← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقوله ﷻ : ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي﴾ [الزخرف: ٥١] وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] وقوله ﵎: ﴿ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] كلمة مصر ذكرت في الآيات الأربع السابقة بغير تنوين. . ولكن في الآية التي نحن بصددها: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ بالتنوين. . هل مصر هذه هي مصر الواردة في الآيات المشار إليها؟ . . نقول لا. . لأن الشيء الممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. . إذا كان لبقعة أو مكان. . مرة تلحظ أنه بقعة فيبقى مؤنثاً. . ومرة تلحظ أنه مكان فيكون مذكرا. . فإن كان بقعةً فهو علم ممنوع من الصرف. . وإن كان مكانا تكون فيه علمية وليس فيه تأنيث. . ومرة تكون هناك علمية وأهمية ولكن الله صرفها في القرآن الكريم. . كلمات نوح ولوط وشعيب ومحمد وهود. . كل هذه الأسماء كان مفروضا أن تمنع من الصرف ولكنها صرفت. . فقيل في القرآن الكريم نوحا ولوط وشعيبا ومحمدا وهودا. . إذن فهل من الممكن أن تكون مصر التي جاءت في قوله تعالى: ﴿اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ هي مصر التي عاشوا فيها وسط حكم فرعون. . قوله تعالى: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ من

стр. 317

الممكن أن يكون المعنى أي مصر من الأمصار. . ومن الممكن أن تكون مصر التي عاش فيها فرعون. . وكلمة مصر تطلق على كل مكان له مفتي وأمير وقاض. . وهي مأخوذة من الاقتطاع. . لأنه مكان يقطع إمتداد الأرض الخلاء. . ولكن الثابت في القرآن الكريم. . إن مصر التي لم تنون هي علم على مصر التي نعيش فيها. . أما مصراً التي خضعت للتنوين فهي تعني كل وادٍ فيه زرع. . وقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ . . الذلة هي المشقة التي تؤدي إلى الإنكسار. . ويمكن أن ترفع عنك بأن تكون في حمى غيرك فيعزك بأن يقول إنك في حماه. . والله يقول عن بني إسرائيل: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس﴾ [آل عمران: ١١٢] حبل من الله كما حدث عندما عاهدهم رسول الله ﷺ َ في المدينة. . وعاشوا في حمى العهد. . إذن بحبل من الله أي على يد رسول الله ﷺ َ أو المؤمنين به. . وبحبل من الناس أي في حماية دولة قوية كالولايات المتحدة الأمريكية. . إذا عاهدتهم عزوا وإن تركتهم ذلوا. . وقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ ضربت أي طبعت طبعة قوية بضربة قوية تجعل الكتابة بارزة على النقود. . ولذلك يقال ضربت في مصر. . أي أعدت بضربة قوية أذلتهم وبقيت بارزة لا يستطيعون محوها. . أما المسكنة فهي انكسار في الهيئة. أهل الكتاب كانوا يدفعون الجزية والجزية كانت تؤخذ من الأغنياء. . وكانوا يلبسون الملابس القذرة. . ويقفون في موقف الذل والخزي حتى لا يدفعوا الجزية. وقوله تعالى: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ . . أي غضب الله عليهم بذنوبهم وعصيانهم. حتى أصبح الغضب من كثرة عصيانهم كأنه سمة من سماتهم

стр. 318

لماذا؟ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي أنهم كانوا يكفرون بالنعم ولا يشكرون. . ويكفرون بالآيات ويشترون بها ثمنا قليلا. . ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقتلون أنبياء الله بغير حق. . الأنبياء غير الرسل. . والأنبياء أسوة سلوكية ولكنهم لا يأتون بمنهج جديد. . أما الرسل فهم أنبياء بأنهم أسوة سلوكية ورسل لأنهم جاءوا بمنهج جديد. . ولذلك كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. والله يعصم أنبياءه ورسله من الخطيئة. . ولكنه يعصم رسله من القتل فلا يقدر عليهم أعداؤهم. . فمجيء الأنبياء ضرورة. . لأنهم نماذج سلوكية تسهل على الناس التزامهم بالمنهج، وبنو إسرائيل بعث الله لهم أنبياء ليقتدوا بهم فقتلوهم. . لماذا؟ . . لأنهم فضحوا كذبهم وفسقهم وعدم التزامهم بالمنهج. . ولذلك تجد الكافر والعاصي وغير الملتزم يغار ويكره الملتزم بمنهج الله. . ويحاول إزالته عن طريقه ولو بالقتل. . إذن فغضب الله عليهم من عصيانهم واعتدائهم على الأنبياء وما ارتكبوه من آثام.

стр. 319

بعد أن تحدث الحق عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه. . أراد أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله ﷺ َ يوم القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير. . ففي سورة المائدة: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى﴾ [المائدة: ٦٩] أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى. . واختلف الإعْراب فبينما في البقرة و «الصابئين» . . وفي المائدة و «الصابئون» . . وردت آية أخرى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] الآيات الثلاث تبدو متشابهة. . إلا أنَّ هناك خلافات كثيرة. . ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات. . وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها. . ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب. . وفي الآيتين الأوليين (البقرة والمائدة) تأتي: ﴿مَنْ آمَنَ

стр. 320

بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . . أما في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها: ﴿المجوس والذين أشركوا﴾ . . واختلف فيها الخبر. . فقال الله : ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ . عندما خلق الله وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى. . واقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى﴾ [طه: ١٢٣] مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده. . وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا. . وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة. . ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم. . فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا. . الآية الكريمة تقول: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ . . أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض. . وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض. . كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم. . وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد ﵊ ُ. . ورسول الله ﷺ َ جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض. . إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل. . الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت. . ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة. . فالله ﵎ يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا. . فمن آمن بمحمد ﷺ َ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. . فكأن رسالته ﵊ ُ جاءت لتصفية كل الأديان السابقة. . وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد ﵊ ُ. . فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته. . ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من

