Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.
стр. 14561
فالإنسان مثلاً جنس، منه ذكر ومنه أنثى، وكل نوع منهما تحته أفراد، والذكر والأنثى لم يفترقا إلى نوعين بعد أنْ كانا جنساً واحداً، إلا لاختلاف نشأ عنهما بعد اتفاق في الجنس فالجنس حَدٌّ مُشترك: حيٌّ ناطق مفكر، فلما افترقا إلى نوعين صار لكل منهما خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخر.
كما قلنا في الزمن مثلاً، فهو ظرف للأحداث، فإنْ كانت أحداثَ حركة فهي النهار، وإنْ كانت أحداثَ سُكُون فهي الليل، فالليل والنهار نوعان تحت جنس واحد هو الزمن، ولكل منهما خصوصيته، وعلينا أن نراعي هذه الخصوصية، فلا نخلط بينهما.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ١ - ٤] .
فالليل والنهار متقابلان متكاملان لامتضادان، كذلك الذكر والأنثى، ولكلٍّ دوره ومهمته الخاصة، فإنْ حاولتَ أنْ تجعلَ الليل نهاراً، أو الذكر أنثى أو العكس، فقد خالفتَ هذه الطبيعة التي اختارها الخالق سبحانه.
وحكينا قصة الرجل الذي مرَّ على عمدة القرية، فوجده يضرب غفيراً عنده، فدافع عن الغفير وقال للعمدة: لماذا تضربه يا عم إبراهيم؟ قال: مررتُ عليه ووجدتُه نائماً، فقال الرجل: نام؛ لأنه قضي النهار يروي لك أرضك، ومَنْ يحرث لا يحرس.
إذن: تحت الجنس النوع، وهذا النوع غير متكافيء؛ لأنه لو تساوى لكان مكرراً لا فائدة منه، إنما يختلف الأفراد ويتميزون؛ لذلك لا تظن أنك تمتاز عن الآخرين؛ لأن الله تعالى وزَّع المواهب بين خَلْقه، فأنت تمتاز في شيء، وغيرك يمتاز في شيء آخر، ذلك ليرتبط
стр. 14562
الناس في حركة الحياة ارتباطَ حاجةٍ، لا ارتباطَ تفضُّل كما قُلْنا.
لذلك، فالرجل الذي يكنس لك الشارع مُميِّزٌ عنك؛ لأنه يؤدي عملاً تستنكف أنت عن أدائه، وإذا أدَّى لك هذا العامل عملاً لا بُدَّ أنْ تعطيه أجره، في حين إذا سألك مثلاً سؤالاً وأنت العالم أو صاحب المنصب ... إلخ فإنك تجيبه، لكن دون أنْ تأخذ منه أجراً على هذا الجواب، وقد مكثتَ أنت السنوات الطوالَ تجمع العلم وتقرأ وتسمع، إلى أنْ وصلتَ إلى هذه الدرجة، وصارت لك خصوصية، إذن: لكل منا، ذكر أو أنثى، فردية شخصية تُميِّزه.
هنا يقول الحق سبحانه لنساء النبي ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] هذه هي الخصوصية التي تُميِّزهن عن غيرهن من مطلق النساء، فمطلق النساء لَسْنَ قدوة، إنما نساء النبي خاصة قدوة لغيرهن من النساء وأُسْوة تُقتدى.
والشرط بعد هذا النفي ﴿إِنِ اتقيتن ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] يعني: أن زوجيتهن لرسول الله ليست هذه ميزة، إنما الميزة والخصوصية في تقواهن لله، وإلا فهناك من زوجات الأنبياء مَنْ كانت غير تقية.
وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أي: اقْطَعْنَ طريق الفاحشة من بدايته، ولا تقربن أسبابها، واتركْنَ الأمور المشتبهة فيها. ومعنى الخضوع بالقول أنْ يكون في قول المرأة حين تخاطب الرجال ليونة، أو تكسُّر، أو ميوعة، أو أن يكون مع القول نظرات أو اقتراب.
فإذا اضطرِرِتُنَّ لمحادثة الرجال فاحذرْنَ هذه الصفات ﴿فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] والمعنى: أنا لا أتهمكُنَّ، إنما الواحدة منكُنَّ لا تضمن الرجل الذي تُحدِّثه، فربما كان في قلبه
стр. 14563
مرض، فلا تعطيه الفرصة.
وليس معنى عدم الخضوع بالقول أنْ تُكلِّمْنَ الناسَ بغلظة وخشونة، إنما المراد أن تكون الأمور عند حدودها؛ لذلك يقول سبحانه بعدها ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٣٢] فلما نهى القرآن عن التصرف غير المناسب عرض البديل المناسب، وهو القول المعروف، وهو من المرأة القول المعتدل والسماع بالأذن دون أنْ تمتد عينها إلى مُحدِّثها؛ لأن ذلك ربما أطمعه فيها، وجرَّاه عليها، وهذا ما يريد الحق سبحانه أنْ يمنعه.
لذلك حُكِي أن رجلاً رأى خادمته على الباب تُحدِّث شاباً وسيماً، وكان يسألهَا عن شيء، إلا أنها أطالتْ معه الحديث، فضربها ربُّ البيت ونهرها على هذا التصرف، وفي اليوم التالي جاء شاب آخر يسألها عن نفس الشيء الذي سأل عنه صاحبه بالأمس، فبادرته بالشتائم والسُّباب بعد أنْ ظهر لها ما في قلب هذا، وأمثاله من مرض.
وفي موضع آخر من هذه السورة سيأتي: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٩] ؛ لأن الرجل حين يجد المرأة محتشمة تستر مفاتن جسمها لا يتجزأ عليها، ويعلم
стр. 14564
أنها ليستْ من هذا الصنف الرخيص، فيقف عند حدوده.
وقد قال الحكماء: أما إذا رأيتَ امرأةً تُظهر محاسنها لغير محارمها وتُلِحُّ في عرض نفسها على الرجال، فكأنها تقول للرجل (فتح يا بجم) تقول للغافل تنبه. فتستثير فيه شهوته، فَيَتَجَرَأْ عليها.
فالحق سبحانه يريد لزوجات النبي ﷺ َ أولاً أنْ يُكلِّمْنَ الناس من وراء حجاب، وأنْ يُكلِّمْنَ الناس بالمعروف كلاماً لا لينَ فيه، ولا ميوعة حتى لا يَتعرَّضْنَ لسوء، ولا يتجزأ عليهن بذيء أو مستهتر.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية ... ﴾ .
стр. 14565
معنى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الزمنها ولا تُكثِرْن الخروج منها، وهذا أدب للنساء عامة؛ لأن المرأة إذا شغلتْ نفسها بعمل المطلوب منها في بيتها وفي خدمة زوجها وأولادها ومصالحهم لما اتسع الوقت للخروج؛ لذلك كثيراً ما يعود الزوج، فيجد زوجته مُنهمِكة في أعمال البيت، وربما ضاق هو نفسه بذلك؛ لأنه لا يجدها متفرغة له.
