← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

على أن يسلكوا نفس الطريق ويمشوا فيه. وحينما يكون أولهم قريبا من شاطئكم وآخرهم عند الشاطئ الآخر. أعيد الماء إلى استطراقه. فأكون قد أنجيت وأهلكت بالسبب الواحد. فالحق يريد أن يمن على بني إسرائيل بأنه أنجاهم من العذاب وأهلك عدوهم. فكان العطاء عطاءين. عطاء إيجاب بأن أنجاهم. وعطاء سلب بأن أهلك عدوهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ في هذه الآية لم يتحدث الحق ﷻ عن فرعون. وإنما حدث عن إغراق آل فرعون. لماذا؟ لأن آل فرعون هم الذين أعانوه على جبروته وبطشه وطغيانه. هم الأداة التي استخدمها لتعذيب بني إسرائيل. والله أراد أن يرى بنو إسرائيل آل فرعون وهم يغرقون فوقفوا يشاهدونهم. وأنت حين ترى مصرع عدوك. تشعر بالمرارة التي في قلبك تزول. ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ تحتمل معنى آخر. أي ينظر بعضكم إلى بعض وأنتم غير مصدقين أنكم نجوتم من هذا البلاء العظيم. وفي نفس الوقت تطمئنون وأنتم تشاهدونهم. وهم يغرقون دون أن ينجو منهم أحد حتى لا يدخل في قلوبكم الشك. أنه ربما نجى بعضهم وسيعودون بجيش ليتبعوكم.

стр. 282

قول الحق ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ هذا الوعد كان لإعطاء موسى المنهج، فحينما كلّم الله موسى بجانب الطور. . كان هذا لإبلاغ موسى ﵇ أنه رسول من رب العالمين وأنه أرسله ليخلص بني إسرائيل من طغيان فرعون وعذابه. . وأنه سيمده بآيات ومعجزات. . حتى يقتنع فرعون وقومه أن موسى رسول من الله ﵎. . بعد تكليف موسى بالرسالة وذهابه إلى فرعون. . وما حدث مع السحره ثم نجاة موسى وقومه. . بأن شق الله ﷻ لهم البحر. . هذا في وقت لم يكن المنهج قد نزل بعد. . ولذلك بمجرد أن نجَّى الله موسى وقومه وأغرق فرعون. . كان لابد أن يتم إبلاغ موسى بالمنهج. وكان الوعد يشمل أربعين ليلة. . هذه الليالي الأربعون حددت كثلاثين أولا. . تم أتمها الحق بعشر أخرى. . واقرأ قوله : ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وعندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائما بالليلة. . والسبب في ذلك أنك لا تستطيع أن تحدد الزمن بدقة بالنهار. . الشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق. . فإذا نظرت إلى قرص الشمس. . لا يمكن أن تحدد في أي وقت من الشهر نحن. . هل في أوله أو في وسطه أو في آخره. . ولكن إذا جاء الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن. فإذا كان القمر هلالا فنحن في أوائل

стр. 283

الشهر. . وإذا كان بدرا فنحن في وسطه وهكذا. . إن هناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن في عرف الناس؛ الإنسان العادي يستطيع أن يحدد لك الزمن بالتقريب بالليالي. . ويقول لك البدوي في الصحراء، هذا القمر ابن كذا ليلة. وفي منطق الدين نحسب كل شيء بدخول الليل. . فهذه ليلة الأول من شهر رمضان نصلي فيها التراويح. . وليلة العيد لا تصلى فيها التراويح. . وليلة النصف من شعبان. . وليلة الإسراء والمعراج. . وفي كل مقاييس الدين الليل لا يتبع النهار إلا في شيء واحد هو يوم عرفة. . فلا نقول ليلة عرفة وإنما نقول يوم عرفة. . إذن الليلة هي ابتداء الزمن في الدين. . والزمن عند الله مدته اثنا عشر شهرا للعام الواحد. . السنة الميلادية تختلف عن السنة الهجرية. . والسبب في ذلك أن الله وزع رحمته على كونه. . فلو أن المواقيت الدينية سارت على مواقيت الشمس. . لجاء رمضان مثلا في شهر محدد لا يتغير. . يصومه الناس صيفا في مناطق محددة. وشتاء في مناطق محددة ولا يختلف أبدا. . فيظل رمضان يأتي في الصيف والحر دائما بالنسبة لبعض الناس. . وفي الشتاء والبرد دائما بالنسبة لبعض الناس. . ولكن لأن السنة الهجرية تقوم على حساب الهلال. . فمعنى ذلك أن كل نفحات الله في كونه تأتي في كل الفصول والأزمان. . فتجد رمضان في الصيف والشتاء. . وكذلك وقفة عرفات وكذلك كل المناسبات الدينية الطيبة. . لأن السنة الهجرية تنقص أحد عشر يوما عن السنة الميلادية. . والفرق سنة كل ثلاث وثلاثين سنة. والحق سبحانه يقول: ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ . يريد أن يمّحص بني إسرائيل. . ويبين لنا كفرهم بنعم الله. فالله نجاهم من آل فرعون. . ولم يكادوا يعبرون البحر حتى رأوا قوما يعبدون الأصنام. . فقالوا كما يروى لنا القرآن الكريم: ﴿ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]

стр. 284

حدث هذا بمجرد خروجهم من البحر سالمين. . موسى ﵇ أخذ النقباء وذهب لميقات ربه. وترك أخاه هارون مع بني إسرائيل. . وبنو إسرائيل عندما كانوا في مصر. . وكانوا يخدمون نساء آل فرعون. . أخذوا منهن بعض الحلي والذهب خلسة. . ومع أن فرعون وقومه متمردون على الله ﵎. . فإن هذا لا يبرر سرقة حلي نسائهم. . فنحن لا نكافئ من عصى الله فينا بأن نعصي الله فيه. . ونصبح متساويين معهم في المعصية. . ولكن نكافئ من عصى الله فينا بأن نطيع الله فيه. . وأبو الدرداء ﵁ حينما بلغه أن شخصا سبه. . بعث له كتابا قال فيه. . يا أخي لا تسرف في شتمنا. . واجعل للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. . بنو إسرائيل سرقوا بعض حلي نساء آل فرعون. . فجعلها الله فتنة لإغوائهم. . وزين لهم الشيطان أن يصنعوا منها عجلا يعبدونه. . صنعه لهم موسى السامري الذي رباه جبريل. . فأخذ الحلي وصهرها ليجعلها في صورة عجل له خوار. . وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى. أتعرف لماذا فتنهم الله بالعجل؟ لأن الذهب المصنوع منه العجل من أصل حرام. . والحرام لا يأتي منه خير مطلقا. . ولابد أن نأخذ العبرة من هذه الواقعة. . وهي أن الحرام ينقلب على صاحبه شراً ووبالا، إن كان طعامك حراما يدخل في تكوين خلاياك ويصبح في جسدك الحرام. . فإذا دخل الحرام إلى الجسد يميل فعلك إلى الحرام. . فالحرام يؤرق الجسد ويسوقه إلى المعاصي. . يقول رسول الله ﷺ َ «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً﴾ وقال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ، ثم ذكر، الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأَنَّى يستجاب لذلك» .

стр. 285

وقد حصل لبني إسرائيل الشيء نفسه وسرقوا ذهب آل فرعون فانقلب عليهم ظلما، وقال الله تعالى عنهم: ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ . وعد الله لموسى كما قال أهل العلم كان ثلاثين ليلة. . إتمام الثلاثين ليلة يؤتيه ما وعد. . وكلمة وعد هي الإخبار بشيء سار. والوعيد هي الإخبار بشيء سيئ. . فإذا سمعت وعدا فأعرف أنَّ ما سيجيء بعدها خير. وإذا سمعت وعيدا تعرف أن ما بعدها شر، إلا آية واحدة وهي قوله : ﴿النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ﴾ [الحج: ٧٢] فهل الوعد هنا بخير أو المعنى اختلف؟ . . نقول: إن كانت النار موعودا فهي شر. . وإن كانت النار هي الموعودة والكفار هم الموعود بهم فهي خير للنار؛ لأن النار تفرح بتعذيب الكافرين من عباد الله. . ونعرف هذا الفرح من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ولا يستزيد الإنسان إلا من شيء يحبه. . والنار ككل شيء مسخر مسبحة لله تكره العصاة. . ولكنها غير مأمورة بحرقهم في الدنيا. . ولكن في الآخرة تكون سعيدة وهي تحرق العصاة والكافرين.

