← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

ويبين المولى في هذه الآية أن هؤلاء المشركين قد كفروا بالله وصرفوا المال ليصدوا عن سبيل الله فلم يتحقق لهم ما أرادوا ولم يأت ذلك الأمر بأدنى نتيجة، وكأن الحق يغري الكافر بأن يتمادى في الإنفاق ضد الإيمان، فيخسر الكافر ماله ويتجرع آلام الحسرة؛ لأن الله يغلبه من بعد ذلك.

стр. 5427

وحين سمعوا قول الله : ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] . لم ينتبهوا إلى أن الحق سبحانه يتحدث عن المستقبل، وأنه مهما أنفق الكفار ضد دين الله فلن يصلوا إلى أية نتيجة، ومصداق الأحداث يؤكد أن كلَّ ما يجيء به القرآن الكريم حق. ولماذا لم ينتبهوا إلى ذلك؟ ولم يدخروا أموالهم؛ وقد نصر الله دينه؟ . إذن هذا هو فعل من فقد البصيرة والذكاء. وحين يأتي القرآن الكريم بقول الله تعالى: «فسينفقونها» أي أن الإنفاق سيكون في المستقبل، والاستقبال له مرحلتان؛ استقبال قريب، واستقبال بعيد. فإن كان الاستقبال قريباً فهو يقول: «فسينفقونها» ، وأما إن كان بعيداً فيقول: فسوف ينفقونها مثلما قال القرآن أيضاً: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] . وقد أعلمنا القرآن صلاة من رسول الله، وجهرا من الصحابة بالخبر، وأعلمهم القرآن الكريم أيضا، ولكنهم لم يلتفتوا إلى التحذير الذي صار من بعد ذلك خبراً يروي دليل افتقادهم لصفاء الفطرة.؛ لذلك تجيء لهم الحسرة بعد أن أنفقوا المال، وخسروه فلم يستفيدوا شيئاً ولم يحققوا مرادهم ولا آمالهم. ويتابع تذييل هذه الآية فيقول: ﴿والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] .

стр. 5428

وحينما يتكلم الحق عن الأمور التي تحدث للكفار من عذاب عظيم في جهنم، فسبحانه لا يريد بهذا الحديث أن يجعل مأواهم النار، لكنه يخوفهم ويرهبهم من الكفر ويدعوهم إلى الإيمان، ويحضهم على ألا يكونوا كافرين حتى لا يحشروا في جهنم. ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ ... ]

стр. 5429

وهذه الآية الكريمة تكشف لنا أن المعارك التي تنشأ بين الإسلام وأتباعه من جهة، وبين خصوم الإسلام وأتباعهم من جهة أخرى: هذه المعارك إنما هي أمر مراد من الله تعالى: لأن الزلزلة التي تحدث، حتى لمن آمن، إنما هي تصفية لعنصر الإيمان، ومثال ذلك ما حدث في الإسراء، حيث وجدنا من كان إيمانه ضعيفاً يتساءل: أمعقول أن يذهب محمد إلى بيت المقدس في ليلة؟! بينما نجد ثابت الإيمان مثل الصديق أبي بكر يقول: إن كان قد قال فقد صدق. إن الثابت والقوي إيمانه يصدق، أما من لم يثبت إيمانه فهو يكذب. وهكذا كانت أحداث الإسلام، فقد جاءت كلها لتميز الخبيث من الطيب، وتجمع الخبيث بعضه إلى بعض ليصير ركاماً ثم يضعهم الله في النار. لقد جاءت أحداث الإسلام للتمحيص، مثلما تضع الحديد في النار لتستخرج منه الخبث ويصير صافياً، وهكذا جاء الإسلام لتصفو به قلوب المؤمنين، ويقوي إيمانهم؛ لأنهم يحملون رسالة الله تعالى إلى الأرض كلها، بعد أن مروا بالتصفيات الكثيرة.

стр. 5430

ومثل هذه التصفيات تحدث في المجال الرياضي، فحملة الأثقال - على سبيل المثال - يدخلون في مباريات أولية، ومن يستطيع حمل الوزن الأثقل هو الذي يكون مؤهلا لأن يدخل المباريات الدولية، ليبقى الأقوى. ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أولئك هُمُ الخاسرون﴾ [الأنفال: ٣٧] . والحق أعطانا أمثالاً لأحداث تميز الخبيث من الطيب، فالناس في الأحوال العادية الرتيبة لا تظهر معادن نفوسهم؛ لأن الناس إذا كانوا آمنين لا يواجهون؛ خطراً، ادعوا الشجاعة والكرم والشهامة، وادَّعوا الإيمان القوي المستعد لأي تضحية في سبيل الله، فإذا جاءت الأحداث فهي الاختبار الحقيقي لما في القلوب. فقد يقول إنسان لصديقه: أنا ومالي لك. وإذا ما أصابت هذا الصديق كارثة، يتهرب منه. فما الذي يحدد - إذن - صدق الحديث عن النفس؟ إنها الأحداث. وهكذا أراد الله تعالى أن يميز الخبيث من الطيب فعركت المؤمنين الحوادث، وزال الطلاء عن ذوي العقيدة الهشة؛ ليكون الناس شهداء على أنفسهم، ويبقى المؤمنون أصحاب صفاء القلب والعقيدة. وحين يميز الله الخبيث من الطيب، فهو : يريد تمييز الطيب حتى لا يختلط بالخبيث. والخبيث إنما يكون على ألوان مختلفة وأنواع متعددة، فهذا حبيث في ناحية، وذلك خبيث في ناحية أخرى، وثالث خبيث في ناحية ثالثة، وغيرهم في ناحية رابعة، وخامسة إلى ما شاء الله، ويجمع الله كل الخبيث فيركمه في النار جميعاً. ثم يقول الحق ﵎ بعد ذلك:

стр. 5431

﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ... ﴾

стр. 5432

و «قل» أمر من الله تعالى لرسوله ﷺ َ، وما دام قد وجد أمر، فلا بد من وجود المبلغ للأمر، أي أن هناك مخاطِباً ومخاطَباً، والمخاطِب هنا هو الله سبحانه، والمخاطَب هو رسول الله ﷺ ؛ لأن الله تعالى قال له: «قل» ، والبلاغ المطلوب منه إبلاغه للناس هو ما يتضمنه قول المولى سبحانه: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . أي إن انتهوا عن الكفر غفرت لهم ذنوبهم التي ارتكبوها أيام كفرهم، ونلاحظ هنا اختلافاً في أسلوب الكلام لأن رسول الله ﷺ َ حين يخاطب الكافرين كان الذي يفرضه السياق أن يقول لهم: إن تنتهوا يغفر لكم؛ لأن الخطاب لا بد أن ينسجم مع المخاطب، وعادة عندما توجه الخطاب لشخص تكون هناك «لام التوجيه» ، تقول: وجهت الخطاب لفلان، وتخاطبه بشكل مباشر، ولكن الله يقول هنا لرسوله ﷺ َ: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وكان سياق الكلام يقتضي القول: إن تنتهوا يغفر لكم، ولكن الله عدل عن إن تنتهوا إلى «إن ينتهوا» ، والكلام مخاطب به الكفار، والكفار حاضرون فكيف يخاطبهم بصيغة الغائب؟

стр. 5433

لقد أراد الله تعالى أن يأتي الخطاب ليعم كل متكلم يقال له هذا الكلام من أي مؤمن، فكأنه قد عمم الخطاب ليقطع المعاذير. ومثل ذلك مثل قول الحق ﵎: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] . وإذا أخذنا ذات المقياس لكان الكلام يقتضي أن يقال: لو كان خيراً ما سبقتمونا إليه، ولأن هذه العبارة قيلت من أكثر من كافر في أماكن متعددة للمؤمنين، وأراد الله : أن يلفتنا لذلك، فعمم الخطاب حتى يشمل جميع الحالات ولا ينطبق على حالة واحدة فقط، بل ينطبق على كل حالة مماثلة؛ لذلك قال سبحانه: ﴿إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وهذا يدلنا على أنهم إن انتهوا عن مقاومة رسول الله ﷺ َ وعنادهم معه فهو يغفر لهم، لأن العناد والمقاومة ناشئان عن الكفر، فإن انتهوا عنهما، صاروا مؤمنين. والإسلام يَجُبُّ ما قبله. ولذلك عندما أعلن محارب عن إيمانه واعتنق الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم دخل المعركة فاستشهد صار شهيدا؛ لأنه قد غُفر له بشهادة الإسلام كل ذنوبه التي حدثت منه أثناء الكفر، وهي الذنوب التي تتعلق بحقوق الله تعالى، أما ما يتعلق بحقوق الناس، فعلى ورثته أن يؤدوها عنه. ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .

стр. 5434

وقوله هنا: ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ﴾ أراد الله أن يعلمنا أن تجري هذه الكلمة على اللسان، فإن عادوا مرة أخرى إلى الكفر والعناد، يطردوا من رحمة الله ومغفرته، إذن فشرط الغفران لهم أن يستمروا في إيمانهم وألا يعودوا للكفر مرة أخرى، وقوله تعالى: ﴿مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ . والسنة هي الطريقة أو الكيفية أو الحالة التي يكونون عليها ولذلك يقول الحق : ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦٢] . أي الطريقة التي اختارها الله لمعالجة الأمور بالحق والعدل، ومعنى قوله تعالى: ﴿مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ : أي الطريقة التي عرفتموها وعالج بها الله أمر من عاند الرسل ووقف منهم موقف المنازعة والمعارضة. ومثل ذلك حدث للكفار في بدر، فكأن من يقف أمام دعوة الله ومنهجه لا بد أن يتعرض للهلاك كما حدث مع كل من قاوم الأنبياء، فأنتم تعرفون ما صنعه الله بقوم هود وقوم عاد وقوم ثمود وقوم فرعون. ومر كل ذلك عليكم، كسنة عامة تشمل كل من قاوم الأنبياء ووقف في طريق دعوتهم إلى الله. والخطاب هنا إما أن يكون خطاباً لهم على حالهم في وطنهم وما حدث للمخالفين في بدر وقد رأوا مصارعهم، وإما أن يكون الخطاب مبيناً لسنة الله تعالى وقد شاءت سنته سبحانه إبادة كل مخالف لسنته. ثم يقول الحق ﵎ بعد ذلك:

стр. 5435

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾

стр. 5436

وهذا أمر من الله بالقتال، والقتال مفاعلة تحدث بين اثنين أو أكثر، أي اشتباك بين مقاتل ومقاتل. ولذلك عندما تسمع كلمة «قتال» يتبادر إلى ذهنك وجود طرفين اثنين وليس طرفاً واحدا، أو بين فريق وفريق آخر. وعندما يقول الحق : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ نفهم أن هذا أمر للمؤمنين ليقاتلوا الكفار، ولا بد أن يكون الكفار قد فعلوا شيئا يستحق أن يقُاتلوا عليه، أو أنهم يبيتون للمؤمنين القتال وعلى المؤمنين أن يواجهوهم ويقاتلوهم. ولم يقل الله : اقتلوهم بل قال: «قاتلوهم» ؛ أي مواجهة فيها مفاعلة القتال. والتفاعل معناه أن الحدث لا يأتي من طرف واحد بل لا بد من مقابل معه. فأنت تقول: «قابلت» أي أنك قابلت شخصاً، وهو قابلك أيضاً، وهذه مفاعلة. أو تقول: «شاركت» أي أنك اشتركت أنت وآخر في عمل ما. وهنا قال الحق : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] . ومعنى ذلك أن هناك قتالاً يؤدي للقتال. وجاء القتال ليحسم الأمر؛ لأن ترك هؤلاء الكفار يعتدون على المسلمين، ويأخذون أموالهم بالباطل، فيرى الناس المؤمنين أذلة مستضعفين، والكفار عالين أقوياء فتحدث فتنة في الدين، أي يفتن الناس في دينهم وهم يرون الذل دون أي محاولة أو تحرك لدفعه.