إذن: المرأة المفلسة في بيتها هي التي تُكثِر الخروج، وتقضي
стр. 14566
مصالح بيتها من خارج البيت، ولو أنها تعلمتْ الصناعات البسيطة لَقضَتْ مصالح بيتها، ووفَّرتْ على زوجها، وقد حكوا لنا عن النساء في دمياط مثلاً، كيف أن المرأة هناك تعمل كل شيء وتساعد زوجها، حتى أن البنت تتعلم حرفة، ولا ترهق أباها عند زواجها، بل وتوفر من المال ما يساعد زوجها بعد أن تتزوج.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] كلمة التبرج من البُرْج، وهو الحصن، ومعنى تبرَّج أي: خرج من البرج وبرز منه، والمعنى: لا تخرجن من حصن التستر، ولا تبدين الزينة والمحاسن الواجب سَتْرُها.
وقال ﴿تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي: ما كان من التبرج قبل الإسلام، وكانت المرأة - ونعني بها الأَمَة لا الحرة - تبدي مفاتن جسمها، بل وتظهر شبه عارية، وكُنَّ لا يجدْنَ غضاضة في ذلك، وقد رأينا مثل هذا مثلاً في إفريقيا.
أما الحرائر في الجاهلية، فكانت لهُنَّ كرامة وعِفّة، في حين كانت تُقام للإماء أماكن خاصة للدعارة والعياذ بالله؛ لذلك لما أخذ رسول الله العهد على النساء المؤمنات ألاَّ يَزْنين قالت امرأة أبي سفيان: أو تزني الحرة يا رسول الله؟ يعني: هذا شيء مستنكف من الحرة، حتى في الجاهلية.
ومن معاني البرج: الاتساع، فيكون المعنى: لا تُوسِّعْنَ دائرة التبرج التي حددها الشرع، وهي الوجه والكفان.
стр. 14567
وفي موضع آخر، قال تعالى: ﴿والقواعد مِنَ النسآء اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ... ﴾ [النور: ٦٠] .
وتعجب من المرأة تبلغ الخمسين والستين، ثم تراها تضع الأحمر والأبيض، ولا تخجل من تجاعيد وجهها، ولا تحترم السنَّ التي بلغتْها.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَأَقِمْنَ الصلاة وَآتِينَ الزكاة ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] كثيراً ما قرن القرآن بين الصلاة والزكاة، وبدأ بالصلاة؛ لأنها عمدة التكاليف كلها، وإنْ كنتَ في الزكاة تنفق بعض المال، والمال فرع العمل، والعمل فرع الزمن، فأنت في الصلاة تنفق الزمن نفسه وتضحي به، فكأنك في الصلاة تنفق نسبة سبعة وتسعين ونصف بالمائة، فضلاً عن الاثنين ونصف نسبة الزكاة.
كما يُفهم من إيتاء الزكاة هنا أن للمرأة ذمتها المالية الخاصة المستقلة عن ذمة الغير من أب أو زوج أو غيره، بدليل أن الله كلفها بإيتاء الزكاة، لكن الحضارة الحديثة جعلتْ مال المرأة قبل الزواج للأب، وبعد الزواج للزوج، ثم سلبتْ المرأة نسبتها إلى أبيها، ونسبتها بعد الزواج لزوجها.
وهذه المسألة أشدُّ على المرأة من سَلْبها المال؛ لأن نسبتها لزوجها طمْسٌ وتَعَدٍّ على هُويتها، وانظر مثلاً إلى السيدة عائشة، فما زلنا حتى الآن نقول «عائشة بنت أبي بكر» ولم يقل أحد انها عائشة امرأة محمد.
стр. 14568
ثم يقول تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] لأن المسألة لا تقتصر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إنما هناك أمور أخرى كثيرة تحتاج طاعة الله وطاعة رسول الله.
ونلحظ هنا أن الآية عطفت رسول الله على ربه تعالى، وجاء الأمر واحداً ﴿وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وحين نستقريء هذا الأمر في القرآن الكريم نجده مرة يُكرِّر الفعل، فيقول: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ... ﴾ [التغابن: ١٢] .
ومرة: ﴿وَأَطِيعُواْ الله والرسول ... ﴾ [آل عمران: ١٣٢] .
ومرة يقول تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ... ﴾ [النساء: ٥٩] .
وهذه الصيغ، لكلٍّ منها مدلول ومعنى، فساعةَ يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، كأن لله في الأمر طاعةً في الإجمال، وللرسول طاعة في التفصيل، فالحق سبحانه أمر بالصلاة وأمر بالزكاة أَمْرَ إجمال، ثم بيَّن الرسول ذلك وفصَّل هذا الإجمال، فقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي» وقال: «خُذُوا عنِّي مناسككم» .
стр. 14569
إذن: تكرر الفعل هنا؛ لأن لله طاعةً في إجمال الحكم، وللرسول طاعة في تفصيله، فإنْ جعل الفعل واحداً ﴿وَأَطِيعُواْ الله والرسول ... ﴾ [آل عمران: ١٣٢] فهذا يعني توارد أمر الله تعالى مع أمر رسول الله ﷺ َ، فالطاعة إذن واحدة، وهَبْ أن الله تعالى له فِعْل، ورسوله له فِعْل، فلا يفصل أحدهما عن الآخر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ... ﴾ [التوبة: ٧٤] .
فلم يَقُلْ: وأغناهم رسوله حتى يقول قائل: كل منهما يُغْنى بقدرة، انما جاء الفعل واحداً ﴿أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ ... ﴾ [التوبة: ٧٤] واقرأ أيضاً قوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] ولم يقل: يرضوهما.
أما قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ... ﴾ [النساء: ٥٩] فلم يُكرِّر الأمر بالطاعة مع أولي الأمر؛ لأنه لا طاعة لوليِّ الأمر إلا من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله.
ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] الرجس بالسِّين هو الرِّجز بالزاي، وهو القذارة، سواء أكانت حسية كالميتة مثلاً، وكالخمر، أو معنوية كالآثام والذنوب، وقد جمعتْها الآية: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وقد يُراد بالرجس: النفاق والمرض.
وكلمة (أهل) تُقال: لعشيرة الرجل، لكنها تُطلَق في عُرْف الاستعمال على امرأته، ومن بقية الاصطلاحات لهذا المعنى ما نقوله الآن حين نذهب لزيارة صديق مثلاً فنقول: معي الأهل أو الجماعة، والبعض يقول: معي الأولاد، ونقصد بذلك الزوجة، لماذا؟ قالوا:
стр. 14570
لأن أمر المرأة مبنيٌّ على الستر، فإذا كان اسمها مبنياً على الستر، فكذلك معظم تكليفاتها مبنية على الستر في الرجل، ونادراً ما يأتي الحكم خاصاً بها.
لذلك، السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة، فلما عادت سألتْ: أنزلَ شيء من أمر المرأة في غَيْبَتي؟ فقالوا لها: لم ينزل شيء، فذهبت إلى سيدنا رسول الله ﷺ َ وقالت: يا رسول الله، ما أعظم خيبتنا وخسارتنا، فليس لنا في الأحكام شيء، فقال لها رسول الله ﷺ َ: «إنكن مستورات في الرجال» .
ومع ذلك نزل القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين
стр. 14571
فُرُوجَهُمْ والحافظات والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
وتلحظ في هذه الآية أيضاً ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] أنها تتحدث عن النساء، لكنها تراعي مسألة سَتْر المرأة فتعود إلى ضمير الذكور ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ولم تقُلْ عنكُنَّ، كذلك في ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] ويصحّ أنه يريد أهلَ البيت جميعاً رجالاً ونساءً.
