Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
وهناك صحابي آخر هو حاطب بن أبي بلتعة وكان رسول الله ﷺ َ قد جمع أمره لفتح مكة وأراد أن يستر مقدمه حتى تفاجأ قريش. وتكون المفاجأة سبباً في عدم تولد اللدد وليتم الصلح. لذلك كتم الأمر، وبعد ذلك جلس رسول الله بين صحابته وأعلمه الله أن حاطبا قد أرسل إلى قريش يخبرها. فانتدب عليّاً ومعه صحابيان وأمرهم الرسول ﷺ َ أن يذهبوا إلى مكان حدَّده لهم في الطريق إلى مكة ليجدوا فتاةً معها كتاب إلى قريش، فلما ذهبوا إلى المكان المحدد وجدوا الفتاة، فقال لها الإمام عليّ: أخرجي ما معك، فقالت: ليس معي شيء.
فمسك عليّ بن أبي طالب عقيصتها وأخرج الكتاب من المكان الذي تخبىء فيه أشياءها، فوجد رسالة تحذير لقريش، وعاد عليّ - كرّم الله وجهه - بالرسالة إلى رسول الله ﷺ َ، وسأل الرسول ﷺ َ حاطبا: ما حملك على هذا يا حاطب؟
قال: والله يا رسول الله لقد علمت أن ذلك لا يضرك في شيء، وأن الله ناصرك. . ناصرك، ولكني أردت أن أتخذ لي يداً عند قريش، لأنني رجل ضعيف ولا مال لي ولا أهل.
فعفا عنه رسول الله صلى الله وسلم رغم أن هذا نوع من اختيان الرسول. ولكنْ عليك أن تعلم أن كل مخالفة لحكم قبلته من الله الذي آمنت به يعتبر خيانة للأمانة.
﴿لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
أي لا تخونوا الله والرسول في المنهج ولا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وأنتم تعلمون، أي ألا يخون أحدكم قومه عن عمد، ويؤخذ من هذا القول ثبوت
стр. 5392
المغفرة في حالة الخطأ والنسيان، والممنوع أن تخون وأنت تعلم وتقصد، لكن إن حدث أمر بسبب فلتة لسان، فاعلم أن ربنا غفور رحيم، وله فضل عظيم، لا يأخذك بالسهو، وأنتم تعلمون بالفطرة أن مثل هذا الفعل رذيلة لا يقبل عليها إنسان كريم، ولو لم يكن متديناً، وعليك أن تقيس الأمر بمقياس واضح هو: أتحب أن يفعل أحد معك نفس ما تفعله مع غيرك؟ . وهذا سؤال تكون إجابته دليل الفطرة. فإن عرفت أن الفطرة ترفض الفعل ولا تقبله، فعليك ألا تفعله، لأنه مناف لهذه الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، وعلى سبيل المثال: إن اللص لو تخيل نفسه مسروقاً لما رضي أن يسرق، والمعتدي على العرض، لو تخيل أن هناك من يعتدي على عرضه لما اقترف الاعتداء على عرض الغير بهدف تحقيق شهوة في النفس. وما لا ترضاه لنفسك يجب عليك ألا ترضاه لغيرك. أتحب أن يخونك أحد في حديث أو في أمانة؟ لا؛ لذلك عليك أن تقيس كل أمر لا من الطرف الآخر، بل من طرفك أنت.
إذن فقول الحق ﵎: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي متعمدون، غير ناسين أو ساهين، أو جاء الأمر كفلتة لسان؛ لأنكم إذا كنتم تعلمون، ففي ارتكاب هذه الأفعال خيانة والله ينهي عن ذلك فيقول:
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
ونلحظ أن الخطاب هنا لجماعة المؤمنين، وجاءت الأمانات أيضاً جماعة، وأنت حين تُفصِّل الأمانات المجموعة على القوم المخاطبين بذلك، تعلم أنَّ على كل إنسان تكليفاً محدوداً هو ألا يخون أمانته مثلما يقول الأستاذ للتلاميذ: أخرجوا أقلامكم. فعذا أمر لجماعة التلاميذ بأن يخرج كل واحد قلمه.
стр. 5393
ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
стр. 5394
وإذا بحثنا عن علاقة هذه الآية بالآية السابقة عليها نجد أن العلاقة واضحة؛ لأن خيانة الله، وخيانة الرسول، وخيانة الأمانات إنما يكون لتحقيق شهوة أو نفع في النفس، وعليك أن تقدر أنت على نفسك لأنك قد لا تقدر على غيرك، ومثال ذلك: أنت قد لا تقدر على مطالب أولادك، وقد لا يكفي دخلك لمطالبهم، فهل يعني ذلك أن تأخذ من أمانة استودعها واحد عندك؟ لا.
هل يعني ذلك أن تخون في البيع والشراء لتحقيق مصلحة ما؟ لا.
هل تخون أمانات الناس من أجل مصالح أولادك أو لتصير غنيّاً؟ . لا.
وقد جاء الحق هنا بالأمرين، والأولاد وأخبرنا أنهما فتنة، والفتنة - كما علمنا من قبل - لا تذم ولا تمدح إلا بنتيجتها؛ فقد تكون ممدوحة إذا نجحت في الاختبار، وتكون مذمومة حين ترسب في ذلك الاختبار المبين في تلك الآية الكريمة.
والمتتبعون لأسرار الأداء القرآني يعرفون أن لكل حرف حكمة، وكل كلمة بحكمة، وكل جملة بحكمة؛ لذلك نجد من يتساءل: لماذا قدم الحق ﵎ الأموال على الأولاد؟ . ونقول: لأن كل واحد له مال ولو لم يكن له إلا ملبسه. وبطبيعة الحال ليس لكل واحد أولاد. ثم إن الأبناء ينشأون من الزواج، ومجيء الزوج، يحتاج إلى المال؛ لذلك كان من المنطق أن يأتي الحق بالأموال أولاً ثم يأتي بذكر الأولاد.
стр. 5395
وأساليب القرآن الكريم تتناول هذا الموضوع بألوان مختلفة؛ فيقول الحق : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء والبنين والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة﴾ [آل عمران: ١٤] .
