← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

نفي مبدأ الظلم، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١] . نفي مبدأ المبالغة، والقرآن يكمل بعضه بعضاً، فإذا قيل: إن الله نفى الأعلى وهذا إثبات للأدنى نقول: إن نفي الأعلى لا يلزم منه إثبات الأدنى ولا يمنع من وجود الأدنى، فإذا جاءت آية أخرى ونفت الأدنى، إذن فلا هو بظلاَّم ولا هو بظالم. ولا بد أن نلتفت إلى الإعجاز القرآني في الأسلوب، فالمتكلم هو الله. نقول: هل قال الله : ليس بظلاَّم للعبد أم ليس بظلاَّم للعبيد؟ لقد قال الحق: ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ وهي هنا صيغة مبالغة، والمبالغة مرة تكون في قوة الحدث وإن لم يتكرر، ومرة تكون في المبالغة في تكرار الحدث، والإنسان حين يظلم ظلماً بيّناً مبالغاً فيه يقال عنه: إنه ظلاَّم؛ لأنه بالغ في الظلم، فإذا لم يبالغ في الظلم وكان ظلماً بسيطاً ولكنه شمل عدداً كبيراً من الناس يكون ظلاَّما نظراً لتعدد المظلومين. وما دام الحق قال: ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؛ ولم يقل: ليس بظلاَّم للعبد، وبما أن الظلم يتناسب مع القدرة. نجد مثلاً قدرة الحاكم على الظلم أكبر من قدرة محدود النفوذ؛ وهذه أكبر من قدرة الشخص العادي، فلو كان الله مع كل واحد من عباده ظالماً ولو مثقال ذرة لقيل: ظلاَّم. وقد أراد الله بهذه الآية الكريمة أن يخبرنا أنه لا يظلم أحداً ولو مثقال ذرة، إذن فهو ليس بظلاَّم للعبيد؛ لأنه لو ظلم كل عبد من عباده ذرة لكانت كمية الظلم هائلة لكثرة العباد. ولكن حتى هذه الذرة من الظلم لا تحدث من الله سبحانه؛ لأن الله ليس بظلاَّم للعبيد.

стр. 5497

ثم يعطينا الحق أمثلة قمة الكفر في الحياة الدنيا فيقول ﵎: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾

стр. 5498

و ﴿الدأب﴾ هو العادة التي تتكرر مع الإنسان ويقال: دؤوب على كذا؛ أي يفعله باستمرار. ويوضح الله هنا لرسوله ﷺ َ: دأب هؤلاء الكفار معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع رسولهم، أي أنهم يفعلون معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع رسولهم، أي أنهم يفعلون معك كما فعل آل فرعون مع موسى ﵇. وقوله تعالى: ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم، ما الذي حدث لهؤلاء؟؛ هلاك أو اسئصال أو تعذيب أو إغراق أو خسف. إذن فالكفار الذين يعادون رسول الله ﷺ َ ويحاربونه، ويقفون موقف الأذى منه، هذا الدأب والموقف منهم معه مثل دأب وموقف آل فرعون مع موسى ﵇، وقوم لوط مع لوط ﵇، وكذلك الذين من قبلهم، ويقول الحق ﵎: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ [الأنفال: ٥٢] .

