Полный текст (14 757 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار بالمغفرة» وكان المنطق يقتضي أن يقول رسول الله ﷺ َ (تجلى الرحمن بالمغفرة) ولكن مادامت هناك ذنوب، فالمقام لصفة الجبار الذي يعذب خلقه بذنوبهم. فكأن صفة الغفار تشفع عند صفة الجبار. . وصفة الجبار مقامها للعاصين، فتأتي صفة الغفار لتشفع عندها، فيغفر الله للعاصين ذنوبهم، وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار بجبروته بالمغفرة فساعة تأتي كلمة جبار. . يشعر الانسان بالفزع والخوف والرعب. لكن عندما تسمع (تجلى الجبار بالمغفرة) فإن السعادة تدخل الى قلبك. لأنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك. والنار ليست آمرة ولا فاعلة بذاتها ولكنها مأمورة. اذن فاستعذ منها بالآمر أو بصفات الجمال في الآمر.
يقول الحق ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ولقد قلنا ان الهدى هدى الله. . لأنه هو الذي حدد الغاية من الخلق ودلنا على الطريق الموصل اليها. فكون الله هو الذي حدد المطلوب ودلنا على الطريق اليه فهذه قمة النعمة. . لانه لم يترك لنا أن نحدد غايتنا ولا الطريق اليها. فرحمنا بذلك مما سنتعرض له من شقاء في أن نخطئ ونصيب بسبب علمنا القاصر، فنشقى وندخل في تجارب، ونمشي في طرق ثم نكتشف أننا قد ضللنا الطريق فنتجه الى طريق آخر فيكون اضل وأشقى.
وهكذا نتخبط دون أن نصل الى شيء. . وأراد سبحانه أن يجنبنا هذا كله فأنزل القرآن الكريم. . كتابا فيه هداية للناس وفيه دلالة على أقصر الطرق لكي نتقي عذاب الله وغضبه.
والله قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي أن هذا القرآن هدى للجميع. . فالذي يريد أن يتقي عذاب الله وغضبه يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية. . فالهدى من الحق ﵎ للناس جميعا. ثم خص من آمن به بهدى آخر، وهو أن يعينه على الطاعة.
стр. 72
اذن فهناك هدى من الله لكل خلقه وهو أن يدلهم ويبين لهم الطريق المستقيم. هذا هو هدى الدلالة، وهو أن يدل الله خلقه جميعا على الطريق الى طاعته وجنته. واقرأ قوله ﵎: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ [فصلت: ١٧] اذن الحق دلهم على طريق الهداية. . ولكنهم أحبوا طريق الغواية والمعصية واتبعوه. . هذه هداية الدلالة. . أما هداية المعونة ففي قوله سبحانه: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وهذه هي دلالة المعونة. . وهي لا تحق إلا لمن آمن بالله واتبع منهجه وأقبل على هداية الدلالة وعمل بها. . والله لا يعين من يرفض هداية الدلالة، بل يتركه يضل ويشقى.
. ونحن حين نقرأ القرآن الكريم نجد أن الله ﵎: يقول لنبيه ورسوله ﷺ َ: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦] وهكذا نفى الله عن رسوله ﷺ َ أن يكون هاديا لمن أحب. . ولكن الحق يقول لرسوله ﷺ َ: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فكيف يأتي هذا الاختلاف مع أن القائل هو الله.
стр. 73
نقول: عندما تسمع هذه الايات اعلم أن الجهة منفكة. . يعني ما نفى غير ما أثبت. . ففي غزوة بدر مثلا أخذ رسول الله ﷺ َ حفنة من الحصى قذفها في وجه جيش قريش. يأتي القرآن الكريم الى هذه الواقعة فيقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] نفي للحدث وإثباته في الآية نفسها. . كيف رمى رسول الله ﷺ َ. . مع أن الله ﵎ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ ؟! نقول إنه في هذه الآية الجهة منفكة. الذي رمى هو رسول الله ﷺ َ، ولكن الذي أوصل الحصى الى كل جيش قريش لتصيب كل مقاتل فيهم هي قدرة الله . فما كان لرمية رسول الله ﷺ َ حفنة من الحصى يمكن أن تصل الى كل جيش الكفار، ولكن قدرة الله هي التي جعلت هذا الحصى يصيب كل جندي في الجيش.
أما قول الحق لرسوله ﷺ َ: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
فهي هداية دلالة. أي أن رسول الله ﷺ َ بتبليغه للقرآن وبيانه لمنهج الله قد دل الناس كل الناس على الطريق المستقيم وبينه لهم. وقوله ﵎: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ . . أي إنك لا توصل الهداية الى القلوب لأن الله هو الذي يهدي القلوب ويزيدها هدى وإيمانا. ولذلك أطلقها الله ﵎ قضية ايمانية عامة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ فالقرآن الكريم يحمل هداية الدلالة للذين يريدون أن يجعلوا بينهم وبين غضب الله وعذابه وقاية.
стр. 74
بعد أن بين الله لنا أن هذا الكتاب وهو القرآن الكريم ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ . . أي أن فيه المنهج والطريق لكل من يريد أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية. . أراد أن يعرفنا صفات هؤلاء المتقين ومن هم. . وأول صفة هي قوله تعالى: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ . .
ما هو الغيب الذي جعله الله أول مرتبة في الهدى. . وفي الوقاية من النار ومن غضب الله؟ . .
الغيب هو كل ما غاب عن مدركات الحس. فالأشياء المحسة التي نراها ونلمسها لا يختلف فيها أحد. . ولذلك يقال ليس مع العين أين. . لأن ما تراه لا تريد عليه دليلا. . ولكن الغيب لا تدركه الحواس. . إنما يدرك بغيرها. .
ومن الدلالة على دقة التعريف أنهم قالوا أن هناك خمس حواس ظاهرة هي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس. . ولكن هناك أشياء تدرك بغير هذه الحواس. .
لنفرض أن أمامنا حقيبتين. . الشكل نفسه والحجم نفسه. هل تستطيع بحواسك الظاهرة أن تدرك أيهما أثقل من الأخرى؟ . هل تستطيع الحواس الخمس أن تقول لك أي الحقيبتين أثقل؟ . . لا. . لابد أن تحمل واحدة منهما ثم تحمل الأخرى لتعرف أيهما أثقل. .
بأي شيء أدركت هذا الثقل؟ . . بحاسة العضل. . لأن عضلاتك أُجهدت عندما حملت احدى الحقيبتين، ولم تجهد عندما حملت الثانية. . فعرفت بالدقة أيهما أثقل. . لا تقل باللمس؛ لأنك لو لمست احداهما ثم لمست الأخرى لا تعرف أيهما
стр. 75
أثقل. . إذن فهناك حاسة العضل التي تقيس بها ثقل الأشياء. .
ولنفرض أنك دخلت محلا لبيع القماش، وأمامك نوعان من قماش واحد. . ولكن أحدهما أرق من الآخر. . بمجرد أن تضع القماشين بين أنامِلك تدرك أن أحدهما رقيق والآخر أكثر سمكا. . بأي حاسة أدركت هذا؟ ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة البينة وحكمها لا يخطئ. .
وعندما تشعر بالجوع. . بأي حاسة أدركت أنك جوعان؟ . . ليس بالحواس الظاهرة. . وكذلك عندما تظمأ. . ما هي الحاسة التي أدركت بها أنك محتاج الى الماء. . وعندما تكون نائما. . أي حاسة تلك التي توقظك من النوم. . لا أحد يعرف. .
اذن هناك ملكات في النفس وهي الحواس الظاهرة. . وهناك ادراكات في النفس. . وهي حواس لا يعلمها إلا خالقها. . لذلك عندما يأتي العلماء ليضعوا تعريفا للنفس البشرية نقول لهم: ماذا تعرفون عن هذه النفس؟! . . انكم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. . ولكن هناك أشياء داخل النفس لا تعرفونها. . هناك ادراكات لا يعلم عنها الانسان شيئا، وهي ادراكات كثيرة ومتعددة.
. لذلك يخطئ من يقول إن ما لا يدرك بالحواس البشرية الظاهرة هو غيب. . لأن هناك ملكات وادراكات متعددة تعمل بغير علم منا.
لو أعطى لطالب تمرين هندسي فحله وأتى بالجواب. . هل نقول أنه عَلِمَ غيبا؟ . . لأن حل التمرين كان غيبا عنه ثم وصل اليه. . لا. . لأن هناك مقدمات وقوانين أوصلته الى هذا الحل. . والغيب بلا مقدمات ولا قوانين تؤدي اليه، وهل عندما تعلن الأرصاد الجوية أن غدا يوم مطير شديد الرياح. . أتكون قد عَلِمَتْ غيبا؟ . . لا. . لأنها أخذت المقدمات ووصلت بها الى نتائج وهذا ليس غيباً. .