стр. 321

عهد نوح أو إبراهيم أو هود. . وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية. . كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد ﷺ َ والتصديق بدين الإسلام. . فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض. . ويجعلها مركزة في دين واحد. . الذين آمنوا بهذا الدين: ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . . والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن. . وهذا إعلان بوحدة دين جديد. . ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة. . أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه. . ولم يؤمنوا بالدين الجديد. . لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة. . ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة. . جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد ﵊ ُ. . بما فيهم المجوس والذين أشركوا. والحق ﵎ أراد أن يرفع الظن. . عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد السلام. . وهو يظن أن هذا الدين نافعه. . نقول له أن الحق قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وقوله ﷻ : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت. . فالذي آمن بمحمد ﵊ ُ. . لا يخاف ولا يحزن يوم القيامة. . والذي لم يؤمن يقول الله ﵎ له ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ . . إذن الذين آمنوا هم الذين ورثوا الإيمان من عهد آدم. . والذين هادوا هم أتباع موسى ﵇. . وجاء الاسم من قولهم: «إنا هدنا إليك» أي عدنا إليك. . والنصارى جمع نصراني وهم منسوبون إلى الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه

стр. 322

السلام. . أو من قول الحواريين نحن أنصار الله في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم. . قال بعضهم هم أتباع نوح ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من دون الله الوسائط في الكون كالشمس والقمر والكواكب. . أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين الذي كان يعاصرهم إلى الدين الجديد. . أو هم جماعة من العقلاء قالوا ما عليه قومنا لا يقنع العقل. . كيف نعبد هذه الأصنام ونحن نصنعها ونصلحها؟ . . فامتنعوا عن عبادة أصنام العرب. . فقالوا عنهم إنهم صبئوا عن دين آبائهم. . أي تركوه وآمنوا بالدين الجديد. . وأيا كان المراد بالصابئين فهم كل من مال عن دينه إلى دين آخر. أننا نلاحظ أن الله . . جاء بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ومنصوبة. . وفي سورة المائدة متقدمةً ومرفوعةً. . نقول هذا الكلام يدخل في قواعد النحو. . الآية تقول: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ . . نحن نعرف أَنَّ (إِنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر. . فالذين مبني لأنه إسم موصول في محل نصب إسم لأن: ﴿والذين هَادُواْ﴾ معطوف على الذين آمنوا يكون منصوباً أيضاً. . والنصارى معطوف أيضا على إسم إن. . والصابئين معطوف أيضا ومنصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. . نأتي إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾ . هذه مستقيمة في سورة البقرة إعرابا وترتيبا. . والصابئين تأخرت عن النصارى لأنهم فرقة قليلة. . لا تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى. . ولكن في آية المائدة تقدمت الصابئون وبالرفع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ﴾ . . الذين آمنوا إسم إن والذين هادوا معطوف. . و «الصابئون» كان القياس إعرابيا أن يقال والصابئين. . وبعدها النصارى معطوفة. . ولكن كلمة (الصابئون) توسطت بين اليهود وبين

стр. 323

النصارى. . وكسر إعرابها بشكل لا يقتضيه الظاهر. . وللعرب إذن مرهفة لغويا. . فمتى سمع الصابئين التي جاءت معطوفة على اسم إن تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ليعرف السبب. . حين تولى أبا جعفر المنصور الخلافة. . وقف على المنبر ولحن لحنة أي أخطأ في نطق كلمة. . وكان هناك إعرابي يجلس فآذت أُذنيه. . وأخطأ المنصور للمرة الثانية فحرك الإعرابي أُذنيه باستغراب. . وعندما أخطأ للمرة الثالثة قام الإعرابي وقال. . أشهد أنك وليت هذا الأمر بقضاء وقدر. . أي أنك لا تستحق هذا. . هذا هو اللحن إذا سمعه العربي هز أذنيه. . فإذا جاء لفظ مرفوعا والمفروض أن يكون منصوبا. . فإن ذلك يجعله يتنبه أن الله له حكمة وعلة. . فما هي العلة؟ . . الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم مفهوم والنصارى أمرهم مفهوم. . أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين لدين. . ولكنهم سلكوا طريقا مخالفا. . فجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضا. . فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة. . فالله يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائما: ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ . . لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه. . والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح. . فيأمر كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة.

стр. 324

يمتنُّ الله مرة أخرى على بني إسرائيل بالنعم التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بجحودهم بها. . ولكننا نلاحظ أن القرآن الكريم حينما يتكلم عن اليهود. . يتكلم عنهم بالخطاب المباشر. . فهل الذين عاصروا نزول القرآن وهم الذين أخذ الله ﵎ عليهم الميثاق. . هؤلاء مخاطبون بمراد آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا موسى ﵇. نقول أنه كان المطلوب من كل جد أو أب أن يبلغ ذريته ما انتهت إليه قضية الإيمان. . فحين يمتن الله عليهم أنه أهلك أهل فرعون وأنقذهم. . يمتن عليهم لأنه أنقذ آباءهم من التذبيح. . ولولا أنه أنقذهم ما جاء هؤلاء اليهود المعاصرون لرسول الله ﷺ َ. . فهم كانوا مطمورين في ظهور آبائهم. . ولكي ينقذهم الله كان لابد أن تستمر حلقة الحياة متصلة. . فمتى انتهت حياة الأب قبل أن يتزوج وينجب انتهت في اللحظة نفسها حياة ذريته. . الشيء نفسه ينطبق على قول الحق : ﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ . . إمتنان على اليهود المعاصرين لنزول القرآن. . لأنه لو لم ينقذ آباءهم من الموت عطشا لماتوا بلا ذرية. إذن كل إمتنان على اليهود في عهد موسى هو إمتنان على ذريته في عهد رسول الله ﷺ َ. . والحق أخذ على اليهود الميثاق القديم. . ولولا هذا الميثاق ما آمنوا ولا آمنت ذريتهم. وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ . . أي أن الله ﵎ يذكرهم