وفي هذا القول نجد أن القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تأخرت هنا عن النساء والبنين. ولم يأت بذكر الأموال أولاً ثم الأولاد كفتنة. وعلينا أن ننتبه أنه جاء هنا بالقناطير المقنطرة، وهي تأتي بعد تحقيق الشهوة الأولى؛ وهي النساء، والزينة الثانية وهي الأبناء، ونعلم أن من عنده مال يكفيه للزواج والإنجاب قد يطمع في المزيد من المال، فإن كانت الوحدة من القناطير المقنطرة هي القنطار، فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يملك قنطاراً إنما يطمع في الزيادة مثلما يطمع من يملك ألف جنيه في أن يزيد ما يمتلكه ويصل إلى مليون جنيه، وهكذا. إذن فالقناطير المقنطرة تعني الرغبة في المبالغة في الغنى.
وهنا يقول الحق ﵎:
﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] .
ويقول في آية ثانية: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤] .
стр. 5396
وفي هذا القول نجد أن العداوة تأتي من الأزواج قبل الأولاد، ونعلم أن الزوجة في بعض الأحيان هي التي تكره أولاً ثم يتأثر بكراهيتها ويتشبه بها الأبناء، وهذا كلام منطقي؛ لأن الذي يتكلم هو رب حكيم.
﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ .
وفي هذا القول تحذير واضح: إياكم أن ترسبوا في هذا الاختبار؛ فمن يجمع المال من حرام لترف أبنائه فهو خائن للأمانة، وهذا له عقاب، ولذلك يذكرنا الحق ﵎ في آخر هذه الآية بما يحبب إلينا النجاح في الاختبار فيقول سبحانه:
﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
ونعلم أن النفس البشرية مولعة بحكم تكوينها الفطري من الله بحب النفع لنفسها، ولكن المختلف فيه قيمة هذا النفع؛ وعمر هذا النفع؛ لأن الذي يسرق إنما يريد أن ينفع نفسه بجهد غيره، ومن لا يسرق يريد أيضاً أن ينفع نفسه ليبارك الله له في المال وأن يعطيه الرزق الحلال. وهكذا تكون النفعية وراء كل عمل سواء أكان إيجاباً أم سلباً،
والمثال الذي أضربه دائماً لذلك هو الطالب الذي يهمل في دروسه، ويوقظه أهله كل صباح بصعوبة، ثم يخرج من المنزل ليتسكع في الشوارع، والطالب الثاني الذي استيقظ صباحاً وذهب إلى مدرسته وانكب على دروسه، إنَّ كلاً من الطالبين قد أراد نفع نفسه، الفاشل أراد النفع الأحمق، والناجح أراد النفع في المستقبل. ونعرف أن النفع غاية مطلوبة لكل نفس. والمهم هو قيمة النفع، وعمر النفع. فإذا كانت الخيانة ستؤدي لك نفعاً في أولادك أو أموالك؛ فاذكر ما يقابل الأمانة من الأجر عند الله ، وضع هذه في كفة، وضع تلك في الكفة الأخرى، وانظر أي كفة ترجح، ولا بد أن ترجح كفة الأجر عند الله .
стр. 5397
ولذلك قال المتنبي:
أرى كلنا يبغي الحياةَ لنفسه ... حريصاً عليها مستهاماً بها صبًا
فحُبُّ الجبانِ النفسَ أوْرَده التقى ... وحُبُّ الشجاعِ النفسَ أوْرَده الحَرْبَا
فكلنا نحب الحياة؛ الجبان الخائف من الحرب يحب الحياة، والشجاع الذ يحب نفسه ويعلم قيمتها عند خالقها يخوض الحرب رغبة في حياة الاستشهاد، وهي حياة عند الله إلى أن تقوم الساعة، ثم تتلوها حياة الجنة حيث يخلد فيها أبداً.
إذن فالمعيار الذي نقيس به النفع هو محل الاختلاف.
وفي عرف البشر نجد أن الأجر يساوي قيمة العمل، لكن الأجر عند الله لا يساوي العمل فقط، بل هو عظيم بطلاقة قدرة الحق :
ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ... ﴾
стр. 5398
ويستهل الحق ﵎ هذه الآية الكريمة بنداء الإيمان، ثم يضع شرطاً هو: ﴿إِن تَتَّقُواْ الله﴾ ، ويكون جواب الشرط أن يجعل لنا فرقاناً، ويكفر عنا السيئات، ويغفر لنا وسبحانه هو الكريم وصاحب الفضل العظيم.
стр. 5399
والمراد بالتقوى هنا أن تكون التزاما بالأحكام؛ وقمة الالتزام بالأحكام هي الإيمان بالله ، وإذا وجد الاثنان؛ الإيمان بالله والالتزام بالأحكام، لا بد أن يتحقق وعد الله المتنثل في قوله تعالى
﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله ذُو الفضل العظيم﴾ [الأنفال: ٢٩] .
والفرقان من مادة «فرق» «الفاء والراء والقاف» ، وتأتي دائماً للفصل بين شيئين، مثلما ضرب موسى البحر بعصاه فكان كل فِرْق كالطود العظيم. وسبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾ [البقرة: ٥٠] .
أي نزع الله سبحانه الاتصال بين متصلين فصار بينهما فرق كبير.
وافرض - على سبيل المثال - أنك أحضرت ثوباً من قماشٍ مُتَساوٍ في النسيج واللون، ثم شققت من الثوب جزءاً منه؛ هنا لا يقال إنك فرقت بين القطعتين، بل فصلت بينهما، لكن لا يقال فِرْق إلا إذا كان الفصل يؤدي إلى فرقتين؛ فِرقة هنا، وفِرقة هناك وهذه أشياء ومتعلقات، وتلك لها أشياء ومتعلقات.
إذن فالفرق ليس هو الفصل بين متلاحمين فقط، بل هو فصل يؤدي إلى أن يكون لكل فرقة منهج، ومذهب، ورأي.
و ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ أي يفصل بين شيئين لم يكن يوجد بينهما اتفاق؛ لأنه لو كان بينهما اتفاق لصارا فرقة واحدة، لكن لأنهما مختلفات لذلك لا بد من وجود تناقض بينهما. وهنا يقول الحق ﵎: إنه يجعل لكم فرقاناً، مثال ذلك، هناك من يهتدي، وهناك من يضل. وبطبيعة الحال يوجد فرق بين الهدى وبين الضلال. فالله شرح صدر المتهدي للإسلام، وجعل صدر
стр. 5400
الكافر ضيقاً حرجا؛ فيه غل وحقد وحسد ومكر، وخديعة؛ لذلك يفصل ربنا بين من بقلبه طمأنينة الإيمان وبين من يمتلىء صدره بالضغينة، فالمؤمن من فرقة تختلف عن فرقة أصحاب القلوب الحقودة.