стр. 286

الله يمن على بني إسرائيل مرة أخرى. . مع أنهم ارتكبوا ذنبا من ذنوب القمة. . ومع ذلك عفا الله عنهم لأنه يريد أن يستبقي عنصر الخير للناس. . يريد أن يعلم خلقه أنه رب رحيم. يفتح أبواب التوبة للواحد بعد الآخر. . لتمحو خلايا الشر في النفس البشرية. . إن الإنسان حين يذنب ذنبا ينفلت من قضية الإيمان. . ولو لم تشرع التوبة والعفو من الله لزاد الناس في معاصيهم وغرقوا فيها. . لأنه إذا لم تكن هناك توبة وكان الذنب الواحد يؤدي إلى النار. . والعقاب سينال الإنسان فإنه يتمادى في المعصية. وهذا ما لا يريده الله لعباده. . وفي الحديث الشريف: «لَلَّهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه مِن أحدِكم سَقَطَ على بعيره وقد أضلَّه في أرضٍ فلاةٍ» معنى الحديث. . رجل معه بعير يحمل ماله وطعامه وشرابه وكل ما يملكه. هذا البعير تاه في صحراء جرداء. . بحث عنه صاحبه فلم يجده. . لقد فقده وفقد معه كل مقومات حياته. . ثم ينظر فيراه أمامه. . كيف تكون فرحته؟ . . طبعا بلا حدود. هكذا تكون فرحة الله تعالى بتوبة عبده المؤمن بل أشد من ذلك. إن الله ﵎ حين يفتح باب التوبة. يريد لحركة العالم أن تسير. . هب أن نفسا غفلت مرة. . أو قادتها شهوتها مرة إلى معصية. أو وسوس الشيطان لها كما حدث مع آدم وحواء. لو لم تكن هناك توبة ومغفرة. . لانقلب

стр. 287

كل هؤلاء إلى شياطين. . بل إن أعمال الخير تأتي من الذين أسرفوا على أنفسهم. . فهؤلاء يحسنون كثيرا ويفعلون الخير كثيرا. . مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] وقوله ﷻ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] إذن فكون الله يتوب على بني إسرائيل مع أنهم كفروا بالقمة في عبادة العجل. . فذلك لأن الله يريد استبقاء الخير في كونه. . ولقد عبد بنو إسرائيل العجل قبل أن ينزل عليهم المنهج وهو التوراة. . ولكن هل بعد أن أنزل عليهم المنهج والتوراة تابوا وأصلحوا أو استمروا في معصيتهم وعنادهم؟

стр. 288

الحق يذكر بني إسرائيل هنا. . أنه بعد أن أراهم من المعجزات الكثير. ونجاهم من آل فرعون وشق لهم البحر كان لابد أن يؤمنوا إيمانا حقيقيا لا يشوبه أي نوع من التردد. . ذلك لأنهم رأوا وشهدوا. . وكانت شهادتهم عين يقين. أي شهدوا بأعينهم ماذا حدث. . ولكن هل استطاعت هذه المشاهدة أن تمحو من قلوبهم النفاق والكفر؟ . . لا. . لقد ظلوا معاندين طوال تاريخهم. لم يأخذوا أي شيء بسهولة. . إن رسول الله ﷺ َ يحذر أمته من أن يكونوا كبني إسرائيل ويكونوا قوما شددوا فشدد الله عليهم. . وكان ذلك بالنسبة لقصة البقرة. . التي أمروا أن يذبحوها ليعرفوا من القاتل في جريمة قتل كادت تثير حروبا بينهم. . فأخذوا يسألون ما هي وما لونها إلى آخر ما سنتحدث عنه. . عندما نأتي إلى الآيات الكريمة الخاصة بهذه الواقعة. فلو ذبحوا أي بقرة لكفتهم. . لأنه يكفي أن يقول لهم الله إذبحوا بقرة فيذبحوا أي بقرة. وعدم التحديد يكون أسهل عليهم. . ولكنهم سألوا وظلوا يسألون فشدد عليهم. . بتحديد بقرة معينة بذاتها. . ولذلك يقول رسول الله ﷺ َ «ذَرُوني ما تَرَكْتُكُمْ فإنما هلكَ من قبلِكُم بكثرةِ سؤالِهِمْ واختلافِهِمْ على أنبيائِهِم فإذا أمرتُكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نَهَيْتُكُم عن شيء فدعُوه» . والله في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان﴾ . كأن إتيان موسى الكتاب والفرقان. . نعمة يجب أن يذكرها قومه. . وأن يستقبلوا منهج الله

стр. 289

على أنه نعمة. . فلا يأخذ الإنسان التكليف الإلهي من زاوية ما يقيد حركته ولا ما يعطيه له. . ذلك أن الله حين حرم عليك السرقة. . حرم على الناس جميعا أن يسرقوك. . فإذا أخذ منك حريتك أن تسرق. . فقد أخذ من الناس كل الناس حريتهم أن يسرقوا مالك. . وهذه حماية كبيرة لك. ما هو الكتاب. . وما هو الفرقان؟ . . الكتاب هو التوراة. . هو الذي يبين المنهج. . والفرقان هو الأشياء التي يفرق الله فيها بين الحق والباطل. . فكأن الفرقان تطلق مرة على التوراة. . لأنها تفرق بين الحق والباطل. وتطلق أيضا على كل ما يفرق بين الحق والباطل. . ولذلك سمي يوم بدر يوم الفرقان. . لأنه فرق بين الحق والباطل. . فكأن منهج الله وكتابه يبين لنا أين الحق وأين الباطل ويفرق بينهما.

стр. 290

يذكّر الله ﵎ بني إسرائيل بقصة عبادة العجل. وهي قصة مخالفة خطيرة لمنهج الله ومخالفة في القمة. . عبادة الله وحده. والذي حدث أن موسى ﵇ ذهب لميقات الله ومعه نقباء قومه ليتلقى المنهج والتوراة. . وأخبره الله أن قومه قد ضلوا وعبدوا غير الله. . وعاد موسى وهو في قمة الغضب. وأمسك بأخيه هارون يجره من رأسه ولحيته. . ويقول له لقد اخلفتك عليهم لكيلا يضلوا، فقال هارون ﵇: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] فتنة عبادة العجل حدثت بسبب السامري. . والسامري اسمه موسى السامري ولدته أمه في الصحراء وماتت فكفله جبريل ورباه. . وكان جبريل ﵇ يأتيه على حصان. . يحمل له ما يحتاج إليه من طعام وشراب، وكان موسى السامري يرى حصان جبريل، كلما مشى على الأرض وقع منه تراب فتخضر وتنبت الأرض بعد هذا التراب. وأيقن أن في حافر الحصان سرّاً. . فأخذ قبضة من أثر الحصان ووضعها في العجل المصنوع من الذهب. فأخذ يحدث خوارا كأنه حي. . ولا تتعجب من أن صاحب الفتنة يجد معونة من الأسباب حتى يفتن بها الناس. . لأن الله ﵎ يريد أن يمتحن خلقه. والذي يحمل دعوة الحق