واذا جاء أحد من الدجالين وقال لك ان ما سرق منك عند فلان. . أيكون قد علم الغيب؟ . . لا. . لأنه يشترط في الغيب ألا يكون معلوما لمثلك. . وما سرق منك معلوم لمثلك. . فالسارق والذي بيعت له المسروقات يعرفان من الذي سرق، وما الذي حدث. . والشرطة تستطيع بالمقدمات والبصمات والبحث أن تصل الى السارق ومن اشترى المسروقات. . وإذا جاءك دجال من الذين يسخرون الجن. .
стр. 76
والمعروف أن الجن مستورعنا يمتاز بخفة الحركة وسرعتها. . والله يقول عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] فقد يكون هذا المستعان به من الجن قد رأى شيئا. . أو انتقل من مكان إلى آخر. . فيعرف شيئا لا تعرفه أنت. . هذا لا يكون غيباً لأنك جهلته، ولكن غيرك يعلمه بقوانينه التي خلقها الله له. . والعلماء الذين يكتشفون أسرار الكون. . أيقال إنهم أطلعوا على الغيب؟ . . لا. . لأن هؤلاء العلماء اكتشفوا موجوداً له مقدمات فوصلوا الى هذه النتائج فهو ليس غيبا.
ولكن ما هو الغيب؟ . .
هو الشيء الذي ليس له مقدمات ولا يمكن أن يصل اليه علم خَلْقٍ من خلق الله حتى الملائكة. . واقرأ قول الحق حينما عَلَّمَ آدم الأسماء كلها وعرضهم على الملائكة قال ﷻ : ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣] والجن أيضا لا يعلم الغيب. . ولذلك عندما مات سليمان ﵇. . وكان الله قد سَخَّرَ له الجن لم تعلم الجن بموته إلا عندما أكلت دابة الأرض
стр. 77
عصاه. . واقرأ قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجن أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِي العذاب المهين﴾
[سبأ: ١٤] إذن فالغيب هو ما لا يعلمه إلا الله . . واقرأ قول الحق ﷻ : ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] وهكذا فإن الرسل لا يعلمون الغيب. . ولكن الله يعلمهم بما يشاء من الغيب ويكون هذا معجزة لهم ولمن اتبعوهم.
وقمة الغيب هي الايمان بالله . . والايمان بملائكته وكتبه ورسله والايمان باليوم الآخر. . كل هذه أمور غيبية، وحينما يخبرنا الله ﵎ عن ملائكته ونحن لا نراهم. . نقول مادام الله قد أخبرنا بهم فنحن نؤمن بوجودهم. . وإذا أخبرنا الحق عن اليوم الآخر. . فمادام الله قد أخبرنا فنحن نؤمن باليوم الآخر. . لأن الذي أخبرنا به هو الله ﷻ . . آمنت به أنه اله. . واستخدمت في هذا الايمان الدليل العقلي الذي جعلني أؤمن بأن لهذا الكون إلهاً وخالقاً. . وما يأتيني عن الله حيثية الايمان به أن الله هو القائل.
ولابد أن نعرف أن وجود الشيء مختلف تماما عن ادراك هذا الشيء. . فأنت لك روح في جسدك تهبك الحياة. . أرأيتها؟ . . أسمعتها؟ . . أذقتها؟ . . أشممتها؟ . . ألمستها؟ . . الجواب طبعا لا. . فبأي وسيلة من وسائل الادراك تدرك أن لك روحا في جسدك؟ بأثرها في إحياء الجسد. .
стр. 78
إذن فقد عرفت الروح بأثرها، والروح مخلوق لله. . فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقا في جسدك وذاتك وهو الروح بآثارها. . ان تدرك الله بحواسك.
ونحن إذا آمنا بالقمة الغيبية وهو الله ﷻ . . فلابد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وإن لم نَرَه. . ولقد أراد الله ﵎ رحمة بعقولنا أن يقرب لنا قضية الغيب فأعطانا من الكون المادي أدلة على أن وجود الشيء، وادراك هذا الوجود شيئان منفصلان تماما. .
فالجراثيم مثلا موجودة في الكون تؤدي مهمتها منذ بداية الخلق. . وكان الناس يشاهدون آثار الأمراض في أجسادهم من ارتفاع في الحرارة وحمى وغير ذلك وهم لا يعرفون السبب. . فلما ارتقى العلم وأذن الله لخلقه أن يروا هذا الوجود للجراثيم. . جعل الله العقول قادرة على أن تكتشف المجهر. . الذي يعطينا الصورة مكبرة. . لأن العين قدرتها البصرية أقل من أن تدرك هذه المخلوقات الدقيقة. . فلما اكتشف العلم المجهر. . استطعنا أن نرى هذا الجراثيم. . ونعرف أن لها دورة حياة وتكاثر إلى غير ما يكشفه الله لنا من علم كما تقدم الزمن. .
إن عدم قدرتنا على رؤية أي شيء لا يعني أنه غير موجود.
. ولكن آلة الإدراك وهي البصر عاجزة عن أن تراه، لأنه غاية في الصغر. . فاذا جئت بالمجهر كبر لك هذا الميكروب ليدخل في نطاق وسيلة رؤيتك وهي العين. . ورؤيتنا للجراثيم والميكروبات ليست دليلا على أنها خلقت ساعة رأيناها. . بل هي موجودة تؤدي مهمتها. . سواء رأيناها أو لم نرها.
فلو حدثنا أحد عن الميكروبات والجراثيم قبل أن نراها رؤية العين. . هل كنا نصدق؟ . . والله ترك بعض خلقه غير مدرك في زمنه لبعض حقائق الكون ليرتقي الانسان ويدرك بعد ذلك. . وكان المفروض أنه يزداد ايمانا. . عندما يدرك وليعرف الخلق بالدليل المادي أن ما هو غيب عنهم موجود وان كنا لا نراه. .
والله ﵎ قد أعطانا من آياته في الكون ما يجعلنا ندرك أن لهذا الكون خالقا. . فالشمس والقمر والنجوم والأرض والانسان والحيوان والجماد لا يستطيع أحد أن يدعي انه خلقهم. . ولا أحد يمكن أن يدعي أنه خلق نفسه أو غيره. .
стр. 79
ولا يمكن لهذا الكون بهذا النظام الدقيق أن يوجد مصادفة؛ لأن المصادفات أحداث غير مرتبة أو غير منظمة. . ولو وجد هذا الكون بالصدفة لتصادمت الشمس والقمر والنجوم والأرض ولاختل الليل والنهار. .
ولكن كل ما في الكون من آيات يؤكد لنا أن هناك قوة هائلة هي التي خلقت ونظمت وأبدعت. . فإذا جاءنا رسول يبلغنا أن الله هو الذي خلق هذا الكون فلابد أن نصدقه.
ثم يقول الحق : ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة﴾ . . والصلاة هي إدامة ولاء العبودية للحق ﵎ وهي لا تسقط عن الانسان أبدا. . فالانسان يصلي وهو واقف، فإن لم يستطع يصلي وهو جالس. فإن لم يستطع، فيصلي وهو راقد. . ولا تسقط الصلاة عن الانسان من ساعة التكليف إلى ساعة الوفاة كل يوم خمس مرات. .
ويقول الحق ﵎: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . . وحين نتكلم عن الرزق يظن كثير من الناس أن الرزق هو المال. . نقول له لا. . الرزق هو ما ينتفع به فالقوة رزق، والعلم رزق، والحكمة رزق، والتواضع رزق. . وكل ما فيه حركة للحياة رزق. . فإن لم يكن عندك مال لتنفق منه فعندك عافية تعمل بها لتحصل على المال. . وتتصدق بها على العاجز والمريض. . وان كان عندك حلم. . فإنك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك. . وان كان عندك علم انفقه لتعلم الجاهل. . وهكذا نرى: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ تستوعب جميع حركة الحياة.
стр. 80
الحق في هذه الآية الكريمة يعطينا صفات أخرى من صفات المؤمنين. . فبعد أن ابلغنا أن من صفات المؤمنين الايمان بالغيب واقامة الصلاة والانفاق مما رزقهم الله. . يأتي بعد ذلك الى صفات أخرى. .
