فتصيبك فيه مصيبة تخلصك منه فتعود إلى ربك، إذن: هو أَخْذ في الظاهر عطاء في الحقيقة. ثم يبيّن لنا الحق سبحانه العلَّة في صلاة الله وصلاة الملائكة على المؤمنين، فيقول ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور ... ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فكأن منهج الله بافعل ولا تفعل هو أول صلاة الله علينا؛ لأنه الوسيلة التي تُخرجنا من الظلمات إلى النور، وجاء هنا بالشيء الحسِّيِّ لنقيس عليه المعنوي، فأنت في النور ترى طريقك وتهتدي إلى غايتك بلا معاطب، أمَّا في الظلام فتتخبط خُطَاك وتضلّ الطريق في الظلام، تسير على غير هُدى، وعلى غير بصيرة، فتحطم الأضعف منك، ويُحطِّمك الأقوى منك. والنبي ﷺ َ يُوجِّهنا حين ننام بالليل أنْ نطفيء المصابيح فيقول: «

стр. 14622

واطفئوا المصابيح إذا رقدتم» وقد أثبت العلم أن للأنوار المضاءة أثناء النوم تأثيراً ضاراً على صحة الإنسان، وأنه لا يرتاح في الضوء الراحة التامة لما يصيبه أثناء النوم من إشعاع الضوء، كما حذرونا أيضاً من التعرُّض لأضواء التليفزيون مثلاً. إذن: للنور مهمة، وللظلمة مهمة - هذا في الحسِّيات. كذلك منهج الله بافعل ولا تفعل هو النور المعنوي الذي يقيك العطب، ويمنحك الإشراقات التي تهتدي بها في دروب الحياة، لذلك قال تعالى بعدها: ﴿وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] . لكن إنْ كان سبحانه رحيماً بالمؤمنين، فما بال الكافرين؟ قالوا: هو سبحانه بالكافرين رحمن، فالله تعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة؛ لأن رحمن الدنيا يعني أن خيره يعُمُّ الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، أما في الآخرة فتتجلَّى صفة الرحيم؛ لأن رحمته في الآخرة تخصُّ المؤمنين دون غيرهم. والحق سبحانه حين يقول: ﴿الله نُورُ السموات والأرض ... ﴾ [النور: ٣٥] لا يعني هذا وَصْفاً لذاته سبحانه، إنما يعني أنه سبحانه نور السماوات والأرض أي: مُنوِّرهما كما نقول: المصباح نور المسجد. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بقول أبي تمام في مدح المعتصم:

стр. 14623

إقْدَامُ عَمروٍ في سَمَاحةِ حاتم ... في حِلْم أحنْفَ في ذَكَاءِ إيَاسِ وعمرو مضرب المثل عند العرب في الشجاعة، وحاتم في الكرم، وأحنف بن قيس في الحِلْم، وإياس بن معاوية في الذكاء، فقام إليه أحد الحاضرين وقال له - وكان حاقداً عليه -: أمير المؤمنين فوق ما تقول، أتُشبِّهه بأجلاف العرب؟ وأنشأ يقول: وشبَّهه المدَّاح في البَأسِ والنَّدَى ... بمَنْ لوْ رآهُ كَانَ أصْغر خَادِمِ فََفِي جَيْشهِ خَمْسونَ ألْفاً كعنتْر ... وفي خُزَّانِهِ أَلْفُ حَاتِمِ عندها أطرق أبو تمام هُنيهة، ثم قال: لاَ تُنكِرُوا ضَرْبي له مَنْ دُونَهُ ... مَثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والبَاسِ فَاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلّ لِنُورِهِ ... مثَلاً من المشْكاةِ والنِّبراس إذن: فالنور المعنوي يُجنّبك العطب المعنوي، كما أن النور الحسيَّ يُجنَّبك العطب الحسِّيَّ؛ لذلك قال سبحانه عن نوره ﴿نُّورٌ على نُورٍ ... ﴾ [النور: ٣٥] يعني: نور حِسّيّ يقيكم المعاطب الحسية، ونور معنوي يقيكم المعاطب المعنوية ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ... ﴾ [النور: ٣٥] والمراد به هنا النور المعنوي الذي يهتدي به المؤمن ويسير عليه، أما الكافر فهو لا يعرف إلا النور الحسيَّ فقط. فإنْ سألت: فأين نجد هذا النور يا رب؟ يُجيبك ربك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ... ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] . فإنْ أردتَ النور الحق فهو في خَلْوتك مع ربك وفي بيته، حيث تتجلَّى عليك إشراقاته ويغمرك نوره.