وحين يقول الحق :
﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] .
أي أنه يفصل بينكم أو يفصل بين عموم الحق وعموم الباطل؛ لأنه يريد أن تكون حركة الحياة وحدة متكاملة منسجمة، لا يسودها هوى جماعة ضد جماعة لها هوى آخر؛ لأنهم كلهم خلفاء لله في الأرض، وكلهم مخلوقون لله، وكلهم متمتعون بخيرات الله؛ لذلك يجب أن تكون حركاتهم متساندة ومتناسقة غير متعاندة.
والتفرق - كما نعلم - إنما ينشأ عن اشتباك؛ بين فريقين اثنين، واحد منهما يمثل فريق الهدى، والثاني هو من حق عليه عذاب الله.
﴿إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] .
ويتمثل الفرقان في هدى القلب، والبصيرة والعلم؛ وأي شيء يفصل بين الحق والباطل، وأحوال الإنسان - كما نعلم - قسمان: أحوال الدنيا، وأحوال الآخرة، وأحوال الدنيا فيها أمور قلبية مستترة، وفيها أمور ظاهرة، وإن نظرنا إلى حالات الدنيا نجد منها الظاهر وهو الحركة المحسة، ومنها القلبي الذي لا يعرفه من بعد الله إلا صاحب القلب. والفرقان في أحوال الدنيا القلبية تلمسه حين تجد من اهتدى، ومن ضل؛ ونجد أن المهتدي قد شرح ربنا صدره للإسلام. ونجد أن الضال هو من لم يشرح الله صدره للإسلام والمهتدي يعيش ضمن الفريق الذي لا غل فيه ولا حقد، والضال هو من يعيش في فريق يتصف
стр. 5401
بالغل والحقد، هذا في الأمور القلبية. أما في الأعمال الظاهرة، فالحق يجعل الفرقان بين أهل الإيمان وأهل الكفر؛ بالنصر، والغلبة، والعزة.
وماذا عن الفرقان في الآخرة؟ .
إن الحق يجعل الفرقان في الآخرة بحيث يكون لأهل الإيمان النعيم المقيم والثواب العظيم، ويجعل لأهل الكفر العذاب الشديد والمقت الكبير.
﴿إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] .
وإذا كنا سنتقي الله فهل سيكون لنا سيئات؟ .
وأقول: إن أردت بقوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ الله﴾ إيماناً به، فسبحانه يُكَفِّر عنكم سيئاتكم؛ صغائرها وكبائرها. ولا يضر مع الإيمان معصية، بل تدخل في عفو الله وغفرانه.
وإن أردت بالتقوى «التزام أمر» فتكفير السيئات يعني أن نتقي الله بترك الكبائر فيكفر عنا السيئات وهي الصغائر. والتكفير على نوعين؛ أولا أن يسترها عليك في الدنيا، أو يذهب عنك عقوبة الآخرة، ولذلك يقول سبحانه في ختام جميل للآية:
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله ذُو الفضل العظيم﴾ [الأنفال: ٢٩] .
وحين يوصف الفضل بأنه عظيم، فمعنى ذلك أنَّ هناك فَضْلاً أقل من عظيم، كما أن هناك فَضْلاً يعلوه تميزاً. نعم، ونعلم أن التفاضل موجود عند البشر؛ هذا يتفضل على هذا بطعام، أو يتفضل عليه بِمَلْبَس، أو يتفضل عليه
стр. 5402
بشراب، أو يتفضل عليه بمسكن، أي أن هناك أنواعاً متعددة من الفضل، لكنها لا توصف بالعظمة؛ لأن الفضل العظيم يكون من الله تعالى فقط لأنه سيؤول إليه كل فضل من دونه، فمن أعطى آخر رغيف خبز فلنعلم أن وراءه من أحضر الخبز من المخبز، ووراءه من جاء بالدقيق من المطحن، ووراءه من زرع وحصد.
إذن كل فضل هو من الله ومآله مردود إلى الله ، وهذا هو الفضل العظيم. وأيضاً نجد أن الذي يتفضل على واحد لا بد أنه يبغي من وراء هذا الفضل شيئاً، مثل كمال الذات، وأنه يود الحمد والثناء، ويبغي راحة نفس إنسانية، ونرى أناساً يؤدون الفضل لغيرهم ليقللوا من آلامهم، لا لأنهم يطبقون منهج الله، بل يرغبون في مجرد راحة النفس، مثل الكفار الذين يصنعون أشياء تفيد الناس، فهم يفعلونها وليس في بالهم الله، بل في بالهم راحة النفس وانسجامها.
إذن فالذي يتفضل إنما يريد شيئاً، إما كمال مال أو ثناء وإطراء، وراحة نفس من مناظر الإيلام التي يراها، وهذا دليل على أنه يعاني من نقص ما ويريد أن يكمله. فإذا كان الله هو صاحب الفضل، ألله نقص في كمال؟!! لا. إذن فهذا هو الفضل العظيم ويمنحه لعباده تفضلاً منه دون رغبة في كمال أو ثناء، وأيضاً فكل فضل من دون الله يتضمّن المنّ، لكن فضل الله تعالى ليس فيه منّ وليس فيه ذِلة لأحد. وقد يستنكف إنسان أن يأخذ شيئا من إنسان آخر. لكن من الذي يستنكف على فضل الله؟ . لا أحد. لأنَّ الحياة كلها هبة منه، ولذلك يُضرب المثل بالفتاة التي قالت لمعن بن زائدة:
فَعُدْ إنَّ الكريَم له معاد ... وظنِّي بِابْن أروى أن يعودا
стр. 5403
وكانت الفتاة تطالب ابن زائدة أن يعود إلى التفضل عليهم، فنهرها أبوها، فقالت له: يا أبي إن الملوك لا يُسْتَحَى من الطلب منهم.
﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ [الأنفال: ٢٩] .