فهؤلاء المؤمنون هم: ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي بالقرآن الكريم الذي أنزله الله . . و «بما أنزل من قبلك» وهذه لم تأت في وصف المؤمنين إلا في القرآن الكريم. . ذلك أن الاسلام عندما جاء كان عليه أن يواجه صنفين من الناس. . الصنف الأول هم الكفار وهم لا يؤمنون بالله ولا برسول مبلغ عن الله. . وكان هناك صنف آخر من الناس. . هم أهل الكتاب يؤمنون بالله ويؤمنون برسل عن الله وكتب عن الله. .
والاسلام واجه الصنفين. . لأن أهل الكتاب ربما ظنوا أنهم على صلة بالله. . يؤمنون به ويتلقون منه كتبا ويتبعون رسلا وهذا في نظرهم كاف. . نقول لا. . فالإسلام جاء ليؤمن به الكافر، ويؤمن به أهل الكتاب، ويكون الدين كله لله. .
والله في كتبه التي أنزلها أخبر عن رسول الله ﷺ َ وعن اسمه وأوصافه. . وطلب من أهل الكتاب الذين سيدركون رسالته ﷺ َ أن يؤمنوا به. . ولقد أعطى الله ﷻ أوصاف رسول الله ﷺ َ لأهل الكتاب حتى إنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. . بل كانت معرفتهم لرسول الله ﷺ َ وزمنه وأوصافه معرفة يقينية. . وكان يهود المدينة يقولون للكفار. . أَطَلَّ زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم. . فلما جاء رسول الله ﷺ َ كانوا أول من حاربه وأنكر نبوته. . فأوصاف رسول الله ﵊ ُ
стр. 81
موجودة في التوراة والانجيل. . ولذلك كان أهل الكتاب ينذرون الكفار بأنهم سيؤمنون بالرسول الجديد ويسودون به العرب. . واقرأ قول الحق :
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ [البقرة: ٨٩]
أي أن رسالة محمد ﷺ َ لم تكن مفاجئة لأهل الكتاب بل كانوا ينتظرونها. . كانوا يؤكدون أنهم سيؤمنون بها كما تأمرهم بها كتبهم. . ولكنهم رفضوا الايمان وأنكروا الرسالة عندما جاء زمنها. .
ثم يقول : ﴿وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ونلاحظ هنا أن كلمة (وبالآخرة) قد جاءت. . لأنك اذا تصفحت التوراة التي هي كتاب اليهود، أو قرأت التلمود لا تجد شيئا عن اليوم الآخر.
. فقد أخذوا الأمر المادي فقط من كتبهم. . والله ﵎ أكد الايمان باليوم الآخر حتى عرف الذين يقولون آمنا بالله وكتبه ورسله ولا يلتفتون الى اليوم الآخر أنهم ليسوا بمؤمنين. . فلو لم يجئ هذا الوصف في القرآن الكريم ربما قالوا إن الاسلام موافق لما عندنا. . ولكن الله ﷻ يريد تصوير الايمان تصويرا كماليا بأن الايمان بالله قمة ابتداء والايمان باليوم الآخر قمة انتهاء. . فمن لم يؤمن بالآخرة وأنه سيلقى الله وسيحاسبه. . وأن هناك جنة ينعم فيها المؤمن، وناراً يعذب فيها الكافر يكون ايمانه ناقصا. . ويكون قد اقترب من الكافر الذي جعل الدنيا غايته وهدفه. .
فالمؤمن يتبع منهج الله في الدنيا ليستحق نعيم الله في الآخرة. . فلو أن الآخرة لم تكن موجودة، لكان الكافر أكثر حظا من المؤمن في الحياة. . لأنه أخذ من الدنيا ما يشتهيه ولم يقيد نفسه بمنهج، بل أطلق لشهواته العنان. . بينما المؤمن قَيَّدَ حركته في الحياة طبقا لمنهج الله وتعب في سبيل ذلك. ثم يموت الاثنان وليس بعد ذلك شيء. . فيكون الكافر هو الفائز بنعم الدنيا وشهواتها. والمؤمن لا يأخذ شيئا. والأمر هنا لا يستقيم بالنسبة لقضية الايمان. . ولذلك كان الايمان بالله قمة الايمان بداية والايمان بالآخرة قمة الايمان نهاية.
стр. 82
قوله تعالى: (أولئك) اشارة الى الذين تنطبق عليهم كل الصفات التي يبينها الله في الآيتين السابقتين. . فأولئك الذين تنطبق عليهم هذه الصفات وصلوا الى الهدى أي الى الطريق الموصل للإيمان. . ووصلوا إلى الفلاح، وهو الهدف من الإيمان. .
وقوله تعالى: ﴿أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون﴾ تشمل الجميع. .
ولكن لماذا استخدم الله ﵎ ﴿أولئك﴾ مرتين؟ تلك من بلاغة القرآن الكريم، ولماذا دمج الخبرين بعضهما مع بعض؟ حتى نعرف أنه ليس في الاسلام إيمانان بل إيمان واحد يترتب عليه جزاء واحد. . وسيلته الهدى، وغايته الفلاح. . ولو نظر الى التكليفات التي هي الهدى الموصلة الى الغاية نجد أن الله رفع المهتدي على الهدى. . لنعرف أن الهدى لم يأت ليقيد حركتك في الحياة ويستذلك، وانما جاء ليرفعك. .
إن السطحيّين يعتقدون أن الهدى يقيد حركة الانسان في الحياة ويمنعه من تحقيق شهواته العاجلة. . ولكن الهدى في الحقيقة يرفع الانسان ويحفظه من الضرر، ومن غضب الله، ومن افساد المجتمع الذي سيكون هو أول من يعاني منه. . لذلك قال ﵎: ﴿على هُدًى﴾ . .
و (على) تفيد الاستعلاء. فاذا قلت أنت على الجواد فإنك تعلوه. . كأن المهتدى حين يلزم نفسه بالمنهج لا يذل. . ولكنه يرتفع الى الهدى ويصبح الهدى يأخذه من خير الى خير. . وذلك بعكس الضلالة التي تأخذ الانسان الى أسفل. .
стр. 83
ولذلك حين تقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] ترى ما يفيد الارتفاع والعلو في الهداية، وما يفيد الانخفاض والنزول في الضلالة؛ وإنما كان العلوّ في الهدى. . لأن المنهج قَيَّدَ حركة حياتك اعزازا لك لعلوك وسمو مقامك في أنك لا تأخذ من بشر تشريعا. . ولا تأخذ من ذاتك حركة. . وإنما يرتفع بك لتتلقي عن الله . . وهذا علو كبير. . ولكن عند الضلالة قال: «في ضلال» . . و (في) تدل على الظرفية المحيطة. . وهو كما وصفه الله في آية أخرى بقوله ﷻ : ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] أحاطت به الخطيئة. . أي لا يستطيع أن يفلت منها لأنه مظروف في الضلال. . وما دامت الخطيئة محيطة به فلا يجد منفذا لأنها تحكمه. . وما دامت تحكمه فلا يمكن أن يصل إلى هدى مطلقا. . فالحق حينما قال: ﴿أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون﴾ . . اختار لفظا عليه دلالة دنيوية تقرب المعنى الى السامع. .
ما هو الفلاح؟ . . المعنى العام هو الفوز والْمُفْلِحُ هو الفائز. ومعنى الآية الكريمة أولئك هم الفائزون وقال: «هم المفلحون» .
. لأن الفلاح مأخوذ من شق الأرض للبذر. . ومنه سُمِّيَ الفلاح الذي صفته شق الأرض ورمي البذور فيها. .
والحق سبحانه تعالى جاء بهذا اللفظ بالنسبة للآخرة لآنه يريد أن يأتي لنا مع الشيء بدليله. . وهناك فرق بين أمر غيبي عنا لا نعرفه. . وأمر غيبي يستدل عليه بمشهود. .
стр. 84
فالدين يقيد حريتك في الحياة في أن تفعل ولا تفعل. . ومنهج الله جاء ليقول لك إفعل كذا ولا تفعل كذا. وكثير من الناس يظن أن ذلك تقييد لحركة حياة المؤمن واثقال عليه. . لأنه أخذ منه حرية حركته فقيدها. .
