Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
السهام التي ترمي بها خصمك فتناله وهو بعيد عنك، ولا يستطيع أن ينالك أو يقترب منك. ولذلك عندما فسر رسول الله ﷺ َ القوة قال فيما يرويه عنه عقبة بن عامر ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ َ وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ ثم قال:» ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي «» .
لأنك بالرمي تتمكن من عدوك ولا يتمكن هو منك، فإذا تفوقت في الرمي كنت أنت المنتصر عليه.
ولكن كيف ينطبق ذلك على الحرب في العصر الحديث بعد أن تطورت الأسلحة الفتاكة؟ لقد صارت المدفعية لفترة من الزمن هي السلاح؛ لأنها المحقق للنصر لبعد مداها، ثم جاءت الطائرات لتصبح هي السلاح الأقوى؛ لأنها تستطيع أن تقطع مسافة طويلة وتلقي بقنابلها وتعود. وصارت قوة الطيران هي التي تحدد المنتصر في الحرب؛ لأنها تلحق بالعدو خسائر جسيمة دون أن يستطيع هو أن يرد عليها ما دام غير متفوق في الطيران، ثم بعد ذلك جاءت الصواريخ والصواريخ عابرة للقارات، إلى آخر الأسلحة المتطورة التي تتسابق على اختراعها الدول الآن، وكلها أسلحة بعيدة المدى، والهدف أن تنال كل دولة أرض عدوها ولا يستطيع هو أن ينال أرضها. ويضيف الحق ﵎:
﴿وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] .
ورباط الخيل هو القوة التي تحتل الأرض، فمهما بلغت قدرتك في الرمي فأنت لا تستطيع أن تستولي على أرض عدوك، ولكنَّ راكبي الخيل كانوا
стр. 5532
يدخلون المعركة في الماضي بعد الرمي ليحتلوا الأرض. وهذه عملية تقوم بها المدرعات الآن. فالمعركة تبدأ اولاً رمياً بالصواريخ والطائرات حتى إذا حطمت قوة عدوك انطلقت المدرعات لتحتل الأرض، فالطائرات والصواريخ تهلك العدو وتحطمه ولكنها لا تأخذ الأرض. ولكن الذي يمكننا من الأرض والاستيلاء عليها هو: رباط الخيل، أو المدرعات، ورباط الخيل هو عقده للحرب، أي أن الخيل تُعد وتُعلف وتدرب وتكون مستعدة للحرب في أية لحظة، تماماً كما تأتي للمدرعات وتعدها إعداداً جيداً بالذخيرة، وتصلح ماكيناتها وتتدرب عليها لتكون مستعداً للقتال في أي لحظة. ولذلك يقول رسول الله ﷺ َ فيما يرويه عنه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ َ قال: «من خير معاش الناس لهم رجل يمسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعةً أو فَزْعةً طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانَّه، ورجل في غنيمة في شَعَفَة من هذه الشعفاء وبطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير» .
أي أنه لا ينتظر بل ينطلق لأي صيحة. ومن الإعجاز في الأداء القرآني أنه أعطانا ترتيباً للحرب، فالحرب أولاً تبدأ بهجوم يحطم قوى العدو بالرمي، سواء كان بالصواريخ أم بالطائرات أم بغيرهما، ثم بعد ذلك يحدث الهجوم البري، ولا يحدث العكس أبداً. ورتب الحق وسائل استخدام القوة أثناء القتال، فهي أولاً الرمي، وبه نهلك مَكيناً ثم نستولي على المكان، وكان ذلك يتم برباط الخيل الذي تقوم مقامه المدرعات الآن.
ونجد أن الحق جاء في القرآن الكريم بالأداء الذي يعلم ما تأتي به الأيام من اختراعات الخلق، ونجد في زماننا هذا كل قوة للسيارة أو المدرعة أو الدبابة
стр. 5533
إنما تقاس منسوبة إلى الخيل، فيقال قوة خمسة أحصنة أو خمسمائة حصان.
ويقول المولى :
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
فالقصد - إذن - من إعداد هذه القوة هو إرهاب العدو حتى لا يطمع فيكم؛ لأن مجرد الإعداد للقوة، هو أمر يسبب رهباً للعدو. ولهذا تقام العروض العسكرية ليرى الخصم مدى قوة الدولة، وحين تبين لخصمك القوة التي تملكها لا يجتريء عليك، ويتحقق بهذا ما نسميه بلغة العصر «التوازن السلمي» . والذي يحفظ العالم الآن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي هو التوازن السلمي بين مجموعات من الدول، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي المكلف للحرب، فالقوة الآن لا تقتصر على السلاح فقط، ولكن تعتمد القوة على عناصر كثيرة منها الاقتصاد والإعلام وغيرهما. وصار الخوف من رد الفعل أحد الأسباب القوية المانعة للحرب. وكل دولة تخشى مما تخفيه أو تظهره الدولة الأخرى.
وهكذا صار الإعداد للحرب ينفي قيام الحرب.
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
ولا تظنوا أن من يواجهونكم هم أعداء الله فقط وقد سلطكم سبحانه عليهم، لا بل عليكم أن تعرفوا أت أعداء الله هم أعداؤكم أيضاً؛ لأنهم يفسدون الحياة على المؤمنين. وعدو الله دائماً يحاول أن ينال من المؤمين. وأن ينكل بهم، وأن يجبرهم إن استطاع على الكفر وأن يغريهم على ذلك. فالحق لا يغضب؛ لأنهم لم يؤمنوا به، بل لأنهم لا يطبقون المنهج
стр. 5534
الذي يسعد الإنسان على الأرض، فسبحانه وتعالى لا يكرههم ولكن يعاقبهم بسبب الإفساد في الأرض وبغيهم وطغيانهم.
﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
وهذه لفتة من الحق إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم فقط الذين ظهروا أثناء الرسالة من كفار قريش واليهود والمنافقين وغيرهم، ولكنَّ هناك خلقاً كثيراً سيأتون بعد ذلك لا تعلمونهم أنتم الآن ولكنَّ الله يعلمهم، كما يلفتنا سبحانه إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم الذين يظهرون في ميدان القتال فقط ليحاربوا المسلمين، ولكنَّ هناك كثيراً ممن لا يظهرون في ميدان القتال يحاربون دين الله ويحاربون المسلمين. وقد ظهر معنى هذه الآية الكريمة، ولا يزال يظهر للمسلمين، فظهرت عداوة الفرس والروم وحربهم ضد المسلمين، وظهرت عداوة الصليبيين وغيرهم. ومع الزمن سوف يظهر من يعلمهم الله ولا نعلمهم نحن. وقد جاءت أحداث الحياة لتؤكد دقة تعبير القرآن الكريم.
ثم يتناول الحق هواجس النفس البشرية، وهي تنصت لهذه الآيات من الإعداد العسكري، فالذي يخطر على البال أولاً أن مثل هذا الإعداد يتطلب مالاً، ويتطلب جهداً، ويتطلب زمناً فوق الزمن لقضاء المصالح والحوائج. فإياكم أن تنكصوا عن الاستعداد؛ لأن كل ما تنفقونه في سبيل الله محسوب عند الله. وإياكم أن تقولوا: إنّ الإعداد لقوة المجتمع يحتاج مالاً ويقتر على الأبناء؛ لأن الله يرزقكم. ويقول :
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
стр. 5535
أي أن ما تنفقونه مما يقال له: شيء سواء أكان قليلاً أم كثيراً يرد إليكم، ولقد جاء التعبير ب ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي مما يقال له شيء. ولو جاءت الآية: غنمتم شيئاً، لما شملت الأشياء البسيطة، ولكن قوله تعالى: ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ أي من بداية ما يقال له شيء، حتى قالوا: إن الخيط الذي يوجد عند العدو لا بد أن يذهب للغنائم، وقوله ﵎:
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله﴾ [الأنفال: ٦٠] .