ويريد الحق أن تنتبه إلى أن كل مظهر من مظاهر وجودك في الحياة ومظاهر استبقاء حياتك، ومظاهر نعيمك كلها، إن نسبتها فستصل إلى الله، فإن كنت تشتري - على سبيل المثال - أثاثاً لبيتك، واخْتَرت خَشَب الورد ليكون هو الخشب الذي يصنع لك منه النجار هذا الأثاث، فأنت تأتي بهذا الخشب من أندونيسيا أو باكستان مثلاً؛ لأن الغابات هناك تنتج مثل هذا النوع من الخشب، وكل شيء في حياتك إن سلسلته ستجد أن أيدي المخلوقات من البشر تنتهي عند خلق لله وهبه للإنسان، وهذا هو الفضل العظيم من الله ﵎.
وبعد أن أوضح الحق بهذا التوجيه: لا تخونوا الله، ولا تخونوا الرسول، ولا تخونوا أماناتكم، من أجل أولادكم أو أزواجكم، واعلموا أن مرد كل الفضل إلى الله تعالى، واذكروا واقع الدنيا معكم، أصدقت هذه المسائل أم لم تصدق؟ لقد صدقت كلها، كما قال الحق من قبل: ﴿واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس﴾ [الأنفال: ٢٦] .
وكان هذا القول بالنسبة للمسلمين، فماذا عن الرسول ﷺ َ؟ . هنا يقول المولى سبحانه:
стр. 5404
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ... ﴾
стр. 5405
ونلحظ أنه لم يأت بمادة الذكر في جانب النبي ﷺ َ. ولم يقل له: واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا؛ لكنه في جانب الصحابة جاء بمادة الذكر حيث قال: واذكروا إذ أنتم قليل، فما السبب؟
ذلك لأنه لا يطرأ على البال أن يغفل رسول الله ﷺ َ عن ذكر الله تعالى؛ لأن الذكر هو مهمته ﵊ ُ، وسبحانه وتعالى القائل: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] .
هذا الذكر والتذكير هما وظيفة رسول الله ﷺ َ، ويختلف هذا عن مهمة الإيمان في حياة المؤمنين؛ لأن الإيمان بالنسبة لهم إنما ليعدل من حياتهم. لذلك جاء هنا بالظرف فقط.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] .
وهذا كله شرط وحيثية لقولة تعالى: ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ [الأنفال: ٢٩] .
والمكر هو التَّبْييت بشيءٍ خفِيً يضرّ بالخَصْم. والذي يمكر ويبيت شيئاً خفيّاً بالنسبة لعدوه، لا يملك قدرة على المواجهة، فيبيت من ورائه، ولو كانت عنده
стр. 5406
قدرة على المواجهة فلن يمكر؛ لذلك لا يمارس المكر إلا الضعيف. ونجد ربنا يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦] .
ثم نجده يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] .
وما دام كيدهن عظيما فضعفهن أعظم. ولذلك نجد الشاعر العربي يقول:
وضعيفة فإذا أصابَتْ فرصةً ... قَتَلتْ كذلك قُدْرَةُ الضُّعفاءِ
لأن الضعيف إن أصاب فرصة استغلها حيث يظن أنه قد لا تتاح له فرصة ثانية؛ لذلك يندفع إلى قتل خصمه. أمَّا القوي فهو يثق في نفسه وقدراته ولذلك يعطي خصمه فرصة ثانية وثالثة، ثم يعاقب خصمه على قدر ما أساء إليه.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] .
أي يذكرون الكيد والتبييت لك بالمكر، لكنهم لا يعلمون أن مَنْ أرسلك يا رسول الله لا تخفى عليه خافية، فقد يقدرون على المكر لمن هم في مثلهم من القدرة، لكنك يا رسول الله محاط بعناية الله تعالى وقدرته وحامل لرسالته فأنت في حفظه ورعايته.
стр. 5407
إذن فلست وحدك لأنك تأوي إلى الله، ويكشف الله لك كل مكرهم، وهذا المكر والتبييت مكشوف ومفضوح من الله؛ لذلك يقول لك المولى :
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] .
والمكر منهم له وسائل وغايات، هم يمكرون ليثبتوك، ويمكرون ليقتلوك، ويمكرون ليخرجوك. وكل لقطة من الثلاثة لها سبب. فحين علم كفار قريش أن أهل المدينة من الأوس والخزرج قد بايعوا رسول الله ﷺ َ على أن ينصروه؛ هنا فزع كفار قريش وأرادوا أن يضعوا حّداً لهذه المسألة، فاجتمعوا في دار الندوة يريدون أن يجدوا حلاً يوقف رسالة رسول الله ﷺ َ، ودخل عليهم أعرابي فوجدهم يتشاورون؛ وقالوا لنثبته، والتثبيت ضد الحركة، وقوله: «ليثبتوك» أي ليقيدوا حركتك في الدعوة؛ لأن هذه الدعوة تزلزلهم.
ولولا الرسالة، لظلوا على الترحيب بك يا رسول الله، فقد كنت في نظرهم الصادق والأمين، ولم يرهقهم إلا التحرك الأخير لإشاعة منهج الله تعالى في الأرض، لذلك أرادوا أن يقيدوا حركته ﷺ َ.
والتقييد إما أن يكون بأن تمنع المتحرك عن الحركة، وإمّا أن تقيد المتحرك نفسه فتحدد مجال حركته. إذن فالتثبيت يكون بالقيد أو السجن، وقيل لهم: إن هذا رأي غير صائب لأنكم لو قيدتموه أو سجنتموه فسوف يقوم قومه ويغيرون عليكم، أو يحتالون ليفكوا عنه القيد أو السجن، وقد سبق لكم أن حاصرتموه فلم تفلحوا، وقال آخر: نخرجه من بلادنا، وناقشوا هذا الأمر فلم يجدوه صواباً، وقالوا: إنه إن خرج، فلسوف يؤثر فيمن يخرج إليهم تأثيراً يجعل له منهم أتباعاً، يأتون إلينا من بعد ذلك ليقاتلونا، وأشار الأعرابي بقتل رسول الله ﷺ َ، لكن كبار قريش قالوا: نخاف من
стр. 5408
قومه أن يأخذوا بثأره، فاقترح أبو جهل قائلا: نأخذ من كل قبيلة من قبائلنا فتى جلداً قويّاً، وبعد ذلك يذهبون إلى محمد وهو في فراشه ويضربونه ضربة رجل واحد، فإذا مات تفرق دمه في القبائل، ولن تستطيع قبيلة محمد أن تواجه القبائل كلها، فيرضون بالدية، وندفعها لهم وننهي هذا الأمر.