стр. 14572
قوله تعالى ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي: نساء النبي ﴿مِنْ آيَاتِ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي: آيات القرآن الكريم ﴿والحكمة ... ﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي: حديث رسول الله ﷺ َ، أو: أن عطف الحكمة على آيات الله من عطف الصفة على الموصوف، لكن القول الأول أَوْلَى ما دام أن الأمر فيه سعة.
ومعنى ﴿واذكرن ... ﴾ [الأحزاب: ٣٤] قلنا: إن الذكْر استحضار واستدعاء معلومة من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، والمعنى: استحضر ذِكْر الله واجعلْه على بالك دائماً؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ... ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أي: أكبر من أيِّ عبادة؛ لأن العبادات كما ذكرنا تحتاج إلى استعداد، وإلى وقت، وإلى مشقة، وإلى تفرُّغ وعدم مشغولية.
أمَّا ذكر الله فهو يجري على لسانك في أيِّ وقت، وبدون استعداد
стр. 14573
أو مشقة، ويلهج به لسانك في أي وقت، وعلى أي حال أنت فيه، واقرأ في ذلك قوله تعالى من سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] فما دام أن الذكر هو أنْ تجعل الله على بالك، فلا يمنعك من ذلك سَعْيٌ ولا عمل؛ لأن الذِّكْر أخف العبادات وأيسَرُها على النفس، وأثقلها في الميزان.
ثم تأمل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .
فمن عظمة سيدنا رسول الله ﷺ َ أن باله لم يَخْلُ لحظة من ذكر ربه أبداً؛ لذلك ورد عنه ﷺ َ أنه قال عن نفسه: «تنام عيني، ولا ينام قلبي» .
ثم تُختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٤] اللطف هو الدقِّة في تناول الأشياء وحُسْن تأتِّي الأمور مهما كانت وسائلها ضيقة، وسبق أنْ أوضحنا هذا المعنى وقلنا: إن الأشياء الضارة مثلاً كما لطُفَتْ عَنُفتْ، فالحديد الذي تجعله على النوافذ ليحميك من الذئاب، غير الحديد الذي يحميك من الثعابين، أو من الناموس والذباب. . إلخ؛ لذلك نجد أن أفتك الأمراض تأتي من الفيروسات اللطيفة التي لم تُعرف.
وحُسْن التأتِّي للأمور يعني التغلغل في الأشياء مهما دَقَّتْ، فقد تُضطر مثلاً لأنْ تُدخِل يدك في شيء ضيق لتتناول شيئاً بداخله، فلا تستطيع، فتستعيَن على ذلك بالولد الصغير؛ لأن يده ألطف من يدك، أو تستعين على ذلك بآلة أدقّ لتؤدي بها هذا الغرض.
стр. 14574
ووَصْف اللطيف يُتمِّمه وصف الخبير، فإذا كان اللطيف يعني الدقة في تناول الأشياء وحُسْن التأتِّي، فالخبرة تعني معرفة الموضع، فاللطف لا يتأتي إلا بالخبرة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين ... ﴾ .
стр. 14575
قلنا: إن هذه الآية نزلة تطيباً لخاطر السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، لما حدَّثَتْ سيدنا رسول الله في
стр. 14576
أمر الأحكام، وأنها تنزل وتتوجَّه في الغالب إلى الرجال، ويبدو أنها حدَّثَتْ رسول الله في أمر النساء، وأن منهن مثل الرجال مسلمات ومؤمنات. . إلخ.
ونلحظ أن الآية بدأت بذكر الإسلام، ثم الإيمان، فأيّهما يسبق الآخر؟ ونجد إجابة هذا السؤال في قول الحق : ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ ... ﴾ [الحجرات: ١٤] .
فالإسلام أنْ تؤدي أعمال الإسلام بصرف النظر، أكان أداؤك لها عن إيمان أو عن غير إيمان؟ لأن الإسلام تلقِّي حكم، أما الإيمان فأنْ تؤمن بمَنْ حكم، وتُصدِّق مَنْ بلَّغك هذا الحكم، وعليه فالإيمان سابق للإسلام.
لذلك جاءت هذه الآية لتفضح هؤلاء الأعراب الذين تستروا وراء الأعمال الظاهرة للإسلام، وهم غير مؤمنين بها، وقد يأتي الإيمان بعد الإسلام حين تؤدي أعمال الإسلام فتحلُو لك، وتجذبك إلى الإيمان والتصديق.
لذلك، فرح هؤلاء الأعراب لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ ... ﴾ [الحجرات: ١٤] وقالوا الحمد لله؛ لأن (لَمَّا) لا تدخل إلا على ما يمكن أنْ يجيء، كأن تقول: لَمَّا يثمر بستاننا، وثد أثمرتْ البساتين، والمعنى: أنه سيثمر فيما بعد.
قالوا: لأن هناك كثيراً من الأحكام أنت لا تؤمن بالذي حكم بها إلا إذا أدركتَ حلاوتها، فالرجل الذي جاء سيدنا إبراهيم ﵇، وطلب منه أنْ يبيت عنده، أو: أنْ يضيفه، فسأله إبراهيم
стр. 14577
عليه السلام عن دينه فقال: إنه مجوسي، فردَّ الباب في وجهه، فعاتبه ربه في ذلك، وقال له: يا إبراهيم تريده أنْ يغير دينه لضيافة ليلة، وأنا أَسَعُه طوال عمره وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم في إثر الرجل حتى لحق به ودعاه إلى بيته، فقال الرجل: ألم تنهرني منذ قليل، فماذا حدث؟ فقال: لقد عاتبني ربي فيك، فقال الرجل: نِعْم الربّ ربٌّ يعاتب أحبابه في أعدائه، أشهد ألاَّ إله إلا الله.
وقد اشتملتْ هذه الآية على عشر صفات، بدأت بالمسلمين والمسلمات، وانتهت بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وكأن الله تعالى أوجد مراد السيدة أسماء بنت عُميس في هذه الصفات العَشْر التي جمعتْ الرجال والنساء، واشتملت على كل أنواع التكليف، وهي برقية تدلُّ على أن حكم المرأة التكليفي مطمور في باطن الرجل، وهذه هي الأصول.
ومعنى ﴿والقانتين ... ﴾ [الأحزاب: ٣٥] المداومون على عبادة الله وطاعته في خشوع وتضرُّع كما نفهم من قوله تعالى ﴿والمتصدقين والمتصدقات ... ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أن للمرأة ذمتها المالية المستقلة وحرية التصرُّف في مالها بغير إذن زوجها إذا كانت تملك إرثاً أو هبة من زوجها أو من غيره، فلا ولايةَ عليها من أحد.
وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن الزكاة، وهذه من مَيْزات المرأة في الإسلام، حيث كانت قبل الإسلام، وحتى في الحضارات الحديثة تابعة لأبيها أو لزوجها، والصدقة تشمل الزكاة؛ لأن الله قال فيها: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين والعاملين عَلَيْهَا ... ﴾ [التوبة: ٦٠] .