يعني أي شيء تنفقونه في سبيل الله تعالى مدخر لكم ما دمتم أنفقتموه وليس في بالكم إلا الله . أما الإنفاق الذي ظاهره لله وحقيقته للشهرة أو الحصول على الثناء أو للتفاخر أو لقضاء المصالح. فكل ذلك اللون من الإنفاق خارج عن الإنفاق في سبيل الله، لكن الإنفاق في سبيل الله سيرده الله لكم مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونََ﴾
أي أن ما تنفقونه في سبيل الله لا ينقص مما معكم شيئاً.
على أن الحق يريدنا أن نأخذ طريق العدل وليس طريق الافتراء؛ لذلك يطلب منا ألا يطغينا هذا الاستعداد للحرب على خلق الله، فما دام لدينا استطاعة وأعددنا قوتنا وأسلحتنا فليس معنى ذلك أن نصاب بالغرور ونجترىء على خلق الله؛ ولهذا فإن الله ينبهنا إلى ذلك بقوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ... ﴾
стр. 5536
أي أن الله لم يطالبنا بأن نكون أقوياء لنفتري على غيرنا، فهو لا يريد منا إعداد القوة للاعتداء والعدوان، وإنما يريد القوة لمنع الحرب ليسود السلام ويعم الكون؛ لذلك ينهانا أن يكون استعدادنا للقتال وسيلة للاعتداء على الناس والافتراء عليهم. ولهذا فإن طلب الخصم السلم والسلام صار لزاماً علينا أن نسالمهم. وإياك أن تقول: إن هذه خديعة وإنهم يريدون أن يخدعونا؛ لأنك لا تحقق شيئاً بقوتك، ولكن بالتوكل على الله والتأكد أنه معك، والله يريد الكون متسانداً لا متعانداً. وهو يطلب منك القوة لترهب الخصوم. لا لتظلمهم بها فتقاتلهم دون سبب. وقول الحق :
﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] .
أي إن مالوا إلى السلم ودعوك إليه فاتجه أنت أيضاً إلى السلم، فلا داعي أن تتهمهم بالخداع أو تخشى أن ينقلبوا عليك فجأة؛ لأن الله تعالى معك بالرعاية والنصر، وأنت من بعد ذلك تأخذ استعدادك دائماً بما أعددته من قوتك.
وقول الحق:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ [الأنفال: ٦١] .
أي إياك أن تتوكل أو تعتمد على شيء مما أعددت من قوة؛ لأن قصارى الأمر أن تنتهي فيه إلى التوكل على الله فهو يحميك. ثم يعطينا الحق حيثية ذلك فيقول:
﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ [الأنفال: ٦١] .
стр. 5537
أي أنه لا شيء يغيب عن سمعه إن كان كلاماً يقال، أو عن علمه إن كان فعلاً يتم. وإياك أن تخلط بين التوكل والتواكل، فالتوكل محله القلب والجوارح تعمل؛ فلا تترك عمل الجوارح وتدعي أنك تتوكل على الله، وليعلم المسلم أن الانتباه واجب، وإن رأيت من يفقد يقظته لا بد أن تنبهه إلى ضرورة اليقظة والعمل، فالكلام له دور هنا، وكذلك الفعل له دور؛ لذلك قال الله :
﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ [الأنفال: ٦١] .
ولنلحظ أن قول الحق ﵎:
﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ [الأنفال: ٦١] .
هذا القول إنما جاء بعد قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
وهي آية تحض على الاستعداد للقتال بإعداد العدة له.
ويريد الحق ﵎ أن ينبهنا إلى قوة المؤمنين واستعدادهم الحربي يجب ألا يكونا أداة للطغيان، ولا للقتال لمجرد القتال. ولذلك ينبهنا إلى أنهم لو مالوا إلى السلم فلا تخالفهم وتصر على الحرب؛ لأن الدين يريد سلام المجتمع، والإسلام لا ينتشر بالقوة وإنما ينتشر بالإقناع والحكمة. فلا ضرورة للحرب في نشر الإسلام؛ لأنه هو دين الحق الذي يقنع الناس بقوة
стр. 5538
حجته ويجذب قلوبهم بسماحته، وكل ذلك لشحن مدى قوة الإيمان، لنكون على أهبة الاستعداد لملاقاة الكافرين، ولكن دون أن تبطرنا القوة أو تدعونا إلى مجاوزة الحد، فإن مالوا إلى السلم، علينا أن نميل إلى السلم؛ لأن الله يريد سلامة المجتمع الإنساني. وإن كنتم تخافون أن يكون جنوحهم إلى السلم خديعة منهم حتى نستنيم لهم، ثم يفاجئونا بغدر، فاعلم أن مكرهم سوف يبور؛ لأنهم يمكرون بفكر البشر، والمؤمنون يمكرون بفكر من الحق ؛ لذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله ... ﴾
стр. 5539
فإذا أحسست أن مبادرة السلم التي يعرضونها عليك هي مجرد خديعة حتى يستعدوا لك ويفاجئوك بغدر ومكر، فاعلم أن الله تعالى عليم بمكرهم، وأنه سيكشفه لك، وما دام الله معك فلن يستطيعوا خداعك، وإذا أردت أن يطمئن قلبك فاذكر معركة بدر التي جاءك النصر فيها من الله تعالى وتمثلت أسبابه المرئية في استعداد المؤمنين للقتال ودخولهم المعركة. وتمثلت أسبابه غير المرئية في جنود لم يرها أحد، وفي إلقاء الرعب في قلوب الكفار، وكان النصر حليفك بمشيئة الله تعالى:
والحق يقول: ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ﴾
والخداع هو إظهار الشيء المحبوب وإبطان الشيء المكروه، وتقول: «فلان يخادعني» أي يأتي بشيء أحبه، ويبطن لي ما أكرهه، ولأن الخداع في إخفاء ما هو مكروه، وإعلان ما هو محبوب، فهل أنت يا محمد متروك لهم، أم أن لك ربا هو سندك، وهو الركن الركين الذي تأوي إليه؟ . وتأتي الإجابة
стр. 5540
من الحق :
﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٢] .
إذن فالله حسبك وسندك وهو يكفيك؛ لأنه نصرك وآزرك. وأنت ترى أن هذه قضية دليلها معها، فقد نصرك ببدر رغم قلة العدد والعُدد.
والتأييد تمكين بقوة من الفعل ليؤدى على أكمل وجه وأحسن حال، وما دام الله هو الذي يؤيد فلا بد أن يأتي الفعل على أقوى توكيد ليؤدي المراد والغاية منه.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ... ﴾
стр. 5541
والتأييد هنا عناصره ثلاثة: الله يؤيد بنصره، والله يؤيد بالمؤمنين، والله يؤلف بين قلوب المؤمنين. والتأليف بين القلوب جاء لأن رسول الله ﷺ َ أرسل لقوم لهم عصبية وحمية، وهم قبائل متفرقة تقوم الحروب بينهم لأتفه الأسباب؛ لأن عناصر التنافر موجودة بينهم أكثر من عناصر الائتلاف.