стр. 325

بأنهم بعد أن نجوا وأغرق الله فرعون وقومه ذهب موسى لميقات ربه ليتلقى عنه التوراة. . فعبد بنو إسرائيل العجل. وعندما عاد موسى بالتوراة وبالألواح. . وجدوا في تعاليمها مشقة عليهم. . وقالوا نحن لا نطيق هذا التكليف وفكروا ألا يلتزموا به وألا يقبلوه. التكليف هو من مكلف هو الله . . وهم يقولون إن الله كلفهم ما لا يطيقون. . مع أن الله ﷻ لا يكلف نفسا إلا وسعها. . هذا هو المبدأ الإيماني الذي وضعه الحق ﷻ . . يظن بعض الناس أن معنى الآية الكريمة: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] يظنون أننا نضع أنفسنا حكما على تكليف الله. . فإن كنا نعتقد أننا نقدر على هذا التكليف نقل هو من الله وإن كنا نعتقد أننا لا نقدر عليه بحكمنا نحن. . نقل الله لم يكلفنا بهذا لأنه فوق طاقتنا. . ولكن الحكم الصحيح هل كلفك الله بهذا الأمر أو لم يكلفك؟ إن كان الله قد كلفك فهو عليم بأن ذلك في وسعك؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. . ونحن نسمع الآن صيحات تقول أن العصر لم يعد يحتمل. . وإن ظروف الدنيا وسرعة الحركة فيها وسرعة الأحداث هي تبرير أنه ليس في وسعنا أن نؤدي بعض التكاليف. . ربما كان هذا التكليف في الوسع في الماضي عندما كانت الحياة بسيطة وحركتها بطيئة ومشكلاتها محدودة. نقول لمن يردّد هذا الكلام: إن الذي كلفك قديما هو الله . إنه يعلم أن في وسعك أن تؤدي التكليف وقت نزوله. . وبعد آلاف السنين من نزوله وحتى قيام الساعة. . والدليل على ذلك أن هناك من يقوم بالتكليف ويتطوع بأكثر منه ليدخل في باب الإحسان؛ فهناك من يصلي الفروض وهي التكليف. . وهناك من يزيد عليها السنن. . وهناك من يقوم الليل. . فيظل يتقرب إلى الله ﵎ بالتطوع من جنس ما فرض. . وهناك من يصوم رمضان ومن يتطوع ويصوم أوائل الشهور العربية. . أو كل اثنين وخميس على

стр. 326

مدار العام أو في شهري رجب وشعبان. . وهناك من يحج مرة ومن يحج مرات. . وهناك من يلتزم بحدود الزكاة ومن يتصدق بأكثر منها. إذن كل التكاليف التي كلفنا الله بها في وسعنا وأقل من وسعنا. . ولا يقال أن العصر قد اختلف، فنحن الذين نعيش هذا العصر. . بكل ما فيه من متغيرات نقوم بالتكاليف ونزيد عليها دون أي مشقة، والله رفع فوق بني إسرائيل الطور رحمة بهم. . تماما كما يمسك الطبيب المشرط ليزيل صديداً تكوَّن داخل الجسد. . لأن الجسد لا يصح بغير هذا. لذلك عندما أراد الله أن يصيب بفضله ورحمته بني إسرائيل رغم أنوفهم. . رفع فوقهم جبل الطور الموجود في سيناء. . وقال لهم تقبلوا التكليف أو أطبق عليكم الجبل. . تماما كما أهلك الله ﵎ الذين كفروا ورفضوا الإيمان وقاوموا الرسل الذين من قبلهم. . قد يقول البعض إن الله أرغم اليهود على تكليف وهو القائل: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] نقول إن الله ﷻ لم يرغم أحدا على التكليف. . ولكنه رحمة منه خيرهم بين التكليف وبين عذاب يصيبهم فيهلكهم. . وهذا العذاب هو أن يُطْبقَ عليهم جبل الطور. . إذن المسألة ليس فيها إجبار ولكن فيها تخيير. . وقد خُيِّرَ الذين من قبلهم بين الإيمان والهلاك فلن يصدقوا حتى أصابهم الهلاك. . ولكن حينما رأى بنو إسرائيل الجبل فوقهم خشعوا ساجدين على الأرض. . وسجودهم دليل

стр. 327

على أنهم قبلوا المنهج. . ولكنهم كانوا وهم ساجدون ينظرون إلى الجبل فوقهم خشية أن يطبق عليهم. . ولذلك تجد سجود اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه. . بينما الجهة الأخرى تنظر إلى أعلى وكان ذلك خوفا من أن ينقض الجبل عليهم. . ولو سألت يهودياً لماذا تسجد بهذه الطريقة يقول لك أحمل التوراة ويهتز منتفضا. . نقول أنهم اهتزوا ساعة أن رفع الله جبل الطور فوقهم. . فكانوا في كل صلاة يأخذون الوضع نفسه، والذين شهدوهم من أولادهم وذريتهم. . اعتقدوا أنها شرط من شروط السجود عندهم. . ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه. . ونظرهم إلى شيء أعلاهم يخافون منه. . أي أن الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل الطور لا زالوا باقين عليها حتى الآن. في هذه الآية الكريمة يقول الحق ﵎: ﴿وإذا رفعنا فوقكم الطور. .﴾ وفي آية أخرى يقول المولى ﷻ في نفس ما حدث: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١] «نتقنا» كأن الجبل وتد في الأرض ونريد أن نخلعه. . فنحركه يمينا ويسارا حتى يمكن أن يخرج من الأرض. . هذه الحركة والزحزحة والجذب هي النتق. . والجبل كالوتد تماما يحتاج إلى هز وزعزعة وجذب حتى يخرج من مكانه. . وهذه الصورة عندما حدثت خشعوا وسجدوا وتقبلوا المنهج. يقول الحق : ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ . . الأخذ عادة مقابل للعطاء. . أنت تأخذ من معطٍ. . والتكليف أخذ من الله حتى تعطي به حركة صلاح في الكون. . إذن كل أخذ لابد أن يأتي منه عطاء؛ فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي للجيل الذي يليك. . ولكنك لا تعطيه كما هو، ولكن لابد أن تضيف عليه. وهذه الإضافة هي التي تصنع الحضارات. وقوله تعالى: «بقوة» . . أي لا تأخذوا التكليف بتخاذل. . والإنسان عادة

стр. 328

يأخذ بقوة ما هو نافع له. . ولذلك فطبيعة مناهج الله أن تؤخذ بقوة وبيقين. . لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين. . وإذا أخذت منهج الله بقوة فقد ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ أكثر. . لذلك تجد في القرآن الكريم يسألونك عن كذا. . دليل على أنهم عشقوا التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة النفع. ومادام الحق قال: ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ . . فقد عشقوا التكليف ولم يعد شاقا على أنفسهم. وقوله تعالى: ﴿واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . . إذكروا ما فيه أي ما في المنهج وأنه يعالج كل قضايا الحياة واعرفوا حكم هذه القضايا. . ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تطيعون الله وتتقون عقابه وعذابه يوم القيامة.