стр. 291

لابد أن يهيئه الله تهيئة خاصة. ورسول الله ﷺ َ قبل أن ينتقل إلى المدينة. . تعرض هو والمسلمون لابتلاءات كثيرة. . ولقد جاء حدث الإسراء والمعراج لرسول الله ﷺ َ بعد أن تخلت عنه أسباب الدنيا في مكة وذهب إلى الطائف يدعو أهلها فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. . ورفع يديه إلى السماء بالدعاء المأثور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس» . وليس هذا على الرسول وحده بل والمؤمنين معه. . حتى أن مصعب بن عمير فتى قريش المدلل. . الذي كان عنده من الملابس والأموال والعبيد ما لا يعد ولا يحصى رئي بعد إسلامه وهو يرتدي جلد حمار وذلك حتى يختبر الحق في قلب مصعب بن عمير حبه للإيمان. . هل يحب الدنيا أكثر أو يحب الله ورسوله أكثر. . حتى أن رسول الله ﷺ َ. كان يقول للصحابة انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم. والله ﵎ لابد أن يمحص ويختبر أولئك الذين سيحملون دعوته إلى الدنيا كلها. . لابد أن يكونوا صابرين على البلاء. أقوياء أمام خصوم الدعوة. . مستعدين لتحمل الأعباء والآلام. . لأن هذا هو دليل الصدق في الإيمان. . ولذلك تجد كل دعوة ضلال تأتي بالفائدة لأصحابها. . دعوة الشيوعية يستفيد منها أعضاء اللجنة المركزية. . أما الشعب فإنه يرتدي ملابس رخيصة. . ويسكن في بيوت ضيقة. أما السادة الذين ينفقون بلا حساب فهم أعضاء اللجنة المركزية. . هذه دعوة الباطل. . وعكس ذلك دعوة الحق. . صاحب الدعوة هو الذي يدفع أولا ويضحي أولا. لا ينتفع بما يقول بل على العكس يضحي في سبيل ما يقول. . إذن الباطل يأتي بالخير لصاحب الدعوة. فإذا رأيت دعوة تغدق على أتباعها فأعلم أنها دعوة باطل. . لولا أنها أعطت بسخاء ما تبعها أحد. والآية الكريمة التي نحن بصددها هي تقريع من موسى ﵇ لقومه. . الذين نجاهم الله من آل فرعون وأهلك عدوهم فاتخذوا العجل إلها. . ومتى

стр. 292

حدث ذلك؟ في الوقت الذي كان موسى فيه قد ذهب لميقات ربه ليأتي بالمنهج. . والذين اتخذوا العجل إلها. . هل ظلموا الله أو ظلموا أنفسهم؟ . . ظلموا أنفسهم لأنهم أوردوها مورد التهلكة دون أن يستفيدوا شيئا. . والظالم على أنواع. . ظالم في شيء أعلى أي في القمة. . وظالم في مطلوب القمة. . الظالم في القمة هو الذي يجعل الله شريكا ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وعلاقة الشرك بالظلم أنك جئت بمن لم يخلق ومن لم يرزق شريكا لمن خلق ورزق. . وذلك الذي جعلته إلها كيف يعبد؟ . . العبادة طاعة العابد للمعبود. . فماذا قال لكم هذا العجل الذي عبدتموه من دون الله أن تفعلوا. . لذلك فأنتم ظالمون ظلم القمة. . والظلم الآخر هو الظلم فيما شرعت القمة. . بأن أخذتم حقوق الناس واستبحتموها. . في كلتا الحالتين لا يقع الظلم على الله ولكن على نفسك. لماذا؟ . . لأنك آمنت بالله أو لم تؤمن. سيظل هو الله القوي القادر العزيز. لن يُنْقصَ إِيمانك أو عدم إيمانك من ملكه شيئا. ثم تأتي يوم القيامة فيعذبك. فكأن الظلم وقع عليك. . وإذا أخذت حقوق الناس فقد تتمتع بها أياما أو أسابيع أو سنوات ثم تموت وتتركها وتأخذ العذاب. فكأنك ظلمت نفسك ولم تأخذ شيئا. . لذلك يقول الحق ﷻ : ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] وظلم الناس يعود على أنفسهم. . لأنه لا أحد من خلق الله يستطيع أن يظلم الله . . وقوله سبحانه ﴿فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ﴾ . . الحق ﵎ قال في الآية السابقة «عفونا عنكم» ثم يقول هذه الآية ﴿فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ﴾ . . لأن التوبة هي أصل المغفرة. أنت تتوب عن فعلك للذنب وتعتزم ألا تعود لمثله أبدا ويقبل الله توبتك ويعفو عنك.

стр. 293

وقد كان من الممكن أن يأخذهم الله بهذا الذنب ويهلكهم كما حدث بالنسبة للأمم السابقة. . أما وقد شرع الله لهم أن يتوبوا. فهذا فضل من الله وعفو. . ثم يقول الحق ﵎: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ . . فانظروا إلى دقة التكليف ودقة الحيثية في قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ الله يقول لهم. . أنا لم أغلب عليكم خالقا خلقكم أو آخذكم منه. . ولكن أنا الذي خلقتكم. ولكن الخالق شيء والبارئ شيء آخر. . خلق أي أوجد الشيء من عدم. . والبارئ أي سَوَّاهُ على هيئة مستقيمة وعلى أحسن تقويم. . ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣] ومن هنا نعرف أن الخلق شيء والتسوية شيء آخر. . بارئكم مأخوذة من برئ السهم. . وبرئ السهم يحتاج إلى دقة وبراعة. وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ لأن الذي خلقك وسواك كفرت به وعبدت سواه. فكأنك في هذه الحالة لابد أن تعيد له الحياة التي وهبها لك. . وعندما نزل حكم الله ﵎. . جعل موسى بني إسرائيل يقفون صفوفا. وقال لهم أن الذي لم يعبد العجل يقتل من عبده. . ولكنهم حين وقفوا للتنفيذ. كان الواحد منهم يجد ابن عمه وأخاه وذوي رحمه أمامه فيشق عليه التنفيذ. . فرحمهم الله بأن بعث ضبابا يسترهم حتى لا يجدوا مشقة في تنفيذ القتل. . وقيل أنهم قتلوا من أنفسهم سبعين ألفا. وعندما حدث ذلك أستصرخ موسى وهارون ربهم. . وقالا البكية البكية. أي أبكوا عسى أن يعفو الله عنهم. ووقفوا يبكون أمام حائط المبكى فرحمهم الله. . وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ لأن هذه الأنفس بشهوتها وعصيانها. . هي التي جعلتهم يتمردون على المنهج. . إن التشريع هنا بالقتل هو كفارة الذنب. لأن الذي عبد العجل واتخذ إلها آخر غير الله. كونه يقدم نفسه ليقتل فهذا اعتراف منه بأن العجل الذي كان يعبده

стр. 294

باطل. . وهو بذلك يعيد نفسه التي تمردت على منهج الله إلى العبادة الصحيحة. . وهذا أقسى أنواع الكفارة. . وهو أن يقتل نفسه إثباتا لإيمانه. . بأنه لا إله إلا الله وندما على ما فعل وإعلانا لذلك. . فكأن القتل هنا شهادة صادقة للعودة إلى الإيمان. وقوله تعالى ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ . . أي أن هذه التوبة هي أصدق أنواع التوبة. . وهي خير لأنها تنجيكم من عذاب الآخرة. . وقوله سبحانه ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ . التوبة الأولى أنه شرع لكم الكفارة. . والتوبة الثانية عندما تقبل منكم توبتكم. . وعفا عنكم عفوا أبديا.