ان الله ﵎ حين يقول لك لا تفعل. . معناها عند السطحيين أنه ضيق عليك ما تريد أن تفعل. . وحين يقول لك افعل. . معناها يكون قد ضيق عليك في شيء لا تريد أن تفعله. فمثلا: حين يطلب منك الزكاة. . فالزكاة في ظاهرها نقص المال، وإن كانت في حقيقتها بركة ونماء. . ورسول الله ﷺ َ يقول: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه»
فالحق اذا قيد حركتك في الحياة. . لا تظن أن هذا تضييق عليك. . بل ان هذا لفائدتك. . لأنه لم يأمرك وحدك، ولكن الأمر للناس جميعا حين يقول ﷻ : لا تسرق. . فقد قالها للناس جميعا ولذلك تكون أنت الرابح. . لأنه قيدك وأنت فرد من أن تسرق من غيرك. . ولكنه قيد ملايين الناس من أن يسرقوا منك. . اذن فالله لم يضيق عليك، ولكنه حمى مالك من الناس كل الناس. . قيدك وأنت فرد أن تسرق من مال غيرك، وقيد ملايين أن يسرقوا من مالك. . فمن الفائز؟ . . أنت طبعا. .
وقوله تعالى: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ (المفلحون) من مادة فلح. . فاذا كانت الأرض صماء فحينما نشقها ونبذرها تعطي محصولا عظيما، العملية أخذناها أبا عن جد. فالأرض حين تشق وتُبذر تُعطي محصولا وافرا. . واذا كانت هذه العملية أخذت أبا عن جد. . يأتي السؤال من الذي علم آدم البذر والزرع؟ . . نقول علمه الله كما علمه الأسماء. . وكما علمه ما يمكنه به أن يباشر مهمته في الأرض. .
والحق ﷻ لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار حياته وحياة أولاده. . يعلمه على الأقل بدايات. . ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه الله من علمه لخلقه. . وبعد ذلك جاءت القرون المتقدمة
стр. 85
فاستطعنا أن نستخدم آلات حديثة متطورة تقوم بعملية الحرث والبذر. .
ولكن الحقيقة الثابتة التي لم تتغير منذ بداية الكون ولن تتغير حتى نهايته. . هي أن مهمة الانسان أن يحرث ويضع البذرة في الأرض ويسقيها. . أما نمو الزرع نفسه فلا دخل للانسان فيه.
. وكذلك الثمر الذي ينتجه لا عمل للإنسان فيه. .
ولقد نبهنا الله ﵎ الى هذه الحقيقة حتى لا نغتر بحركتنا في الحياة ونقول إننا نحن الذين نزرع. . واقرأ قول الحق ﷻ في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٧] وهكذا ظلت مهمة الفلاحة في الأرض مقتصرة على الحرث والسقي والبذر، وحينما تلقى الحبة في الأرض يخلق الله في داخلها الغذاء الذي يكفيها حتى تستطيع أن تأخذ غذاءها من الأرض. . واذا جئت بحبة وبللتها تجد أنها قد نبت لها ساق وجذور. . من أين جاء هذا النمو؟ . من تكوين الحبة نفسه، والله ﵎ قد قدر في كل حبة من الغذاء ما يكفيها حتى تستطيع أن تتغذى من الأرض. . وعلى قدر كمية الغذاء المطلوبة يكون حجم الحبة. . وحين تضعها في الأرض فإنها تبدأ أولا بأن تغذي نفسها. . بحيث ينبت لها ساق وجذور وورقتان تتنفس منهما. . كل هذا لا دخل لك فيه ولا عمل لك فيه. . وتبدأ الحبة تأخذ غذاءها من الأرض والهواء. . لتنمو حتى تصبح شجرة كبيرة تنتج الثمر من نوع البذرة نفسه.
ومن هنا جاءت كلمة (المفلحون) . . ليعطينا الحق ﷻ من الأمور المادية المشهودة ما يعين عقولنا المحدودة على فهم الغيب. . فيشبه التكليف وجزاءه في الآخرة بالبذور والفلاحة. . أولا لأنك حين ترمي بذرة في الأرض تعطيك بذورا كثيرة. .
стр. 86
واقرأ قول الله :
﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]
واذا كانت الأرض وهي المخلوقة من الله تهبك أضعاف أضعاف ما أعطيتها. . فكيف بالخالق؟ . . وكم يضاعف لك من الثواب في الطاعة؟ . . هذا هو السبب في أن الحق ﵎ يقول: ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ . . حتى يلفتنا بمادة الفلاحة. . وهي شيء موجود نراه ونشهده كل يوم.
وكما أن التكليف يأخذ منك أشياء ليضاعفها لك. . كذلك الأرض أخذت منك حبة ولم تعطك مثل ما أخذت، بل أعطتك بالحبة سبعمائة حبة. . وهكذا نستطيع أن نصل بشيء مشهود يُفَصِّلُ لنا شيئا غيبيا.
стр. 87
وبعد ان تحدث الحق عن المؤمنين وصفاتهم. . وجزائهم في الآخرة وما ينتظرهم من خير كبير. . اراد ان يعطينا ﵎ الصورة المقابلة وهم الكافرون. . وبين لنا ان الايمان جاء ليهيمن على الجميع يحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة. . فلابد أن يكون هناك شر يحاربه الإيمان. . ولولا وجود هذا الشر. . أكان هناك ضرورة للايمان. . إن الانسان المؤمن يقي نفسه ومجتمعه وعالمه من شرور يأتي بها الكفر. . والكافرون قسمان. . قسم كفر بالله اولا ثم استمع الى كلام الله. . واستقبله بفطرته السليمة فاستجاب وآمن. . وصنف آخر مستفيد من الكفر ومن الطغيان ومن الظلم ومن اكل حقوق الناس وغير ذلك. . وهذا الصنف يعرف ان الايمان اذا جاء فانه سيسلبه جاها دنيويا ومكاسب يحققها ظلما وعدوانا. .
اذن الذين يقفون امام الايمان هم المستفيدون من الكفر. . ولكن ماذا عن الذين كانوا كفارا واستقبلوا دين الله استقبالا صحيحا. .
هؤلاء قد تتفتح قلوبهم فيؤمنون. والكفر معناه الستر. . ومعنى كَفَرَ (أي) سَتَرَ. . وكفر بالله أي ستر وجود الله ﷻ . . والذي يستر لابد ان يستر موجودا، لأن الستر طارئ على الوجود. . والاصل في الكون هو الايمان بالله. . وجاء الكفار يحاولون ستر وجود الله. فكأن الأصل هو الايمان ثم طرأت الغفلة على الناس فستروا وجود الله . . ليبقوا على سلطانهم او سيطرتهم او استغلالهم او استعلائهم على غيرهم من البشر. .
ولفظ الكفر في ذاته يدل على ان الايمان سبق ثم بعد ذلك جاء الكفر. . كيف؟ . .
стр. 88
لأن الخلق الاول وهو آدم الذي خلقه الله بيديه. . ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة. . وعلمه الاسماء كلها. .
سجود الملائكة وتعليم الاسماء أمر مشهدي بالنسبة لآدم. . والكفر ساعتها لم يكن موجودا. . وكان المفروض ان ادم بعد ان نزل الى الارض واستقر فيها. . يلقن ابناءه منهج عبادة الله لأنه نزل ومعه المنهج في (افعل ولا تفعل) وكان على ابناء آدم ان يلقنوا ابناءهم المنهج وهكذا. .
ولكن بمرور الزمن جاءت الغفلة في أن الايمان يقيد حركة الناس في الكون. . فبدأ كل من يريد ان يخضع حياته لشهوة بلا قيود يتخذ طريق الكفر. . والعاقل حين يسمع كلمة كفر. . يجب عليه أن يتنبه إلى أن معناها ستر لموجود واجب الوجود. . فكيف يكفر الانسان ويشارك في ستر ما هو موجود. . لذلك تجد ان الحق يقول: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٩] وهكذا يأتي هذا السؤال. . ولا يستطيع الكافر له جوابا! ﴿لأن الله هو الذي خلقه وأوجده. . ولا يستطيع احد منا ان يدعي انه خلق نفسه او خلق غيره. . فالوجود بالذات دليل على قضية الايمان. . ولذلك يسألهم الحق ﵎ كيف تكفرون بالله وتسترون وجود من خلقكم؟ . .