стр. 14624

وقبل أن نترك مسألة صلاة الله وصلاة الملائكة على المؤمنين نذكر صلاتنا نحن على النبي ﷺ َ، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] . فالصلاة من الله تعالى تعني الحنان والرحمة والعطف، والصلاة من الملائكة تعني الدعاء والطلب من الذي يملك، أما الصلاة منا نحن على سيدنا رسول الله، فلبعض يظن أنها دعاء منا لرسول الله، وهي ليست كذلك؛ لأنك تقول في الصلاة على رسول الله: اللهم صَلِّ على محمد، فأنت لا تصلي عليه ﷺ َ، إنما تطلب من الله تعالى أنْ يصلي عليه، لكن كيف تطلب من الله أن يصلي على رسوله؟ قالوا: لأن كل خير ينال الرسول منثور على أمته. والحق لم يدع محمداً يصلي عليه كل مَنْ آمن به، ثم لا يرد رسول الله عليه هذه التحية بصلاة مثلها، فقال سبحانه: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ ... ﴾ [التوبة: ١٠٣] وكأنها رَدٌّ للتحية ولصلاة المؤمنين على رسول الله ﷺ َ. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ... ﴾ .

стр. 14625

الكلام هنا عن الآخرة، وهذه التحية، وهذا السلام ليس منا، ولكن من الله، كما قال في موضع آخر ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . فالرحمة التي ننالها، والعطف والحنان من الله لنا في الدنيا

стр. 14626

يعني: سداداً في حركة الحياة، واستقامة في السلوك، وراحةَ للبال، واطمئناناً للنفس، لكن مع هذا لا تخلو الدنيا من مُنغِّصات وأحداث تُصيبك، أما رحمة الله في الآخرة فهي سلام تام لا يُنغِّصه شيء، والإنسان أيضاً يتمتع بنعم الله في الدنيا، لكن يُنغِّصها عليه خشية فواتها. أما في الآخرة فيتمتع متعة خالصة، لا ينغصها شيء، فالنعمة دائمة باقية لا يفوتها ولا تفوته، لقد كان في الدنيا في عالم الأسباب وهو الآن في الآخرة مع المسبِّب سبحانه الذي يقول: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . لكن، ما المراد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٤] أيوم القيامة للثواب، أَمْ يوم يلقوْنَهُ بالموت وبانتهاء الحياة، كما نقول مثلاً في الموت: فلان لقي ربه؟ قالوا: المؤمن لا يأتيه مَلَك الموت إلا إذا سلَّم عليه أولاً قبل أن يقبض روحه، فإذا سلم عليه فهذا يعني أنه من أهل السلام، وهذه أول مراتبه. وقد يكون المراد السلام التام الذي يَلْقاه المؤمن يوم القيامة حيث يجد سلاماً لا مُنغِّصات بعده. لذلك نجد أن سيدنا رسول الله ﷺ َ وهو يعاني سكرات الموت تقول له السيدة فاطمة لما رأتْ ما يعانيه: واكرباه يا أبتاه، فيقول لها «لا كرب على أبيك بعد اليوم» فأيُّ كرب على رسول الله بعد أن ينتقل إلى جوار ربه، إلى السلام النهائي الذي لا خوفَ بعده.

стр. 14627

ثم يقول سبحانه: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٤] فوصف الأجر نفسه بأنه كريم، والذي يُوصَف بالكرم الذي أعدَّ الأجر، فوصف الأجر بأنه كريم يعني أن الكرم تعدَّى من الرب سبحانه الذي أعده إلى الأجر نفسه، حتى صار هو أيضاً كريماً. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب: ٣١] فتعدَّى الكرم من الرازق إلى الرزق؛ لأن الرزق في الدنيا له أسباب بأيدي الخَلْق، لكن الرزق في الآخرة يأتيك بلا أسباب، وليس لأحد فيه شيء، ولماذ لا يُوصَف بالكرم وهو يأتيك دون سَعْي منك، وبمجرد الخاطر تستدعيه فتراه بين يديك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ياأيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ ... ﴾ .

стр. 14628

الشاهد: هو الذي يؤيد ويُثبِّت الحق لصاحبه؛ لذلك يطلب القاضي شهادة الشهود ليأتي حكمه في القضية عن تحقيق وبيِّنة ودليل؛ لذلك يقولون إن القاضي لا يحكم بعلمه، إنما بالبينة حتى إنْ علم شيئاً في حياته العامة، ثم جاء أمامه في القضاء يتركه ويتنحَّى عنه لقاضٍ آخر يحكم فيه حتى لا يبني حكمه على علمه هو. وحين نتأمل هذه المسألة تجد أن الله تعالى يريد أنْ يُوزِّع مسئولية الحكم على عدة جهات، حتى إذا ما صدر الحكم يصدر بعد تدقيق وتمحيص وتصفية لضمان الحق.