стр. 295

بعد أن تاب الله على قوم موسى بعد عبادتهم للعجل. . عادوا مرة أخرى إلى عنادهم وماديتهم. فهم كانوا يريدون إلها ماديا. . إلها يرونه ولكن الإله من عظمته أنه غيب لا تدركه الأبصار. . واقرأ قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] فكون الله فوق إدراك البشر. . هذا من عظمته ﷻ . . ولكن اليهود الذين لا يؤمنون إلا بالشيء المادي المحس. . لا تتسع عقولهم ولا قلوبهم إلى أن الله فوق المادة وفوق الأبصار. . وهذه النظرة المادية نظرة حمقاء. . والله ﵎ قد لفتنا إلى قضية رؤيته جهرا في الدنيا. . بقوله تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] أي أن الله ﷻ وضع دليل القمة على وجود الله الذي لا تدركه الأبصار. وضع هذا الدليل في نفس كل واحد منا. وهي الروح الموجودة في الجسد. . والإنسان مخلوق من مادة نفخت فيها الروح فدبت فيها الحياة والحركة والحس. . إذن كل ما في جسدك من حياة. . ليس راجعا إلى المادة التي تراها

стр. 296

أمامك. . وإنما يرجع إلى الروح التي لا تستطيع أن تدركها إلا بآثارها. . فإذا خرجت الروح ذهبت الحياة وأصبح الجسد رمة. إذا كانت هذه الروح التي في جسدك. . والتي تعطيك الحياة لا تستطيع أن تدركها مع أنها موجودة داخلك. . فكيف تريد أن تدرك الله . . كان يجب أولا أن تسأل الله أن يجعلك تدرك الروح التي في جسدك. . ولكن الله قال إنها من أمر الله. . واقرأ ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] إذا كانت هذه الروح هي مخلوقة لله لا تدركها. . فكيف تطمع أن ترى خالقها. . وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله سبحانه. ﴿حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ . . فكلمة نرى تطلق ويراد بها العلم. مثلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] أي أعلمت. . ولكن جاءت كلمة جهرة لتنفي العلم فقط وتطالب بالرؤية مجهورة واضحة يدركونها بحواسهم. وهذا دليل على أنهم متمسكون بالمادية التي هي قوام حياتهم. . نقول لهؤلاء إن سؤالكم يتسم بالغباء. . فأنتم حين تطلبون أن تروا الله جهرة. والمفروض أن الله ﵎ له مدلول عندكم. . ولذلك تطلبون رؤيته لتقارنوا المدلول على الموجود. . ذلك لو كانت القضية أصلا أن تعرفوا أن الله موجود أو غير موجود. . والذي شجعهم على أن يقولوا ما قالوا. . طلب موسى ﵇ من الله أن يراه. واقرأ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]

стр. 297

ولابد أن نعرف أن قضية رؤية الله في الدنيا محسوسة. . وأنه لا سبيل إلى ذلك والإنسان في جسده البشري. . لأن هذا الجسد له قوانين في ادراكاته. . ولكن يوم القيامة نكون خلقا بقوانين تختلف. . ففي الدنيا لابد أن تخرج مخلفات الطعام من أجسادنا. وفي الآخرة لا مخلفات. وفي الدنيا يحكمنا الزمن. . وفي الآخرة لا زمن. إذ يظل الإنسان شبابا دائما. . إذن فهناك تغيير. . المقاييس هنا غير المقاييس يوم القيامة في الدنيا بإعدادك وجسدك لا يمكن أن ترى الله. وفي الآخرة يسمح إعدادك وجسدك بأن يتجلى عليك الله . . وهذا قمة النعيم في الآخرة. أنت الآن تعيش في أثار قدرة الله. . وفي الآخرة تعيش عيشة الناظر إلى الله ﵎. . وفي ذلك يقول الحق ﷻ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] والإنسان في الدنيا قد اخترع آلات مكنته من أن يرى ما لا يراه بعينه المجردة يرى الأشياء الدقيقة بواسطة الميكرسكوب. والأشياء البعيدة بواسطة التلسكوب. . فإذا كان عمل الإنسان في الدنيا جعله يبصر ما لم يكن يبصره. . فما بالك بقدرة الله في الآخرة. . وإذا كان الإنسان عندما يضعف نظره. يطلب منه الطبيب استعمال نظارة. . فإذا ذهب إلى طبيب أمهر. . أجرى له عملية جراحية في عينه يستغني بها عن النظارة ويرى بدونها. . فما بالكم بإعداد الحق للخلق وبقدرة الله التي لا حدود لها في أن يعيد خلق العين بحيث تستطيع أن تتمتع بوجهه الكريم. ولقد حسم الله ﵎ المسألة مع موسى ﵇ بأن أراه العجز البشري. . لأن الجبل بقوته وجبروته لم يستطع احتمال نور الله فجعله دكا. . وكأن الله يريد أن يفهم موسى. . أن الله ﵎ حجب عنه رؤيته رحمة منه. لأنه إذا كان هذا قد حدث للجبل فماذا كان يمكن أن يحدث بالنسبة لموسى. إذا كان موسى قد صعق برؤية المتجلَّى عليه. . فكيف لو رأى المتجلِّي؟ . . والإنسان حين يعجز عن إدراك شيء في الدنيا لأنه مخلوق بهذه الإمكانات

стр. 298

يكون العجز عن الإدراك إدراكا لأن العجز عن الإدراك هو في عظمة الله . . وقوم موسى حينما طلبوا منه أن يروا الله جهرة أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. . عندما اجترأوا هذا الاجتراء على الله أخذتهم الصاعقة. . والصاعقة إما نار تأتي وإما عذاب ينزل. . المهم أنه بلاء يعمهم. . والصاعقة قد أصابت موسى.

стр. 299

فالحق يكمل لنا قصة الذين قالوا ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة﴾ . موسى ﵇ أصيب بالصاعقة أيضا. . عندما طلب أن ينظر إلى الله. ولكن هناك فرق بين الحالتين. . الله ﵎ يقول: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣] ولكن الأمر لم يكن كذلك مع قوم موسى. فمع موسى قال الله : ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ أي أن الصاعقة أصابته بنوع من الإغماء. . ولكن مع قوم موسى. قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ . . فكأن قوم موسى ماتوا فعلا من الصاعقة. . فموسى أفاق من تلقاء نفسه. . أما أولئك الذين أصابتهم الصاعقة من قومه. . فقد ماتوا ثم بعثوا لعلهم يشكرون.

стр. 300

فالله يريد أن يمتن على بني إسرائيل بنعمه ومعجزاته. . ويرينا أنه برغم كل هذه النعم عاش بنو إسرائيل في عنادهم وتعنتهم، بعد أن طلب بنو إسرائيل أن يروا الله جهرة فقتلتهم الصاعقة. . ثم بعثهم الله ﵎ لعلهم يشكرون. . ذكر لنا الحق ﷻ نعما أخرى من نعمه على بني إسرائيل. . وقال اذكروا إذ كنتم في الصحراء وليس فيها ظل تحتمون به من حرارة الشمس القاسية. . وليس فيها مكان تستظلون فيه، لأنه لا ماء ولا نبات في الصحراء. . فظلل الله عليكم بالغمام. . أي جاء الغمام رحمة من الله . . ثم بعد ذلك جاء المن والسلوى. . والمن نقط حمراء تتجمع على أوراق الشجر بين الفجر وطلوع الشمس. . وهي موجودة حتى الآن في العراق. . وفي الصباح الباكر يأتي الناس بالملاءات البيضاء ويفرشونها تحت الشجر. . ثم يهزون الشجر بعنف فتسقط القطرات الموجودة على ورق الشجر فوق الملاءات. . فيجمعونها وتصبح من أشهى أنواع الحلويات. فيها طعم القشدة وحلاوة عسل النحل. . وهي نوع من الحلوى اللذيذة المغذية سهلة الهضم سريعة الامتصاص في الجسم. والله جعله بالنسبة لهم وقود حياتهم. . وهم في الصحراء يعطيهم الطاقة. أما السلوى فهي طير من السماء ويقال أنه السمان. . يأتيهم في جماعات كبيرة لا يعرفون مصدرها. . ويبقى على الأرض حتى يمسكوا به ويذبحوه ويأكلوه. فالله ﵎ قد رزقهم بهذا الرزق الطيب من غمام يقيهم حرارة الشمس، ومَنّ يعطيهم وقود الحركة. وسَلْوَى كغذاء لهم، وكل هذا يأتيهم من