هكذا ناقش القوم تثبيت رسول الله ﷺ َ وتقييد حركته أو إخراجه من بلده أو قتله، وكل هذا بمكر وتبييت. وكشف الله لرسوله كل ذلك وأخرجه من مكة مهاجراً إلى المدينة ليوضح لهم أنه سبحانه خير الماكرين حقّاً وصدقاً.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا ... ﴾
стр. 5409
وقول الحق: «آياتنا» يعني آيات القرآن؛ لأننا عرفنا من قبل أن الآيات إما أن تكون الآيات الكونية التي تلفت إلى وجود المكوِّن الأعلى مثل الليل والنهار والشمس والقمر، وإمّا أن تكون الآيات بمعنى المعجزات: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها﴾ [الأعراف: ٢٠٣] .
وهذه الآيات المعجزة علامة على أنه صادق. أو الآيات التي هي قسط من القرآن وهو المنهج.
стр. 5410
وهنا يقول الحق ﵎:
﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [الأنفال: ٣١] .
ونفهم من التلاوة أن المقصود هو آيات القرآن الكريم. فماذا قالوا؟
﴿قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال: ٣١] .
وقولهم: «لو نشاء» هذا يدل على أنهم لم يقولوا؛ لأن «لو» حرف امتناع لامتناع، مثلما تقول: لو جئتني لأكرمتك، فامتنع الإكرام مني لامتناع المجيء منك، فهذا يعني امتناع لامتناع، ومثلما يقول قائل: لو عندي مال لاشتريت قصراً، ولأنه لا يملك مالاً، فهو لم يشتر القصر - إذن هم لم يشاءوا ولم يقولوا؛ لذلك كان كلامهم مجرد «تهويش» وتهديد لا محل له. فلم يحصل منهم هذا ولا ذاك.
إذن ثبت الإعجاز. لقد ثبت لأن رسول الله ﷺ َ طلب منهم أولاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وحين قالوا: إن القرآن كثير ولا يقدرون أن يأتوا بمثله، تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، وحين فشلوا، تحداهم بأن يأتوا بسورة، فلم يأتوا، وكان هذا تدرجاً في الإعجاز.
لقد تحداهم رسول الله ﷺ َ، ومعنى التحدي حفز المُتَحدّى أن يُجند كل ما يقوى عليه ليرد التحدي. فإن لم تتجمع لهم المواهب التي تكفل قبول التحدي انسحبوا؛ لكن واحداً منهم «النضر بن الحارث» ذهب لفارس، ورأى كتاباً هناك يضم أساطير وحكايات، وجاء ليقول وسط قريش: هأنذا أقول مثل محمد. لكن كلامه لم يكن له هدف ولا يحمل منهجاً ولا توجد لكل كلمة فيه قدرة جذب لمعنى، ولم يوجد في قوله أي معنى جاذب للكلمة، لذلك انصرف عنه القوم.
стр. 5411
﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [الأنفال: ٣١] .
وهذا قولهم، وسبق أن اعترفوا بأنه قرآن، وسبق لهم أن قالوا لرسول الله ﷺ َ: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾
[الإسراء: ٩٠ - ٩٣] .
وحين نقرأ هذه الآيات الكريمة ونقوم بتعداد ما طلبوا منه، نجد أنهم طلبوا تفجير الأرض بينبوع ماء، وطلبوا أن تكون له جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، وطلبوا أن تسقط السماء كما زعم عليهم كسفا، وطلبوا أن يأتي بالله والملائكة قبيلا، وطلبوا أن يكون له بيت من زخرف، وطلبوا أن يرقى في السماء، وكل هذا كلام طويل أثبته القرآن الكريم، فهل ما قالوه يعد قرآنا؟ لا، ولنلتفت إلى دقة أداء القرآن، فلم يقل كل هذه الطلبات إنسان واحد، بل قال كل منهم طلباً، وبأسلوب مختلف، ولكن بلاغة القرآن الكريم جمعت كل الأساليب فأدتها بتوضيح دقيق وبإعجاز بالغ، ولذلك لنا أن نلتفت أننا ساعة نسمع نقلا لكلام الغير من القرآن، فعلينا ألا نأخذه على أن هذا الكلام الذي قيل هو معانٍ قيلت، وجاء القرآن الكريم بها بأسلوب الله.
стр. 5412
وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إذا جئت لابنك وقلت له: يا بني اذهب إلى عمك فلان وقل له: إن أبي يدعوك غداً مساءً لتناول العشاء معه؛ لأن عنده ضيوفاً ويحرص على أن تشاهدهم ويشاهدوك وتقوي من مكانته. وحين ذهب الولد لعمه، هل قال له نفس الكلام؟ طبعا لا؛ لأن الأب قد يكون متعلماً، ولا يستطيع الابن أن يقول ذات الكلمات. أو قد يكون الأب أميّاً، والابن مثقفا ناضجا فينقل الابن رسالة أكثر بلاغة.
إذن فأنت إذا سمعت أو قرأت كلاماً من غير الله على لسان أحد، فاعلم أن هذا أداء الله لمطلوبات المتكلم.
﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [الأنفال: ٣١] .
والأساطير جمع أسطورة، أي الحوادث والأحاديث الخرافية مثل ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، والإلياذة وغيرها من كتب الأساطير.
ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ ... ﴾
стр. 5413
و «إذ» تأتي للظرف أيضاً، ولم يقل : واذكر أن قالوا، بل قال: «إذ قالوا» . وقد بلغ بهم العجز إلى أن قالوا إن كان هذا القرآن هو الحق القادم من عندك فأمطر علينا حجارة، أو ائتنا بعذاب أليم.
стр. 5414
أليس هذا الكلام دليلاً على غباء قائليه؟ بالله لو كان عندهم عقل ومنطق وتفكير، أكانوا يقولون ذلك؟
ألم يكن من المناسب أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، أو فاجعلنا نقبله؟ . وما داموا قد قالوا: «اللهم» فالمنادى هو الله.
﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
إذن هم يعلمون أن لله عنديةً، وفيها حق، وهكذا نرى أنهم اعترفوا بوجود الله، وأنَّ عند الإله حقًا. فكيف إن جاء إنسان وقال لكم: إنني رسول من عند الله، وهذا هو المنهج، وهو منهج ومعجزة في وقت واحد، ألم يكن من الواجب أن تستشرف آذانكم إلى من يبلغ عن الله هذا الحق وأن تستجيبوا له؟ . لكن ما داموا قد استمطروا على أنفسهم اللعنة والعذاب، فهذا دليل كراهيتهم لمحمد، ومن أجل هذه الكراهية دعوا الله أن ينزل عليهم العذاب كما فعل بالأمم السايقة - وطلبهم هذا للعذاب يدل على أنهم علموا أن من يكذب الرسل ويرفض المنهج إنما يتلقى العذاب من الله. وهكذا يتبين لنا أن ما ينقصهم لإعلان الإيمان هو عدم قبولهم لرسول الله شخصياً، ويتمثل هذا في قول الحق ﵎ في آية أخرى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
إذن لو أن القرآن نزل على شخص آخر؛ لآمنوا به. وفي هذا اعتراف بأن القرآن معجزة، ومنهج. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ورد على لسان
стр. 5415
أبي جهل وهذا يدل على كثرة جهله وشدة تكذيبه وعناده وعتوه هو ومن معه من المشركين المكذبين. فعن أنس بن مالك: قال أبو جهل بن هشام:
﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
وهؤلاء المعاندون قالوا أيضا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ [الإسراء: ٩٢] .
وهذا دليل على التخبط في الكلام، وفقدان الوعي العقلي.
﴿أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
والحق قادر على أن يصيب بالعذاب قوماً بعينهم وقادر على نجاة المؤمنين، وشاء الله سبحانه ألا ينزل العذاب؛ لأن رؤية المتألم حتى ولو كان عدوّاً، فيه إيلام - لذلك قال الحق : ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ... ﴾
стр. 5416
لأن سنة الله مع خلقه المكذبين للرسل، أنه قبل أن ينزل العذاب يخرج الرسول والمؤمنين به، مثال ذلك أمْره نُوحاً ﵇ بأن يصنع السفينة؛ لينجو من الطوفان. وكل رسول لم تستجب أمته أصابها شيء
стр. 5417
من هذا، وعلى ذلك يخرج الرسول أولا، ثم ينزل الحق عذابه، كما أنه يقول موضحا فضل اللجوء إلى الله بالاستغفار:
﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
وهم إن استغفروا الله فمعنى ذلك أنهم آمنوا به، ولكن الحق جاء بهذا القول ليدلهم على المنقذ الذي يخلص الإنسان منهم من جريمة الكفر، وفي ذلك رحمة منه ، وكأنه يحضّهم على أن يستغفروا حتى لا ينزل بهم العذاب. ويرسم لهم وسيلة النجاة.
﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
وتسمى اللام في «ليعذبهم» ب «لام الجحود» ، نجحد أن يعذبهم الله وفيهم رسول الله ﷺ َ، إذن فوجود الرسول فيما بينهم أمر له تقدير خاص، أما هم فالحق ﵎ يقول بشأنهم: ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
وهكذا نرى الحقائق الإيمانية، فالنفس المؤمنة الصافية حين يكون لها عدو، ثم تحل بالعدو مصيبة، لا تأتي أبداً كلمة الشماتة على بال المؤمن، هذا هو الخلق الإيماني الذي قد يؤلمه مظهر الضعف والمهانة للعدو، فيضنّ الله على أن يعذب قوماً وفيهم من يستغفر، وكأنه يُوضَّح لنا: هب مسيئنا لمحسننا، أي أن يداري المحسن على المسيء. ولذلك نجد «أن الرسول ﷺ َ في صلح الحديبية صُدَّ عن البيت الحرام، وهذا الصد تسبب في أنهم يعقدون معه معاهدة هي صلح الحديبية، وكان هناك من المؤمنين من يعارض هذه المعاهدة، ومنهم من قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ . والقائل لذلك هو عمر
стр. 5418
ابن الخطاب ﵁، وفي التفاوض، جاء علي بن أبي طالب ليكتب المعاهدة وفي بدئها» هذا ما صالح عليه رسول الله «فاعترض المفاوض عن معسكر الشرك قائلاً: لو كنا مؤمنين بأنك رسول الله لما حاربناك، بل اكتب:» هذا ما تعاهد عليه محمد بن عبد الله «، فامتنع عليّ عن الكتابة، وقال: لا أكتبها إلا رسول الله. فأمره الرسول ﷺ َ أن يكتبها كما يقولون لينهي الموقف، وليعطي معجزة، فينظر لعلي وهو مغتبط به، فيقول له:
» اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد «ويتحقق ذلك بعد حياة النبي، وخلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم تجيء الخلافة لعلي وحدث فيها ما حدث. ويتحقق قول رسول الله ﷺ َ:
» اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد «
أي سيقفون منك موقفاً مثل هذا وسوف تقبله، ولما جاء الخلاف بين معاوية وجنوده، وبين علي وجنوده، أرادوا أن يوقعوا معاهدة فيما بينهم ليمنعوا النزاع بين المسلمين، فقال علي - كرم الله وجهه -: هذا ما تعاهد وتعاقد عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال المفاوض عن معاوية: لو كنت أميرا للمؤمنين أكنّا نحاربك؟ ، فتذكَّر علي كرم الله وجهه ما قاله رسول الله ﷺ َ يوم صلح الحديبية: «أُكتب فإن لك مثلها ... . . إلخ» .
ومعنى ذلك أن السياسة تقتضي ألا تتجمد كمن يكون في قالب حديدي، بل تفترض السياسة فيمن يعمل بها شيئاً من الليونة وبعد النظر لتنتهي المواقف الصعبة؛ لأن كل طرف لو أصرّ على موقفه لما وقعت المعاهدة، وكانت معاهدة صلح الحديبية مطلوبة ومناسبة ليتفرغ المسلمون - بعد الأمن من قريش - للدعوة إلى منهج الله في الأرض، وهذا ما حدث خلال السنوات العشر التي تلت هذه المعاهدة، وانتشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية، ومن بعدها إلى آفاق الأرض كلها.
стр. 5419
إذن فوليّ الأمر عليه أن يملك البصيرة التي لا تجعله جامداً، لأنه لو تجمد لأنهى الخير الموجود فيه وفي قومه، وهكذا أراد رسول الله أن يعلمنا عدم الجمود بصلح الحديبية على الرغم من أن بعض المسلمين ومنهم عمر ابن الخطاب ﵁ قالوا: لا، علام نعطي الدنية في ديننا؟ وبعضهم قالوا متسائلين، بل وعاتبين: ألم تعدنا يا رسول الله أننا سندخل البيت الحرام؟ قال رسول الله ﷺ َ: أقلت لكم هذا العام؟ .