стр. 14629

فنرى مثلاً إذا حدثتْ حادثة نذهب إلى القسم لعمل (محضر) بالحادث، (المحضر) يحيله ضابط الشرطة إلى النيابة، فتحيله النيابة للقاضي ليحكم فيه، ثم يُعَاد مرة أخرى للسلطة التنفيذية ليُنفَّذ، كل هذه الدورة يُراد بها تحري الحق ووضعه في نصابه. فما بالك إذا كان الحق سبحانه هو الذي يشهد، وهو الذي يحكم، وهو الذي يُنفِّذ الحكم؟ لا شكَّ أن العدالة هنا ستكون عدالة مطلقة. فإنْ قلتَ: إذن عَلاَم يشهد رسول الله؟ قالوا: يشهد رسول الله أنه بلَّغ أمته، كما يشهد الرسل جميعاً أنهم بلَّغوا أممهم كما قال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١] . إذن: كل رسول شهيد على أمته، وأنت شهيد على هذه الأمة أنك قد بلَّغتها، لكن ميْزتُك على مَنْ سبقك من إخوانك الرسل أن تكون خاتمهم، فلا نبيَّ بعدك؛ ولذلك سأجعل من أمتك من يخلف الأنبياء الذين يأتون بعد الرسل في مهمتهم. لذلك جاء في الحديث الشريف قول رسول الله ﷺ َ: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» . إذن: ضمن الحق سبحانه في أمة محمد أنْ يوجد فيه مَنْ يقوم بمهمة الأنبياء في البلاغ، وهذا معنى ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] .

стр. 14630

وكلمة الناس هنا عامة، تشمل آدم ﵇ وذريته إلى قيام الساعة، فإنْ قلتَ كيف؟ نقول: يشهدون على الناس بشهادة القرآن أن الرسل قد بلَّغَتْ أممها، هذا بالنسبة لمن مضى منهم، أما مَنْ سيأتي فأنتم مطالبون بأن تشهدوا عليهم أنكم قد بلَّغتموهم، كما يشهد عليكم رسول الله أنه قد بلَّغكم. إذن: فأمة محمد أخذت حظاً من النبوة، وهو أنها ستُسْتدعي وتشهد على الناس. لذلك يُعِدّ رسول الله ﷺ َ أمته لهذه المهمة، فيقول: «نضَّر اللهُ امرءاً، سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ يسمعها، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع» . واقرأ أيضاً في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] لماذا؟ ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] فهذه الأمة في الوسط، بحيث لا إفراط ولا تفريط، وما أشبهها بالميزان الذي لا تميل كفة عن الأخرى إلا بما يُوضعَ فيها، فهي كالميزان العادل الذي لا يميل هنا أو هناك. وقوله سبحانه ﴿وَمُبَشِّراً ... ﴾ [الأحزاب: ٤٥] لمن استجاب لك بثواب الله، والبشارة هي الإخبار بالخير قبل أوانه ﴿وَنَذِيراً ... ﴾ [الأحزاب: ٤٥] أي: منذراً لمن لم يُصدقك بعقاب الله، والإنذار هو التخويف بشرٍّ لم يأْت أوانه ﴿وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٦] أي: بأمر منه، لا تطَوُّعاً من عندك، فقد يأتي زعيم من الزعماء أو مصلح من

стр. 14631

المصلحين بمنهج أو بأفكار من عنده ويبثُّها في مجتمعه. فقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ ... ﴾ [الأحزاب: ٤٦] يبين الفرق بين الرسول والمصلح من البشر، فهذا الذي جاء به محمد من عند الله، وما بلَّغكم به إلا بأمر الله. ويُشترط فيمَنْ يدعو إلى منهج الخير ثلاثة شروط: الأول: ألاَّ ينتفع بشيء مما يدعو إليه، وهذا لا يوجد في بشر أبداً، وقد رأينا: حينما قنَّنَ الرأسماليون غَبَنُوا العمال، وحينما قنَّنَ الاشتراكيون غبنوا الرأسمالين. . وهكذا. وذلك لأن البشر لهم أهواء مختلفة متعددة، وكلٌّ يريد أنْ يُقنِّن على هواه، وبما يخدم مصالحه، يريد أنْ يُسخِّر غيره لخدمة هواه، وبعد فترة قد تطول تفضحهم التجارب، ويفضحهم الواقع، وتُظهِر لهم أنفسهم مساويء ما قنَّنُوا حتى يثوروا هم على قوانينهم، وينتفضوا على أنفسهم، ويعودوا إلى تعديل هذه القوانين. الشرط الثاني: أن يكون على علم بالأحداث المحتملة بعد أنْ يُقنِّن، وألاَّ تغيب عنه جزئية من جزئيات الموضوع، فيحتاج إلى تعديل القانون أو الاستدراك عليه. ثالثاً: يُشترط فيمَنْ يُقنِّن أن يكون حكيماً فيما يُقنِّن، بحيث يضع الأمر في موضعه، فلا ينصف جماعة على حساب أخرى، وأن يكون الجميع أمامه سواء. وحين تتأمل هذه الشروط الثلاثة تجدها لا تتوفر إلا في الحق ، إذن: ينبغي ألاَّ ييُقنِّن للبشر إلا ربُّ البشر، وسبق