стр. 301

السماء دونما تعب منهم. . ولكنهم لعدم إيمانهم بالغيبيات يريدون الأمر المادي وهم يخافون أن ينقطع المَنَّ والسلْوى عنهم يوما ما فماذا يفعلون؟ لو كانوا مؤمنين حقا لقالوا: إن الذي رزقنا بالمن والسلوى لن يضيعنا. . ولكن الحق ﷻ ينزل لهم طعامهم يوميا من السماء وهم بدلا من أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر قابلوها بالجحود. وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فالحق يتحدث للمرة الثالثة عن ظلم قوم موسى. . ففي المرة الأولى قال «وأنتم ظالمون» . وفي الآية الثانية قال: «ظلمتم أنفسكم» . . وفي هذه الآية قال: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . . ولقد سبق أن قلت أنه لا أحد يستطيع أن يظلم الله لأن الله باق بقدرته وقوته وعظمته. . لا يقلل منها لو كفر أهل الأرض جميعا ولا يزيد فيها لو آمن أهل الأرض كلهم. فقدرة الله باقية وكلمته ماضية. . ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا. . بأن نوردها مورد التهلكة والعذاب الذي لا نجاة منه دون أن نعطيها شيئا. . إن الدنيا كما قلنا عالم أغيار. والنعمة التي أنت فيها زائلة عنك. إما أن تتركها بالموت أو تتركك هي وتزول عنك. . وتخرج من الدنيا تحمل أعمالك فقط. . كل شيء زال وبقيت ذنوبك تحملها إلى الآخرة. . ولذلك فإن كل من عصى الله وتمرد على دينه قد ظلم نفسه لأنه قادها إلى العذاب الأبدي طمعا في نفوذ أو مال زال بعد فترة قصيرة ولم يدم. . فكأنه ظلمها بأن حرمها من نعيم أبدي وأعطاها شهوة قصيرة عاجلة «.

стр. 302

من هذه الآية الكريمة نعرف أن بني إسرائيل رفضوا رزق السماء من المن والسلوى مع أنه كان رزقا عاليا. . عاليا في الجودة لأنه طعام حلو نقي شهي ينزل لهم من السماء مباشرة، وعاليا في الكثرة من أنه كان يأتيهم بلا عمل وبلا تعب وبكميات هائلة تكفيهم وتزيد. . وطلبوا من موسى طعام الأرض الذي يزرعونه بأيديهم ويرونه أمامهم كل يوم فقد كانوا يخافون أن يستيقظوا يوما فلا يجدون المن والسلوى. الحق يكمل لنا القصة في آية قادمة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] فالله مازال يمتن على بني إسرائيل بنعمه وكيف قابلوها بالجحود. . فيذكرهم بإنجائهم من عذاب آل فرعون. . ويذكرهم بالبحر الذي انشق لهم فمشوا فيه ثم انقض الماء بعد ذلك على آل فرعون فأغرقهم. . ويذكرهم كيف أنهم عبدوا العجل بعد ذلك. . وكان من الممكن أن يهلكهم الله بذنوبهم. كما أهلك الأمم السابقة ولكنه عفا عنهم. . ثم يذكرهم بفضله عليهم بأن أعطاهم الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. . ويذكرهم بأنهم طلبوا أن يروا الله جهرة. . فصعقوا وماتوا ثم بعثهم الله. ويذكرهم كيف ظللهم بالغمام

стр. 303

من حرارة الشمس المحرقة. . ورزقهم بالمن والسلوى. . ثم يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الأرض فاستجاب لهم. في هذه الآية يقول الحق ﵎: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ . وفي آية أخرى يقول: ﴿رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ . الفرق في المعنى أن قوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ تدل على أن هناك أصنافاً كثيرة من الطعام. ﴿ورَغَداً حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على الطعام. . عندما يقول الحق ﷻ : كلوا رغداً يكون المخاطب هنا نوعين: إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألوانا متعددة من الطعام لتغريه على الأكل. . فتقدم في هذه الحالة «حيث شئتم» فيقال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ . . فإذا كان الإنسان جوعان يرضى بأي طعام. . فيقال رغدا حيث شئتم. إن المسألة في القرآن الكريم ليست تقديما وتأخيراً في الألفاظ. . ولكن المعنى لا يستقيم بدون هذا التغيير. . قوله تعالى ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ . . والقرية هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو الأردن. . الحق ﵎ يقول: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ . . والحق ﷻ حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد بحيث يأكلون أي شيء فقال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ أي ستجدون فيها ألوانا كثيرة من الطعام تغريكم على الأكل ولو لم تكونوا جائعين. وقوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً﴾ . . أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع. . ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ أي حط عنا ذنوبنا يا رب. . غير أنهم حتى في الأمر يغيرون مضمونه. . ويلبسون الحق بالباطل. . وهذه خاصية فيهم. . ولذلك دخلوا الباب وهم غير ساجدين. . دخلوه زاحفين على ظهورهم. . مع أن ما أمرهم الله به أقل مشقة مما فعلوه. . فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر الله شاقة. . ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدلا من أن يقولوا حطة. أي حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح. . ليطوعوا اللفظ لأغراضهم. . فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة. ومع أن الحق ﵎ وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين. .

стр. 304

فإنهم خالفوا وعصوا. . وقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ يأتي في الآية الكريمة: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أي لهم أجر مثل ما فعلوا أضعافا مضاعفة. . وما هي الزيادة؟ أن يروا الله يوم القيامة. هذه هي الزيادة التي ليس لها نظير في الدنيا.

стр. 305

الله يشرح لنا في هذه الآية الكريمة كيف أن اليهود قوم معصية برغم نعم الله عليهم. . فلو أن الله كلفهم تكليفا لم يستطيعوه؛ لأنه شاق عليهم فربما كان لهم عذرهم. . ولكن الله ﵎ لا يكلف إلا بما هو في طاقة الإنسان أو أقل منها. . فيقول ﷻ : ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] والله ﵎ لم يكلف بني إسرائيل بأن يدخلوا هذه القرية التي يقال: إنها القدس ويقال أنها قرية في فلسطين أو قرية في الأردن. . إلا بناء على طلبهم هم. فهم الذين طلبوا من موسى أن يدعو الله لهم أن يدخلوا واديا فيه زرع. . ليأكلوا مما تنتج الأرض ويطمئنوا على طعامهم. . لأنهم يخافون أن يأتي يوم. . لا ينزل عليهم المن والسلوى من السماء. . فلما استجاب الله لدعواهم وقال لهم ادخلوا الباب خاشعين. وقولوا يا رب حط عنا ذنوبنا. . بدل بنو إسرائيل القول فبدلا من أن يقولوا حطة قالوا حنطة. . وبدلوا طريقة الدخول فبدلا من أن يدخلوا ساجدين دخلوا على ظهورهم زاحفين. . وكان هذا رغبة في المخالفة. . فأصابهم الله بعذاب من السماء بما كانوا يفسقون. . أي يبتعدون عن منهج الله ولا يطبقونه. رغبة في المخالفة وإصرارا على العناد.

стр. 306

ومعناها: اذكر إذا استسقى موسى لقومه. . وهذه وردت كما بينا في عدة آيات في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ [الأعراف: ١٤١] وقول سبحانه: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] وقوله ﷻ : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وقلنا أن هذه كلها نعم امتن الله بها على بني إسرائيل وهو يذكرهم بها. إما مباشرة وإما على لسان موسى ﵇. والحق يريد أن يذكر بني إسرائيل حينما تاهوا في الصحراء أنه أظلهم بالغمام. . وسقاهم حين