стр. 5437

ويريد الله أن تنتهي الفتنة. والفتنة هي الاختبار. وكما قلنا: إن الاختبار ليس مذموماً لذاته، ولكنه يُذم بنتيجته. فإن رسب الطالب في الاختيار تكون نتيجة الاختيار مذمومة. وإن نجح تكون محمودة. ولقد كان كفار قريش يفتنون الناس في دينهم بتعذيبهم تعذيباً شديداً حتى تخور قواهم ويخضعوا لأحكامهم. وأراد الله أن يضع نهاية لهذا الظلم. فإذن بقتالهم؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستوجب قتالهم. ونجد قوله : ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩] . بينما نجد أنه قد ذكر في سورة البقرة بدون «كله» ، حيث يقول الحق فيها: ﴿وَيَكُونَ الدين للَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] . دون أن تذكر كلمة «كله» ولكل آية لقطة ومعنى؛ لأن كل لفظ في القرآن له معنى، فقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ يعني أنه لا يجب أن يجتمع دينان في جزيرة العرب وقد حدث. وأما قوله تعالى: ﴿الدين للَّهِ﴾ فقد أعطتنا لقطة أخرى، فالأولى تخص العرب والجزيرة العربية، والثانية تعني أن الإسلام للعالم كله، ويقول الحق في الآية التي نحن بصددها: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] . وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾ أي استجابوا وأطاعوا، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي فليحذروا أن يتم هذا خداعاً لأن الله بصير بهم،

стр. 5438

ومطلع عليهم، وما داموا قد انتقلوا من حظيرة الكفر إلى حظيرة الإيمان فالله يمحو سيئاتهم ويبدلها حسنات؛ لأن قوما عاشوا على الكفر وألفوا خصاله ثم تركوا ذلك إلى الإيمان فهذا أمر صعب يحتاج إلى جهاد شديد مع النفس، ويثيبهم الله تعالى بقدر مجاهدتهم لأنفسهم، ويثيبهم المولى بسخاء. وهناك معنى ثان في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] . أي: فيا من وقفتم موقف العداء من الإيمان، وتعرضتم للكافرين التعرض الذي أعاد لهم التهذيب وحسن التعامل مع المؤمنين، اعلموا أنه بصير بما عملتم ليكون الدين كله لله. وهكذا نرى أن كلا من المعنيين يكمل الآخر. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ ... ﴾

стр. 5439

والله يرغب الناس حتى يؤمنوا، ولكنه في ذات الوقت يبين لهم أن كثرة عدد المؤمنين ليست هي التي تعلي راية الإسلام وتصنع النصر للإيمان، فيقول سبحانه: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ . وهنا شبهة في أن الله تعالى يحنن هؤلاء على أن يؤمنوا، وأن يسلموا، وأن يعودوا إلى حظيرة الحق، وربما ظن ظان أن الإسلام يريد أن يقوى بهم، ولذلك قال الحق: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي إياكم أن يفت ذلك في عضدكم، أو أن يقلل هذا الأمر من همتكم وشجاعتكم؛ لأنكم إنما تنتصرون بمدد من الله

стр. 5440

العلي القدير، فهم إن لم يؤمنوا، فاعلموا أن الإسلام لا ينتصر بهم، وانتشاره ليس بكثرة المسلمين أو قلتهم؛ لأن النصر من عند الله، وسبحانه ليس محتاجاً لخلقه، وكثرة جنود الإسلام لا تصنع النصر؛ لأن نصر الله للمسلمين إن اتبعوا منهجه يتحقق سواء قلوا أم كثروا. ولذلك يلفت نظرهم وينبههم إلى أنه إن تولى هؤلاء ولم يؤمنوا، فإياكم أن يؤثر ذلك على شجاعتكم؛ لأنكم لا تنتصرون بمدد من هؤلاء الذين رفضوا الإيمان، ولكن بمدد من الله ، فالله هو مولاكم. وإذا كان الله مولى لكم أي ناصراً ومؤيداً فهو : ﴿نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾ [الأنفال: ٤٠] . لماذا؟ . لأن المولى إذا كان غير الله فهو من الأغيار، قد يكون اليوم قويّاً قادراً على أن يأخذ بيدنا وينصرنا، ولكنه قد يموت غداً؛ لذلك فهو لا يصلح مولى. وقد يسقط عنه سلطانه وقوته ويصبح ضعيفاً محتاجاً لمن ينصره فلا ينفع وليا ولا معيناً لأحد. والمولى الحق الذي يجب أن نتمسك به هو الذي لا تصيبه الأغيار لأنه دائم الوجود لا ينتهي بالموت وهو دائم القوة والقدرة لا يضعف أبداً، هذا هو المولى الذي تضع فيه ثقتك وتتوكل عليه. ولذلك نجد الحق يوضح لنا أننا يجب ألا نضع ثقتنا وأملنا إلا فيه وتوكلنا إلا عليه فيقول: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . أي إذا أردت فعلاً أن تتوكل، فتوكل على من هو موجود دائما قوي دائماً،

стр. 5441

فتوكل على الله. وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ المولى﴾ يؤكد أن الله قوي قادر دائم الوجود، وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ النصير﴾ . يؤكد أنه محيط بكل ما يدبره لك أعداؤك، فلا يغيب عنه شيء. أنت تحاربهم بما تعرفه من الحيل وفنون القتال وهم يفعلون ذلك. ولكن الله يعلم حيلهم فيبطلها، ويحقق لكم النصر بأن يلهمكم من الحيل ما لا يستطيعون مواجهته.، يعطيكم مددا من السماء وهذا المدد هو الذي يحقق لكم النصر. ويتحدث الحق بعد ذلك عن الغنائم فيقول: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ... ﴾

стр. 5442

ما سبب ذكر الغنيمة هنا؟ . وما المناسبة؟ . ونقول: إن الله يتحدث عن القتال. ونهاية كل معركة ينتصر فيها المسلمون يكون فيها غنائم. وهذه مناسبة الحديث عن الغنائم، وبما أن الله يتحدث عن مدده للمؤمنين. وأنه ناصرهم، وأنه نعم النصير، ولكن الغنائم لا تجيء إلا نتيجة للنصر، فكأن الله يريد من المؤمنين أن يتأكدوا أن النصر سيكون من نصيبهم؛ بدليل أن الحديث انتقل إلى الغنائم. والغنيمة هي كل منقول يأخذه المسلم المقاتل من الكافر، والثابت أن الغنائم لم تكن تحل لأحد من الأنبياء قبل رسول الله صلى عليه وسلم.