стр. 329

بعد أن بيّن الحق لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا ينسوه. . وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله ﷺ َ لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه. . ماذا فعل اليهود؟ يقول الحق ﵎: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾ . . أي أعرضتم عن منهج الله ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه. . ﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين﴾ ما هو الفضل وما هي الرحمة؟ الفضل هو الزيادة عما تستحق. . يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك. . عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ َ قال: «سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدْخِلُ أحداً الجنةَ عملهُ قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة» فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل. . وكل من يدخل الجنة فبفضل الله . . حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه الدنيا. . يقول الحق عنهم:

стр. 330

﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا الجنة بفضل الله. . فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا. . والله له فضل على عباده جميعا. . واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبه لغفران الذنوب. والله يريد أن يلفتنا إلى أنه لولا هذا الفضل لبني إسرائيل. . ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى إلى ميثاقهم ومنهجهم. . لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في الدنيا والآخرة. . ولكن الله ﵎ بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى الدين الذي حفظه الله بقدرته من أي تحريف. . فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب. . وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا. . ورحمهم برسول الله ﷺ َ الذي أرسله رحمة للعالمين. . مصداقا لقوله ﵎: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية الإيمان في هذا الكون. . ومع هذه الرحمة وهذا الفضل. . بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف رسول الله ﷺ َ وموعد بعثه. . فتح لهم بابا حتى لا يصبحوا من الخاسرين. . ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.

стр. 331

بعد أن بين الله ﷻ لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة لليهود فتركوه. . أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل عليها. . والله ﵎ له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون الدنيا. . وهو لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو بالدنيا مأخذ عدم الجد. . أو نفضل أمرا على أمر. . ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلا قول الحق ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا. . وكلاهما من منهج الله. . فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة. . ولا أن تترك عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة. . إذا نودي للصلاة فإلى المسجد. . وإذا قضيت الصلاة فإلى السعي للرزق. . وهناك يومان في الأسبوع ذكرا في القرآن بالإسم وهما يوم الجمعة والسبت. . بينما أيام الأسبوع سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في القرآن بالإسم. . وهي الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. . الجمعة هي عيد المسلمين الذي شرع فيه إجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة. . ونلاحظ أن يوم الجمعة لم يأخذ اشتقاقه من العدد. . فأيام الأسبوع

стр. 332

نسبت إلى الأعداد فيما عدا الجمعة والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلى واحد والإثنين منسوب إلى إثنين. . والثلاثاء منسوب إلى ثلاثة والأربعاء منسوب إلى أربعة والخميس منسوب إلى خمسة. . كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلى ستة ولكنه لم ينسب. . لماذا؟ لأنه اليوم الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده. . فسماه الله ﵎ الجمعة وجعله لنا عيدا. . والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، إجتماع نعمة الله في إيجاد الكون وتمامها في ذلك اليوم. . فالمؤمنون بالله يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم. . والسبت. . الباء والتاء تفيد معنى القطع. . وسبت ويسبت سبتا إذا انقطع عمله. . ونلاحظ أن خلق السموات والأرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الحديد: ٤] وكان تمام الخلق يوم الجمعة. . وفي اليوم السابع وهو يوم السبت. . كان كل شيء قد استقر وفرغ من خلق الكون. . ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتا. . لأن فيه سكون الحركة بعد تمام الخلق. . فلما أراد اليهود يوما للراحة أعطاهم الله يوم السبت وأراد الحق ﵎ أن يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو إمتحانهم فقد كانوا يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك. . وكان الإبتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا يبحثون عنها طوال الأسبوع وربما لا يجدونها. . وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح الماء تسعى إليهم لتفتنهم. . واقرأ قوله : ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]

стр. 333

وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك والحيتان يوم السبت. . فإذا جاء صباح الأحد اختفت بعيدا وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم لا يفعلون فيه أي شيء. . ولكنهم في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه الأسماك والحيتان. . صنعوا شيئا اسمه الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم. . وفي الوقت نفسه يحصلون على الأسماك. . هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة. . ولأنها عميقة لا يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه. . وكان هذا تحايلا منهم على مخالفة أمر الله. . والله لا يحب من يحتال في شيء من أوامره. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ . . وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة. . يعلمها الأجداد للآباء والأباء للأحفاد. . وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود المعاصرين لرسول الله ﷺ َ. . ولذلك عندما سمع: ﴿ولقد علمتم﴾ أي لقد عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة. . وكأنها من قصص التراث التي يتناقلونها. . وقوله تعالى: ﴿الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت﴾ . . المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت. . هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت. . ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والأسماك. . وكانوا في ذلك أغبياء. . وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت. . ولكنهم أخذوه في حيازتهم بالحيلة والفخاخ. . وقوله تعالى: «اعتدوا» أي تجاوزوا حدود الله المرسومة لهم. . وعادة حين يحرم الله شيئا يأتي بعد التحريم قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] لأنه يريد أن يمنعك من الإغراء. . حتى لا تقع في المعصية فيقول لك لا تقترب. . ولكن بني إسرائيل اعتدوا على حكم الله متظاهرين بالطاعة وهم عاصون. . وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله بأنهم طائعون مع أنهم

стр. 334

عاصون. . وصدر حكم الله عليهم: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ . وعادة أنك لا تأمر إنسانا أمرا إلا إذا كان في قدرته أن يفعله. . الأمر هنا أن يكونوا قردة. فهل يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلى قردة. . إنه أمر في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم كونوا قردة؟ نقول إن الآمر نفسه هنا هو الذي يستطيع أن يجعلهم قردة. . وهذا الأمر يسمى أمراً تسخيريّاً ولم يقل لهم كونوا قردة ليكونوا هم بإرادتهم قردة. . ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا. . وهذا يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار. . ولو كان لا يريد ذلك ولا يلزم أن يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم. . لأنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه ربما كان ذلك لازما. . ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا قردة. ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء اليهود إلى قردة؟ كيف مسخوا؟ قال بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يدرون. . فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى خلق أقل من الإنسان. . لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا. . وقال بعض العلماء أن الإنسان إذا مسخ فإنه لا يتناسل، ولذلك فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا. . ولماذا لم يتناسلوا؟ لأن الله يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولو أنهم تناسلوا. . لتحمل الأبناء وزر آبائهم. . وهذا مرفوض عند الله. . إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون. . ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم. قد يقول بعض الناس لو أنهم مسخوا قردة. . فمن أين جاء اليهود الموجودون الآن؟ نقول لهم أنه لم يكن كل اليهود عاصين. . ولكن كان منهم أقلية هي التي عصت ومسخت. . وبقيت الأكثرية ليصل نسلها إلينا اليوم. . وقد قال علماء