стр. 307

طلبوا السقيا. . ولقد وصلت ندرة الماء عند بني إسرائيل لدرجة أنهم لم يجدوا ما يشربونه. . لأن الإنسان يبدأ الجفاف عنده لعدم وجود ماء يسقي به زرعه. . ثم يقل الماء فلا يجد ما يسقي به أنعامه. . ثم يقل الماء فلا يجد ما يشربه. . وهذا هو قمة الجفاف أو الجدب. . وموسى ﵇ طلب السقيا من الله ﵎. . ولا تطلب السقيا من الله إلا إذا كانت الأسباب قد نفدت. . وانتهت آخر نقطة من الماء عندهم؛ فالماء مصدر الحياة ينزله الله من السماء. . وينزله نقيا طاهرا صالحا للشرب والري والزرع وسقيا الأنعام. . والحق جعل ثلاثة أرباع الأرض ماء والربع يابسا. . حتى تكون مساحة سطح الماء المعرضة للتبخّر بواسطة أشعة الشمس كبيرة جدا فتسهل عملية البخر؛ فإنك إذا جئت بكوب ماء وتركته في حجرة مغلقة لمدة يومين أو ثلاثة. ثم عدت تجده ناقصا قيراطا أو قيراطين. ولكن إذا أمسكت ما في الكوب من ماء وألقيته على أرض الحجرة. . فأنه يجف قبل أن تغادرها لماذا؟ . . لأن مساحة سطح الماء هنا كبيرة. . ولذلك يتم البخر بسرعة ولا يستغرق وقتا. وهذه هي النظرية نفسها التي تتم في الكون. الله ﵎ جعل سطح الماء ثلاثة أرباع الأرض ليتم البخر في سرعة وسهولة. . فيتكون السحاب وينزل المطر نأخذ منه ما نحتاج إليه، والباقي يكون ينابيع في الأرض، مصداقا لقوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾ [الزمر: ٢١] هذه الينابيع تذهب إلى أماكن لا يصلها المطر. ليشرب منها الناس مِمّا نُسميه الآبار أو المياه الجوفية. . وتشرب منها أنعامهم. . فإذا حدث جفاف يخرج الناس رجالا ونساء وصبيانا وشيوخا. يتضرعون إلى الله ليمطرهم بالماء. . ونحن إذا توسلنا بأطفالنا الرضع وبالضعفاء يمطرنا الله.

стр. 308

وبعض الناس يقولون أن المطر ينزل بقوانين علمية ثابتة. . يصعد البخار من البحار ويصبح سحابا في طبقات الجو العليا ثم ينزل مطرا. . تلك هي القوانين الثابتة لنزوله. وأن السحاب لابد أن يكون ارتفاعه عدد كذا من الأمتار. . ليصل إلى برودة الجو التي تجعله ينزل مطرا. ولابد أن يكون السحاب ملقحا. . نقول أن هذا كله مرتبط بمتغيرات. فالريح تهب أو لا تهب. وتحمل السحاب إلى منطقة عالية باردة ولا تحمله وغير ذلك. . إذن فكل ثابت محمول على متغير. . قد تعرف أنت القوانين الثابتة. . ولكن القوانين المتغيرة لا يمكن أن تنبأ بما ستفعل ولذلك يقول الله : ﴿وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً﴾ [الجن: ١٦] إذن فعوامل سقوط المطر لا تخضع لقوانين ثابتة. ولكن المتغير هو العامل الحاسم. ليسوق السحاب إلى المناطق الباردة وإلى الارتفاع المطلوب. . ولابد أن نتنبه إلى أن هناك قوانين ثابتة في الكون وقوانين تتغير. . وأن القانون المتغير هو الذي يحدث التغيير. وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ . . تدل على أن هناك مُستسقى بفتح القاف وأن هناك مستسقي بكسر القاف. . مستسقي بكسر القاف أي ضارع إلى الله لينزل المطر. . أما المستسقى بفتح القاف فهو الله الذي ينزل المطر. . إن هذا الموقف خاص بالله ﵎ فلا توجد مخازن للمياه وليس هناك ماء في الأرض. . من أنهار أو آبار أو عيون ولا ملجأ إلا الله. . فلابد من التوسل لله ﵎: عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقي بالعباس بن المطلب ﵁ فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك

стр. 309

بنبينا ﷺ َ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فيُسقون « بعض الناس يقولون هذا دليل على أن الميت لا يستعان به. . بدليل أن عمر ابن الخطاب ﵁ لم يتوسل برسول الله ﷺ َ بعد موته، وإنما توسل بعم رسول الله. . نقول وبمن توسل عمر؟ . . أتوسل بالعباس أم بعم رسول الله ﷺ َ؟ . . توسل بالرسول، وبذلك أخذنا الحجة أن الوسيلة ليست مقصورة على رسول الله ﷺ َ. . وإنما تتعدى إلى أقاربه. . وهنا يأتي سؤال لماذا نقل الأمر من رسول الله ﵊ ُ إلى عم الرسول؟ . . نقول لأن رسول الله قد انتقل ولا ينتفع الآن بالماء. . ولكن عمه العباس هو الحي الذي ينتفع بالماء. . لذلك كان التوسل بعم رسول الله ﷺ َ. ولم يكن منطقيا أن يتوسلوا برسول الله ﵊ ُ وهو ميت ولا يحتاج إلى الماء. . والذين أرادوا أن يأخذوا التوسل بذوي الجاه. . نقول لهم أن الحديث ضدكم وليس معكم. . لأنه أثبت أن التوسل جائز بمن ينتسب إلى رسول الله ﷺ َ. لابد أن نتحدث كيف أن الحق بعد أن قابل بنو إسرائيل النعمة بالجحود والنكران فكيف يسقيهم؟ . . نقول إنها النبوة الرحيمة التي كانت السبب في تنزل الرحمة تلو الرحمة على بني إسرائيل. . وكان طمع موسى في رحمة الله بلا حدود. . ولذلك فإن الدعوات كانت تتوالى من موسى ﵇ لقومه. . وكانت الاستجابة من الله تأتي. كان من المفروض لاستكمال المعنى أن يقال وإذا استسقى موسى ربه لقومه فقال يا رب اسقهم. . ولكن هذه لم تأت حذفت وجاء بعدها الإجابة: ﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ . . إذن قوله يا رب اسق قومي واستجابة الله له محذوفة لأنها مفهومة. . ولذلك جاء القرآن باللفتات الأساسية وترك اللفتات المفهومة لذكاء الناس. . تماما كما جاء في سورة النمل: الهدهد ذهب ورأى ملكة بلقيس وعرشها. وعاد إلى سليمان وأخبره. فطلب سليمان من الهدهد

стр. 310

أن يلقي إلى ملكة سبأ وقومها كتابا وقال: ﴿اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٨ - ٢٩] فسليمان أمر الهدهد أن يلقي كتابا إلى بلقيس وقومها. . والآية التي بعدها جاءت بقوله تعالى: قالت ﴿ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ كل التفاصيل حذفت من أن الهدهد أخذ الكتاب وطار إلى مملكة سبأ وألقى الكتاب أمام عرشها. . والتقطت بلقيس ملكة سبأ الكتاب وقرأته. . ودعت قومها وبدأت تروي إليهم قصة الكتاب. . كل هذا حُذف لأنه مفهوم. قال موسى يا رب اسق قومي. . والله قال له: إن أردت الماء لقومك. . كل هذا محذوف. . وتأتي الآية الكريمة: ﴿اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ . ﴿اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ لنا معها وقفة. . الإنسان حين يستسقي الله. . يطلب منه أن ينزل عليه مطرا من السماء، والحق ﵎ كان قادرا على أن ينزل على بني إسرائيل مطرا من السماء. ولكن الله ﷻ أراد المعجزة. . فقال سأمدكم بماء ولكن من جنس ما منعكم الماء وهو الحجر الموجود تحت أرجلكم. . لن أعطيكم ماء من السماء. . ولكن الله أراد أن يُرِي بني إسرائيل مدى الإعجاز. . فأعطاهم الماء من الحجر الذي تحت أرجلهم. ولكن من الذي يتأثر بالضرب: الحجر أم العصا؟ . . العصا هي التي تتأثر وتتحطم والحجر لا يحدث فيه شيء. . ولكن الله أراد بضربة واحدة من العصا أن ينفلق الحجر. . ولذلك يقول الشاعر: أيا هازئاً من صنوف القدرْ ... بنفسك تعنف لا بالقدرْ ويا ضاربا صخرةً بالعصا ... ضربْتَ العصا أم ضربْتَ الحجرْ