والخلق قضية محسومة لله لا يستطيع احد ان يدعيها. . فلا يمكن ان يدعي أحد أنه خلق نفسه. . قضية انك موجود توجب الايمان بالله الذي اوجدك. . انه عين الاستدلال على الله. . واذا نظر الانسان حوله
стр. 89
فوجد كل ما في الكون مسخر لخدمته والاشياء تستجيب له فظن بمرور الزمن ان له سيطرة على هذا الكون. . ولذلك عاش وفي ذهنه قوة الاسباب. . يأخذ الاسباب وهو فاعلها فيجدها قد اعطته واستجابت له. . ولم يلتفت الى خالق الاسباب الذي خلق لها قوانينها فجعلها تستجيب للانسان. . وقد اشار الحق ﵎ الى ذلك في قوله ﷻ : ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] ذلك ان الانسان يحرث الارض فتعطيه الثمر. . فيعتقد انه هو الذي اخضع الارض ووضع لها قوانينها لتعطيه ما يريد. . يضغط على زر الكهرباء فينير المكان فيعتقد انه هو الذي اوجد هذه الكهرباء﴾ يركب الطائرة. . وتسير به في الجو فيعتقد انه هو الذي جعلها تطير. . وينسى الخصائص التي وضعها الله في الغلاف الجوي ليستطيع ان يحمل هذه الطائرة. . يفتح التليفزيون ويرى أمامه احداث العالم فيعتقد ان ذلك قد حدث بقدرته هو. . وينسى ان الله ﵎ وضع في الغلاف الجوي خصائص جعلته ينقل الصوت والصورة من اقصى الدنيا الى اقصاها في ثوان معدودة. . وهكذا كل ما حولنا يظن الانسان انه اخضعه بذاته. . بينما كل هذا مسخر من الله لخدمة الانسان. . وهو الذي خلق ووضع القوانين. . نقول له انك لو فهمت معنى ذاتية الاشياء ما حدثتك نفسك بذلك. . الشيء الذاتي هو ما كان بذاتك لا يتغير ولا يتخلف ابدا. . انما الامر الذي ليس بذاتك هو الذي يتغير. .
واذا نظرت إلى ذاتيتك تلك التي اغرتك واطغتك. . ستفهم ان كلمة ذاتية هي ألا تكون محتاجا الى غيرك بل كل شيء من نفسك. . وانت في حياتك كلها ليس لك ذاتية. . لأن كل شيء حولك متغير بدون ارادتك. . وانت طفل محتاج إلى أبيك في بدء حياتك. . فاذا كبرت وأصبح لك قوة واستجابت الاحداث لك فإنك لا تستطيع ان تجعل فترة الشباب والفتوة هذه تبقى.
. فالزمن يملك ولكن لفترة محدودة. . فاذا وصلت الى مرحلة الشيخوخة فستحتاج الى من يأخذ بيدك ويعينك. . ربما على ادق حاجاتك وهي الطعام والشراب. .
стр. 90
إذن فأنت تبدأ بالطفولة محتاجا إلى غيرك. . وتنتهي بالشيخوخة محتاجا إلى غيرك. . وحتى عندما تكون في شبابك قد يصيبك مرض يقعدك عن الحركة. . فاذا كانت لك ذات حقيقية فأدفع هذا المرض عنك وقل لن امرض. . انك لا تستطيع. .
والله اوجد هذه المتغيرات حتى ينتهي الغرور من الانسان نفسه. . ويعرف انه قوي قادر بما اخضع الله له من قوانين الكون. . لنعلم اننا جميعا محتاجون الى القادر، وهو الله ، وان الله غني بذاته عن كل خلقه. . يغير ولا يتغير. . يميت وهو دائم الوجود. . يجعل من بعد قوة ضعفا وهو القوي دائما. . ما عند الناس ينفد وما عنده ﵎ لا ينفد أبداً. . هو الله في السماوات والأرض.
اذن فليست لك ذاتية حتى تدعي انك اخضعت الكون بقدراتك. . لانه ليس لك قدرة ان تبقى على حال واحد وتجعله لا يتبدل ولا يتغير. . فكيف تكفر بالله ﵎ وتستر وجوده. . كل ما في الكون وما في نفسك شاهد ودليل على وجود الحق . .
قلنا ان الكافرين صنفان. . صنف كفر بالله وعندما جاء الهدى حكم عقله وعرف الحق فآمن. . والصنف الآخر مستفيد من الكفر. . ولذلك فهو متشبث به مهما جاءه من الايمان والادلة الايمانية فإنه يعاند ويكفر. . لانه يريد ان يحتفظ بسلطاته الدنيوية ونفوذه القائم على الظلم والطغيان. . ولا يقبل ان يُجَرَّدَ منهما ولو بالحق. . هذا الصنف هو الذي قال عنه الله ﵎: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
إنهم لم يكفروا لأن بلاغا عن الله لم يصلهم. . ولم يكفروا لأنهم في حاجة الى ان يلفتهم رسول او نبي الى منهج الله. . هؤلاء اتخذوا الكفر صناعة ومنهج حياة. . فهم مستفيدون من الكفر لأنه جعلهم سادة ولانهم متميزون عن غيرهم بالباطل. . ولانهم لو جاء الايمان الذي يساوي بين الناس جميعا ويرفض الظلم، لأصبحوا أشخاصا عاديين غير مميزين في أي شيء. .
стр. 91
هذا الكافر الذي اتخذ الكفر طريقا لجاه الدنيا وزخرفها. . سواء أنذرته أو لم تنذره فانه لن يؤمن. . انه يريد الدنيا التي يعيش فيها. . بل ان هؤلاء هم الذين يقاومون الدين ويحاربون كل من آمن. . لأنهم يعرفون ان الايمان سيسلبهم مميزات كثيرة. . ولذلك فإن عدم ايمانهم ليس عن ان منهج الايمان لم يبلغهم. . او ان أحدا لم يلفتهم الى ايات الله في الأرض. . ولكن لأن حياتهم قائمة ومبنية على الكفر.
стр. 92
وكما اعطانا الحق أوصاف المؤمنين يعطينا صفات الكافرين. . وقد يتساءل بعض الناس إذا كان هذا هو حكم الله على الكافرين؟ فلماذا يطلب رسول الله ﷺ َ الإيمان منهم وقد ختم الله على قلوبهم؟! ومعنى الختم على القلب هو حكم بألاّ يخرج من القلب ما فيه من الكفر. . ولا يدخل إليه الإيمان. .
نقول أن الله غني عن العالمين. . فإن استغنى بعض خلقه عن الإيمان واختاروا الكفر. . فإن الله يساعده على الاستغناء ولا يعينه على العودة إلى الإيمان. . ولذلك فإن الحق يقول في حديث قدسي:
«أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني. . فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .
وقد وضح الحديث القدسي أن الله ﵎ يعين المؤمنين على الإيمان، وأن الله ﷻ كما يعين المؤمنين على الإيمان. . فإنه لا يهمه أن يأتي العبد إلى الإيمان أو لا يأتي. . ولذلك نجد القرآن دقيقا ومحكما بأن من كفروا قد اختاروا الكفر بإرادتهم. واختيارهم للكفر كان أولا قبل أن يختم الله على قلوبهم. . والخالق ﷻ أغنى الشركاء عن الشرك. . ومن أشرك به فإنه في غنى عنه.
إن الذين كفروا. . أي ستروا الإيمان بالله ورسوله. . هؤلاء يختم الله بكفرهم على آلات الإدراك كلها. . القلب والسمع والبصر. والقلب أداة إدراك غير ظاهرة. . وقد قدم الله القلب على السمع والبصر في تلك الآية لأنه يريد أن يعلمنا
стр. 93
منافذ الإدراك. . وفي القرآن الكريم يقول الحق ﵎: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]
وهكذا يعلمنا الله أن منافذ العلم في الإنسان هي السمع والأبصار والأفئدة. . ولكن في الآية الكريمة التي نحن بصددها قدم الله القلوب على السمع والأبصار. . أن الله يعلم أنهم اختاروا الكفر. . وكان هذا الاختيار قبل أن يختم الله على قلوبهم. . والختم على القلوب. . معناه أنه لا يدخلها إدراك جديد ولا يخرج منها إدراك قديم. . ومهما رأت العين أو سمعت الأذن. . فلا فائدة من ذلك لأن هذه القلوب مختومة بخاتم الله بعد أن اختار أصحابها الكفر وأصروا عليه. . وفي ذلك يصفهم الحق ﷻ : ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]
ولكن لماذا فقدوا كل أدوات الإدراك هذه؟ .
. لأن الغشاوة التفت حول القلوب الكافرة، فجعلت العيون عاجزة عن تأمل آيات الله. . والسمع غير قادر على التلقي من رسول الله ﷺ َ. .