стр. 14578
فالصدقة هي العنوان الأعم، ومعناها أنك صدَّقْتَ الحق سبحانه حين استأمنك على خير، فاستنبط بمجهودك وسعيك في أرض الله التي خلقها، فكأنك تُحقِّق ما كان من سيدنا أبي بكر حين سأله رسول الله ﷺ َ: ماذا صنع بماله الذي كسبه في الغنيمة؟ قال تصدَّقْتُ به كله، فقال له: «وماذا أبقيتَ لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فلما سأل عمر ﵁ قال: تصدَّقْتُ بنصفه، ولله عندي نصفه.
فكلٌّ منهما تصرَّف في ماله تصرُّفاً منطقياً يناسبه.
وإنْ كانت الزكاة يُراد بها نماء المال وطهارته، فالصدقة عطاء لا يُرَاد به إلا وجه الله وثوابه في الآخرة، فكأن المتصدِّق يريد أنْ يبرَّ، وأنْ يعترف لله المعطي بالفضل؛ لأن الله مكَّنه من مال لم يُمكِّن منه الضعيف، ولا غير القادر.
ثم ذكر الحق سبحانه تكليف الصوم ﴿والصائمين والصائمات ... ﴾ [الأحزاب: ٣٥] والصوم أخذ حُكْماً فريداً من بين أحكام التكاليف كلها، والحق سبحانه جعل لكل تكليف من التكاليف (كادر خاص) في الجزاء إلا الصوم، فليس له (كادر) محدد، لذلك قال عنه الحق سبحانه: «إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» يعني: قرار عالٍ فوق الجميع، فلماذا أخذ الصوم هذه المنزلة؟
стр. 14579
قالوا: لأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يعبد بها بشرٌ بشراً أبداً، فمن الممكن مثلاً في شهادة أنْ لا إله إلا الله أنْ يأتي مَنْ يمدح آخر، فيقول له: ليس في الكون إلا أنت، أنت النافع وأنت الضار، وهناك من قال عن نفسه: أنا الزعيم الأوحيد، كذلك في الصلاة نرى مَنْ يخضع ويسجد لغير الله كما نخضع ونسجد نحن في الصلاة، وكذلك في الزكاة نتقرب إلى العظيم أو الكبير بالهدايا له أو لمن حوله.
لكن، هل قال بشر لبشر: أنا أصوم شهراً، أو يوماً تقرُّباً إليك؟ لا. . لأن الصيام للغير المماثل تذنيب للمصوم له لا للصائم؛ لأنه سيُضطرّ لأنْ يظل طوال اليوم يراقبك، أكلتَ أم لم تأكل؟
ولأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يتقرب بها بشر لبشر قال الله عنها في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به «يعني: جزاؤه خارج المقرر كما قلنا.
ومن عظمة تكليف الصوم أيضاً أن الله تعالى أحلَّ لنا أشياء، وحرَّم علينا أشياء أخرى تحريماً أبدياً، فالذي تحمَّل التكليف أَلِفَ الحلال ولم يألف ما حُرِّم عليه، ورسختْ هذه العقيدة في نفسه، حتى أن الحرام لا يخطر بباله أبداً، فلم يأْتِ على باله مرة مثلاً أنْ يشرب الخمر، أو يأكل الميتة، فهذه مسألة منتهية بالنسبة له، فأراد الله تعالى أنْ يديم لذَّة التكليف على البشر، ففرضَ الصومَ الذي يُحرِّم عليك اليوم ما كان مُحلَّلاً لك بالأمس ومألوفاً حتى صار عادة.
إذن: هناك فَرْق بين دوام العادة ولذة العبادة، وتأمل مثلاً يوم الفطر، والفطر عادة لك في غير هذا اليوم، وأنت حر تفطر أو لا تفطر، فإذا ما جاء يوم عيد الفطر أخرجك ربك من العادة إلى
стр. 14580
العبادة، وجعله تكليفاً أنْ تفطر قبل الخروج للصلاة.
ثم يقول تعالى: ﴿والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات ... ﴾ [الأحزاب: ٣٥] جاءتْ مسألة حِفْظ الفروج بعد ذكر الصيام؛ لأن الصيام امتناعٌ عن شهوتَيْ البطن والفرج، شهوة البطن جعلها الله تعالى لحفظ الحياة بالطعام والشراب، وشهوة الفرج جعلها الله تعالى لحفظ النوع بالنكاح والتناسل.
قُلْنا: إن الله تعالى أرضى السيدة أسماء ﵂ الممثِّلة لجنس النساء، فذكر أنواع التكاليف مرة للمذكَّر، ومرة للمؤنث، لكنه راعي في ذلك سَتْر المرأة، وهنا أيضاً يُراعي هذه المسألة، فيقول: ﴿والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات ... ﴾ [الأحزاب: ٣٥] حينما تكلم عن المذكَّر قال ﴿والحافظين فُرُوجَهُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ولم يقُلْ: والحافظات فروجهن؛ لأن أمر النساء ينبغي أنْ يُسْتر وأنْ يُصَان.
ثم يقول سبحانه ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات ... ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ويعود إلى مسألة السَّتْر مرة أخرى في قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥] فقال (لهم) على سبيل التغليب، وسَتْر المرأة في الرجل، وهذه مسألة مقصودة يُراد بها شرف للمرأة، وصيانة لها، لا إهمالها كما يدَّعي البعض، ومن هذه الصيانة ما نقوله نحن عن المرأة: معي أهلي أو الأولاد أو الجماعة، ونقصد بذلك سَتْرها وصيانتها لا إهمالها، أو التقليل من شأنها.
стр. 14581
فكأن الحق سبحانه حينما أرضى السيدة أسماء نيابةً عن المرأة المسلمة، فذكر ما ذكر من جمع المؤنث الذي يقابل جمع المذكر، أراد أنْ يبني حول المرأة سياجاً من الستر في كل شيء حتى في التكاليف.
ونلحظ على سياق الآية هنا أيضاً أنه قدَّم المغفرة على الأجر؛ لأن القاعدة كما قُلْنا: إن دَرْء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة، والحق سبحانه يُعد لعباده الأجر على الحسنة التي فعلوها، مع أنه سبحانه لا ينتفع منها بشيء إنما يعود نَفْعها على المكلَّف نفسه، ’فهو يستفيد بالطاعة وينال عليها الأجر في الآخرة.
أما الحق سبحانه فغنيٌّ عنَّا، وعن طاعتنا، واقرأ الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً» .
إذن: نحن المستفيدون من التكاليف، ففيها صلاحُنَا في الدنيا، ثم نأخذ عليها الأجر يوم القيامة.
لذلك نجد الكثير من الرسل يقولون لأقوامهم: ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... ﴾ [الشعراء: ١٠٩] كأنه يقول: الذي أؤديه لكم من تبليغ دعوة الله في عرف الاقتصاد والتبادل يقتضي أنْ آخذَ عليه أجراً؛ لأنني أؤدي لكم خدمة، لكن ماذا سآخذ منكم أيها العرايا وأجري عالٍ لا يقدر عليه المكلَّف ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله ... ﴾ [يونس: ٧٢] فهو
стр. 14582
وحده القادر على أنْ يجازيني بما أستحق.