إن القبيلة مجتمعة تهب للدفاع عن أي فرد فيها مهما كانت الأسباب والظروف، حتى إنه ليكفي أن يسب واحد من الأوس مثلاً واحداً من الخزرج لتقوم الحرب بين القبيلتين، ولو أن القلوب ظلت على تنافرها لما استطاعت هذه
стр. 5542
القبائل أن تواجه أعداء الإسلام، ولشغلتها حروبها الداخلية عن نصرة الدين والدفاع عنه ومواجهة الكفار. ولكن الله ألف بينهم، وبعد أن كانوا أعداءً أصبحوا أحباباً. وبعد أن كانوا متنافرين أصبحوا متوادين.
وهكذا ألف الله بين قلوب المسلمين بحيث أصبح الإسلام في قلوبهم وأعمالهم وأسلوب حياتهم هو أقوى رابطة تربط بينهم. فأصبحت أخوة الدين أقوى من أخوة النسب. وحين تتآلف القلوب؛ فهذا أقوى رباط؛ لأن كل عمل يقوم به الإنسان إنما ينشأ عن عقيدة في القلب.
إن القلب هو مصدر النية التي يتبعها السلوك، فالذي يحرك إنساناً مَوْتوراً منك ويثير جوارحه ضدك، إنما هو القلب، فإن وجدت إنساناً يعبس في وجهك فافهم أن في قلبه شيئاً، وإن لقيته وحاول أن يضربك فافهم أن في قلبه شيئاً أكبر، وإن حاول أن يقتلك، يكون في قلبه شعورٌ أعمق بالبغض والكراهية.
إذن فالينبوع لكل المشاعر هو القلب. ولذلك نرى الإنسان يُضَحِّي بكل شيء وربما ضحَّى بحريته وبماله في سبيل ما آمن به واستقر في قلبه، ونحن نرى العلماء في معاملهم يعيشون سنوات طويلة ويحرمون أنفسهم من متع الحياة الدنيا لأن العلم قد تحول إلى عقيدة في قلوبهم سواء أكانوا مسلمين أم غير ذلك، فكانما نية القلب وما يستقر فيها هي أقوى ما في الحياة.
ثم يبين الله لنا أن هذا فضل عظيم منه أن ألف بين قلوب المؤمنين؛ فيقول:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
стр. 5543
والتأليف بين القلوب هو جماع التواد والمساندة، والرسول ﷺ َ يقول في الحديث الذي يرويه عنه النعمان بن بشير ﵄: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله» .
والحديث بتمامه: «انّ الحلال بِّين وإن الحرام بَيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» .
ولم تكن المسألة في تأليف القلوب مسألة احتياج إلى مال؛ لأن المال لا يمكن أن يعطي الحب الحقيقي، ولذلك فهناك بين الناس ارتباط مصالح وارتباط قلوب، وارتباط المصالح ينتهي بمجرد أن تهتز أو تنتهي هذه المصالح، لكن ارتباط القلوب يتحدى كل الأزمات، وأنت لا تستطيع أن تجعل إنساناً يحبك حقيقة مهما أعطيته من مال؛ لأن الحب الحقيقي لا يشترى ولا يباع، إنما يشترى النفاق والتظاهر وغير ذلك من المشاعر السطحية. والعرب الذين ألف الله بين قلوبهم لم يكن يهمهم المال بقدر ما تهمهم الحمية والعصبية، فغالبيتهم يملكون الثروات، ولكن الفُرْقة فيما بينهم نابعة من الحمية والعصبية التي تجعل في القلوب غلاً وحسداً وحقداً؛ لذلك تنفعل جوارحهم. يقول الحق ﵎:
﴿ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
وما دام الله له عزة فهو لا يغلب، وما دام حكيماً فهو يضع الأمور في مكانها السليم، والله سبحانه وحده هو القادر على أن يجعل
стр. 5544
القلوب تتآلف؛ لأن القلوب في يد الرحمن يقلبها كما يشاء، لذلك ندعو بدعاء رسول الله: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ، فعن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة ﵂ يا أم المؤمنين ما أكثر دعاء رسول الله ﷺ َ إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» .
وسبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
ثم يعطينا الله قضية إيمانية فيقول: ﴿ياأيها النبي حَسْبُكَ الله ... ﴾
стр. 5545
وإياك أن تظن أن الله يعاقب الكفار لأنهم لم يؤمنوا برسل الله فقط، ولكن لأن الكون يفسد بسلوكهم، وهو سبحانه غير محتاج لأن يؤمن به أحد، ثم إن دين الحق سينتصر سواء آمن الناس به أم لم يؤمنوا، وسبحانه يريد بالمنهج الذي أنزله كل الخير والسعادة لعباده؛ لذلك يقول الحق ﵎: ﴿قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] .
فإذا دخل أحد في الإسلام فلا يمن على الله أنه أسلم؛ لأن إسلامه لن يزيد في ملك الله شيئاً، وليعلم أن الله قد منّ عليه بهدايته للإسلام وهي لصالحه. ويريد الله من رسوله ألا يلتفت إلى عدد الكفار أو قوتهم؛ لأن
стр. 5546
معه الأقوى، وهو الله ؛ ولذلك يقول:
﴿حَسْبُكَ الله﴾ [الأنفال: ٦٤] .
أي يكفيك الله.
وقوله تعالى:
﴿وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤] .
هي داخلة في ﴿حَسْبُكَ الله﴾ . لأن الله هو الذي هدى هؤلاء المؤمنين للإيمان فآمنوا.
ويكون المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، أي يكفيكم الله، وعلى ذلك فلا تلتمس العزة إلا من الحق .
ويمكن أن يكون المعنى يكفيك الله فيما لا تستطيع أن تحققه بالأسباب. ويكفيك المؤمنون فيما توجد في أسباب.
ونلاحظ هنا أن الحق قال:
﴿ياأيها النبي﴾ [الأنفال: ٦٤] .
وهذا النداء إنما يأتي في الأحداث؛ أما البلاغ فيقول الله تعالى: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
إذن فالحق ينادي الرسول ب ﴿ياأيها النبي﴾ حين يكون الأمر متعلقا بالأسوة السلوكية، أما إذا كان الأمر متعلقا بتنزيل تشريع، فالحق سبحانه يخاطبه ﷺ َ بقوله: ﴿ياأيها الرسول﴾ ذلك أن الرسل جاءوا مبلغين للمنهج عن الله، ويسيرون وفق هذا المنهج كأسوة سلوكية. على أننا نلاحظ أن الحق قد ذكر كل رسول باسمه في القرآن الكريم
стр. 5547
فقال: «يا موسى» ، وقال: «يا عيسى بن مريم» ، وقال: «يا إبراهيم» . إلا رسول الله ﷺ َ؛ فقد خاطبه ب: «يأيها النبي» ، وب «يأيها الرسول» ، وهذه لفتة انتبه إليها أهل المعرفة، وهذا النداء فيه خصوصية لخطاب الحضرة المحمدية، فالله يقول: ﴿يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] .