стр. 5443

ويقول الحق: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . إذن فلله الخمس وتبقى أربعة أخماس توزع على المقاتلين. والخمس الذي هو لله كيف نقسمه؟ لقد ذكر القرآن أسلوب توزيع هذا الخمس بطريقة اختلف فيها العلماء؛ فالآية تقول: ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] . ثم تزيد: ﴿وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١] . وقد قال بعض العلماء تمسكاً بظاهر الآية الكريمة: إن خمس الغنائم يوزع على من سماهم الله تعالى في كتابه العزيز وهم ستة: (الله، الرسول، ذو القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل) فتكون الأسهم ستة، وجمهور العلماء على أنّ خمس الغنائم يقسم خمسة أسهم فيكون لله وللرسول سهم واحد لأنه لا يوجد فصل بين الله ورسوله، والأسهم الأربعة الباقية من هذا الخمس توزع على الأنواع الأربعة (ذي القربى - اليتامى - المساكين - ابن السبيل) لكل نوع منهم سهم. واختلفوا أيضاً في معنى ﴿وَلِذِي القربى﴾ هل هم القربى من رسول الله ﷺ َ أم ممن؟

стр. 5444

ثم بعد ذلك جاء نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل فلم يحدث خلاف فيه - والخلاصة: أن الغنائم كلها تقسم خمسة أقسام خمسها لهؤلاء الخمسة وأربعة أخماسها الباقية للجيش المقاتل؛ لأن الله تعالى بين حكم الخمس وسكت عن الباقي فدل ذلك على أنه للغانمين ثم يقول الحق: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾ [الأنفال: ٤١] . وهم بطبيعة الحال الحال مؤمنون بالله، وكأن هذا القول جاء ليراجعوا إيمانهم إذا اعترضوا على هذا التقسيم. فإن طمع أحد منهم في الخمس الذي هو لله ورسوله ولم يقنع بأربعة الأخماس المقسمة - كما قال الله تعالى - يكون قد خدش إيمانه بمن أصدر هذا الأمر، وسبحانه هو الذي أنزل هذا التقسيم. فمن زاغ وتطلعت عينه إلى شيء فليرد هذا الزيغ؛ لأن الذي قسم هو الله الذي نصر المقاتلين. وإذا كان النصر هو الذي جاء بالغنائم، فالذي أعطى النصر هو الله ، والنصر سبب من الله، وما يوهب للإنسان من الحق، على العبد أن يقبل فيه قسمة الله. ومثال ذلك ما أراده الله للإنسان المسلم من حسن التصرف في ماله، فهو في حياته حر ويملك حق التصرف في هذا المال، واحتراماً لمشاعرك الاجتماعية والإنسانية والعاطفية في البيئة التي تحيا فيها، جعل الله لك الحق في الوصية بأن تخصص ثلث مالك لما تريد ومن تريد، فقد ترى أن هناك إنساناً من غير أقربائك وهو بطبيعة الحال لن يرثك، ولكنه خدمك في حياتك أو في مرضك أو في شيخوختك، وأنت تريد أن تترك شيئاً من ثروتك له، اعترافاً بجميله، أو لعل هناك أناساً من معارفك تعرف أنهم أحوج من أبنائك، فتخصص لهم بعضاً من المال، شرط ألا يتعدى الثلث، فيشاء الحق أن يضع للعواطف الإيمانية الإنسانية في الناس مجالاً،

стр. 5445

فترك لك الحرية في أن تتصرف في ثلث التركة ثم قسم سبحانه الثلثين على الورثة. إذن فقول الحق ﵎: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾ [الأنفال: ٤١] . أي أنه سبحانه قد جعل من الإيمان أن يتم توزيع الغنائم بالشكل الذي حدده الله ، ثم يقول الحق : ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ [الأنفال: ٤١] . والفرقان هو الشيء الذي يفرق بين الحق والباطل؛ فرقاً واضحاً بشدة بحيث يكون ظاهراً للجميع. وقد أطلق الله الفرقان على القرآن الكريم في سورة آل عمران فيقول ﵎: ﴿وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفرقان﴾ [آل عمران: ٣ - ٤] . فحينما أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل جاءت التوراة لتفرق بين الحق والباطل، وأيضاً جاء الإنجيل ليفرق بين الحق والباطل، وشاء الله ألا تطلق كلمة «الفرقان» إلا على القرآن الكريم؛ لأن القرآن هو الفارق النهائي الذي لن يأتي فارق من بعده، فلن ينزل كتاب سماوي آخر. ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان﴾ [الأنفال: ٤١] . الله يقصد هنا بيوم الفرقان يوم بدر الذي كان فرقاً بين حق وباطل؛ فرقاً لافتا للأنظار، وقد أخذت كلمة الفرقان المعنى العام وهو أن يفرق

стр. 5446

بين الحق والباطل، فالمسلمون كانوا قلة والكفار كانوا كثرة، والمسلمون كانوا خارجين للاستيلاء على القافلة والعير ولم يكن لديهم أي عدة أو عتاد للحرب، بينما استعد الكفار للحرب والقتال بالعدد والعتاد والفرسان، وكان المسلمون يتمنون أن تكون قافلة قريش لهم، وهي قافلة لا يحرسها إلا عدد قليل من الرجال، لا شوكة لهم، وأراد الحق ﵎ أن يواجه المسلمون وهم قلة جيشاً له شوكة أي له عدة وعتاد؛ لأن المسلمين ظنوا أن الاستيلاء على القافلة لن يستغرق منهم وقتا طويلا أو جهداً كبيراً، فحراس القافلة عدد محدود وبلا سلاح قوي. لكن شاء الله أن يخوض المؤمنون المعركة وهم قلة وأن ينتصروا، حتى يعلم الجميع أن هذه القلة المؤمنة انتصرت بلا عددٍ ولا عُدَّة على من يملكون العدد والعدة، وبذلك يظهر الفرق بين الإيمان والكفر، وبين نصر الله وزيف الشيطان، ولو استولى المسلمون على قافلة قريش لقيل: إن أية مجموعة من المسلحين كانت تستطيع أن تنهب هذه القافلة، ولذلك لم يعطهم الله العير بل ابتلاهم بالنفير وهو الجيش الخارج من مكة بقصد الحرب وهو مستعد لها ليلفت النظر إلى هؤلاء المؤمنين الذين خرجوا بغير قصد الحرب وقد انتصروا على الكفار الذين خرجوا للحرب واستعدوا لها. وكان المؤمنون ثلاثمائة وجيش الكفار ألفاً، فإذا جاء النصر، تأكد الكل أن كفة المؤمنين قد رجحت، وإذا تعجب أحد كيف ينتصر هذا العدد القليل غير المسلح على هذا العدد الكثير والمسلح، يمكن أن يرددوا قول الله تعالى: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١] . وهذه المشيئة الإلهية هي التي قلبت الموازين. وفي أول سورة البقرة يحكي الحق لنا قصة طالوت وجالوت، ويروي كيف طلب بنو إسرائيل من نبي لهم أن تحدد السماء شخصاً