ووَصْف الأجر بأنه عظيم يدلُّ على كِبَر في الحجم، ونَفَاسة في الصفات، وامتداد في الزمن، وهذه هي عناصر العظمة في الشيء، وأيُّ أجر عظيم من أجر الله لعباده في الآخرة؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ... ﴾ .
стр. 14583
جمعتْ هذه الآية أيضاً بين المذكر والمؤنث في ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فهي امتداد للآية السابقة، فهي تخدم ما قبلها، وتخدم أيضاً ما بعدها، وما به أصل السبب؛ لأنها نزلتْ في عبد الله بن جحش وأخته زينب، حين رفضا زواج زينب من زيد بن حارثة، فالمؤمن عبد الله بن جحش، والمؤمنة أخته زينب من حيث هما سبب لنزول الآية، وإلا فهي لجميع المؤمنين وجميع المؤمنات.
وسبق أنْ ذكرنا قصة زيد بن حارثة، وملخصها أنه سُرِق من أهله، وبِيع في سوق العبيد على أنه عبد، فاشتراه حكيم بن حزام،
стр. 14584
ثم وهبه للسيدة خديجة أم المؤمنين، فوهبته خديجة ﵂ لسيدنا رسول الله ﷺ َ، فصار مَوْليً لرسول الله.
وبينما هو ذات يوم بالسوق، إذ رآه جماعة من قومه فعرفوه، وأخبروا أباه أنه بالمدينة، فجاءه أبوه وأعمامه، وحكَوْا لرسول الله قصته، وطلبوا عودته معهم، فقال رسول الله: خيِّروه، فإن اختاركم فهنيئاً لك، وإن اختارني، فَمَا كان لي أنْ أُسْلِمه، فردَّ زيد وقال: والله ما كنت لأختار على رسول الله أحداً.
فأراد سيدنا رسول الله أنْ يكافيء زيداً على هذا التصرف، فنسبه إليه على عادة العرب في هذا الوقت، فسمَّاه زيد بن محمد.
فلما أراد الحق سبحانه أن ينهي هذه العادة، ومثلها عادة الظهار، نزل قوله سبحانه: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٤] .
فكما أن الرجل لا يكون له إلا قلب واحد، كذلك لا يكون له إلا أب واحد، وشاء الله أنْ يبدأ بمُتَبنَّي رسول الله؛ ليكون نموذجاً تطبيقياً عملياً أمام الناس، وكانت هذه الظاهرة يترتب عليها أنْ يرث المتبنَّي من المتبنِّي بعد موته، وأنْ تُحرم زوجة المتبنَّي أنْ يتزوجها المتبنِّي.
صحيح أن القضاء على هذه العادة قضاءٌ على نظام اجتماعي فاسد موجود في الجزيرة العربية، لكنه في الوقت نفسه دليل على أن رسول الله ﷺ َ تبنَّي كما يتبنَّى العرب، وأن الله تعالى أبطل من
стр. 14585
رسول الله هذا التصرّف؛ وهذا سيفتح الباب أمام معاندي رسول الله أنْ يَشْمتوا فيه، وأن تتناوله ألسنتهم؛ لذلك عالج الحق سبحانه هذه القضية علاج ربٍّ بإنفاذ الأمر في نُصْرة حبيب له، فلم يُشوِّه عمل الرسول، إنما جعل فِعْله عَدْلاً، وحكمه سبحانه أعدل، فقال: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٥] .
والمعنى: إنْ كُنتم جعلتم من العدل والمحبة أنْ تكفلوا هؤلاء الأولاد، وأنْ تنسبوهم إليكم، فهذا عَدْل بشريٌّ، لكن حكم الله أعدل وأقْسَط، وشرفٌ لرسول الله أنْ يردَّ اللهُ حكمه إلى حكم ربه، وشرفٌ لرسول الله أن يكون له الأصل في المسألة، وأنه يحكُم، فيردّ الله حكمه إلى حكمه، فهذا تكريم لرسول الله.
فقوله تعالى ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٥] يعني: أن فِعْل محمد كان قسْطاً وعَدْلاً بقانون البشر، وقد جاء محمد ليُغيِّر قوانين البشر بقوانين ربِّ البشر، وبهذا خرج سيدنا رسول الله من هذا المأزق.
أما زيد فقد عوَّضه الله عما لحقه من ضرر بسبب انتهاء نسبه إلى رسول الله، فصار زيد بن حارثة بعد أنْ كان زيد بن محمد، عوَّضه الله وأنصفه بأنْ جعله العَلَم الوحيد من صحابة رسول الله الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم بنصِّه وفصِّه، فقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَخُلَد زيد في كتاب يُتْلى، ويُتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة.
وعلاقة زيد بن حارثة بما نحن بصدده من قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦] أنه تزوج من السيدة زينب بنت جحش، زوَّجه إياها رسول الله، وقد نزلتْ هذه الآية في زينب،
стр. 14586
وفي أخيها عبد الله.
ومعنى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦] معنى (ما كان) أي: أنه شيء بعيد، لا يمكن أنْ يَرِد على العقل، أي: أنه أمر مُسْتبعد غير مُتصوَّر، وكان المنفية تدل على جَحْد هذه المسألة، فالمؤمن والمؤمنة، ما دام أن الإيمان باشر قلبيهما لا يمكن أنْ يتركا أمر الله وحكمه، أو أمر رسوله إلى اختيارهما.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وإلا فلا إيمانَ لا بالله، ولا برسول الله.
فإنْ قُلْتَ: كيف وقد أثبتَ الله الاختيار؟ نقول: هناك فرق بين اختيارٍ داخل في التكليف، إنْ شئْتَ فعلْته أو لم تفعله، وشيء في إيجاد التكليف بداية، فليس للعباد دخْل في إيجاد الشيء المكلَّف به، إنما إذا كلَّفتهم أنا، فأنا صاحب التكليف، وكونهم يطيعونه أو لا يطيعونه، فهذا أمر آخر، ليس للعباد أن يقترحوا التكليف على هواهم؛ لأن التكليف لي، ولهم الاختيار في طاعته وفي قبوله، وما دام قد ثبت أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسول الله فكان من الواجب عليهم أنْ يرتضوا الأمر، وألاَّ يُعرضوا عنه إلى غيره.
وقصة طلاق زيد وزينب، ثم زواج سيدنا رسول الله ﷺ َ منها
стр. 14587
قصة خاضَ فيها المستشرقون والمغرضون كثيراً، وتجرأوا على سيدنا رسول الله بكلام لا ينبغي في حقه ﷺ َ، ومن قولهم أن محمداً أحبَّ زينب وأرادها لنفسه، فأمرها أن تشاغب زيداً حتى يطلقها فيتزوجها.
ونقول لهؤلاء الأغبياء: أولاً زينب بنت جحش الأسدية هي بنت عمة رسول الله، وكان ﷺ َ مُكلَّفاً بإدارة أموالها ورعاية شئونها، وقد نشأتْ تحت عينه، ولو أرادها لنفسه لتزوَّجها بداية، وهذا بنصِّ القرآن:
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فإن أردت أن تعرف ما أخفاه رسول الله فخذه مما أبداه الله والذي أبداه الله قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وهذا يهدم كلَّ ادعاءاتكم على رسول الله.