إذن فهؤلاء الذين اختاروا الكفر وأصروا عليه وكفروا بالله رغم رسالاته ورسله وقرآنه. . ماذا يفعل الله بهم؟ أنه يتخلى عنهم. ولأنه غني عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق الذي مشوا فيه ويعينهم عليه. . واقرأ قوله ﵎: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]
стр. 94
ويقول ﷻ : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]
ومن عظمة علم الله ﵎ أنه يعلم المؤمن ويعلم الكافر. . دون أن يكون ﷻ تدخل في اختيارهم. . فعندما بعث الله نوحا ﵇. . ودعا نوح إلى منهج الله تسعمائة وخمسين عاما. وقبل أن يأتي الطوفان علم الله أنه لن يؤمن بنوح ﵇ إلا من آمن فعلا. . فطلب الله ﵎ من نوح أن يبني السفينة لينجو المؤمنون من الطوفان. . واقرأ قوله ﷻ : ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٦ - ٣٧]
وهكذا نرى أنه من عظمة علم الله . . أنه يعلم من سيصر على الكفر وأنه سيموت كافرا. . وإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا يطلب الله ﵎ من رسوله ﷺ َ أن يبلغهم بالمنهج وبالقرآن؟ . . ليكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة. . فلا يأتي هؤلاء الناس يوم المشهد العظيم ويجادلون بالباطل. . أنه لو بلغهم الهدى ودعاهم رسول الله ﷺ َ لآمنوا. . ولكن لماذا يختم الله ﷻ على قلوبهم؟ . . لأن القلب هو مكان العقائد. . ولذلك فإن القضية تناقش في العقل فإذا انتهت مناقشتها واقتنع بها الإنسان تماماً فإنها تستقر في القلب ولا تعود إلى الذهن مرة أخرى وتصبح عقيدة وإيمانا. . والحق يقول: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦]
стр. 95
وإذا عمى القلب عن قضية الإيمان. . فلا عين ترى آيات الإيمان. . ولا أذن تسمع كلام الله. . وهؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لهم في الآخرة عذاب عظيم. . ولقد وصف الله العذاب بأنه أليم. . وبأنه مهين. . وبأنه عظيم. . العذاب الأليم هو الذي يسبب ألما شديدا. . والعذاب المهين هو الذي يأتي لأولئك الذين رفعهم الله في الدنيا. . وأحيانا تكون الإهانة أشد إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه. . أولئك الذين كانوا أئمة الكفر في الدنيا. . يأتي بهم الله ﵎ يوم القيامة أمام من اتبعوهم فيهينهم. . أما العذاب العظيم فإنه منسوب إلى قدرة الله . . لأنه بقدرات البشر تكون القوة محدودة. . أما بقدرات الله ﷻ تكون القوة بلا حدود. . لأن كل فعل يتناسب مع فاعله. . وقدرة الله عظيمة في كل فعل. . وبما أن العذاب من الله ﷻ فإنه يكون عذابا عظيما.
стр. 96
الناس في الحياة الدنيا على ثلاثة أحوال: إما مؤمن، وإما كافر، وإما منافق.
والله في بداية القرآن الكريم في سورة البقرة. . أراد أن يعطينا وصف البشر جميعا بالنسبة للمنهج وأنهم ثلاث فئات: الفئة الأولى هم المؤمنون، عَرَّفنا الله صفاتهم في ثلاث آيات، في قوله تعالى:
﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون﴾
والفئة الثانية هم الكفار، وعرفنا الله صفاتهم في آيتين في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾
وجاء للمنافقين فعرف صفاتهم في ثلاث عشرة آية متتابعة، لماذا. .؟ لخطورتهم على الدين، فالذي يهدم الدين هو المنافق، أما الكافر فنحن نتقيه ونحذره، لأنه يعلن كفره.
إن المنافق، يتظاهر أمامك بالإيمان، ولكنه يبطن الشر والكفر، وقد تحسبه مؤمنا، فتطلعه على أسرارك، فيتخذها سلاحا لطعن الدين. . وقد خلق الله في الإنسان ملكات متعددة، ولكن يعيش الإنسان في سلام مع نفسه، لابد أن تكون ملكاته منسجمة وغير متناقضة.
فالمؤمن ملكاته منسجمة، لأنه اعتقد بقلبه في الإيمان ونطق لسانه بما يعتقد، فلا تناقض بين ملكاته أبداً. .
стр. 97
والكافر قد يقال إنه يعيش في سلام مع نفسه، فقد رفض الإيمان وأنكره بقلبه ولسانه وينطق بذلك، ولكن الذي فقد السلام مع ملكاته هو المنافق، أنه فقد السلام مع مجتمعه وفقد السلام مع نفسه، فهو يقول بلسانه، ما لا يعتقد قلبه، يظهر غير ما يبطن، ويقول غير ما يعتقد، ويخشى أن يكشفه الناس، فيعيش في خوف عميق، وهو يعتقد أن ذلك شيء مؤقت سينتهي.
ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له في الدنيا، ثم ينتقل معه إلى الآخرة، فينقض عليه، ليقوده إلى النار، واقرأ قوله ﵎: ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢١]
إذن كل ملكاتهم انقضت عليهم في الآخرة، فالسلام الذي كانوا يتمنونه لم يحققوه لا في حياتهم ولا في آخرتهم، فلسان المنافق يشهد عليه، ويداه تشهدان عليه، ورجلاه تشهدان عليه، والجلود تشهد عليه، فماذا بقي له؟
بينه وبين ربه تناقض، وبينه وبين نفسه تناقض، وبينه وبين مجتمعه تناقض، وبينه وبين آخرته تناقض. وبينه وبين الكافرين تناقض. يقول لسانه ما ليس في قلبه، وبماذا وصف الحق المنافقين؟ قال تعالى:
﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]
هذه أول صفات المنافقين في القرآن الكريم، يعلنون الإيمان وفي قلوبهم الكفر، ولذلك فإن إيمانهم كله تظاهر، إذا ذهبوا للصلاة لا تكتب لهم، لأنهم يتظاهرون بها، ولا يؤدونها عن إيمان، وإذا أدوا الزكاة، فإنها تكون عليهم حسرة، لأنهم ينفقونها وهم لها كارهون، لأنها في زعمهم نقص من مالهم. لا يأخذون عليها ثوابا
стр. 98
في الآخرة، وإذا قتل واحد منهم في غزوة، انتابهم الحزن، والأسى، لأنهم أهدروا حياتهم ولم يقدموها في سبيل الله.
وهكذا يكون كل ما يفعلونه شقاء بالنسبة لهم.
أما المؤمن فحين يصلي أو يؤدي الزكاة أو يستشهد في سبيل الله فهو يرجو الجنة، وأما المنافقون فإنهم يفعلون كل هذا، وهم لا يرجون شيئا. . فكأنهم بنفاقهم قد حكم عليهم الله بالشقاء في الدنيا والآخرة، فلا هم في الدنيا لهم متعة المؤمن فيما يفعل في سبيل الله، ولا هم في الآخرة لهم ثواب المؤمن فيما يرجو من الله.
стр. 99
وتأتي الصفة الثانية من صفات المنافقين، وهي صفة تدل على غفلتهم وحمق تفكيرهم، فإنهم يحسبون أنهم بنفاقهم يخدعون الله ، وهل يستطيع بشر أن يخدع رب العالمين؟
إن الله عليم بكل شيء، عليم بما نخفي وما نعلن، عليم بالسر وما هو أخفى من السر، وهل يوجد ما هو أخفى من السر؟ نقول نعم، السر هو ما أسررت به لغيرك، فكأنه يعلمه اثنان، أنت ومن أسررت إليه. ولكن ما هو أخفى من السر، ما تبقيه في نفسك ولا تخبر به أحدا، أنه يظل في قلبك لا تسر به لإنسان، والله يقول: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]
فلا يوجد مخلوق، يستطيع أن يخدع خالقه، ولكنهم من غفلتهم، يحسبون أنهم يستطيعون خداع الله ﷻ . وفي تصرفهم هذا لا يكون هناك سلام بينهم وبين الله. بل يكون هناك مقت وغضب.
وهم في خداعهم يحسبون أيضا أنهم يخدعون الذين آمنوا، بأنهم يقولون أمامهم غير ما يبطنون، ولكن هذا الخداع شقاء عليهم، لأنهم يعيشون في خوف مستمر، وهم دائما في قلق أو خوف من أن يكشفهم المؤمنون، أو يستمعوا إليهم في مجالسهم الخاصة، وهم يتحدثون بالكفر ويسخرون من الإيمان، ولذلك إذا تحدثوا لابد أن يتأكدوا أولا من أن أحدا من المؤمنين لا يسمعهم، ويتأكدوا ثانيا من أن أحدا من
стр. 100
المؤمنين لن يدخل عليهم وهم يتحدثون، والخوف يملأ قلوبهم أيضا، وهم مع المؤمنين، فكل واحد منهم يخشى أن تفلت منه كلمة، تفضح نفاقه وكفره.