ولم ينتبه المسلمون حين سمعوا ذلك إلى أهمية أن تنضج القرارات السياسية لتأخذ طريقها إلى التنفيذ. وكادت الفُرقة أن تحدث بين المسلمين، ودخل رسول الله ﷺ َ إلى زوجه أم سلمة مكروباً. وقال لها: يا أم سلمة هلك المسلمون. أمرتهم فلم يمتثلوا.
ونرى موقف أم سلمة ﵂ وهي الزوجة الأمينة المشيرة الناصحة، لقد قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون، لقد جاءوا وفي نيتهم أن يذهبوا إلى البيت الحرام بعد طول فرقة واشتياق، ثم حُرموا من ذلك وهم بمرأى من البيت، ولكن قم يا رسول الله فاعمد إلى ما أمرك الله به، ولا تقل لهم شيئاً، بل اذبح هديك، وهم إذا رأوك فعلت فَعَلوا.
وبالفعل خرج رسول الله ﷺ َ وذبح الهدي، وفعل المسلمون مثله. ونجد سيدنا أبا بكر ﵁ يقول عن الحديبية: هي الفتح في الإسلام. وما كان فتح الحديبية، ولكن الناس لم تتسع ظنونهم إلى السر من الله. والعباد دائماً يعجلون، والله لا يعجل بعجلة عباده حتى تبلغ الأمور ما يراد لها.
وقد كان المخالفون لرسول الله ﷺ َ غيورين على دينهم، على قدر علمهم لا علم الله. وشاء الحق ﵎ أن يبين لهم السبب
стр. 5420
في أنه لم يجعل من الحديبية أرض قتال أو التحام؛ فقال: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥] .
نعم فقد كان هناك مؤمنون ومؤمنات يختفون بين الكفار، فلم يكن في مكة قبل الفتح - حيّ للمسلمين الذين يخفون إيمانهم، وحيّ للكفار، بل كان الناس يسكنون معاً، فإذا ما قامت الحرب بين أهل مكة وبين الجيش القادم إلى الحديبية، لقتل المسلم أخاه المسلم الذي لم يعلن إسلامه، ولو أمكن التفريق بين المسلمين الذين لم يعلنوا إسلامهم وبين الكفار، لعذب الله الكفار بأيدي المؤمنين عذاباً أليماً.
وهنا في هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق ﵎:
﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
ويعني بذلك أن بعضهم هو الذي يستغفر فيمنع الله العذاب عن الكل، مثلما منع تعذيب الكافرين بصلح الحديبية؛ لأن هناك مؤمنين مستخفين فيما بينهم.
стр. 5421
ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾
стр. 5422
وهنا نتساءل: أي شيء يمنعهم من أن يعذبهم الله؟ . إن تعذيبهم هو عدالة؛ لأنهم فعلوا ما يستحقون عليه التعذيب. لقد صدوا الرسول والمسلمين عن زيارة المسجد الحرام؛ لأنهم ظنوا أن لهم الولاية عليه، رغم أن منهم من سمع خبر أبرهة الأشرم حين جاء بالأفيال ليهدم الكعبة. واستولى أبرهة الأشرم على مائة من الإبل كانت لسيد قريش عبد المطلب جد النبي ﷺ َ، فذهب إليه عبد المطلب وقال له: إنك قد أصبت لي مائة بعير فأرجو أن تردها إليّ. فقال أبرهة الأشرم: جئت لأهدم بيتكم، وبيت آبائكم، ثم لا تكلمني فيه وتكلمني في مائة من الإبل أصبتها منك؟ فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، أما البيت فله رب يحميه.
وهذه كلمة لا يقولها إلا واثق من أن للبيت الحرام ربّاً يحميه.
وجاءت طير أبابيل ترمي بحجارة من جهنم فجعلته هو وجيشه كعصف مأكول.
إذن فكيف تصد قريش محمداً والمؤمنين معه عن البيت الحرام، وهم بإقرار سيدهم قديماً يعلمون أنَّ للبيت ربّاً يحميه، فكيف تكون لكم على البيت ولاية؟ وكان عليهم أن يعلموا أن ولاية أمر بيت الله باختيار الله ولا تكون إلاَّ للمتقين، ولم تكن قريش من المتقين.
стр. 5423
وحيثيَّات التعذيب إذن هي صدهم عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه. لماذا؟
﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] .
وإذا كان أكثرهم لا يعلم، فأقلهم يعلم علم اليقين حقيقة البيت الحرام، فقداسة هذا البيت التي تعلمها الأقلية ونسيتها الأكثرية من كفار قريش هو قول الحق ﵎ على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
لقد جعلهم الله في هذا المكان ليقيموا الصلاة؛ لأنه يحب أن يعبد في الأرض ولو بواحد في هذا المكان، ولتظل عبادته دائمة. ومهما علت فئة من البشر مثل قريش فهي بصدها عن البيت الحرام قد اتبعت أهواءها، وسبحانه يحقق ما يريد، فهزم قريشا ونصر رسول الله ﷺ َ، وعادت للكعبة حرمتها وصارت مكانا للعبادة لله بصفة مستمرة.
وإننا نجد تشريعات الحق سبحانه في أوقات الصلاة، فالصبح عند قوم هو ظهر عند قوم آخرين، والظهر عند قوم هو صبح عند قوم آخرين، والعصر عند قوم هو صبح أو ظهر أو مغرب أو عشاء عند أقوام آخرين، وهكذا نجد كل أجزاء النهار مشغولة بأوقات الاتجاه إلى الله، وهناك في كل لحظة من يتجه إلى بيت الله الحرام بصلاة ما في ميقاتها، ولا تخلو بقعة في الأرض من قول: «الله أكبر» ، وقد تم بناء البيت الحرام من أجل هذه الصلاة.
لكن قريشاً حولت الصلاة من خضوع وخشوع وعبادة لله تعالى واستحضار لعظمته وجلاله إلى ما يقول عنه الحق :
стр. 5424
﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ... ﴾
стр. 5425
حيث كانت صلاتهم مظهرا من مظاهر اللهو واللعب يؤدونها بالمكاء والتصدية، والمكاء هو التصفير الذي يصفرونه، والتصدية هي التصفيق، وكانت صلواتهم هي صفير يسبب صدى للآذان، بالإضافة إلى التصفيق بإيقاع معين، فكيف تكون الصلاة هكذا؟ . وكيف يصدون عن البيت الحرام ولا ولاية لهم عليه؛ لأن الذي يلي أمر البيت الحرام لا بد أن يكون متقياً لله، لكن هؤلاء لم يكونوا أهلاً للتقوى؛ لأنهم لم يقوموا بالصلاة المطلوبة للبيت الحرام والتي يجب أن يذكر فيها الله ويُعبد؛ لذلك كان التعذيب لمن أصر على ذلك بعد أن نزل منهج الله الخاتم على سيدنا رسول الله ﷺ َ.
ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ... .
стр. 5426
ويبين المولى في هذه الآية أن هؤلاء المشركين قد كفروا بالله وصرفوا المال ليصدوا عن سبيل الله فلم يتحقق لهم ما أرادوا ولم يأت ذلك الأمر بأدنى نتيجة، وكأن الحق يغري الكافر بأن يتمادى في الإنفاق ضد الإيمان، فيخسر الكافر ماله ويتجرع آلام الحسرة؛ لأن الله يغلبه من بعد ذلك.
стр. 5427
وحين سمعوا قول الله :
﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] .
لم ينتبهوا إلى أن الحق سبحانه يتحدث عن المستقبل، وأنه مهما أنفق الكفار ضد دين الله فلن يصلوا إلى أية نتيجة، ومصداق الأحداث يؤكد أن كلَّ ما يجيء به القرآن الكريم حق.
ولماذا لم ينتبهوا إلى ذلك؟ ولم يدخروا أموالهم؛ وقد نصر الله دينه؟ .
إذن هذا هو فعل من فقد البصيرة والذكاء. وحين يأتي القرآن الكريم بقول الله تعالى: «فسينفقونها» أي أن الإنفاق سيكون في المستقبل، والاستقبال له مرحلتان؛ استقبال قريب، واستقبال بعيد. فإن كان الاستقبال قريباً فهو يقول: «فسينفقونها» ، وأما إن كان بعيداً فيقول: فسوف ينفقونها مثلما قال القرآن أيضاً: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] .
وقد أعلمنا القرآن صلاة من رسول الله، وجهرا من الصحابة بالخبر، وأعلمهم القرآن الكريم أيضا، ولكنهم لم يلتفتوا إلى التحذير الذي صار من بعد ذلك خبراً يروي دليل افتقادهم لصفاء الفطرة.؛ لذلك تجيء لهم الحسرة بعد أن أنفقوا المال، وخسروه فلم يستفيدوا شيئاً ولم يحققوا مرادهم ولا آمالهم. ويتابع تذييل هذه الآية فيقول:
﴿والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] .
стр. 5428
وحينما يتكلم الحق عن الأمور التي تحدث للكفار من عذاب عظيم في جهنم، فسبحانه لا يريد بهذا الحديث أن يجعل مأواهم النار، لكنه يخوفهم ويرهبهم من الكفر ويدعوهم إلى الإيمان، ويحضهم على ألا يكونوا كافرين حتى لا يحشروا في جهنم.
ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ ... ]
стр. 5429
وهذه الآية الكريمة تكشف لنا أن المعارك التي تنشأ بين الإسلام وأتباعه من جهة، وبين خصوم الإسلام وأتباعهم من جهة أخرى: هذه المعارك إنما هي أمر مراد من الله تعالى: لأن الزلزلة التي تحدث، حتى لمن آمن، إنما هي تصفية لعنصر الإيمان، ومثال ذلك ما حدث في الإسراء، حيث وجدنا من كان إيمانه ضعيفاً يتساءل: أمعقول أن يذهب محمد إلى بيت المقدس في ليلة؟! بينما نجد ثابت الإيمان مثل الصديق أبي بكر يقول: إن كان قد قال فقد صدق. إن الثابت والقوي إيمانه يصدق، أما من لم يثبت إيمانه فهو يكذب. وهكذا كانت أحداث الإسلام، فقد جاءت كلها لتميز الخبيث من الطيب، وتجمع الخبيث بعضه إلى بعض ليصير ركاماً ثم يضعهم الله في النار.
لقد جاءت أحداث الإسلام للتمحيص، مثلما تضع الحديد في النار لتستخرج منه الخبث ويصير صافياً، وهكذا جاء الإسلام لتصفو به قلوب المؤمنين، ويقوي إيمانهم؛ لأنهم يحملون رسالة الله تعالى إلى الأرض كلها، بعد أن مروا بالتصفيات الكثيرة.
стр. 5430
ومثل هذه التصفيات تحدث في المجال الرياضي، فحملة الأثقال - على سبيل المثال - يدخلون في مباريات أولية، ومن يستطيع حمل الوزن الأثقل هو الذي يكون مؤهلا لأن يدخل المباريات الدولية، ليبقى الأقوى.
﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أولئك هُمُ الخاسرون﴾ [الأنفال: ٣٧] .
والحق أعطانا أمثالاً لأحداث تميز الخبيث من الطيب، فالناس في الأحوال العادية الرتيبة لا تظهر معادن نفوسهم؛ لأن الناس إذا كانوا آمنين لا يواجهون؛ خطراً، ادعوا الشجاعة والكرم والشهامة، وادَّعوا الإيمان القوي المستعد لأي تضحية في سبيل الله، فإذا جاءت الأحداث فهي الاختبار الحقيقي لما في القلوب. فقد يقول إنسان لصديقه: أنا ومالي لك. وإذا ما أصابت هذا الصديق كارثة، يتهرب منه. فما الذي يحدد - إذن - صدق الحديث عن النفس؟ إنها الأحداث. وهكذا أراد الله تعالى أن يميز الخبيث من الطيب فعركت المؤمنين الحوادث، وزال الطلاء عن ذوي العقيدة الهشة؛ ليكون الناس شهداء على أنفسهم، ويبقى المؤمنون أصحاب صفاء القلب والعقيدة. وحين يميز الله الخبيث من الطيب، فهو : يريد تمييز الطيب حتى لا يختلط بالخبيث. والخبيث إنما يكون على ألوان مختلفة وأنواع متعددة، فهذا حبيث في ناحية، وذلك خبيث في ناحية أخرى، وثالث خبيث في ناحية ثالثة، وغيرهم في ناحية رابعة، وخامسة إلى ما شاء الله، ويجمع الله كل الخبيث فيركمه في النار جميعاً.
ثم يقول الحق ﵎ بعد ذلك:
следующие страницы →