وينادي سيدنا نوحاً قائلاً سبحانه: ﴿يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ﴾ [هود: ٤٨] .
وينادي سيدنا موسى فيقول: ﴿أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ [القصص: ٣٠] .
وينادي سيدنا عيسى فيقول: ﴿ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] .
فكل نبي ناداه الحق ﵎ ناداه باسمه مجرداً إلا رسول الله ﷺ َ، فلم يقل له قط: يا محمد، وإنما قال: «يأيها النبي» ، و «يأيها الرسول» . والحق في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها أراد أن يلفت نبيه ﷺ َ إلى أن يعلم أنه يكفيه الله والمؤمنين مهما قل عددهم لينتصروا على الكفار.
ثم يأتي النداء الثاني من المولى ﵎ في قوله:
стр. 5548
﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ... ﴾
стр. 5549
وساعة تسمع أن فلانا يحرض فلاناً، فهذا يعني أنه يحثه، ويثير حماسه ويغريه على أن يفعل، وأنواع الطلب كثيرة، فهناك طلب نسميه نداء، أي تناديه، وطلب نسميه أمراً أي تفعله، وطلب نسميه نهياً، أي لا تفعله. هذه كلها أفعال طلب يسبقها النداء. هناك مثلاً طلب أن يُقبل عليه، وطلب آخر أن يبتعد عنه، وطلب ثالث أن يقضي له حاجة، كل هذا يعني أن المتكلم يعرض على السامع أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا. وهناك لون من الطلب لا يحمل الإلزام، بل هو عَرْض فقط (وهو الطلب برفق ولين) كقولك لمن تعلوه: أنا لا آمرك، بل أعرض عليك فقط. وهناك لون ثالث من الطلب تحمله كلمة «حض» وهو الطلب بشدة؛ لأن المعروض معه دليل الإقبال عليه. فأنت حين تحض ابنك على المذاكرة مثلاً فهناك مبرر الإقبال على المذاكرة وهو النجاح. وأنت حين تحض الإنسان على فعل، فأنت لا تنهاه أو تأمره لأنك تريد أن يقبل على الشيء بحب، ولكن حين تأمره بقسوة قد يكره هذا الشيء. وقد تعرض على إنسان شيئاً فتجده يحب أن يفعله ولو بدون أمر منك.
إذن فقول الله تعالى:
﴿حَرِّضِ المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٥] .
стр. 5550
أي حثهم وحضهم وحمسهم، والفعل يتكون من الحاء والراء والضاد، ومنها «حرض» و «يحرض» ومادة هذه الكلمة معناها القرب من الهلاك. ونجد قول الحق ﵎ على لسان إخوة يوسف لأبيهم: ﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ [يوسف: ٨٥] .
أي أنك ستستمر في ذكر يوسف حتى تقترب من الهلاك أو تهلك بالفعل.
ولكن هل معنى «حرِّض» هنا يعني: قرب المؤمنين من الهلاك؟ نقول: لا؛ لأن ما يسمونه الإزالة، وهي أن يأتي الفعل على صورة يزيل أصل اشتقاقه، عندما تقول: «قشرت البرتقالة» أي أزلت قشرتها. وكذلك قولنا: «مرّض» الطبيب فلانا وليس المعنى أن الطبيب قد أحضر له المرض، ولكن معناها أزال المرض، إذن فهناك أفعال تأتي وفيها معنى الإزالة. ويأتي معنى الإزالة مرة بتضعيف الحرف الأوسط مثل «حرَّض» و «قشَّر» ومرة تأتي بهمزة، فتعطي معنى الإزالة، فإذا قلت: «أعجم الكتاب» . فمعناها أنه أزال عجمته، ولذلك نسمي كتب اللغة «المعاجم» ، أي التي تزيل خفاء اللغة وتعطينا معاني الكلمات. ومن قبل شرحنا معنى «قسط» و «أقسط» ؛ وقسط تعني «الجور» أي الظلم مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] .
وأقسط أي أزال الظلم.
إذن فهناك حروف حين تزاد على الكلمة؛ تزيل المعنى الأصلي لمادتها. وهناك تشديد يزيل أصل الانشقاق مثل «قشّر» أي أزال القشر، و «مَّرض» أي أزال المرض. و «حرَّض» أي أزال الحرض.
стр. 5551
ومعنى الآية الكريمة: اطلب منهم يا محمد أن يزيلوا قربهم من الهلاك بالقتال. وهذه القاعدة اللغوية تفسر لنا كثيراً من آيات القرآن الكريم. ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] .
الذين يأخذون بالمعنى السطحي يقولون: «أكاد أخفيها» أي أقرب من أن أسترها ولا أجعلها تظهر، ونقول: الهمزة في قوله: «أكاد» هي همزة الإزالة، فيكون معنى «أكاد» أي أنني أكاد أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى والعلامات الكبرى التي أخبرنا رسول الله ﷺ َ بها. وبعضهم قد أرهق نفسه في شرح «أكاد أخفيها» ولم ينتبهوا إلى أن إزالة الاشتقاق تأتي إما بتضعيف الحرف الأوسط، وإما بوجود الهمزة. وقول الحق ﵎ هنا:
﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ [الأنفال: ٦٥] .
أي أن الله يطلب من رسوله ﷺ َ تحريض المؤمنين على الجهاد وكأنه يقول له: ادع قومك إلى أن يبعدوا الدنو من الهلاك عن أنفسهم؛ لأنهم إن لم يجاهدوا لتغلب عليهم أهل الكفر، فأهل الكفر يعيشون في الأرض بمنهج السيطرة والغلبة والجبروت، وحين يجاهدهم المؤمنون إنما ليوقفوهم عند حدهم. ولذلك قال الحق ﵎:
﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ [الأنفال: ٦٥] .
فكأنهم إن لم يحاربوا أهل الكفر سوف يحيط بهم الهلاك في الدنيا وفي الآخرة. والله يريد لهم الحياة الآمنة الكريمة في الدنيا والجنة في
стр. 5552
الآخرة. ونلاحظ أن الحق قد وضع معياراً إيمانيا في القتال بين المؤمن والكافر، والمعيار هنا وضعه خالقهم، وخالق قواهم وملكاتهم وعواطفهم. والمعيار الإيماني هو في قوله تعالى:
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٦٥] .
إذن فالمعيار الإيماني باختصار يساوي واحداً إلى عشرة، أي أن القوة الإيمانية تجعل من قوة المؤمن ما يعادل قوة عشرة من الكفار، هذا هو المقياس. وهنا يأتي بعض الناس ليقول: أساليب القرآن مبنية على الإيجاز وعلى الإعجاز، فلماذا يقول الحق : «عشرون يغلبوا مائتين» . ثم يقول «مائة يغلبوا ألفا» ؛ ألم يكن من الممكن أن يقال: إن الواحد يغلب عشرة وينتهي القول؟ .
نقول: إنك لم تلاحظ واقع الإسلام؛ لأن رسول الله ﷺ َ كان يذهب مع المؤمنين في قتالهم ويحضر معهم بعضاً من أحداث القتال التي نسميها «غزوات» . أما البعثات القتالية التي لم يخرج فيها الرسول ﷺ َ وكان يكتفي فيها بإرسال عدد من المؤمنين، فقد كانت تسمى سرايا، وهذه السرايا كانت لا تقل عن عشرين مقاتلاً ولا تزيد على مائة، فذكرها الله تعالى مرة بالعشرين ومرة بالمائة.