وهكذا فلا سلام بينهم وبين المؤمنين. . والحقيقة أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم. فالله ، يعلم نفاقهم، والمؤمنون قد يعلمون هذا النفاق، فإن لم يعلموه، فإن الله يخبرهم به، واقرأ قول الحق : ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠]
ألم يأت المنافقون إلى رسول الله ﷺ َ، ليشهدوا أنه رسول الله ففضحهم الله أمام رسوله وأنزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]
جاء المنافقون إلى رسول الله ﷺ َ يشهدون بصدق رسالته، والله يعلم أن هذه الشهادة حق وصدق، لأنه ﷻ ، يعلم أن رسوله ﷺ َ، صادق الرسالة، ولكنه في الوقت نفسه يشهد بأن المنافقين كاذبون. كيف؟
كيف يتفق كلام الله مع ما قاله المنافقون ثم يكونون كاذبين؟
نقول: لأن المنافقين قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فهم شهدوا بألسنتهم فقط أن محمدا ﷺ َ رسول الله ولكن قلوبهم منكرة لذلك، مكذبة به، ولذلك فإن ما قاله المنافقون رغم أنه حقيقة إلا أنهم يكذبون، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لأن الصدق هو أن يوافق الكلام حقيقة ما في القلب،
стр. 101
وهؤلاء كذبوا، لأنهم في شهادتهم لرسول الله ﷺ َ لم يكونوا يعبرون عن واقع في قلوبهم، بل قلوبهم تُكَذِّبُ ما يقولون..
وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم يفضح الله فيها المنافقين وينبئ رسوله ﷺ َ بما يضمرونه في قلوبهم، إذن فخداعهم للمؤمنين، رغم أنه خداع بشر لبشر، إلا أنه أحيانا تفلت ألسنتهم، فتعرف حقيقتهم، وإذا لم يفلت اللسان، جاء البيان من الله ليفضحهم، وتكون حصيلة هذا كله، أنهم لا يخدعون أحدا، فالله يعلم سرهم وجهرهم، فمرة يعين الله المؤمنين عليهم فيكشفونهم، ومرة تفلت ألسنة المنافقين فيكشفون أنفسهم.
إذن فسلوك المنافق، لا يخدع به إلا نفسه، وهو الخاسر في الدنيا والآخرة، عندما يؤدي عملا إيمانيا، فالله يعلم أنه نفاق، وعندما يحاول أن يخدع المؤمنين، ينكشف، والنتيجة أنهم يعتقدون بأنهم حققوا لأنفسهم نفعا، بينما هم لم يحققوا لأنفسهم إلا الخسران المبين.
стр. 102
فالله ، شبه ما في قلوب المنافقين بأنه مرض، والمرض أولا يورث السقم، فكأن قلوبهم لا تملك الصحة الإيمانية التي تحيي القلب فتجعله قويا شابا، ولكنها قلوب مريضة، لماذا كانت مريضة؟ لقد أتعبها النفاق وأتعبها التنافر مع كل ما حولها، وأحست أنها تعيش حياة ملؤها الكذب، فاضطراب القلب، جعله مريضا، ولا يمكن أن يشفى إلا بإذن الله، وعلاجه هو الإيمان الحقيقي الصادق، ذلك الذي يعطيه الشفاء، والله يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢]
إذن فالإيمان والقرآن هما شفاء القلوب، كلاهما بعيد عن قلوب هؤلاء المنافقين، فكأن المرض يزداد في قلوبهم مع الزمن، والله بنفاقهم وكفرهم يزيدهم مرضا. وهذه هي الصفة الثالثة للمنافقين. . أنهم أصحاب قلوب مريضة سقيمة، لا يدخلها نور الإيمان، ولذلك فهي قلوب ضعيفة، ليس فيها القوة اللازمة لمعرفة الحق. وهي قلوب خائفة من كل ما حولها، مرتعبة في كل خطواتها، مضطربة بين ما في القلب وما على اللسان، والمريض لا يقوى على شيء وكذلك هذه القلوب لا تقوى على قول الحق، ولا تقوى على الصدق، ولا ترى ما حولها، تلك الرؤية التي تتناسب وتتفق مع فطرة الإيمان، التي وضعها الله تعالى في القلوب، ولذلك إذا دخل المنافقون في معركة في صفوف جيش المسلمين. . فأول ما يبحثون عنه هو الهرب من المعركة، يبحثون عن مخبأ يختفون فيه، أو مكان لا يراهم فيه
стр. 103
أحد، والله يصفهم بقوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]
لماذا؟ لأنهم أصحاب قلوب مريضة، لا تقوى على شيء، ومرضها يجعلها تهرب من كل شيء، وتختفي. وليت الأمر يقتصر عند هذا الحد، ولكن ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم، غير العذاب الذي عانوه من قلوبهم المريضة في الدنيا، فبما كانوا يكذبون على الله وعلى رسوله، ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم أشد من عذاب الكافرين، والله يقول: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: ١٤٥]
стр. 104
الفساد في الأرض هو أن تعمد إلي الصالح فتفسده، وأقل ما يطلب منك في الدنيا، أن تدع الصالح لصلاحه، ولا تتدخل فيه لتفسده، فإن شئت أن ترتقي إيمانيا، تأت للصالح، وتزد من صلاحه، فإن جئت للصالح وأفسدته فقد أفسدت فسادين، لأن الله ، أصلح لك مقومات حياتك في الكون، فلم تتركها على الصلاح الذي خلقت به، وكان تركها في حد ذاته، بعدا عن الفساد، بل جئت إليها، وهي صالحة بخلق الله لها فأفسدتها، فأنت لم تستقبل النعمة الممنوحة لك من الله، بأن تتركها تؤدي مهمتها في الحياة، ولم تزد في مهمتها صلاحا، ولكنك جئت إلى هذه المهمة فأفسدتها. . فلو أن هناك بئرا يشرب منها الناس، فهذه نعمة لضرورة حياتهم، تستطيع أنت بأسباب الله في كون الله أن تأتي وتصلحها، بأن تبطن جدرانها بالحجارة، حتى تمنع انهيار الرمال داخلها، أو أن تأتي بحبل وإناء حتى تعين الناس على الوصول إلى مياهها، ولكنك إذا جئت وردمتها تكون قد أفسدت الصالح في الحياة.
وهكذا المنافقون. . أنزل الله تعالى منهجا للحياة الطيبة للإنسان على الأرض، وهؤلاء المنافقون بذلوا كل ما في جهدهم لإفساد هذا المنهج، بأن تآمروا ضده وادعوا أنهم مؤمنون به ليطعنوا الإسلام في داخله.
ولقد تنبه أعداء الإسلام، إلى أن هذا الدين القوي الحق، لا يمكن أن يتأثر بطعنات الكفر، بل يواجهها ويتغلب عليها. فما قامت معركة بين حق وباطل إلا انتصر الحق، ولقد حاول أعداء الإسلام أن يواجهوه سنوات طويلة، ولكنهم عجزوا، ثم تنبهوا إلى أن هذا الدين لا يمكن أن يهزم إلا من داخله، وأن استخدام المنافقين في الإفساد، هو الطريقة الحقيقية لتفريق المسلمين، فانطلقوا إلى المسلمين اسما ليتخذوا منهم الحربة التي يوجهونها ضد الإسلام، وظهرت مذاهب
стр. 105
واختلافات، وما أسموه العلمانية واليسارية وغير ذلك، كل هذا قام به المنافقون في الإسلام وغلفوه بغلاف إسلامي، ليفسدوا في الأرض ويحاربوا منهج الله.
وإذا لفت المؤمنون نظرهم إلى أنهم يفسدون في الأرض، وطلبوا منهم أن يمتنعوا عن الإفساد، ادعوا أنهم لا يفسدون ولكنهم يصلحون، وأي صلاح في عدم اتباع منهج الله والخروج عليه بأي حجة من الحجج؟
стр. 106
وهكذا يعطينا الله حكمه عليهم بأنهم كما أنهم يخدعون أنفسهم ولا يشعرون ويحسبون أنهم يخدعون الله والمؤمنين. كذلك فإنهم يفسدون في الأرض ويدعون أنهم مصلحون، ولكنهم في الحقيقة مفسدون لماذا؟ . . لأن في قلوبهم كفراً وعداء لمنهج الله، فلو قاموا بأي عمل يكون ظاهره الإصلاح، فحقيقته هي الإفساد، تماماً كما ينطقون بألسنتهم بما ليس في قلوبهم.