стр. 5447

يكون ملكاً عليهم، ليقودهم في معركة ضد طاغية اسمه جالوت؛ أخرجهم من ديارهم وشردهم، فلما جاء الأمر بأن يكون طالوت هو الملك، جادل بنو إسرائيل في قيادته لهم. ﴿قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال﴾ [البقرة: ٢٤٧] . كانوا هم الذين طلبوا أن يكون لهم ملك، فلما جاء طالوت باختيار الله اعترضوا عليه. ثم خرج طالوت مع الذين اتبعوه وابتلاهم الله بنهر وهو عطاش، ويقول الحق : ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . وابتلاهم الله بأن مروا على نهر وهم عطاش، وطلب منهم ألا يشربوا إلا أن يأخذ كل منهم قليلاً من الماء في كف يده ليرطب به فمه، فلما وصلوا إلى النهر، اندفعت أغلبيتهم ليعبوا ويشربوا ما شاء لهم، والأقلية فقط هي التي امتثلت لأمر الله تعالى ولم تشرب، وهؤلاء هم الذين بقوا مع طالوت وعبروا النهر، لكنهم حين رأوا جيش الأعداء، قالت أغلبيتهم ما جاء في القرآن الكريم وحكاه لنا: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .

стр. 5448

أي أنهم خافوا من مواجهة جيش جالوت ورفضوا القتال، إلا الأقلية منهم، وهكذا حدثت لهم التصفية مرتين بالاختيار والابتلاء؛ الأولى بالصبر على العطش، والثانية بمواجهة جيش العدو، وهذه هي الأقلية الصافية التي رسخ إيمانها، وقالوا ما جاء بالقرآن الكريم: ﴿قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين﴾ [البقرة: ٢٤٩] . أي أن هذه الفئة المؤمنة التي بقيت والتي تخشى حساب الله في الآخرة لم تخفهم قلتهم ولا كثرة جنود جالوت، بل قالوا: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وانتصروا بالفعل، وكان هذا فرقاناً ظاهراً من الله . وهنا يقول الحق ﵎: ﴿يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ [الأنفال: ٤١] . أي يوم التقاء جمع المؤمنين وجمع الكفار، وتحقق نصر المؤمنين، رغم قلة العدد والعتاد. ولذلك يذيل الحق الآية بالقول الكريم: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١] . أي أن الله قادر على أن ينصر المؤمنين وهم قلة وغير مستعدين للقتال. ويقول الحق ﵎ بعد ذلك:

стр. 5449

﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ ... ﴾

стр. 5450

ساعة تسمع «إذ» تعرف أنها ظرفٌ، ومعناها: اذكر هذا الوقت، اذكر إذ أنتم بالعدوة الدنيا، والعدوة شاطيء الوادي وجانبه. وهي جبل مرتفع؛ لأن الجبال إن كان بينها فضاء نسمي هذا الفضاء وادياً، فيكون الوادي هو الفضاء بين جبلين، ويكون المكان العالي الذي على يمين الوادي وعلى شماله عدوة. وقوله تعالى: ﴿بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى﴾ [الأنفال: ٤٢] . توضيح وبيان لجغرافية المعركة، وأهل الإسلام كانوا من ناحية المدينة، وقوله تعالى: «دنيا» تأنيث الأدنى أي الأقرب، فالمسلمون كانوا قريبين من المدينة. وكان الكفار قادمين من مكة، ونزلوا في المكان الأبعد. فقوله تعالى: ﴿أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا﴾ [الأنفال: ٤٢] .

стр. 5451

أي في مكان قريب، وموقع غزوة بدر - كما نعلم - قريب من المدينة، أما كفار قريش فقد جاءوا من مكة. وبذلك جاءوا من مكان بعيد عن المدينة لذلك سماه الحق ﵎ هنا: ﴿بالعدوة القصوى﴾ أي في المكان البعيد عن مكة، ويتابع المولى قوله: ﴿والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ والركب هو العير أي الجمال التي تحمل التجارة، وكان المسلمون قد خرجوا ليأخذوها. ولما عرف أبو سفيان بذلك غيّر سير القافلة واتجه إلى ساحل البحر، ويتكلم الحق عن سلوك أبي سفيان حينما أمر أن تسير القوافل بجانب ساحل البحر. وساحل البحر - كما هو معلوم - يكون دائماً أسفل من أي أرض يابسة. ويُتخذ سطح البحر إلى الآن مقياساً للارتفاعات والانخفاضات بالنسبة للمقاييس البشرية، فيقال: هذا ارتفاعه مائة متر أو مائتا متر أو أكثر أو أقل بالنسبة لمستوى سطح البحر. وساحل البحر بالنسبة لسطح البحر متساو، أما الأرض والجبال والوديان فهي تختلف في العلو والانخفاض فلا تصلح مقياساً للارتفاعات والانخفاضات، بينما سطح البحر مستطرق استطراقاً سليماً، بحيث لا توجد في سطح الماء بقعة عالية وأخرى منخفضة. وهكذا يلفتنا الحق إلى أن أسفل ما في الأرض هو ساحل البحر وقد اتخذ الناس سطح البحر مقياساً للارتفاعات. ويقول الحق : ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: ٤٢] .