وهنا يقول الحق :
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] .
стр. 5553
ونحن نرى أن المقياس هنا ليس بعدد المقاتلين فقط، ولكن لا بد أن يكونوا موصوفين بالصبر، وفي آية أخرى بالصبر والمثابرة، فمن الجائز أن يصبر عدوك فعليك حينئذ أن تصابره، أي إن صبر قليلاً، تصبر أنت كثيراً، وإن تحمل مشقة القتال، تتحمل أنت أكثر. إذن فالقوة القتالية لكي يتحقق بها ولها النصر لا بد أن تكون قوة صابرة قوية في إيمانها قادرة على تحمل شدة القتال وعنفه.
ثم يعطينا الحق تعليل هذا الحكم الإيماني الذي أبلغنا به فيقول عز من قائل:
﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] .
إذن فالسبب في أن المؤمن يغلب عشرة من الكفار، هو أن الكفار قوم لا يفقهون، وما داموا لا يفقهون، يكون المقابل لهم من المؤمنين قوما يفقهون. وهنا نقارن بين المؤمنين الذين يفقهون، والكفار الذين لا يفقهون ونقول: إن الكافر حين يقاتل لا يعتقد في الآخرة، وليس له إلا الدنيا ويخاف أن يفقدها، ولذلك حين يوجد الكافر في ساحة الحرب فهو يريد أن يحافظ على حياته ولو بالفرار، ولكن الدنيا بالنسبة للمؤمن رحلة قصيرة والشهادة هي الفوز برضوان الله ودخول الجنة بلا حساب، ولذلك فإنه يقبل على القتال بشجاعة من يريد الاستشهاد. ونجد خالد بن الوليد يقول للفرس: أتيتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.
فلو أن الكفار فقهوا أي فهموا أن الدنيا دار ممر ومعبر للآخرة، وأن الآخرة هي المستقر لأنها الدار الباقية، لامتلكوا قوة دافعة للقتال، ولكنهم يريدون هذه الحياة لأنها بالنسبة لهم هي كل شيء. ولذلك يعلمنا القرآن الكريم فيقول:
стр. 5554
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢] .
أي لن يحدث لنا في هذه الحرب إلا ما هو حسن، فإما أن ننتصر ونقهركم ونغنم أموالكم، وإما أن نُسْتَشْهَدَ فندخل الجنة وكلاهما حسن. ويكمل الحق : ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فتربصوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] .
أي أنكم أيها الكفار لن يصيبكم إلا السوء والخزي. إما عذاب شديد من عند الله بغير أسباب، وإما عذاب بأيدينا أي بالأسباب. إذن فالكافر حين يدخل المعركة لا ينتظر إلا السوء، إما أن يقتل ويذهب إلى جهنم - والعياذ بالله -، وإما أن يصيبه الله بعذاب يدفع الخوف في قلبه أثناء المعركة.
والكفار في القتال لا يعتمدون إلا على قوتهم وعددهم وعُدتِهم؛ أما المؤمنون فيعتمدون أولاً على الله القوي العزيز ويثقون في نصره. ولذلك يقبلون على القتال ومعهم رصيد كبير من طاقة الإيمان وهي طاقة تفوق العدد والعدة، ويكون المقاتل منهم قويا في قتاله متحمساً له؛ لأنه يشعر أنه مؤيد بنصر الله. ونعلم أن كل إنسان يحرص على الغاية من وجوده؛ وغاية الكفار متاع الحياة الدنيا المحدود، أما غاية المؤمنين فممتدة إلى الآخرة. ولذلك فالكافر يحارب بقوته فقط وهو مجرد من الإيمان.
ونلاحظ أن النصوص خبرية في قوله الحق ﵎:
﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] .
стр. 5555
والنصوص الخبرية ليس فيها طلب،، وإن كان الطلب يخرج مخرج الخبر ليوهمك أن هذا أمر ثابت. وعندما قام بعض المتمردين من سنوات ودخلوا الحرم بأسلحتهم وحاصروا الناس فيه قال بعض السطحيين: إنَّ القرآن يقول: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وأن هذا خبر كوني معناه أن كل من دخل الحرم كان آمناً، وقلنا: إن قول الحق ﵎: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] .
هذا كلام الله؛ فمن أطاع الله فليؤمِّن من يدخل الحرم. وقد تطيعون فتؤمِّنون من يدخل الحرم وقد تعصون فلا تؤمِّنونهم. إذن فالمسألة هي حكم تطيعونه أو لا تطيعونه، كذلك قول الحق : ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
هذا كلام خبري. فإن أطاعت المطلقة الله؛ انتظرت هذه الفترة، وإن عصت لم تنتظر، وكذلك قوله تعالى: ﴿والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] .
وقد نرى في الكون زيجات عكس ذلك؛ تجد رجلاً لئيماً يتزوج بامرأة طيبة؛ وامرأة لئيمة تتزوج رجلاً طيباً، وقد تتساءل: لماذا لم يتزوج الطيب طيبة مصداقاً لقول الحق، ولماذا لم يتزوج الخبيث خبيثة؟
ونقول: لقد أخطأت الفهم لقول الله تعالى، فما قاله الله ليس خبراً كونيا، ولكنه خبر تشريعي ومعناه: زوجوا الطيبات للطيبين، وزوجوا الخبيثات
стр. 5556
للخبيثين، فإن فعلتم استقامت الحياة، وإن عصيتم لا تستقيم الحياة؛ لأن الرجل الخبيث إن عاير امرأته وأهانها فهي ترد عليه الإهانة بالمثل ويكون التكافؤ موجوداً حتى في القبح. ولكن الشقاء في الكون إنما يأتي من زواج الطيب بالخبيثة، والخبيث بالطيبة، وليس معنى الآية - إذن - أنك لا تجد طيباً إلا متزوجاً من طيبة، ولا خبيثاً إلا متزوجاً من خبيثة؛ لأن هذا أمر تكليفي تشريعي، فإن فعلت تكون قد أطعت، وإن لم تفعل تكون قد عصيت.
ويقول بعد ذلك: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ... ﴾
стр. 5557
وفي هذا الحكم تخفيف عن الحكم السابق، الذي جاء فيه أن عشرين صابرين يغلبوا مائتين، ونعلم أن هناك شروطا للقتال، أولها أن يكون المقاتل قوي البدن وقوي الإيمان وعلى دراية بحيل الحرب وفنونه بحيث يستطيع أن يناور ويغير مكانه في المعركة ويخدع عدوه؛ لأن نتيجة المعركة لا تحسمها معركة واحدة، بل لا بد من كرّ وفرّ وإقبال وإدبار وخداع للقتال ومناورات مثلما فعل خالد بن الوليد في كثير من المعارك.
إذن فلكي تضمن أن عشرين صابرين يغلبون مائتين لا بد أن يتحقق في هؤلاء جميعاً قوة وصبر وجلد، ولكن قد لا تكون قوة البدن متوافرة والجلد ضعيفاً. وقد تأتي للإنسان فترات ضعف، وتأتيه أيضاً فترات قوة. ومن رحمته بالمؤمنين أنه خفف عنهم؛ لأنه يعلم أن هناك فترات
стр. 5558
ضعف تصيب الإنسان؛ لذلك جعل النسبة واحداً إلى اثنين. وقال :
﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦] .
وهل معنى ذلك أن الآية الأولى قد نسخت؟ نقول: لا، ولكن الآية الثانية أعطت حالات الأغيار والضعف البشري وحسب لها حساباً. ولذلك نجد الحكم الأول قائما وهو الحد الأعلى، كما أن الحكم الثاني - أيضاً - قائم وهو الحد الأدنى، فإذا لقي مؤمن ثلاثة كفار وفر منهم لا يعدُّ فارّاً يوم الزحف، ولا يؤاخذه الله على ذلك. لكن إن واجهه اثنان فانسحب وتركهما يعتبر فارّاً؛ لأن الحد الأدنى هو واحد لاثنين. وتكون هذه أقل نسبة موجودة. والنسب تتفاوت بين واحد إلى اثنين حتى واحد إلى عشرة، حسب قوة الصبر وقوة الجسم وعدم التحيز إلى فئة. وبطبيعة الحال نعلم أن القوي قد يصير ضعيفاً. وكذلك فإن بعضاً من النفوس قد تضيق بالصبر، وأيضاً حين زاد عدد المؤمنين، فمن المحتمل أن يتكل بعضهم على بعض. ولكنهم عندما كانوا قلة، كان كل واحد منهم يبذل أقصى قوته في القتال للدفاع عن عقيدته.
والمشرع لا يشرع للمؤمنين بما يحملهم ما لا يطيقون، ولكنه يشرع لهم ليخفف عنهم، والمثال على ذلك نجد أن الله قد أباح الإفطار في رمضان إذا كان الإنسان مريضاً أو على سفر، وكذلك شرع الحق ﵎ قصر الصلاة أثناء السفر، إذن فالمشرع قد عرف مواطن الضعف في النفس البشرية التي تجعلها لا تقوى على التكليف. وفي هذه الحالة يقوم المشرع ذاته بالتخفيف، ولا يتركنا نحن لنخفف كما نشاء.
стр. 5559
وبعض الناس يقول: إن الحياة العصرية لم تعد تتحمل تنفيذ هذه التشريعات، وأنه ليس في وسعنا في هذا العصر أن نلتزم، وأن ربنا يقول:
﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا. .﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
ونقول لكل من يقول ذلك: لقد فهمت وسع النفس خطأ، وكان عليك أن تقيس وسعك بالتكليف، ولا تقيس التكلف بوسعك. والسؤال: هل كلَّف الله أو لك يكلف؟ فإن كان قد كلف فذلك تأكيد على أنه في استطاعتك، ولا تقل: أنا سأقيس استطاعتي. ثم ابحث هل التكليف في نطاق هذه الاستطاعة أو لا؟ وعليك أن تبحث أولاً: هل كلفت بهذا الأمر أو لم تكلف؟ فإذا كنت قد كلفت به يكون في استطاعتك أداء ما كلفت به؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يكلف نفساً إلا ما آتاها؛ لا تفرض أنت استطاعة ثم تُخْضع التكليف لها، ولكن اخضع استطاعتك للتكليف.
وقول الحق :
﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً. .﴾ [الأنفال: ٦٦] .
و «الآن» تعني الزمن، وقد خفف الله أي هو الذي رفع المشقة، وأنت تقول هذا الشيء خفيف وهذا الشيء ثقيل. لكن أتعرف بأي شيء حكمت بمقدار المشقة التي تتحملها في أدائه؟ . فإن رفعت قلماً تقول: هذا خفيف، وإذا رفعت قطعة حجر كبيرة تقول: هذه ثقيلة، بأي شيء حكمت؟ هل بمجرد النظر؟ لا. فأنت لا تستطيع أن تفرق بالنظر بين حقيبتين متماثلتين لتقول هذه ثقيلة وهذه خفيفة؛ لأن إحداهما قد تكون مملوءة بالحديد، والثانية فيها أشياء خفيفة؛ ولا تستطيع أن تحكم باستخدام حاسة السمع ولا
стр. 5560
حاسة اللمس؛ لأنك باللمس لا تستطيع أن تحكم على حقيبة بأنها خفيفة والأخرى ثقيلة، ولا بحاسة الشم أيضاً.
إذن فكل وسائل الإدراك عاجزة عن أن تدرك خفة الشيء أو ثقله، فبأي شيء ندرك؟ . ونقول: قد اهتدى علماء وظائف الأعضاء أخيراً إلى أن الثقل والخفة لهما حاسة هي حاسة العضل، فحين يجهد ثقل ما عضلات الإنسان ويحملك مشقة أنه ثقيل، فهو يختلف عن تقل لا يؤثر على العضل ولا تحس فيه بأي إجهاد؛ لأن هذا الثقل يكون خفيفاً.
إذن فهناك وسائل للإدراك لم نكن نعرفها في الماضي واكتشفها العلم الحديث. أنت مثلاً حين تمسك قماشاً بين أصابعك تقول: هذا قماش كثيف أو سميك وهذا خفيف أو رقيق، ما هي الحاسة التي عرفت بها ذلك؟ نقول: إنها حاسة «البين» فقد ابتعدت أصابعك قليلاً في القماش الثقيل، وقربت من بعضها في القماش الرقيق، وقد يصل الفرق إلى ملليمتر واحد أو أقل لا تدركه بالنظر؛ ولكن تدركه بحاسة البين.
وإياكم أن تحسبوها رياضيا وعدديا وتقولوا إن النصر بالعدد؛ لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن الله، أو إنَّما تفتنون بالأسباب، فكل نصر هو بإذن الله ومن عند الله ﵎.
ولماذا لم يقل الحق سبحانه: علم فيكم ضعفاً وخفف عنكم؟ لأنه أراد أن يكون الترخيص في الحكم أثبت من الحكم، على أن هذا التخفيف قد يعود إلى عدة أسباب؛ منها أن حكم الله أزلي.
ولذلك وضع الله حدا أعلى يتناسب مع قوة الإيمان في المسلمين الأوائل، وحدا أدنى يتناسب مع ضعف الإيمان الذي سيأتي مع مرور الزمن، أو يتناسب مع العزوف عن الدنيا بالنسبة للمسلمين الأوائل، وعلى الإقبال على الدنيا بالنسبة لأولئك الذين سيأتون من بعدهم، أو مع قلة الفتن التي كانت في عصر النبوة وكثرة الفتن في عصر كالذي نعيش فيه.
стр. 5561
ويذيل الحق الآية بقوله:
﴿والله مَعَ الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦] .
وأنت قد تقول: فلان سافر إلى الخليج ومعه عشرون جنيهاً. فإذا اندهش من يسمعك وتساءل: «ماذا يفعل بهذا المبلغ الصغير» ؟ تقول له: إن معه فلاناً «المليونير» فيطمئن السائل. فإن قلت: إن فلاناً وهو رجل كبير السن ذهب إلى الجبل ليحضر صخرة. . نتساءل: كيف؟ . يقال لك: إن معه فلاناً القوي فتطمئن.
إذن فمعية الضعيف للقوي أو الأدنى للأعلى تصنع نوعاً من الاستطراق، وتعطي من القوي للضعيف، ومن الغني للفقير، ومن العالم للجاهل، إذن فالمعية تعطي من قوة التفوق قدرة للضعيف.