والكون لا يصلح إلا بمنهج الله، فالله هو الذي خلق، وهو الذي أوجد، وهو أدرى بصنعته وبما يفسدها وبما يصلحها، لأنه هو الصانع، ولا يوجد من يعلم سر ما يصلح صنعته أكثر من صانعها.
ونحن في المنهج الدنيوي إذا أردنا إصلاح شيء اتجهنا لصانعه؛ فهو الذي يستطيع أن يدلنا على الإصلاح الحقيقي لهذا الشيء، فإذا لم يكن صانعه موجوداً في البلدة نفسها اتجهنا إلى من دربهم الصانع على الإصلاح، أو إلى ما يسمونه «الكتالوج» الذي يبين لنا طريق الإصلاح، وبدون هذا لا نصلح، بل نفسد، والعجيب أننا نتبع هذه الطريقة في حياتنا الدنيوية، ثم نأتي إلى الإنسان والكون، فبدلاً من أن نتجه إلى صانعه وخالقه لنأخذ عنه منهج الإصلاح، وهو أدرى بصنعته، نتجه إلى خلق الله يضعون لنا المناهج التي تفسد، وظاهرها الإصلاح لكنها تزيد الأمور سوءا والغريب أننا نسمي هذا فلاحا، ونسميه تقدما. ولكن لماذا لا نتجه إلى الصانع أو الخالق، الذي أوجد وخلق؟ هو أدرى بخلقه وبما يصلحهم وما يفسدهم.
стр. 107
ومادام الحق ، قد حكم على المنافقين، بأنهم هم المفسدون فذلك حكم يقيني، وكل من يحاول أن يغير من منهج الله، أو يعطل تطبيقه بحجة الإصلاح، فهو مفسد وإن كان لا يشعر بذلك، لأنه لو أراد إصلاحا لاتجه إلى ما يصلح الكون، وهو المنهج السماوي الذي أنزله خالق هذا الكون وصانعه، وهذا المنهج موجود ومُبَلَّغٌ ولا يخفى على أحد.
стр. 108
والسفهاء في قصد المنافقين هم الفقراء، ولكن ما معنى السفه في اللغة: السفه معناه الطيش والحمق والخفة في تناول الأمور، فهل تنطبق صفة السفيه على المؤمنين، الذين آمنوا بالله، أو أنها تنطبق على أولئك الذين لم يؤمنوا بالله؟ إذا كنتم تعتقدون أن الذين آمنوا هم السفهاء فلماذا تدعون الإيمان كذبا، لتكونوا سفهاء؟ لاشك أن هناك تناقضاً موجوداً في كل تصرفات المنافقين.
فالرسول ﷺ َ يدعوهم للإيمان، والمسلمون يدعونهم للإيمان، ولكنهم يصفون الذين آمنوا بأنهم سفهاء أي فقراء لا يملكون شيئاً، لأن سادة قريش لم يؤمنوا. . وهم يدعون أن الذين آمنوا، تصرفوا تصرفا أحمق، طائشاً، ولكن الغفلة هي المرض الذي يملأ قلوبهم لا يجعلهم ينتبهون إلى حقيقة مهمة، وهي أنهم يتظاهرون بالإيمان، ويدعون الإيمان ثم يصفون المؤمنين بالسفهاء، إذا كان هؤلاء سفهاء كما تدعون. فهل تتظاهرون بالإيمان لتصبحوا سفهاء مثلهم؟!
إن المنطق لا يستقيم ويدل على سفاهة عقول المنافقين، أنَّ هذه العقول. لم تتنبه إلى أنها حينما وصفت المسلمين بالسفهاء، قد أدانت نفسها، لأن المنافقين يدعون أنهم مؤمنون، إذن فكل تصرفات المنافقين فيها تناقض. تناقض مع العقل والمنطق، هذا التناقض يأتي من تناقض ملكات النفس بعضها مع بعض. . فاللسان يكذب القلب. والعمل يكذب العقيدة. والتظاهر بالإيمان يحملهم مشقة الإيمان ولا يعطيهم شيئا من ثوابه. ولو كان لهم عقول، لتنبهوا إلى هذا كله، ولكنهم لا يشعرون وهم يمضون في هذا الطريق، طريق النفاق، إنهم يجسدون السفاهة بعينها، بكل ما تحمله من حمق واستخفاف، وعدم التنبه إلى الحقيقة، والرعونة التي يتصرفون بها، والله حين وصفهم بالسفهاء، كان وصفا دقيقاً، لحالتهم وطريقة حياتهم.
стр. 109
وهكذا يرينا الحق سبحانه، أن كل منافق له أكثر من حياة يحرص عليها، والحياة لكي تستقيم، يجب أن تكون حياة واحدة منسجمة مع بعضها البعض، ولكن انظر إلى هؤلاء. . مع المؤمنين يقولون آمنا، ويتخذون حياة الإيمان ظاهرا، أي أنهم يمثلون حياة الإيمان، كما يقوم الممثل على المسرح بتمثيل دور شخصية غير شخصيته تماماً. . حياتهم كلها افتعال وتناقض، فإذا بعدوا عن الذين آمنوا، يقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ .
وانظر إلى دقة الأداء القرآني، الشيطان هو الدس الخفي، الحق ظاهر وواضح، أما منهج الشيطان وتآمره فيحدث في الخفاء لأنه باطل والنفس لا تخجل من حق أبدا، ولكنها تخشى وتخاف وتحاول أن تخفي الباطل.
ولنضرب لذلك مثلا بسيطا، رجل يجلس مع زوجته في منزله، وطرق الباب طارق، ماذا يحدث؟ يقوم الرجل بكل اطمئنان، ويفتح الباب ليرى من الطارق، فإن وجده صديقاً أو قريبا أكرمه ورحب به وأصر على أن يدخل ليضيفه. وتقوم الزوجة بإعداد الطعام أو الشراب الذي سيقدم للضيف، نأخذ هذه الحالة نفسها إذا كان الإنسان مع زوجة غيره في شقته وطرق الباب طارق، يحدث ارتباك عنيف، ويبحث الرجل عن مكان يخفي فيه المرأة التي معه، أو يبحث عن باب خفي ليخرجها منه، أو يحاول أن يطفئ الأنوار ويمنع الأصوات لعل الطارق يحس أنه لا يوجد أحد في المكان فينصرف، وقبل أن يُخْرِجَ تلك المرأة المحرمة عليه، فإنه يفتح الباب بحرص، وينظر يمينا ويسارا ليتأكد هل يراه أحد، وعندما لا يجد أحدا يسرع بدفع المرأة إلى الخارج، لأنها إثم يريد أن يتخلص منه، وإذا نزل ليوصلها يمشي بعيدا عنها، ويظل يرقب الطريق، ليتأكد من أن أحدا لم يره، وعندما يركبان السيارة ينطلقان بأقصى سرعة.
стр. 110
هذا هو الفرق بين منهج الإيمان، ومنهج الشيطان، الحادثة واحدة، ولكن الذي اختلف هو الحلال والحرام. انظر كيف يتصرف الناس في الحلال. . في النور. . في الأمان، وكيف يتصرفون في الحرام ومنهج الشيطان في الظلام وفي الخفية ويحرصون على ألا يراهم أحد، ومن هنا تأتي دقة التعبير القرآني. . ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ﴾ .
إن منهج الشيطان يحتاج إلى خلوة، إلى مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمعك فيه أحد، لأن العلن في منهج الشيطان يكون فضيحة، ولذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهدا أن يستر حركته في عدم الاستقامة، ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما يفعله جريمة وقبح، ولا يصح أن يعلمه أحد عنه، ومادام لا يصح أن يراه أحد في مكان ما، فاعلم أنه يحس أن ما يفعله في هذا المكان هو من عمل الشيطان الذي لا يقره الله، ولا يرضى عنه.
ولابد أن نعلم أن القيم، هي القيم، حتى عند المنحرف، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا﴾ معناها أنهم عندما يتظاهرون بالإيمان يأخذون جانب العلن، بل ربما افتعلوه، وكان المفروض أن يكون المقابل عندما يخلون إلى شياطينهم أن يقولوا: لم نؤمن.
وهناك في اللغة جملة اسمية وجملة فعلية، الجملة الفعلية، تدل على التجدد، والجملة الاسمية تدل على الثبوت، فالمنافقون مع المؤمنين يقولون آمنا، إيمانهم غير ثابت، متذبذب، وعندما يلقون الكافرين، لو قالوا لم نؤمن، لأخذت صفة الثبات، ولكنهم في الفترة بين لقائهم بالمؤمنين، ولقائهم بالكافرين، الكفر متجدد، لذلك قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ .
следующие страницы →