стр. 5452

أي لو أن المؤمنين اتفقوا مع الكفار على موعد ومكان، لجاء بعضهم متأخراً عن الموعد أو منحرفاً عن المكان، ولكن الله هو الذي حدد موعد المعركة ومكانها بدقة تامة فتم اللقاء في الموعد والمكان المحددين ليتم الأمر كما قدره الله ، والأمر هو معركة بدر، وليلقى المؤمنون الكافرين، لينتصروا عليهم. ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . وهل يعني قول الحق ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ أن الهلاك هنا هو الموت؟ لقد مات أيضاً بعض المؤمنين واستشهدوا. وقول الحق: ﴿ويحيى مَنْ حَيَّ﴾ وهل الحياة هنا تعني مجرد البقاء على قيد الدنيا؟ . لقد عاش أيضاً من الكفار كثير رغم أنهم خاضوا معركة بدر. إذن فليس معنى الهلاك هنا الموت، وليس معنى الحياة النجاة، ولكن قول الحق ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾ تنطبق على الكفار سواء الذين ماتوا أو الذين نجوا؛ لأن الهلاك هنا هلاك معنوي، فمن قتل من الكفارهلك. ومن نجا هلك أيضاً؛ لأنه بقتاله المؤمنين قد أورد نفسه مورد التهلكة بالعذاب الذي ينتظره في الآخرة، إلا إذا أدركته رحمة الله وآمن قبل أن يأتي أجله. والذين حيوا هم المؤمنون، والمراد - إذن - ليكفر من كفر، ويؤمن من آمن عن يقين. ولقد قلنا من قبل: إنَّ الحق أطلق الحياة على معان متعددة، فهناك الحياة التي فيها الحركة والحس، وهذه تتحقق ساعة أن تدخل الروح الجسد ليكون للإنسان حياة. وهذه الحياة هي للمؤمن والكافر. ولكن الحياة بهذا الشكل؛ حياة منتهية إلى موت غير موقوت ننتظره في أي لحظة. ولكن الحياة المطلوبة لله هي الحياة التي لا يأتي فيه موت. ولا يكون فيها تعب وشقاء، تلك هي الحياة الآخرة، ولذلك يقول الحق ﵎:

стр. 5453

﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] . أي أنها الحياة الحقيقية. إذن فالذي يؤمن إيماناً حقيقيا يعطيه الله تعالى حياة الخلود في الجنة. ولذلك نستمع جميعاً إلى قول الحق ﵎: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] . ومنا من يتساءل: كيف يخاطب الله الناس وهم أحياء ويقول لهم: إذا دعاكم لما يحييكم؟ ونقول: إن الحق يريد لنا بالإيمان حياة خالدة في الجنة. ثم يختم الحق الآية الكريمة بقوله: ﴿وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ومعنى سميع وعليم أنه مدرك لكل الأشياء والخواطر، فما بالسمع يسمعه، وما بالعين يراه، وما في الصدر يعلمه، وما هو في أي حس من أحاسيس الإنسان هو عليم به؛ لأنه أحاط بكل شيء علما. ووسائل الإدراك العلمي في الإنسان هي السمع والبصر والذوق واللمس والشم، هذه هي الحواس التي تعطي العلم للإنسان الذي لم يكن يعلم شيئاً. وهو القائل: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .

стр. 5454

أي أن هذه الحواس هي التي تعطي الإنسان ما لم يكن قد علمه، وكلما علم شيئاً، فليقل: الحمد لله. ويعلمنا الله كيف يتم قدره فيقول: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ ... ﴾

стр. 5455

والحق إذا أراد معركة فاصلة، يجعل الخواطر في كل قوم مهيجة على الحرب؛ لأنه يريد للفئتين أن يشتبكوا، ويفصل الحق في المسألة، وهذا الاشتباك لو حدث بالمقاييس العادية ربما جَبُنَتْ الفئة القليلة عن أن تواجه الفئة الكثيرة. ولكي تتم المعركة لا بد أن يكون كل من الفريقين المتحاربين واثقا من النصر؛ لأنه لو أيقن أحدهما أنه سيهزم لما دخل إلى المعركة. والله يُعلم رسوله والمؤمنين كيف أعد الله الإعداد النفسي للمعركة، فأرى النبي في الرؤيا أن عدد الكفار قليل حتى يؤمن أن المؤمنين سينتصرون عليهم بسهولة، فرسول الله ﷺ َ رأى في منامه رؤيا توضح أن عدد الكفار قليل في أعين المؤمنين، وأخبر قومه بذلك وقد قلل عدد المؤمنين في أعين الكفار، ليتم اللقاء وتحدث المعركة. وفي ذلك يقول الحق : ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم﴾

стр. 5456

إذن رأى المؤمنون الكفار قليلاً، ولو كثَّر الله الكفار في أعين المؤمنين، أو كثّر المؤمنين في أعين الكفار ما حدثت المعركة. ولكنه شاء أن يقلل كل فريق في نظر الآخر ليبدأ القتال، ويحكي سيدنا عبد الله بن مسعود: لقد قلت لجار لي أظنهم سبعين، فقال: لا بل مائة. وهكذا كان عدد الكافرين قليلاً في نظر المؤمنين، وكان عدد المؤمنين بالفعل قليلاً في عيون الكافرين. وأيضاً شاء الحق سبحانه أن يجعل في ذلك بلاغاً من إعلامات النبوة في رسول الله ﷺ َ، فقد رأى النبي عدد الكافرين في المنام وهم قليل، وأخبر ﷺ َ قومه بذلك. ودار القتال الذي أراده الله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ [الأنفال: ٤٤] . والأمر الحاسم هو التقاء الفئتين المتقاتلتين في معركة بدر ليفصل الله بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر؛ حتى ترجع الأمور إلى الله، فلكل واحد من جنود المعركة جزاءٌ من عند الله ؛ المؤمنون لهم جزاء على قدر نياتهم وإخلاصهم في الجهاد، الكافرون عليهم غضب من الله تعالى. والغضب منازل، كل منزلة من الغضب حسب أحوال صاحبها.