وهنا يوضح المولى للمؤمين: إن قوتكم وقدرتكم على الصبر محدودة لأنكم بشر، فلا تعزلوا هذه القوة المحدودة عن قدرة الله غير المحدودة، واصبروا لأن الله مع الصابرين. ولأنه سبحانه معكم فهو يعطيكم من قوته فلا تستطيع أي قوة أن تتغلب عليكم وتقهركم.
ولقد تعرضنا لهذا وقت أن تكلمنا عن الغار، حين دخل رسول الله ﷺ َ وسيدنا أبو بكر ﵁ الغار في طريق الهجرة إلى المدينة وجاء الكفار ووقفوا على باب الغار فماذا قال أبو بكر لرسول الله ﷺ َ؟ قال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. وهذا كلام منطقي مع الأسباب. فماذا قال رسول الله ﷺ َ له ليطمئنه؟ . قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ولكن ما وجه الحجة في ذلك؟ . لقد قال: ما دام الله ثالثهما، والله لا تدركه الأبصار، فالذين في معيته لا تدركهم الأبصار.
стр. 5562
وفي هذه الآية مثل سابقتها؛ يتحدث المولى عن المعارك والنصر.
ومن الطبيعي أن يكون من معايير النصر كسب الغنائم. والغنائم التي تمت في بدر قسمان؛ منقولات، وقد نزل حكم الله فيها بأن لله ولرسوله الخمس، بقي جزء آخر من الغنائم لم ينزل حكم الله فيه وهم الأسرى، ففي معركة بدر قتل من قريش سبعون وأسر سبعون، فاستشار رسول الله ﷺ َ الناس. فقال: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ إنَّ الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس.
فقال أبو بكر: يا رسول الله أهلك وقومك، قد أعطاك الله الظفر ونصرك عليهم، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان استبقهم، وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم بك، فيكونوا لك عضدا. فقال رسول الله ﷺ َ: ما تقول يابن الخطاب؟
قال: يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - حتى يضرب عنقه، حتى ليعلم الله تعالى أنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديد قريش وأئمتهم وقادتهم فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن راعون مؤلفون.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم ناراً. فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. قال أبو أيوب: فقلنا - يعني الأنصار - إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا.
стр. 5563
فدخل رسول الله ﷺ َ البيت، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال: إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله تعالى ليشد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة. مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] ، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] لو اتفقتما ما خالفتكما، أنتم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، ومن بين الأسرى كان عدد من أغنياء قريش.
وسبق له ﷺ َ أن استشار الصحابة في معركة بدر. وحدث أن اختار رسول الله صلى الله ﵊ ُ أماكن جيش المسلمين، فتقدم أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر بن الجموح إلى رسول الله ﷺ َ وقال له يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ .
فقال له رسول الله ﷺ َ: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فأشار الحباب بن المنذر بتغيير موقع المسلمين ليكون الماء وراءهم فيشربوا هم ولا يشرب الكفار.
стр. 5564
إذن فلو أنه منزل أنزله الله لرسوله لما جرؤ أحد على الكلام؛ لأن لله علماً آخر لا نعلمه، فنحن ببشريتنا لنا علم محدود؛ والله له علم بلا نهاية. وكذلك في مسألة الأسرى؛ لم يكن فيها حكم قد نزل من الله. ولذلك استشار رسول الله ﷺ َ صحابته، وكان أمامه رأي فيه شدة لعمر بن الخطاب ومعه عبد الله بن رواحة، ورأي لين يخالف الرأي السابق وكان لسيدنا أبي بكر الصديق.
وكان قول رسول الله ﷺ َ يوجز ما قاله الفريقان؛ فريق اللين بقيادة أبي بكر ﵁ وفريق الشدة بقيادة عمر بن الخطاب ﵁. ثم مال النبي ﷺ َ إلى رأي الفداء. وجعل فدية الواحد من ألف درهم إلى أربعة آلاف درهم، وكان في الأسر العباس وهو عم النبي ﷺ َ، فسمع النبي أنينه من قيده فقال: فكوا عنه قيده. وفسر بعض الناس هذا على أنه ميل من رسول الله ﷺ َ إلى عمه، ولكنه كان ردا على جميل فعله العباس في بيعة العقبة؛ حينما حضر وفد من أهل المدينة إلى مكة ليبايعوا رسول الله ﷺ َ على الإسلام.
وقد حضر العباس هذه البيعة، وكان أول من تكلم فيه رغم أنه كان ما زال على دين قومه. فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج. . خزرجها وأوسها. قال العباس: إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة من بلده، أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؛ فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده
стр. 5565
إذن فالعباس قد وقف موقفاً لا بد أن يجازى بمثله، ورغم أنه كان كافراً وقتئذ، إلا أن الكفر لم يمنع عاطفة العباس أن ينجد رسول الله ﷺ َ. وكذلك رد رسول الله ﷺ َ الموقف بمثله؛ لأن المبدأ الإسلامي واضح في قول الحق: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ [النساء: ٨٦] .
فلا يؤخذ هذا التصرف - إذن - على أنه مجاملة من رسول الله ﷺ َ لعمه، ولكنها حق على رسول الله من موقف العباس في بيعة العقبة.
وقال له الرسول ﷺ َ: يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال. فقال: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني. فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به. أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك. وكان المسلمون قد أخذوا من العباس عشرين أوقية من ذهب كغنيمة، فقال العباس: يا رسول الله احسبها لي في فدائي، فقال الرسول: لا، ذلك شيء أعطاناه الله منك. قال العباس: فإنه ليس لي مال. لقد جعلتني يا محمد أتكفف قريشاً، فضحك النبي وقال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا؛ فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا. قال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم، وفدى كلا من ابني أخيه وحليفه بألف لكل منهم.
إذن ففي التقييم المادي دفع العباس أربعة أمثال ما دفعه الأسير العادي كفدية.
стр. 5566
ثم ماذا فعل رسول الله ﷺ َ مع زوج ابنته زينب وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله ﷺ َ، وزوج ابنته زينب، أسرة خراش بن الصمة، فلما بعثت قريش في فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ َ في فداء أبي العاص وأخيه عمرو ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله ﷺ َ رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا وردوا عليها الذي لها.
وكان رسول الله ﷺ َ قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وكان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله ﷺ َ فيعلم. ما هو، إلا أنه لما خرج بعث رسول الله ﷺ َ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، مكانه، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعة، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تجهز.
ومن بعد ذلك نزل قول الحق ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ... ﴾
стр. 5567
و «أسرى» جمع كلمة «أسير» ، وتعريف الأسير أنه مشدود عليه الوثاق ممن أخذه بحيث يكون في قبضة يده، والأسير في الإسلام هو نبع العبودية والرق؛ لأن الأسير يقع في قبضة عدوه الأقوى منه ويمكنه أن يقتله أو يأخذه عبداً.
إذن ففي هذه الحالة لا نقارن بين أسير أصبح عبداً وبين حر، وإنما نقارن بين قتل الأسير وإبقائه على قيد الحياة. وأيهما أنفع للأسير أن يبقى على قيد الحياة ويصبح أسيراً أم يقتل؟ .