стр. 14632

أنْ أوضحنا هذه المسألة بمثال من المحسوسات، فالناس في الظلمة يحتاجون لبعض النور؛ ليهتدوا به إلى قضاء مصالحهم في الليل، فينير كلٌّ منا ليله بما يناسبه من وسائل الإضاءة، فواحد يشعل شمعة، وآخر لمبة (نمرة خمسة) وآخر لمبة (نمرة عشرة) ، وبعد ما استخدمنا الكهرباء رأينا اللمبة العادية والفوروسنت والنيون والكرستال ... إلخ. إذن: أنتم تنيرون ظلمتكم على قدر إمكاناتكم، فإذا ما أشرقتْ شمس الصباح، أَتُبْقون على هذه الأنوار؟ لا بل يطفيء الجميع أنواره؛ لأن نور الشمس يأتي على قدر إمكانات خالقها ، لذلك نقول: أطفئوا مصابيحكم، فقد طلعت شمس الله، فإذا كان ذلك في النور الحسيِّ فهو أيضاً ومن باب أَوْلَى في النور المعنوي، فإذا جاءك نور التشريع ونور المنهج من الله، فأطفيء ما عداه من تشريعات ومناهج. وقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٦] شبّه الحق سبحانه نبيه ﷺ َ بالسراج، ولا تستقلّ هذا الوصف في حقِّ رسول الله، فليس معنى السراج أنه كالسراج الذي يضيء لك الحجرة مثلاً، إنما هو كالسراج الذي قال له عنه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ [النبأ: ١٣] والمراد: الشمس. فإذا قُلْتَ: فلماذا لم يُوصفَ النبي ﷺ َ بأنه شمس، وقد قال تعالى عنها: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً ... ﴾ [يونس: ٥] . والشمس أقوى من السراج؟ قالوا: الكلام هنا كلام ربٍّ والأسلوب دقيق معجز، صحيح أن الشمس تنير الدنيا كلها، إنما أمة محمد مُكلَّفة أن تقوم بدعوته من بعده، فكأن رسول الله سراج،

стр. 14633

والسراج تأخذ منه النور دون أنْ ينقص نورُه، لكن لا تستطيع أنْ تأخذ من الشمس. وحين سطعتْ أنوار الهداية على لسان رسول الله محمد لم يَعُدْ للشرائع الأولى أنْ تتدخل على حدِّ قول المادح: كَأنَّكَ شَمْسٌ والملُوكُ كَواكِبُ ... إذَا طلعَتْ لم يَبْدُ مِنْهُنَّ كوكَبُ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين بِأَنَّ ... ﴾ .

стр. 14634

نقول في الدعاء: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل؛ لأن العدل أن تأخذ الجزاء المساوي للعمل، أو تأخذ حقك، أمَّا الفضل فأنْ تأخذ فوق حقك وزيادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ... ﴾ [يونس: ٥٨] . ويقول النبي ﷺ َ: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» لأنني حين أحسب عملي مقابل ما أعطاني ربي من نِعَم قبل أنْ أُخلق، وإلى أن أبلغ وأُكلَّف، أجد أنني لو قضيتُ حياتي كلها في طاعة ربي ما وفَّيتُ بحقه عليَّ.

стр. 14635

ثم من ناحية أخرى تجد أن العبادة والطاعة نفعُها يعود إليك أنت، ولا ينتفع الله تعالى منها بشيء، فإذا كانت الطاعة والعبادة يعود نفعها إليك، إذن: فالثواب عليها يكون فضلاً من الله. ومثَّلْنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بولدك تُشجِّعه على المذاكرة، وتُحضر له أدواته، وتنفق عليه طوال العام، فإذا ما نجح آخر العام أعطيْتَه هدية أو مكافأة، فهذه الهدية من باب الفضل. لذلك، إنْ أردتَ أنْ تصلح بين متخاصمين، أو تُؤلِّف بينهما فقُلْ لهم: أتحبون أنْ أحكم بينكم بالعدل أم بالفضل؟ سيقولون لك: ليس هناك أفضل من العدل، وعندها لك أن تقول: بل الفضل أحسن من العدل؛ لأن العدل أنْ تأخذ حقك من خصمك، والفضل أنْ تترك حقَّك لخصمك لتأخذه من يد ربك . وهذا ما رأيناه مُطبِّقاً في قصة الإفك بين سيدنا أبي بكر حين عفا عن مسطح بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . فمن أراد أنْ يغفر الله له ذنوبه فليغفر لأخيه زلَّته وسَوْأتَهُ.
следующие страницы →