стр. 5457

وقول الحق : ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ نجد فيه كلمة «الأمور» وهي جمع أمر، وفي المعارك ألوان مختلفة من الأوامر؛ فلكل جندي أمر، وهناك أمر عام تنتهي إليه المعارك وهو انتصار طرف وانهزام طرف آخر. ولكي يتم النصر للمؤمنين فإن الله يطلب منهم أن يثبتوا في المعركة؛ فيقول : ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا ... ﴾

стр. 5458

وساعة تسمع كلمة «فئة» فاعلم أن معناها جماعة اختصت بخوض المعارك في ميدان القتال، فليست مطلق جماعة، بل هي جماعة مترابطة من المقاتلين؛ لأن كل مقاتل يفيء لغيره من زملائه، أي جماعة أخرى غير مترابطة تستطيع تفريقهم بصرخة أو عصا، أما المقاتلون فأنت لا تصرفهم إلا بقوة أكبر منهم، ويحاول كل منهم أن يحمي زميله، إذن فكل منهم يفيء إلى الآخرين. والحق تبارك يقول: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ٢٤٩] . ويقول الحق : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] . إذن فالفئة هي جماعة في الحرب.

стр. 5459

وقوله تعالى: ﴿لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا﴾ [الأنفال: ٤٥] . يُقصد به ساعة حدوث المعركة ونشوب القتال؛ لأن الحرب تقتضي أولاً إعداداً، ثم تخطيطاً يتم قبل الالتحام ثم ذهاباً إلى مكان المعركة. وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ﴾ أي أن المسألة قد وصلت إلى الواجهة مع الكفار ويقول الحق ﵎ ﴿فاثبتوا﴾ والثبات هنا معناه المواجهة الشجاعة، لأن الإنسان إذا ما كان ثابتاً في القتال، فالعدو يخشاه ويهابه، وإن لم يكن كذلك فسوف يضطر إلى النكوص، وهذا ما يُجريء الكفار عليكم. وما دمتم قد جئتم إلى القتال، فلا بد أن يشهد الأعداء شجاعتكم؛ لأنكم إن فررتم فهذه شهادة ضعف ضدكم. ولذلك لا بد من التدريب على الثبات والقتال، وهذا هو الإعداد المسبق للحرب؛ بالتدريب القوي والتخطيط الدقيق، وألا يتولى أحد منكم ويفر لحظة الزحف لأن هذا العمل هو من أكبر الكبائر، والحق يقول: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ [الأنفال: ١٦] . ﴿يُوَلِّهِمْ﴾ أي يعطيهم، و ﴿دُبُرَهُ﴾ أي ظهره، وهذا تقبيح لعملية الفرار، لأن الدبر محل الصيانة ومحل المحافظة. ونعلم أن هناك من قال للإمام عليّ - كرم الله وجهه -: إن درعك له صدار وليس له ظهر، أي أن الدرع يحمي

стр. 5460

صدرك إنما وراءك لا يوجد جزء من الدرع ليحمي ظهرك. فقال: (لا كنت إن مكنت خَصمي من ظهري) ، أي أنه - كرّم الله وجهه - يفضل الاستشهاد على أن يُمَكِّن خصمه من ظهره، فلو أنَّ درعه من الأمام ومن الخلف، ففي هذه الحالة يكون في نيته أن يمَكِّن خصمه من ظهره، ولذلك جعل الدرع يحمي الصدر فقط، وهو على يقين أنه لن يدير ظهره لعدوه، ويسمون تلك الحالة الأخرى «ظاهرة ضبط النفس» أي أنها طريق لمنع الشيء أن يحدث ولو في ساعة الشدة؛ لأن المقاتل حين يدخل المعركة، وهو يحمي صدره فقط فهو لا يتولى ليفر؛ لأنه يعلم أنه لو تولى فسيكشف لهم ظهره وسيتمكن منه عدوه وسوف يُقتل. والحق حين يقول: ﴿فاثبتوا﴾ لا يطلب هذا الثبات على إطلاقه، ولكن يريد من المؤمنين الثبات والقوة في القتال. أما غذا كانت الفئة التي يواجهها المؤمنون كبيرة العدد أو كثيرة العتاد فذلك يتطلب الدراسة والاستعداد، وهنا طلب الحق الثبات ليعلم المؤمنون يقيناً؛ أنهم لا يواجهون عدوهم بقوتهم ولكن بقوة الله الذي يجاهدون من أجله. ولذلك يقول الحق : ﴿واذكروا الله كَثِيراً﴾ ، أي تذكروا وأنتم تقاتلون أن الله معكم بعونه ونصره، فإن لم تستطع أسبابكم أن تأتي بالنصر، فإن خالق الأسباب يستطيع بقدرته أن يأتي بتالنصر. وكلنا نعلم أن الحق ﵎ قد وضع في كونه الأسباب، فإذا استنفدنا أسبابنا، اتجهنا إلى خالق الأسباب، ولذلك نجد أن من لا يؤمن بالله إذا خانته الأسباب ينتحر أو ينهار تماماً أو يصاب بالجنون، ولكن المؤمن يقول: إذا خانتني الأسباب فمعي رب الأسباب وخالقها، ويأوي إلى ركن شديد. إن الطفل الصغير إذا اعتدى عليه أحد يقول: إن لي أباً أو أخاً سيرد عني الإيذاء؛ لأن الأسباب لا تعطيه قدرة الرد، فكيف لمن له رب قدرته فوق قدرة

стр. 5461

الكون كله، وقوته موجودة دائماً. ولذلك نجد قوم موسى حين وصلوا إلى شاطيء البحر ووجدوا أمامهم الماء، ونظروا خلفهم ورأوا جنود فرعون مقبلين من بعيد، قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وكانوا منطقيين فيما قالوه، فالبحر أمامهم والعدو وراءهم. وليس لهم من طريق للنجاة باستخدام الأسباب العادية في هذا الكون، ولكن موسى ﵇ بقوة إيمانه بالله تعالى يقول ما جاء على لسانه في القرآن الكريم: ﴿قَالَ كَلاَّ﴾ [الشعراء: ٦٢] . أي إن فرعون وجنوده لن يدركونا، ولم يفهم قوم موسى؛ لأن البحر أمامهم وجنود فرعون وراءهم، وأضاف سيدنا موسى ﵇ بملء فيه قوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . أي أنه رفع الأمر من الأسباب إلى المسبب، وإذا بالله يأمره أن يضرب بعصاه البحر؛ فينفلق؛ وتظهر الأرض اليابسة. ويعبر بنو إسرائيل البحر، وعندما وصل موسى وقومه إلى شاطيء البحر بعد أن عبروا، أراد موسى أن يضرب البحر مرة أخرى حتى يعود الماء إلى الاستطراق. فلا يتمكن جنود فرعون من اللحاق بهم، ولكن الله قال لموسى: ﴿واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] . أي لا تتعجل وتضرب البحر ليعود مرة أخرى لاستطراق الماء بل اتركه على حاله ساكناً فما أنجى الله به بني إسرائيل سيغرق به آل فرعون، وبذلك أنجي وأهلك بالشيء الواحد، وهذا لا يقدر عليه إلا هو .