إن بقاءه على قيد الحياة أمر مطلوب منه ومرغوب فيه. وبذلك يكون تشريع الله في تملك الأسرى إنما أراد الله به أن يحقن دماءهم ويبقي حياتهم؛ لأن الأسير مقدور عليه بالقتل، وكان من الممكن أن يترك الأسرى ليقتلوا وتنتهي المشكلة. ولكن الحق أراد أن يحفظ حتى دم الكافر؛ لأن الله هو الذي استدعاه إلى هذه الحياة وجعله خليفة، ولذلك يحفظه. ولعله من بعد ذلك أن يهتدي ويؤمن. ونعلم أن النبي ﷺ َ قد لعن من يهدم بنيان الله إلا بحقه.
على أن الإسلام قد اتهم زوراً بأنه هو الذي شرع الرق، ولكن الحقيقة أنه لم يبتدع أو ينشيء الأسر والرق، ولكنه كان نظاماً موجوداً بالفعل وقت ظهور الإسلام، وكانت منابع الرق متعددة بحق أو بباطل، بحرب أو بغير حرب، فقد يرتكب أحد جناية في حق الآخر ولا يقدر أن يعوضه فيقول: «خذني عبداً لك» ، أو «خذ ابنتي جارية» ، وآخر قد يكون مَديناً فيقول: خذ ابني عبداً لك أو ابنتي جارية لك «. وكانت مصادر الرق - إذن - متعددة، ولم يكن للعتق إلا مصرف واحد. وهو إرادة السيد أن يعتق عبده أو يحرره.
ومعنى ذلك أن عدد الرقيق والعبيد كان يتزايد ولا ينقص؛ لأن مصادره
стр. 5568
متعددة وليس هناك إلا باب واحد للخروج منه، وعندما جاء الإسلام ووجد الحال هكذا أراد أن يعالج مشكلة الرق ويعمل على تصفيته. ومن سمات الإسلام أنه يعالج مثل هذه الأمور بالتدريج وليس بالطفرة؛ فألغي الإسلام كل مصادر الرق إلا مصدراً واحداً وهو الحرب المشروعة التي يعلنها الإمام أو الحاكم. وكل رق من غير الحرب المشروعة حرام ولا يجوز الاسترقاق من غير طريقها، وفي ذات الوقت، عدد الإسلام أبواب عتق العبيد، وجعله كفارة لذنوب كثيرة لا يكفر عنها ولا يغفرها إلا بعتق رقبة، بل إنه زاد على ذلك في الثواب الكبير الذي يناله من يعتق رقبة حبا في الله وإيماناً به فقال : ﴿فَلاَ اقتحم العقبة وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ﴾
[البلد: ١١ - ١٣] .
فإذا لم يرتكب الإنسان ذنباً يوجب عتق رقبة ولا أعتق رقبة بأريحية إيمانية، فإنه في هذه الحالة عليه أن يعامل الأسير معاملة الأخ له في الإسلام. فيقول رسول الله ﷺ َ فيما رواه عنه سيدنا أبو ذَر ﵁. «إخوانكم خولكم جعلهم الله فتنة تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه» .
إذن فقد ساوى هذا الحديث الشريف بين العبد والسيد، وألغي التمييز بينهما؛ فجعل العبد يلبس مما يلبس سيده ويأكل مما يأكل أو يأكل معه؛ وفي العمل يعينه ويجعل يده بيده، ولا يناديه إلا ب «يا فتاي» أو «يا فتاتي» .
إذن فالإسلام قد جاء والرق موجود وأبوابه كثيرة متعددة ومصرفه واحد؛
стр. 5569
فأقفل الأبواب كلها إلا باباً واحداً، وفتح مصارف الرق حتى تتم تصفيته تماماً بالتدريج. وبالنسبة للنساء جاء التشريع السماوي في قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
وكان ذلك باباً جديداً من ابواب تصفية الرق؛ لأن الأمة إن تزوجت عبداً مثلها تظل على عبوديتها وأولادها عبيد، فإن أخذها الرجل إلى متاعه وأصبحت أم ولده يكون أولادها أحراراً، وبذلك واصل الإسلام تصفية الرق، وفي ذات الوقت أزاح عن الأنثى الكبت الجنسي الذي يمكن أن يجعلها تنحرف وهي بعيدة عن أهلها مقطوعة عن بيئتها، وترى حولها زوجات يتمتعن برعاية وحنان ومحبة الأزواج وهذه مسألة تحرك فيها العواطف، فأباح للرجل إن راقت عواطفهما لبعضهما أن يعاشرها كامرأته الحرة وأن ينجب منها وهي أمَة، وفي ذلك رفع لشأنها لأنها بالإنجاب تصبح زوجة، وفي ذات الوقت تصفية للرق.
إن هذه المسألة أثارت جدلاً كثيراً حول الإسلام، وقيل فيها كلام كله كذب وافتراء. والآن بعد أن ألغي الرق سياسيا بمعاهدات دولية انتهت إلى ذات المبادئ التي جاء بها الإسلام وهي تبادل الأسرى والمعاملة بالمثل. وهو مبدأ أول ما جاء، إنما جاء به الإسلام، فليس من المعقول أن يأخذ عدو لي أولادي يسخرهم عنده لما يريد، وأنا أطلق أولاده الأسرى عندي، ولكن المعاملة بالمثل فإن منّوا نُمنّ، وإن فدوا نفد. ويشاء الحق أن يجعل الرق الناشيء عن الأسر مقيداً في قَوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] .
стр. 5570
ونقول: إن هناك فرقاً بين حكم يسبق الحدث فلا يخالفه رسول الله ﷺ َ، وحكم يجيء مع الحدث، ولا بد أن نفرق بين الحكمين؛ حكم يسبق الحدث إن خولف تكون هناك مخالفة ولكنَّ حكماً يأتي مع الحدث، فهذا أمر مختلف، لنفرض أنك جالس وجاء لك من يقول إن قريبك فلان ذهب إلى المكان الفلاني، وأنه ينفق على كذا، وأعطي كمبيالة على نفسه بمبلغ كذا.
اذهب إليه لتمنعه، فتذهب إليه وتمنعه، هنا جاء الحكم مع الحدث، فلا تكون هناك مخالفة.
وقول الحق :
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] .
قد جاء هذا الحكم بعد أن تم أسر كفار قريش وأخذوا إل المدينة، وتشاور رسول الله ﷺ َ مع الصحابة بشأنهم ووصلوا إلى رأي. إذن فالحكم جاء بعد أن انتهت العملية، والدليل على ذلك أن الله لم يغير الحكم، فظل الأسر والفداء. إذن: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ أي ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى حتى يقسو على الكفار في القتال.
ويريد الحق هنا أن ينبه المؤمنين إلى أنهم لو كانوا يريدون الأسرى لعرض الدنيا، كأن يطمع أي واحد في من يخدمه، أو يطمع في امرأة يقضي حاجته منها، أو في مال يبغي به رغد العيش، كل ذلك مرفوض؛ لأنه لا يريد من المؤمن أن يجعل الدنيا أكبر همه، بل يريد الحق من المؤمنين أن يعملوا ويحسنوا الاستخلاف في الأرض؛ ليقيموا العدل على قدر الاستطاعة؛ وليجزيهم الله من بعد ذلك بالحياة الدائمة المنعمة في الجنة.
следующие страницы →