أما قولهم بانشغال قلب رسول الله بزينب، فنقول: ولماذا تجعلون انشغالَ قلب محمد انشغالاً جنسياً؟ ولوتتبِعتُم القصة من أولها لظهر لكم غير ذلك، فحينما أرسل رسول الله مَنْ يخطب زينب ظنَّ أخوها عبد الله وأختها حَمْنة أنه جاء ليخطبها لرسول الله، فلما علموا أنه يخطبها لمولاه زيد غضبوا جميعاً، فكيف تتزوج السيدة القرشية وبنت عمة رسول الله من عبد، لكن لما علموا أن الأمر من الله أذعنُوا له ووافقوا.
ثم بعد أنْ تزوجتْ زينب من زيد تعالتْ عليه، بل وشعر أنها تحتقره لهذا الفارق بينهما، فكان زيد يشتكي لرسول الله سوءَ معاملة زوجته له، وأنها كما نقول (منكدة عليه عيشته) ، وأنها تعيش معه في بيت الزوجية بالقالب لا بالقلب، لكن حبه لرسول الله كان يمنعه من طلاقها، وهو أيضاً لا يريد أن يخسر هذا الشرف الذي ناله
стр. 14588
بالزواج من ابنة عمة رسول الله.
وكان سيدنا رسول الله في كل مرة يشتكي فيها زيدٌ من زينب يقول له ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ولو أرادها الرسول لنفسه لقال له طلِّقها، ولوجد الفرصة أمامه سانحة.
ويجب أن نبحث هنا علاقة المرأة بالرجل، فالخالق سبحانه خلق الرجل للمرأة، والمرأة للرجل؛ لذلك نجد المرأة العربية أم إياس، وهي تُوصي ابنتها لما خطبها الحارث، تقول: «أيْ بُنية، إنك لو تُركْتِ بلا نصيحة لكنت أغنى الناس عنها، ولو أن امرأة استغنتْ عن الزوج لغني أبويها وشَدَّة حاجتهما إليها لكنتِ أغنى الناس، ولكن الرجال للنساء خُلِقْن، ولهُنّ خُلِق الرجال، وأن النصيحة لو تركتْ لفضل أدبٍ لتركت لذلك منك، ولكنها تذكرةٌ للغافل ومعونة للعاقل» .
وقلنا: إن الإنسان يستطيع أنْ يعيش أفضل ما يكون من مأكل ومَشْرب وملبس ومسكن، لكنه مع ذلك لا يستغني بحال عن الزوجة والمرأة كذلك؛ لذلك يقول رسول الله ﷺ َ: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرتُ الزوجة أن تسجد لزوجها» .
لماذا؟ لأن الزوج يعطيها ما يعطيه الأب والأم والإخوة، ويزيد على ذلك مما يقدرون ولا يستطيعون.
الشاهد أن المرأة للرجل، والرجل للمرأة، مهما وضعوا من أسوار من عِزٍّ أو من جبروت، أو غيره.
стр. 14589
إن المسألة بالنسبة لزيد كانت صعبة؛ لأن الله تعالى جعل للزواج ثلا مراحل، وردتْ في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ... ﴾ [الروم: ٢١] .
فالأولى أنْ يسكن الزوج إلى زوجته، وأنْ يطمئن إليها، ويرتاح بجوارها حين تمسح عنه عرقه، وتحتويه بعد تعب اليوم ومشاق الحياة، فإن امتنع السَّكَن بسبب مُنغِّصات للحياة، فليكُنْ بينهما مودة تجمعهما، ولِمَ لا، وأنت حين تصاحب صديقاً مثلاً مدة طويلة تجد له مودة في قلبك، وتجد أن لهذه المودة ثمناً، فتتحمله إنْ أخطأ، وتسامحه إنْ أساء، فما بالك بالزوجة، أليست أحق بهذه المودة؟
فإذا ما فُقِدَت المودة أيضاً، فليبْقَ بين الزوجين التراحم، فليرحم كل منهما الآخر إنْ أصابه الكِبَر أو المرض، أو غير ذلك.
وقد وصل زيد مع زينب إلى مرحلة فقد فيها السَّكَن والمودة والرحمة بسبب ما بينهما من فارق.
أمر آخر، إنْ كان رسول الله ﷺ َ قد فكَّر في أمر زينب، فلماذا تعدلون به إلى التفكير في الغريزة؟ ولماذا لا تعدلون به إلى مرتبة الإنصاف، وهو الذي أرغم زينب على الزواج من زيد، وهي الشريفة القرشية، وهو العبد المملوك، فلما وضعها في هذا المأزق أراد أنْ يُطيِّب خاطرها، ويصلح ما كان منه بأنْ يضمها إليه، فتصير إحدى أمهات المؤمنين.
ثم مَنِ الذي منع رسولاً قال الله عنه أنه بشر من أن تكون له هذه الرغبة، وكل الرسل السابقين كان لهم هذه - هذا على فرض رغبة رسول الله في زينب - لكن الناس لم يُحسِنُوا الظن.
стр. 14590
والذي يدلُّنا على أن هذه المسألة كانت ترتيباً ربانياً صِرْفاً ما نجده من الرياضية الإيمانية بين كل من سيدنا رسول الله، ومولاه زيد، وابنة عمته زينب، فقد جمعهم الثلاثة رياضة إيمانية كما نقول نحن الآن: فلان عنده روح رياضية.
يعني: يتقبل الهزيمة بروح عالية بدون عداوات أو أحقاد، فلقد انصاع الجميع لأمر الله بهذه الروح الإيمانية.
أما الذين يأخذون من قوله تعالى في حق رسوله ﴿وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يأخذونها سُبَّة في حقِّ الرسول، فعليهم أنْ يعلموا أنَّ الخشية نوعان: خشية من شيء تخاف أنْ يضرك، وخشية استحياء، فالخشية في ﴿وَتَخْشَى الناس ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] خشية استحياء، ويكفي أن الحق سبحانه قال في حق رسوله ﷺ َ: ﴿إِنَّ ذلكم كَانَ يُؤْذِي النبي فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق ... ﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
فالخشية هنا تعني خَوْف رسول الله من ألسنة الكفار التي ستخوض في حقه، والتي ستقول إن محمداً تزوَّج من امرأة مُتبنَّأه، لكن غاب عن هؤلاء أن الله تعالى ألغي مسألة التبني، فليس لهم
стр. 14591
حجة، وطبيعي أن يخاف رسول الله من ألسنة الكفار؛ لأنه جاء لنقض عادات وتقاليد جاهلية، وكان هو ﷺ َ أول مَنْ تحمَّل تبعة هذا التغيير؛ لأنه جاء على يديه وفي شخصه ﷺ َ.
وسيدنا رسول الله حين يستحي من زواجه من زينب أو من كلام الناس، فإنما يريد أنْ يبريء عِرْضه وساحته، مما يشين، وقد كان ﷺ َ يدفع الشبهة عن نفسه دائماً، لذلك
«لما رآه بعض أصحابه مع امرأة، فمالوا عنه ﷺ َ خشيةَ أنْ يتسببوا له في حرج، فناداهما رسول الله:» على رِسْلكما إنها صفية «فقالوا: نحن لا نشك فيك يا رسول الله، فقال:» إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم «» .
فرسول الله يريد أن ينفض عن نفسه أيَّ شبهة، يريد ألا يجعل لأحد جميلاً عليه، بأنه ستر على رسول الله.