стр. 5462

وهنا يقول الحق ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] . وسبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية وهو العليم بها حين تكون أمام قوة لم تحسب حسابها وكيف تعاني النفس من كرب عظيم، خصوصاً إذا كان ذلك في ميدان القتال، ولذلك طلب من المؤمنين لأن يتذكروا دائماً أنهم ليسوا وحدهم في المعركة وأنه معهم، فليذكروا هذا كثيراً ليوالي نصرهم على عدوهم؛ لأنهم إذا ما داوموا على ذكر الله تعالى فسيقوي هذا الذكر إيمانهم، ويجعل في قلوبهم الشجاعة اللازمة لتحقيق النصر. وذِكْرُ الحق كلمة ﴿كَثِيراً﴾ هنا يعني أن الإنسان قد يذكر الله عند اليأس فقط، فإن جاءت الحياة بعد ذلك بالرخاء فقد ينسى ذكر الله؛ لذلك يؤكد هنا أن يكون ذكر الله كثيراً، ليوالي الله نصر المؤمن على عدوه. ومثال ذلك: أننا نجده حينما يستحضر الخلق المؤمنين للصلاة في يوم الجمعة يقول: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] . يطلب الحق ذلك من المؤمنين وهو العليم بأنهم يداومون الولاء له سبحانه كل يوم خمس مرات.

стр. 5463

ثم بعد صلاة الجمعة يطالبهم بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى، وينبهنا أن نداوم على ذكره فكأنه يقول؛ إياكم أن تلهيكم أعمالكم ومصالحكم الدنيوية عن ذكر الله، أو تعتقدوا أن ذكر الله في المسجد أو وقت الصلاة فقط، بل داوموا على ذكر الله في كل أحداث الحياة. فإن فعلتم ذلك وذكرتم الله كثيراً فستكونون من المفلحين. وذكر الله كثيراً معناه أنك تشعر في كل لحظة أن الله معك فتخشاه وتحمده وتستعين به. وهكذا تكون الصلة دائمة بينك وبين الله في كل وقت. مثال ذلك ما حدث في عام ١٩٧٣ في معركة العاشر من رمضان، كان ذكر الله يملأ القلوب واستمد الجند من قولهم: ﴿الله أكبر﴾ طاقة هائلة واجهوا بها العدو، واقتحموا خط «بارليف» . وأعانهم الحق بمدد الإيمان من عنده، وأوجد في نفس كل منهم طاقة هائلة تحقق بها النصر؛ وذلك بإجادة التدريب ومداومة الذكر لله تعالى. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصبروا ... ﴾

стр. 5464

وعرفنا من قبل أن طاعة الله تعالى تتمثل في تنفيذ ما أمر به في المنهج، وطاعة الرسول هي طاعة تطبيقية في السلوك، وهي طاعة لله أيضاً؛ لأن الرسول مبلغ عن ربه، ولا بد للطائع أن يتعبد عن التنازع مع إخوته المؤمنين؛ لأن التنازع هو تعاند القوي، أي توجد قوة تعاند قوة أخرى، والقوى المتعاندة تهدر طاقة بعضها البعض، فالتعاند بين قوتين يهدر طاقة كل منهما فتصبح كل قوة ضعيفة وغير مؤثرة. فكونوا يداً واحدة؛ لأنكم إن تنازعتم فستضيع قوتكم

стр. 5465

وتقابلون الفشل، أي لن تحققوا شيئاً مما تريدون لأنكم أهدرتم قوتكم في التنازع، ولم تعد لكم قوة تحققون بها ما تريدون وستذهب ريحكم في هذه الحالة. والفشل هو إخفاق الإنسان دون المهمة التي كان يرجوها من نفسه. وانظروا إلى عبارة الحق ﵎: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] . نحن نعرف أن الريح يُطلق على الهواء الذي حيزه الفضاء على سطح الأرض، إذن فمكان الهواء هو أي مكان خال على سطح الأرض، ولذلك نجد العمود المكون من الأسمنت والحديد مثلاً، لا يوجد فيه هواء لأنه لا يوجد فيه فراغ، أما الفواصل التي بين الأعمدة فيوجد فيها هواء لأن فيها فراغاً. ونعلم أن مقومات الحياة طعام وشراب وهواء، ولكن الهواء هو المقوم الأول للحياة؛ لأنك لا تستطيع أن تصبر على الهواء مقدار شهيق وزفير. إذن فالهواء هو المقوم الأول لحياتك وحياة كل من في هذا الكون، وما دام الهواء محيطاً بالشيء بحيث يتساوى الضغط من جميع نواحيه يكون الشيء ثابتاً، فإذا فرّغت الهواء من ناحية قام ضغط الهواء بتحطيم هذا الشيء. وفي التجارب المدرسية شاهدنا تأثير ضغط الهواء، وكانوا يأتوننا بصفيحة وضع فيها ماء ويتركونها تغلي على النار، فيطرد بخار الماء الهواء الموجود في الجزء الفارغ من الصفيحة ليملأ البخار هذا الفراغ، ثم يغلقون الصفيحة بإحكام ويسكبون عليها من الخارج ماءً بارداً؛ فيتكثف البخار، ويقل حجمه، ويصبح جزء من الصفيحة خالياً من الهواء، فتنهار جدران الصفيحة إلى الداخل بسبب ضغط الهواء خارج الجدران، وتفريغ الهواء داخل الصفيحة. ولذلك نجد الحق حينما يعذب قوماً أو ينزل بهم عقاباً، فهو يرسل عليهم ريحاً. ويقول جل وعلا:
следующие страницы →