стр. 335

آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير وَعَبَدَ الطاغوت أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل﴾ [المائدة: ٦٠] إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة الطاغوت. . ولقد أخبرنا الله ﷻ أن اليهود مسخوا قردة. . ولكنه لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير. . فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك إزداد غضب الله عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلى بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟ نقول علينا أولا أن ننظر إلى البهيمية التي نقلهم الله إليها. . نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما. . وإن عورته لها لون مميز عن جسده. . وأنه لا يتأدب إلا بالعصا. . واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور. . وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خُلُق. . والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود. . وعبدة الطاغوت. . الطاغوت هو كل إنسان تجاوز الحد في البغي والظلم. . وعباد الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ظلمه وهم كذلك. إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين مسألة شكلية. . ولكن الله أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية. . فكأنهم مسخوا خلقه ومسخوا أخلاقا.

стр. 336

يريد الله ﵎ أن يلفتنا إلى أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية والأخلاقية لليهود: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي ما معها: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي ما بعدها: «والنكال» هو العقوبة الشديدة. . والعقوبة لابد أن تنشأ عن تجريم أولا. . هذا هو المبدأ الإسلامي والمبدأ القانوني. . فرجال القانون يقولون لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص. . قبل أن تعاقب لابد أن تقول أن هذا الفعل جريمة عقوبتها كذا وكذا. . وفي هذه الحالة عندما يرتكبها أي إنسان يكون مستحقا للعقوبة. . ومادام هذا هو الموقف فلابد من تشريع. والتشريع ليس معناه أن الله شرع العقوبة. . ولكن معناه محاولة منع الجريمة بالتخويف حتى لا يفعلها أحد. . فإذا تمت الجريمة فلابد من توقيع العقوبة. . لأن توقيعها عبرة للغير ومنع له من ارتكابها. . وهذا الزجر يسمى نكولا ومنها النكول في اليمين أي الرجوع فيه. إذن قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾ . . أي جعلناهم زجرا وعقابا قويا. . حتى لا يعود أحد من بني إسرائيل إلى مثل هذه المخالفة: ﴿نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ . . أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها تكفي لكيلا يقتربوا من هذه المعصية أبدا. . وتكون لهم موعظة لا ينسونها: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ يعني جعلناها تتوارثها الأجيال من بني إسرائيل جيلا بعد جيل. . كما بيننا الأب يحكي لابنه حتى لا يعود أحد في المستقبل إلى مثل هذا العمل من شدة العقوبة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . . أي موعظة لكل الناس الذين سيبلغهم الله ﵎ بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به. . حتى يقوا أنفسهم شر العذاب يوم القيامة الذي

стр. 337

سيكون فيه ألوان أشد كثيرا من هذا العذاب. . على أننا لابد أن نلفت الإنتباه إلى أن مبدأ أنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص هو مبدأ إلهي. . ولذلك يقول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] أي يأتي الرسول أولا ليجرم هذه الأفعال. . فإن ارتكبها أحد من خلق الله حقت عليه العقوبة. . ومن هنا فإن كل ما يقال عن قوانين بأثر رجعي مخالف لشريعة الله ﵎ وعدله. . فلا يوجد في عدالة السماء ما يقال عنه أثر رجعي.

стр. 338

تعرضنا إلى هذه الآية الكريمة في بداية سورة البقرة. . لأن السورة سميت بهذا الاسم. . ونلاحظ هنا أن الله أتى بحرف: «وإذ» . . يعني واذكروا: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ . . ولم يقل لماذا أمرهم بأن يذبحوا البقرة. . ولابد أن نقرأ الآيات إلى آخر القصة لنعرف السبب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣] والمفروض في كل الأمور أن الأمر تسبقه علته. . ولكن هذه عظمة القرآن الكريم. . لأن السؤال عن العلة أولا معناه أن الأمر صادر من مساو لك. . فإذا قال لك إنسان إفعل كذا. . تسأله لماذا حتى أطيع الأمر وأنفذه. . إذن الأمر من المساوي هو الذي تسأل عن علته. . ولكن الأمر من غير المساوي. . كأمر الأب لإبنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده. . مثل هذا الأمر لا يسأل عن علته قبل تنفيذه. . لأن الذي أصدره أحكم من الذي صدر إليه الأمر. . ولو أن كل مكلف من الله أقبل على الأمر يسأل عن علته أولا. . فيكون قد فعل الأمر بعلته. فكأنه قد فعله من أجل العلة. . ومن هنا يزول الإيمان. . ويستوي أن يكون الإنسان مؤمنا أو غير مؤمن. . ويكون تنفيذ الأمر بلا ثواب من الله. .

стр. 339

إن الإيمان يجعل المؤمن يتلقى الأمر من الله طائعا. . عرف علته أو لم يعرف. . ويقوم بتنفيذه لأنه صادر من الله. . ولذلك فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لأن الأمر صادر من الله. . وكل تكليف يأتي. . علة حدوثه هي الإيمان بالله. . ولذلك فإن الحق يبدأ كل تكليف بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا﴾ . . أي يا من آمنت بالله ربا وإلها وخالقا. . خذ عن الله وافعل لأنك آمنت بمن أمرك. في هذه الآيات التي نحن بصددها أراد الله تعالى أن يبين لنا ذلك. فجاء بالأمر بذبح البقرة أولا. . وبالعلة في الآيات التي روت لنا علة القصة. . وأنت حين تعبد الله فكل ما تفعله هو طاعة لله . . سواء عرفت العلة أو لم تعرفها؛ فأنت تؤدي الصلاة لأن الله ﵎ أمرك بأن تصلي. . فلو أديت الصلاة على أنها رياضة أو أنها وسيلة للاستيقاظ المبكر. . أو أنها حركات لازمة لليونة المفاصل فإن صلاتك تكون بلا ثواب ولا أجر. . إن أردت الرياضة فاذهب إلى أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون الرياضة على أصولها. . وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك. . وإن أردت عبادة الله كما أمرك الله فلتكن صلاتك التي فرضها الله عليك لأن الله فرضها. . وكذلك كل العبادات الأخرى. . الصوم ليس شعورا بإحساس الجائع. . ولا هو طريقة لعمل الرجيم ولكنه عباده. . إن لم تصم تنفيذا لأمر الله بالصوم فلا ثواب لك. . وإن جعلت للصيام أي سبب إلا العبادة فإنه صيام لا يقبله الله. . والله أغنى الشركاء عن الشرك. . فمن أشرك معه أحدا ترك الله عمله لمن أشركه. . وكذلك كل العبادات. هذا هو المفهوم الإيماني الذي أراد الله أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل. . ولذلك لم يأت بالعلة أو السبب أولا. . بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها عن السبب. . وسواء أخبرنا الله عن السبب أو لم يخبرنا فهذا لا يغير في إيماننا بحقيقة ما حدث. . وإن القصة لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ . . أعطى الله تبارك وتعالى