ولا أدلَّ على حيائه ﷺ َ من قصته مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح، فلما دخل ﷺ َ مكة فاتحاً ومنتصراً كان قد أهدر دم عبد الله بن سعد بن أبي السرح؛ لأنه نال كثيراً من رسول الله، فجاء عثمان بن عفان ﵁ يستأمن لعبد الله من رسول الله - يعني: يطلب له الأمان - فما ردَّ عليه رسول الله، وكان ينتظر أن يقوم رجل من القوم فيقتل عبد الله، لكن عثمان أعادها مراراً على
стр. 14592
رسول الله حتى أنه استحي من عثمان فأمِّن عبد الله، فلما أمَّنه أخذه عثمان وانصرف من مجلس رسول الله.
فقال رسول الله لصحابته: «ألم يكن فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟» يعني: قبل أن يُكلِّمه عثمان فيكون قد سبق السيف العذل كما يقولون، فقام عبد الله بن بشر وقال: يا رسول الله، لقد كانت عيني في عينك، أنتظر إشارة منك لأقتله، لكنك لم تفعل، فقال سيدنا رسول الله - انظر إلى العظمة «ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين» .
أذكر أنه كان لنا أستاذ، هو سيدنا الشيخ موسى شريف ﵀ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه، وكان رجلاً له مدد من الله، وقد فسر لنا هذه الآية، وكنا نذاكر دروسنا قبل أن نحضر درسه، وكان يصطفيني من بين إخواني الموجودين أمثال الشيخ حسن جاد، والدكتور خفاجة وأبي العينين وغيرهم، ليسألني عن مذاكرتنا وما وقف أمامنا من قضايا، فناداني وكان قد علم من أبي اسم أمي، فناداني بها فتقدَّمت إليه، فضربني على قفاي ضربة انحلَّتْ معها القضية التي كانت تقف أمامنا، تماماً كما تضرب الذي يعاني من (الزغطة) ضربة على ظهره فتذهب.
ولما حدَّثنا الشيخ عن قصة سيدنا عثمان هذه جاء في اليوم التالي وقال: يا أولاد، رأينا الليلة سيدنا عثمان بحيائه، فقلت له:
стр. 14593
كيف تستأمن لرجل قال في رسول الله كذا وكذا؟ فقال لي: ألاَ تعلم أن الله يحب مَنْ تاب، فقلت لرسول الله ﷺ َ - ولم يقل: «أنا رأيت رسول الله - ما الذي جعلك تقبل شفاعة عثمان؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟
فالنبي ﷺ َ بطبيعته كان شديد الحياء.
ثم يقول تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦] وهنا ثلاثة توكيدات: قد الدالة على التحقيق وبعدها الفعل الماضي، ثم المفعول المطَلق ضلالاً، ثم وصف هذا الضلال بأنه مبين.
والضلال هو عدم الاهتداء إلى الطريق المؤدِّي إلى الغاية، لكن قد يضلّ إنسانٌ طريقه، ثم يأتي مَنْ يفتح عليه ويدلُّه، أما هذا الذي يعصي الله ورسوله، فضلاله ضلال مبين لا يجد مَنْ يدلُّه، ولا مَنْ يهديه أبداً؛ لأن هذا الطريق الذي يسير فيه مُوصِّل إلى الآخرة، وليس هناك شيء من ذلك.
كانت هذه (لقطة) لسيدنا رسول الله ﷺ َ مع عثمان وعباد بن بشر أوضحتْ صفة الحياء في رسول الله، نعود بعدها إلى ما كنا بصدده من الحديث عن الرياضة الإيمانية التي جمعتْ بين رسول الله وكل من زيد وزينب.
стр. 14594
وكان سيدنا رسول الله إذا غاب زيد يذهب فيسأل عنه، فذهب مرة، فرأى زينب منشغلة في أمور بيتها، وكانت زينب على حالة طيبة، فقال ﷺ َ: «تبارك الله أحسن الخالقين» كما ترى مثلاً ابنتك في مظهر حسن، فتقول: ما شاء الله.
وكأن رسول الله أراد أنْ يُطيِّب خاطرها، أو يرفع من روحها نظير ما أجبرها عليه من الزواج بزيد، ونظير أنها تعيش معه على مضض، فلما جاء زيد قالت له: لقد جاء رسول الله وسأل عنك وقال لي: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال لها: يا زينب أرى أنْ تكوني لرسول الله؛ لأنك وقعت في قلبه، وأرى أنْ أُطلِّقك ليتزوجك رسول الله، فبدا عليها الارتياح، وتعجبتْ كأنها لم تصدق: إذا طلَّقْتني أتزوج برسول الله، كان هذا الحوار مجرد كلام.
وبالله لو قيل هذا الكلام في غير هذا الموقف، ولواحد غير زيد لغلي الدم في عروقه، وفعل ما أفعل، إنما تأمل الرياضة الإيمانية التي تحلَّي بها زيد.
يقول تعالى في هذه المسألة: ﴿وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ ... ﴾ .
стр. 14595
معنى ﴿وَإِذْ تَقُولُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] واذكر جيداً وأدِرْ مسألة زيد في رأسك، اذكر إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإيمان - والمراد زيد وأنعمتَ عليه بالعتق أولاً، وأنعمت عليه بقانون البشرية بأنْ جعلْتَه ابناً لك وأنعمتَ عليه بأن زوَّجته، وهو عبد، من قرشية، هي ابنة عمتك، ثم أنعمتَ عليه حين قُلْت له ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله ... .﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
لكن، لماذا قُلْتَ له هذه الكلمة يا محمد؟ أخوفاً من كلام الناس أنْ يقولوا: تزوَّج من امرأة مُتبنَّاه؟ كيف وهذا مقصود من الله تعالى، إنه يريد أن يُنهي عادة التبني، وأنْ يُنهيها على يدك أنت، فأنت تخفيه خوفاً من كلام الناس، وقد أبداه الله حين أخبرك بهذه المسألة، وأن نهايتها ستكون على يديك بأنْ تتزوج امرأة مُتبنَّاك ﴿والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فدعْكَ من الناس.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: ﴿الذين يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
وسبق أن أوضحنا أن خشيته ﷺ َ لم تكن خشية خوف من شيء يضره، إنما خشية استحياء ليدفع رسول الله الشبهة عن نفسه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الوطر: هو الأشياء التي تناسب معاش الرجل، فمعناه الغاية أو الحاجة، وسبق أن قُلْنا: إن وطر الرجل من زوجته أن تكون سكناً، فإن لم يكُنْ، فمودة تجمعهما، فإنْ لم يَكُنْ فرحمة متبادلة.
وقد افتقد زيد في زوجته كل هذه المراحل، فلم يجد معها، لا السكن، ولا المودة، ولا الرحمة، فلماذا - إذن - يستمر في الارتباط بها؟ لذلك كان يذهب إلى رسول الله، فيشتكي له ما يلاقي
стр. 14596
من زينب، فكان رسول الله ﷺ َ يقول له:
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله ... .﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
وتأمل هنا هذه الرياضة الإيمانية بين سيدنا رسول الله وزيد وزينب ﵄: لما طلِّق زيدٌ زينب تركها رسول الله لتقضي عدَّتها، فلما قضتْ العِدَّة قال: يا زيد اذهب إلى زينب فاخطبها عليَّ، فما هذه العظمة؟ رسول الله يبعث المطلق ليخطب له المطلَّقة، وهذا يدل على ثقته في زيد، وأنه قد قضي وطره من زينب، ولم يَعُدْ فيها حاجة.