стр. 311

إن انفجار الماء من ضربة العصا دليل على أن العصا أشارت فقط إلى الصخرة فتفجر منها الماء. . وحتى لو كانت العصا من حديد. . هل تكون قادرة على أن تجعل الماء ينبع من الحجر؟ فالحق يريد أن يلفتنا إلى أنه كان من الممكن أن ينزل الماء من السماء. . ولكن الله أرادها نعمة مركبة. . ليعلموا أنه يستطيع أن يأتي الماء من الحجر الصلب. . وأن نبع الماء من متعلقات «كن» . هنا لابد أن ننظر إلى تعنت بني إسرائيل. قالوا لموسى هب أننا في مكان لا حجر فيه. من أين ينبع الماء؟ . . لابد أن نأخذ معنا الحجر حتى إذا عطشنا نضرب الحجر بالعصا. . ونسوا أن هناك ما يتم بالأسباب وما يتم بكلمة «كن» . . ولذلك تجد مثلا كبار الأطباء يحتارون في علاج مريض. . ثم يشفى على يد طبيب ناشئ حديث التخرج. . هل هذا الطبيب الناشئ يعرف أكثر من أساتذته الذين علموه؟ . . الجواب طبعا لا. إن التلميذ لا يتفوق على أستاذه الذي علمه فليس العلاج بالأسباب وحدها ولكن بقدرة المسبب. . ولذلك جاء موعد الشفاء على يد هذا الطبيب الناشئ. . فكشف الله له الداء وألهمه الدواء. يقول الحق : ﴿فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ لماذا اثنتا عشرة عينا. لأن اليهود كانوا يعيشون حياة انعزال. كل مجموعة منهم كانت تسمى «سبطا» لها شيخ مثل شيخ القبيلة. . والحق ﵎ يقول: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ أي كل سبط أو مجموعة ذهبت لمشرب. . نبعت العيون من الحجر امتدت متشعبة إلى الأسباط جميعا كل في مكانه. . فإذا ما أخذوا حاجتهم ضرب موسى الحجر فيجف. ولذلك نعرف أن الحجر كان يعطيهم الماء على قدر الحاجة وكانت الجهة السفلى من الحجر الملامسة للأرض. . والجهة العليا التي ضرب عليها بالعصا لم ينبع منهما شيء، أما باقي الجهات الأربع فقد نبع منها كل منها ثلاثة ينابيع. وهناك شيء في اللغة يسمونه اللفظ المشترك. . وهو الذي يستخدم في معانٍ متعددة. . فإذا قلت سقى القوم دوابهم من العين. . العين هنا عين الماء. . وإذا قلت أرسل الأمير عيونه في المدينة يعني أرسل جنوده. . وإذا قلت اشتريته

стр. 312

بعين أي بذهب. . وإذا قلت نظر إلي بعينه شذرا أي ببصره. . إذن كلمة عين تستخدم في أشياء متعددة. . ومعناها هنا عين الماء الجارية. قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ أي أن كل سبط عرف مكانه الذي يلزمه. . حتى لا يضيع من كل منهم الماء. . ولكن الإنسان حينما يكون مضطرا يلتزم بما يطلبه الله منه ويكون ملتزما بالأداء، فإذا فرج الله كربه وعادت إليه النعمة يعود إلى طغيانه. . ولذلك يقول الحق ﷻ فيها: ﴿كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ أي لا يكون شكركم على النعمة بالإفساد في الأرض. . واقرأ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٥] هنا نرى أن أهل سبأ رزقهم الله فأعرضوا عن شكره. . كانوا يتيهون بالسد الذي يحفظ لهم مياه الأمطار. . ويمدهم بما يحتاجون إليه منها طوال العام، وأخذوا يتفاخرون بعلمهم ونسوا الله الذي علمهم. . فكان هذا السد هو النكبة أو الكارثة التي أهلكت زرعهم. . كذلك حدث لبني إسرائيل، قيل لهم: ﴿كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ فأفسدوا في الأرض ونسوا نعمة الله فنزل بهم العذاب.

стр. 313

هذه الآية الكريمة أيضا من آيات التذكير بنعم الله على موسى وعلى بني إسرائيل. . وكنا قد تعرضنا لمعنى طعام واحد عند ذكر المن والسلوى. . وقلنا أن تكرار نزول المن والسلوى كل يوم جعل الطعام لونا واحدا. . وكلمة واحد هي أول العدد. . فإذا إنضم إليه مثله يصير اثنين. . وإذا إنضم إليه مثله يصبح ثلاثة. . إذن فأصل العدد هو الواحد. . والواحد يدل على وحدة الفرد ولا يدل على وحدانية. . فإذا قلنا الله واحد فإن ذلك يعني أنه ليس كمثله أحد. . ولكنه لا يعني أنه ليس مكونا من أجزاء. . فأنت لست واحداً ولست أحداً لأنك مكون من أجزاء كما أن هناك من يشبهونك. . والشمس في مجموعتنا واحدة ولكنها ليست أحداً لأنها مكونة من أجزاء وتتفاعل. . والله واحد ليس كمثله شيء. . وأحد ليس مكونا من أجزاء. . ولذلك من أسمائه الحسنى الواحد الأحد. . ولا نقول أن الاسم مكرر فهذه تعني الفردية، وهذه تنفي التجزئة. وقوله تعالى: ﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ . . نلاحظ هنا أن الطعام وُصف بأنه واحد رغم أنه مكون من صنفين هما المن والسلوى. . ولكنه واحد لرتابة نزوله. . الطعام كان يأتيهم من السماء. . ولكن تعنتهم مع الله جعلهم لا يصبرون عليه فقالوا ما يدرينا لعله لا يأتي. . نريد طعاما نزرعه بأيدينا ويكون طوال الوقت أمام عيوننا. . وكأن هذه المعجزات كلها ليست كافية. . لتعطيهم الثقة في استمرار رزق الله. . إنهم يريدون أن يروا. . ألم يقولوا لموسى: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ . .

стр. 314

ماذا طلبوا؟ . . قالوا: ﴿فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض﴾ . . ﴿ادع لَنَا رَبَّكَ﴾ أي أطلب من الله. . ولأن الدعاء لون من الطلب فإنك حين تتوجه إلى الله طالبا أن يعطيك. . فإنك تدعو بذلة الداعي أمام عزة المدعو. . والطلب إن كان من أدنى إلى أعلى قيل دعاء. . ومن مساوٍ إلى مساوٍ قيل طلب. . ومن أعلى إلى أدنى قيل أمر. . لقد طلب بنو إسرائيل من موسى أن يدعو الله أن يخرج لهم أطعمة مما تنبت الأرض. . وعددوا ألوان الأطعمة المطلوبة. . وقالوا: ﴿مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ . . ولكنها كلها أصناف تدل على أن من يأكلها هم من صنف العبيد. . والمعروف أن آل فرعون إستعبدوا بني إسرائيل. . ويبدو أن بني إسرائيل أحبوا حياة العبودية واستطعموها. . الحق ﵎ كان يريد أن يرفع قدرهم فنزل عليهم المن والسلوى. . ولكنهم فضلوا طعام العبيد. . والبقل ليس مقصوداً به البقول فحسب. . ولكنه كل نبات لا ساق له مثل الخس والفجل والكرات والجرجير. . والقثاء هو القتة صنف من الخيار. . والفوم هو القمح أو الثوم. والعدس والبصل معروفان. . والله قبل أن يجيبهم أراد أن يؤنبهم: فقال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ . . عندما نسمع كلمة استبدال فاعلم أن الباء تدخل على المتروك. . تقول إشتريت الثوب بدرهم. . يكون معنى ذلك إنك أخذت الثوب وتركت الدرهم. قوله تعالى: ﴿الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ . . أي انهم تركوا الذي هو خير وهو المن والسلوى. . وأخذوا الذي هو أدنى. . والدنو هنا لا يعني الدناءة. . لأن ما تنتجه الأرض من نعم الله لا يمكن أن يوصف بالدناءة. . ولكن الله ﵎ يخلق بالأسباب ويخلق بالأمر المباشر. . ما يخلقه الله بالأمر المباشر منه بكلمة «كن» . . يكون خيرا مما جاء بالأسباب. . لأن الخلق المباشر لا صفة لك فيه. . عطاء خالص من الله. . أما الخالق بالأسباب فقد يكون لك دور فيه. . كأن تحرث الأرض أو تبذر البذور. . ما جاء خالصا من الله بدون أسبابك يقترب