стр. 340

الأمر أولا ليختبر قوة إيمان بني إسرائيل. . ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل. . ولكنهم بدلا من أن يفعلوا ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ . . كلمة قوم تطلق على الرجال فقط. . ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] إذن قوم هم الرجال. . لأنهم يقومون على شئون أسرهم ونسائهم. . ولذلك يقول الشاعر العربي: وما أدري ولست أخال أدري ... أَقَوْمٌ آل حصنٍ أم نساءُ فالقوامة للرجال. . والمرأة حياتها مبنية على الستر في بيتها. . والرجال يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون. . والمفروض أن المرأة سكن لزوجها وبيتها وأولادها وهي في هذا لها مهمة أكبر من مهمة الرجال. . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ﴾ . . الأمر طلب فعل. وإذا كان الآمر أعلى من المأمور نسميه أمرا. . وإذا كان مساويا له نسميه إلتماسا. . وإذا كان إلى أعلى نسميه رجاء ودعاء. . على أننا لابد أن نلتفت إلى قوله تعالى على لسان زكريا: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] هل هذا أمر من زكريا؟ طبعا لا. لأنه دعاء والدعاء رجاء من الأدنى إلى الأعلى. . قوله تعالى: ﴿الله يَأْمُرُكُمْ﴾ . . لو أن إنسانا يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن يذبح بقرة. . أهذه تحتاج إلى إيضاح؟ لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي جهد. . فمادام الله قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة. . فكل

стр. 341

ما عليهم هو التنفيذ. . ولكن أنظر إلى الغباء حتى في السؤال. . إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء لإبطال التكليف. . لقد قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا. . أي أنهم استنكروا أن يكلفهم الله ﵎ بذبح بقرة على إطلاقها دون تحديد. . فاتهموا موسى أنه يهزأ بهم. . كأنهم يرون أن المسألة صعبة على الله . . لا يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة. . وعندما سمع موسى كلامهم ذهل. . فهل هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات الله ﵎. . أينقل نبي الله لهم أمرا من أوامر الله ﷻ على سبيل الهزل؟ هنا عرف موسى أن هؤلاء اليهود هم جاهلون. . جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم. . وأنهم يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس الله . . فاتجه إلى السماء يستعيذ بالله من هؤلاء الجاهلين. . الذين يأتيهم اليسر فيريدونه عسرا. ويأتيهم السهل فيريدونه صعبا. . ويطلبون من الله أن يعنتهم وأن يشدد عليهم وأن يجعل كل شيء في حياتهم صعبا وشاقا.

стр. 342

وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم. . لم يقولوا ادع لنا ربنا. . بل قالوا إدع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده. . ولقد تكررت هذه الطريقة في كلام بني إسرائيل عدة مرات. . حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة. . يوجهون السؤال لموسى فيدعو الله فيأتيه الجواب من الله ﵎. . فبدلا من أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة يوجهون سؤالا آخر. . فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم. . ثم يقطع الحق عليهم أسباب الجدل. . بأن يعطيهم أوصافا لبقرة لا تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط. . فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. . نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل. . يقول الحق : ﴿قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾ . . سؤال لا معنى له ولا محل. . لأن الله ﵎ قال لهم إنها بقرة. . ولم يقل مثلا إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن هناك محل للسؤال. . فجاء الحق ﵎ يقول لهم: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ﴾ . . الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة. . ولكن ما العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا هي للبن وللإنجاب. . ومادامت قد تعرضت للحمل كثيرا يكون مكان اللبن فيها في

стр. 343

اتساع. . أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل حمل جديد. . وعندما يكون بطن البقرة واسعاً يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا. وكلمة «بكر» لها معانٍ متعددة منها أنه لم يطأها فحل. . ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة. . ومنها أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن. وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ . . يعني وسط بين هذه الأوصاف كلها. . الحق بعد ذلك يقرعهم فيقول: ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ . . يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة. . ولكنهم لم يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا. . ولذلك غيروا صيغة السؤال.

стр. 344

بحثوا عن سؤال آخر: ما لونها؟ كأن الله ﵎ حين حدثهم عن السن فتحوا الأبواب ليسألوا ما لونها؟ مع أنه قال لهم: ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ . . فلم يفعلوا بل سألوا ما لونها؟ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ﴾ والصفرة لون من الألوان. . ثم قال ﷻ : ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ . . يعني صفرة شديدة. . ثم قال: ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ . . يعني أن كل من ينظر إليها يُسر لنضارتها ونظافتها وحسن مظهرها وتناسق جسدها. . وصف البقرة بأنها صفراء هذا لون معروف. . وفي الألوان لا يمكن أن تحدد لونا إلا برؤيته. . ولذلك فإن المحسَّات في الألوان لابد أن تسبق معرفتها وبعد ذلك تأتي باللون المطلوب. . لذلك لا يقال صفراء فقط لأنك لا تستطيع تحديده؛ لأن اللون الأصفر له درجات لا نهاية لها. . ومزج الألوان يعطيك عدداً لا نهائيا من درجاتها. . ولذلك فإن المشتغلين بدهان المنازل لا يستطيعون أن يقوموا بدهان شقة بلون إلا إذا قام بعمل مزيج اللون كله مرة واحدة. . حتى يخرج الدهان كله بدرجة واحدة من اللون. . ولكن إذا طلبت منه أن يدهن الشقة باللون نفسه. . بشرط أن يدهن حجرة واحدة كل يوم فإنه لا يستطيع. . فإذا سمعت صفراء يأتي اللون الأصفر إلى ذهنك. . فإذا سمعت «فاقع» فكل لون من الألوان له وصف يناسبه يعطينا دقة اللون المطلوب. . «فاقع» أي شديد الصفرة. أظن أن المسألة قد أصبحت واضحة. . إنها بقرة لونها أصفر فاقع تسر الناظرين. . وكان من المفروض أن يكتفي بنو إسرائيل بذلك ولكنهم عادوا إلى السؤال مرة أخرى.