ويدخل زيد على زينب، فيقول لها: أبشري يا زينب، لقد بعثني رسول الله لأخطبك له، فقالت: والله لا أجيب حتى أسجد شكراً لله، فقامت زينب فسجدتْ، عندها عاد زيد إلى رسول الله، فأخبره ما كان من زينب فجاءها رسول الله ﷺ َ، فدخل عليها بلا استئذان.
تُرى لماذا يدخل عليها سيدنا رسول الله بلا استئذان؟ قالوا لأنها حينئذ صارت زوجته، كما قال سبحانه ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا.
. .﴾ [الأحزاب: ٣٧]
стр. 14597
أي: زوَّجه الله بها من فوق سبع سماوات.
لذلك كانت السيدة زينب حين تجلس مع زوجات النبي ﷺ َ - وهذه أيضاً من الرياضيات الإيمانية - تقول لهن: إني لأفتخر عليكن جميعاً بأنك زوجكُنَّ أولياؤكن، أما أنا فزوَّجني ربي، فلا تجرؤ إحداهن على الردِّ عليها.
ليس هذا فحسب، إنما تُدِلُّ أيضاً على سيدنا رسول الله، فتقول له: يا رسول الله، أنا أُدِلُّ عليك بثلاث، فيضحك سيدنا رسول الله ويقول: أما الأولى؟ فتقول: أما الأولى فجدِّي وجدُّك واحد، وأما الثانية فلأن الله زوَّجني من فوق سبع سماوات، وأما الثالثة فلأن سفيري في الزواج لم يكُن زيداً، إنما كان جبريل.
فأيُّ عظمة هذه التي نلاحظها في هذه القصة، وأيُّ رياضة إيمانية عالية من رسول الله وصحابته؟
إذن: لم يتزوج رسول الله من زينب، إنما زوَّجه ربه؛ لذلك نقول للمغرمين بالخوض في هذه المسألة، يحسبونها سُبَّة في حق رسول الله: افهموا الفرق بين زُوِّج وتزوج. تزوج أي: بنفسه
стр. 14598
وبرغبته، إنما زُوِّج أي زوَّجه غيره، وكلمة ﴿زَوَّجْنَاكَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] تحتوي على الفعل زوَّج والضمير (ن) فاعل يعود على الحق سبحانه، والكاف لخطاب رسول الله، وهي مفعول أول، والهاء تعود على السيدة زينب، وهي مفعول ثانٍ للفعل زوَّج.
فرسول الله في هذه المسألة، وفي كل زوجاته لم يخالف عن أمر الله. فلتكونوا منصفين؛ لأن المسألة ليستْ عند محمد، إنما عند رب محمد، واقرأوا إن شئتم: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم: ٥] .
ثم هَبُوا - جدلاً - أن محمداً فعلها، ما العيب فهيا وقد كان التعدُّد موجوداً، ولم ينشيء رسول الله تعدُّداً، كان التعدُّد موجوداً في الأنبياء والرسل، وفيكم وعندكم.
أما الذين يتهمون رسول الله ﷺ َ بأنه وسَّع على نفسه، فتزوَّج تسعاً، وضيَّق على أمته بأربعة، فالرد على ذلك أن الله تعالى حكم بأن زوجات الرسول أمهاتٌ للمؤمنين، وما دُمْنَ أمهات للمؤمنين، فليس لأحد أنْ يتزوَّجهُنَّ بعد رسول الله، أمّا غيرهن من المؤمنات فإنْ كان مع الرجل سبعة مثلاً، فعليه أنْ يفارق ثلاثة منهن، وهؤلاء الثلاثة سيجدْنَ مَنْ يتزوج بهنَّ، إذن: على الرسول أنْ يُمسِك زوجاته كلهن، وعلى غيره من المؤمنين أنْ يفارقوا ما زاد على أربع.
стр. 14599
شيء آخر: تظنون أن رسول الله وسَّع الله له هذه المسألة، والحقيقة أن الله ضيَّق عليه إذا ما قارناه بغيره من عامة المؤمنين، فالمؤمن له أنْ يمسك أربعَ زوجات، فإذا ماتت إحداهن تزوج بأخرى، وإنْ طلَّق إحداهن تزوج بدلاً منها، فإن مُتْنَ جميعاً أو طلَّقهن، فله أنْ يتزوَّج غيرهن حتى يكمل الأربعة، وهكذا يكون للمؤمن أن يتزوَّج بعدد كثير من النساء.
أما رسول الله - نعم تزوج تسعاً - لكن خاطبه ربه بقوله: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فمَن الذي ضيِّق عليه إذن؟ محمد أم أمته؟
ثم يا قوم تنبهوا إلى الفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، هل استثني الله نبيه في العدد من أربع إلى تسع، أم استثناه في معدود بذاته، استثناه في المعدود لا في العدد، لأنه لو استثناه في العدد لكان له إذا ماتتْ إحدى زوجاته أنْ يتزوَّج بأخرى، إنما وقف به عند معدود بذاته، بحيث لو ماتوا جميعاً ما كان له ﷺ َ أنْ يتزوَّج بعدهن.
وبعد ذلك أظلَّ الحكمُ على رسلو الله هكذا؟ لا، إنما كان في بداية الأمر وبعد ذلك حينما استقرتْ الأمور وأَمِن الله رسولَه قال له: افعل ما تشاء، لأنك مأمون على أمتك.
стр. 14600
ثم نقول: هَبُوا أن رسول الله له اختيار في هذه المسألة، ولم تكن مُسْبقة، ألم يُؤدِّ فِعْلُه هذا إلى إلغاء عادة التبني؟ ثم أنُزِعَتْ الرسالة من رسول الله بعد أنْ فعل ما فعل؟ إذن: لا يتناقض مراد الله ومراد رسول الله.
والذين تناولوا سيدنا رسول الله في هذه المسألة مثل الذين تناولوا سيدنا يوسف ﵇ لما قال الله فيه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ... ﴾ [يوسف: ٢٤] وكأنهم أكثر غيرةً على يوسف من ربه ، نعم همَّ بها يوسف أي: فكَّر فيها أو غير ذلك، ولن نقول لكم على الصواب لتظلوا في حيرتكم، لكن أنزعَ الله منه الرسالةَ بعد ما همَّ بها؟ إذن: همُّه بها لم يناقض الرسالة، فما تقولونه في هذه المسألة فضول منكم.
ثم تأتي العلة في هذه المسألة ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثم تختم الآية بما لا يدع مجالاً للشك في رسول الله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: لا بُدَّ أن يحدث، ولن يترك لأيِّ شخص آخر، حتى لا تفسد القضية في إلغاء عادة التبني، إذن، فزواج رسول الله من امرأة مُتبنَّاه ما كان إلا لرفع الحرج عن جميع المؤمنين، والآن يصح لكل مُتبنٍّ أن يتزوج امرأة مُتبنَّاه.
следующие страницы →