стр. 315

من عطاء الآخرة التي يعطي الله فيها بلا أسباب ولكن بكلمة «كن» . . ولذلك يقول الحق : ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى﴾ [طه: ١٣١] فالله ﵎ يصف رزق الدنيا بأنه فتنة. . ويصف رزق الآخرة بأنه خير منه. . مع أن رزق الدنيا والآخرة، وكل رزق في هذا الوجود حتى الرزق الحرام هو من الله ﷻ . . فلا رازق إلا الله ولكن الذي يجعل الرزق حراما هو استعجال الناس عليه فيأخذونه بطريق حرام. . ولو صبروا لجاءهم حلالا. . نقول إن الله هو الذي يرزق. . ولكنه سمى رزقا فتنة وسمى رزقا خيرا منه. . ذلك أن الرزق من الله بدون أسباب أعلى وأفضل منزلة من الرزق الذي يتم بالأسباب. . إذن الحق حين يقول: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ . . يكون المعنى أتستبدلون الذي هو رزق مباشر من الله ﵎. . وهو المن والسلوى يأتيكم «بكن» قريب من رزق الآخرة بما هو أقل منه درجة وهو رزق الأسباب في الدنيا. . ولم يجب بنو إسرائيل على هذا التأنيب. . وقال لهم الحق : ﴿اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ . . ولا يقال لهم ذلك إلا لأنهم أصروا على الطلب برغم أن الحق ﷻ بين لهم أن ما ينزله إليهم خير مما يطلبونه.. نلاحظ هنا أن مصر جاءت منوّنةً. . ولكن كلمة مصر حين ترد في القرآن الكريم لا ترد منونة. . ومن شرف مصر أنها ذكرت أكثر من مرة في القرآن الكريم. . نلاحظ أن مصر حينما يقصد بها وادي النيل لا يأتي أبدا منونة وإقرأ قوله تعالى: ﴿تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس: ٨٧]

стр. 316

وقوله ﷻ : ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي﴾ [الزخرف: ٥١] وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] وقوله ﵎: ﴿ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] كلمة مصر ذكرت في الآيات الأربع السابقة بغير تنوين. . ولكن في الآية التي نحن بصددها: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ بالتنوين. . هل مصر هذه هي مصر الواردة في الآيات المشار إليها؟ . . نقول لا. . لأن الشيء الممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. . إذا كان لبقعة أو مكان. . مرة تلحظ أنه بقعة فيبقى مؤنثاً. . ومرة تلحظ أنه مكان فيكون مذكرا. . فإن كان بقعةً فهو علم ممنوع من الصرف. . وإن كان مكانا تكون فيه علمية وليس فيه تأنيث. . ومرة تكون هناك علمية وأهمية ولكن الله صرفها في القرآن الكريم. . كلمات نوح ولوط وشعيب ومحمد وهود. . كل هذه الأسماء كان مفروضا أن تمنع من الصرف ولكنها صرفت. . فقيل في القرآن الكريم نوحا ولوط وشعيبا ومحمدا وهودا. . إذن فهل من الممكن أن تكون مصر التي جاءت في قوله تعالى: ﴿اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ هي مصر التي عاشوا فيها وسط حكم فرعون. . قوله تعالى: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ من

стр. 317

الممكن أن يكون المعنى أي مصر من الأمصار. . ومن الممكن أن تكون مصر التي عاش فيها فرعون. . وكلمة مصر تطلق على كل مكان له مفتي وأمير وقاض. . وهي مأخوذة من الاقتطاع. . لأنه مكان يقطع إمتداد الأرض الخلاء. . ولكن الثابت في القرآن الكريم. . إن مصر التي لم تنون هي علم على مصر التي نعيش فيها. . أما مصراً التي خضعت للتنوين فهي تعني كل وادٍ فيه زرع. . وقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ . . الذلة هي المشقة التي تؤدي إلى الإنكسار. . ويمكن أن ترفع عنك بأن تكون في حمى غيرك فيعزك بأن يقول إنك في حماه. . والله يقول عن بني إسرائيل: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس﴾ [آل عمران: ١١٢] حبل من الله كما حدث عندما عاهدهم رسول الله ﷺ َ في المدينة. . وعاشوا في حمى العهد. . إذن بحبل من الله أي على يد رسول الله ﷺ َ أو المؤمنين به. . وبحبل من الناس أي في حماية دولة قوية كالولايات المتحدة الأمريكية. . إذا عاهدتهم عزوا وإن تركتهم ذلوا. . وقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ ضربت أي طبعت طبعة قوية بضربة قوية تجعل الكتابة بارزة على النقود. . ولذلك يقال ضربت في مصر. . أي أعدت بضربة قوية أذلتهم وبقيت بارزة لا يستطيعون محوها. . أما المسكنة فهي انكسار في الهيئة. أهل الكتاب كانوا يدفعون الجزية والجزية كانت تؤخذ من الأغنياء. . وكانوا يلبسون الملابس القذرة. . ويقفون في موقف الذل والخزي حتى لا يدفعوا الجزية. وقوله تعالى: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ . . أي غضب الله عليهم بذنوبهم وعصيانهم. حتى أصبح الغضب من كثرة عصيانهم كأنه سمة من سماتهم

стр. 318

لماذا؟ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي أنهم كانوا يكفرون بالنعم ولا يشكرون. . ويكفرون بالآيات ويشترون بها ثمنا قليلا. . ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقتلون أنبياء الله بغير حق. . الأنبياء غير الرسل. . والأنبياء أسوة سلوكية ولكنهم لا يأتون بمنهج جديد. . أما الرسل فهم أنبياء بأنهم أسوة سلوكية ورسل لأنهم جاءوا بمنهج جديد. . ولذلك كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. والله يعصم أنبياءه ورسله من الخطيئة. . ولكنه يعصم رسله من القتل فلا يقدر عليهم أعداؤهم. . فمجيء الأنبياء ضرورة. . لأنهم نماذج سلوكية تسهل على الناس التزامهم بالمنهج، وبنو إسرائيل بعث الله لهم أنبياء ليقتدوا بهم فقتلوهم. . لماذا؟ . . لأنهم فضحوا كذبهم وفسقهم وعدم التزامهم بالمنهج. . ولذلك تجد الكافر والعاصي وغير الملتزم يغار ويكره الملتزم بمنهج الله. . ويحاول إزالته عن طريقه ولو بالقتل. . إذن فغضب الله عليهم من عصيانهم واعتدائهم على الأنبياء وما ارتكبوه من آثام.

стр. 319

بعد أن تحدث الحق عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه. . أراد أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله ﷺ َ يوم القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير. . ففي سورة المائدة: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى﴾ [المائدة: ٦٩] أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى. . واختلف الإعْراب فبينما في البقرة و «الصابئين» . . وفي المائدة و «الصابئون» . . وردت آية أخرى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] الآيات الثلاث تبدو متشابهة. . إلا أنَّ هناك خلافات كثيرة. . ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات. . وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها. . ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب. . وفي الآيتين الأوليين (البقرة والمائدة) تأتي: ﴿مَنْ آمَنَ

стр. 320

بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . . أما في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها: ﴿المجوس والذين أشركوا﴾ . . واختلف فيها الخبر. . فقال الله : ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ . عندما خلق الله وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى. . واقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى﴾ [طه: ١٢٣] مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده. . وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا. . وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة. . ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم. . فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا. . الآية الكريمة تقول: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ . . أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض. . وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض. . كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم. . وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد ﵊ ُ. . ورسول الله ﷺ َ جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض. . إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل. . الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت. . ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة. . فالله ﵎ يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا. . فمن آمن بمحمد ﷺ َ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. . فكأن رسالته ﵊ ُ جاءت لتصفية كل الأديان السابقة. . وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد ﵊ ُ. . فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته. . ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من
следующие страницы →