стр. 345

وبرغم أن ما قيل لبني إسرائيل. . واضح تمام الوضوح عن البقرة. . وعمرها وشكلها ولونها ومنظرها. . فإن الله أراد أن يؤدبهم فجعلهم ينظرون إلى البقر. . وهذا يقول هذه هي والآخر يقول لا بل هي في مكان كذا. . والثالث يقول لا بل هي في موقع كذا. . وعادوا إلى موسى يسألونه أن يعود إلى ربه ليبين لهم لأن البقر تشابه عليهم. . وهنا ذكروا الله الذي نسوه ولم ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال لهم: ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ . . فطلبوا منه الهداية بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم وجدلهم. . وجاء الجواب من الله .

стр. 346

«بقرة لا ذلول» . . البقرة الذلول هي البقرة المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بلا تعب. . تماما مثل الخيل المروضة التي لا تتعب راكبها لأنها تم ترويضها. . وسيدنا إسماعيل هو أول من روض الخيل وساسها. . وقال الله لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة. . لا أحد قادها ولا قامت بعمل. . إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد. . ﴿تُثِيرُ الأرض﴾ أي لم تستخدم في حراثة الأرض أو فلاحتها. . ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ . . أي لم تستخدم في إدارة السواقي لسقية الزرع. . ﴿مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ أي خالية من العيوب لا أذنها مثقوبة. ولا فيها أي علامة من العلامات التي يميز الناس أبقارهم بها. . ولا رجلها عرجاء، خالية من البقع والألوان غير اللون الأصفر الفاقع. . وكلمة ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ . . أي لا شيء فيها. والمتأمل في وصف البقرة كما جاء في الآيات يرى الصعوبة والتشدد في اختيار أوصافها. . كأن الحق ﵎ يريد أن يجازيهم على أعمالهم. . ولم يجد بنو إسرائيل إلا بقرة واحدة تنطبق عليها هذه المواصفات فقالوا ﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجا عن نطاق الحق. وذبحوا البقرة ولكن عن كره منهم. . لأنهم كانوا حريصين على ألا يذبحوها، حرصهم على عدم تنفيذ المنهج. هم يريدون أن يماطلوا الله . . والله يقول لنا أن سمة المؤمنين أن يسارعوا إلى تنفيذ تكاليفه. . واقرأ قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]

стр. 347

وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف. . دليل على عشق التكليف. . لأنك تسارع لتفعل ما يطلبه منك من تحبه. . وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . . يدلنا على أنهم حاولوا الإبطاء في التنفيذ والتلكؤ. إننا لابد أن نلتفت إلى أن تباطؤ بني إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى. . فالبقرة التي طلبها الله منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ الأمر فور صدوره لهم بقرة نادرة لا تتكرر. . والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية. . لم تكن تنطبق إلا على بقرة واحدة ليتحكم صاحبها في ثمنها ويبيعها بأغلى الأسعار. . والقصة أنه كان هناك في بني إسرائيل رجل صالح. . يتحرى الحلال في الرزق والصدق في القول والإيمان الحقيقي بالله. وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما الصغير. . ماذا يفعل وهو لا يملك سوى العجلة. اتجه إلى الله وقال: اللهم إني استودعك هذه العجلة لولدي، ثم أطلقها في المراعي. . لم يوصِّ عليها أحداً ولكن استودعها الله. استودعها يد الله الأمينة على كل شيء. . ثم قال لامرأته إني لا أملك إلا هذه العجلة ولا آمن عليها إلا الله. . ولقد أطلقتها في المراعي. . وعندما كبر الولد قالت له أمه: إن أباك قد ترك لك وديعة عند الله وهي عجلة. . فقال يا أمي وأين أجدها؟ . . قالت كن كأبيك هو توكل واستودع، وأنت توكل واسترد. . فقال الولد: اللهم رب إبراهيم ورب موسى. . رد إلي ما استودعه أبي عندك. . فإذا بالعجلة تأتي إليه وقد أصبحت بقرة فأخذها ليريها لأمه. . وبينما هو سائر رآه بنو إسرائيل. فقالوا إن هذه البقرة هي التي طلبها الرب. . وذهبوا إلى صاحب البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم. . قالوا بثلاثة دنانير. . فذهب ليستشير أمه فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير. . قالت أمه لا. . لا تباع. . فقال الابن لن أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فدفعوا له ما أراد. . وهكذا نجد صلاح الأب يجعل الله حفيظا على أولاده يرعاهم وييسر لهم أمورهم.

стр. 348

قصة القتيل هي أن رجلا ثريا من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه. . وكان له أقارب كل منهم يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل. . والمال والذهب هما حياة بني إسرائيل. . فتآمر على هذا الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ويستولي على أمواله. . ولكنه أراد أن يبعد التهمة عن نفسه فحمل الجثة وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل الثري. . وفي الصباح قام أهل القرية ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم. . ووجدوه غريبا عن القرية فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلى ابن أخيه. . فتجمع أهل القتيل واتهموهم بقتله. . وكان أشدهم تحمسا في الاتهام القاتل ابن أخيه. . وقوله تعالى ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل واحد ينفيه عن نفسه. . إدارأتم أي أن كلا منكم يريد أن يدفع الجريمة عن نفسه فكل واحد يقول لست أنا. . وليس من الضروري أن يتهم أحد آخر غيره. . المهم أن يدفعها عن نفسه. ولقد حاول أهل القريتين. . قرية القتيل، والقرية التي وجدت أمامها الجثة. أن يدفع كل منهما شبهة الجريمة عن نفسه وربما يتهم بها الآخر. . ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاما محددا. بل كانت الأدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى. وكان التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم

стр. 349

يستدل على قاتله. . فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجلا من أعيان القرية التي وجدت بجوارها الجثة. . فيلقوا اليمين بأنهم ما قتلوه. . ولا علموا قاتله. . وإذا كان الأعيان والأكابر أقل من خمسين رجلا. . تكررت الأيْمان حتى تصير خمسين يمينا. . فيحلفون أنهم ما قتلوه ولا يعرفون قاتله. . عندما يتحمل بيت المال دية القتيل. . ولكن الله كان يريد شيئا آخر. . يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم الآخر. . ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله. . ويجعلهم يرون البعث وهم أحياء. . ولذلك قال : ﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ . . أي أن بني إسرائيل أو أولئك الذين ارتكبوا الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فلا يعلم أحد عنها شيئا. . ولذلك جاء الشاب وقتل عمه دون أن يراه أحد. . ثم حمل الجثة خفية في ظلام الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه. . ثم ذهب إلى قرية مجاورة وألقى بالجثة على باب القرية وأهلها نائمون وانصرف عائدا. . كانت كل هذه الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة غامضة لا تنكشف أبدا ولا يعرف سرها أحد. ولكن الله ﵎ أراد غير ذلك. . أراد أن يكشف الجريمة بطريقة لا تحتمل الجدل، وفي نفس الوقت يرد على جحود بني إسرائيل للبعث. . بأن يريهم البعث وهم أحياء.

стр. 350

احتدم الخلاف بين بني إسرائيل وكادت تحدث فتنة كبيرة. . فقرروا أن يلجأوا إلى موسى ﵇ ليطلب من الله ﵎ أن يكشف لهم لغز هذه الجريمة ويدلهم على القاتل. . وجاء الأمر من الله أن اذبحوا البقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لانتهت المشكلة. . ولكنهم ظلوا يقولون ما لونها وما شكلها إلى آخر ما رويناه. . حتى وصلوا إلى البقرة التي كان قد استودعها الرجل الصالح عند الله حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها. . فأمرهم الله أن يضربوه ببعضها. أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد أن سال دمها وماتت. . وانظر إلى العظمة في القصة. . جزء من ميت يُضرب به ميت فيحيا. . إذن المسألة أعدها الحق بصورة لا تجعلهم يشكون أبدا. . فلو أن الله أحياه بدون أن يضرب بجزء من البقرة. لقالوا لم يكن قد مات، كانت فيه حياه ثم أفاق بعد اغماءة. ولكن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ليعطيهم درسا إيمانيا بقدرة الله وهم الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالماديات. . وأن يأخذوا جزءاً أو أجزاء منها وأن يضربوا به القتيل فيحيا وينطق باسم قاتله ويميته الله بعد ذلك. . يقول الحق ﷻ . . ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ليرى بنو إسرائيل وهم على قيد الحياة كيف يحيى الله الموتى وليعرفوا أن الإنسان لا يبقى حيا بأسباب الحياة. . ولكن بإرادة مسبب الحياة في أن يقول «كن فيكون» .

стр. 351

لماذا ذكر الحق القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم لأن القلب هو موضع الرقة والرحمة والعطف. . وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا. . والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة. . فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان. . فكل جارحة تكون فيها خميرة الإيمان. وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار. . ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها. . وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل جوارح الجسد. . ورسول الله ﷺ َ يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد

стр. 352

الجسد كله ألا وهي القلب» إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب. . فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو. . لماذا؟ . . لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها. إنه يجد إنساناً يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا. . وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح. . فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى السرقة والحرام. . ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم الله. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلى المسجد أبدا ولكنها تمشي إلى الخمارة وإلى السرقة. . لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم. ويشبه الحق ﵎ قسوة قلوبهم فيقول: ﴿فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ . . الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا. . لأن لهم مع الحجارة شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء. . وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه. الله ﵎ لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة. . ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد. ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة. . لا تنظر إلى لينونة مادة القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها. الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتداً للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته. . أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل. . والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة

стр. 353

القسوة. . فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة. . فالخطاف مثلا أعوج. . هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل. . فعوج الخطاف استقامة لمهمته. . وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة. . وتكون على العكس تماما من مهمتها. . ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء﴾ [البقرة: ٧٤] هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة. . عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه. يقول لهم الحق ﷻ : أن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ . . إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير. . كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر الله. ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا. . ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا. . وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك. . أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]

стр. 354

يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي تذكروا أن الله لا يغيب عنه شيء وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره.

стр. 355

يعطينا الحق ﵎ هنا الحكمة. . فيما رواه لنا عن بني إسرائيل وعن قصصهم. لأنهم سيكون لهم دور مع المسلمين في المدينة، ثم في بيت المقدس، ثم في المسجد الأقصى. . فهو يروي لنا كيف أتعبوا نبيهم وكيف عصوا ربهم. وكيف قابلوا النعمة بالمعصية والرحمة بالجحود. وإذا كان هذا موقفهم يا محمد مع الله ومع نبيهم. . فلا تطمع أن يؤمنوا لك ولا أن يدخلوا في الإسلام، مع أنهم عندهم التوراة تدعوهم إلى الإيمان بمحمد ﵊ ُ. . هذه الآيات تحمل أعظم تعزية للرسول الكريم. وتطالبه ألا يحزن على عدم إيمان اليهود به لأنه عليه البلاغ فقط؛ ولكن حرص رسول الله ﷺ َ على أن يؤمن كل أهل الأرض يهود ونصارى وكفاراً، ليس معناه أنه لم يفهم مهمته، ولكن معناه أنه أدرك حلاوة التكليف من ربه، بحيث يريد أن يهدي كل خلق الله في الأرض. . فيطمئنه الله ويقول له لا تعتقد أنهم سيؤمنون لك. وليس معنى عدم إيمانهم أنك لست صادقا. . فتكذيبهم لك لا ينبغي أن يؤثر فيك. . فلا تطمع يا محمد أن يؤمنوا لك. . ما هو الطمع؟ . . الطمع هو رغبة النفس في شيء غير حقها وإن كان محبوبا لها. . والأصل في الإنسان العاقل ألا يطمع إلا في حقه. . والإنسان أحيانا يريد أن يرفه حياته ويعيش مترفا ولكن بحركة حياته كما هي. نقول له إذا أردت أن تتوسع في ترفك فلابد أن تتوسع في حركة حياتك؛ لأنك لو أترفت معتمدا على حركة حياة غيرك فسيفسد ميزان حركة الحياة في الأرض، أي إن كنت تريد أن تعيش حياة متزنة فعش على قدر حركة حياتك؛ لأنك إن فعلت غير ذلك تسرق وترتش وتفسد. فإن كان عندك طمع فليكن فيما تقدر عليه.
следующие страницы →