стр. 5499

فهل تركهم الله؟ . لا. ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ فمنهم من أُغرقوا، ومنهم من أصابتهم الصاعقة، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، وما دام الله قد فعل ذلك مع الكفار السابقين كما هو ثابت. فسبحانه سوف ينزل عقابه على الكفار الذين يكذبون رسول الله ﷺ َ، وهم لن يخرجوا عن قاعدة التعامل مع المكذبين للرسل، وقد حدثت سوابق مشابهة في الكون وقضايا واقعية. فآل فرعون مثلاً بلغوا قمة التقدم والحضارة في عصرهم وسبحانه وتعالى يقول عن حضارة الفراعنة: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ [الفجر: ١٠] . وبالنسبة لثمود إذا ذهبنا إلى مدائن صالح في السعودية نجد آثار ثمود وقد حفروا بيوتهم في صخور الجبال، ويقول الحق عن حضارة ثمود: ﴿وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد﴾ [الفجر: ٩] . وكل الحضارات القديمة قد زالت في غالبيتها ولا أثر لها، وإن وجد أثر، فهو أثر قليل وبسيط لا يحمل كل سمات الحضارة، إلا آثار الفراعنة؛ حيث تحوي مسلات ضخمة وأعمدة عالية وأهرامات كبيرة وهي باقية، أما حضارة قوم عاد فالحق سبحانه قد طمس آثارها فلم نعثر منها على شيء حتى الآن. لقد انطمست غالبية آثار الحضارات إلا آثار حضارة آل فرعون التي يأتي إليها الناس من أنحاء الدنيا كلها؛ ليتعجبوا من جمال البناء وروعة الفن وقمة التقدم في التصميم الهندسي، وكيف نُقِلت هذه الأحجار الضخمة إلى الأماكن العليا بدون سقالات، وكيف ارتبطت الأحجار كلها مع بعضها البعض كل هذه السنوات الطويلة دون استخدام الأسمنت أو غيره من مواد التثبيت للأحجار،

стр. 5500

بل تم ذلك بتفريغ الهواء. فكيف استطاعت هذه الهندسة العجيبة أن تفرغ الهواء بين حجرين كبيرين ضخمين؛ ليلتصقا ببعضهما التصاقاً محكماً بغير لاصق ولا يستطيع أحد أن يزحزحه، فإذا كانت حضارة الفراعنة قد وصلت إلى هذا الفن الهندسي باستخدام تفريغ الهواء بين أثقال ضخمة فهي حضارة راقية جدا. هذا إن نظرت إلى فن البناء فقط، وكذلك إن نظرنا إلى تحنيط الجثث التي لا يعرف أحد سرها حتى الآن، وكيف أمكن المحافظة على المومياوات آلاف السنين دون أن تتحلل. وكذلك إن نظرت إلى الألوان التي طليت بها المعابد والرسومات وبقيت زاهية كما هي رغم كل ذلك الزمن الطويل، وإلى الحبوب التي حُنطت وبقيت آلاف السنين دون أن يصيبها أي تلف، بل وصالحة للطعام، هذه الحضارة التي احتفظت بأسرار هذه الأشياء فلم تصل إليها البشرية حتى الآن، لا بد أن تكون حضارة قوية وعالية، ولكنها رغم قوتها وعلوها لم تستطع أن تحفظ نفسها من الانهيار لتصبح أثراً وتظل آثارا. أين ذهب صناع هذه الحضارة وقد بلغوا شأواً كبيرا وملكوا زمام الدنيا في عصرهم؟ لا بد - إذن - من وجود قوة أعلى منهم، قد دكتهم. ولماذا أتى الله بآل فرعون في هذه الآية بالاسم بينما أتى بالحضارات التي كانت قبلهم إجمالاً؟ ، فقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٢] . لأن آثار آل فرعون قد كشف الله عنها ورَغّبَ فيها البشرية كلها؛ ليأتوا ويروا تلك الحضارة الهائلة التي لم تستطع أن تحمي نفسها، وذلك الفرعون الذي ادعى أنه إله يستطع أن يضمن لنفسه البقاء. وشاء الله سبحانه أن تبقى آثار هذه الحضارة ليشاهدها الناس جميعاً، ثم يروا أن الله قد

стр. 5501

أهلك أصحابها وأصبحوا أثراً بعد عين؛ ليعرفوا أن القوة لله جميعاً، وأن الألوهية لله وحده، وأن كل شيء هالك إلا الله؛ لذلك ذكرت حضارة آل فرعون مخصصة، وهذا الذكر لآثار قوم فرعون من إعجازات القرآن؛ لأنه ذكر هذه الحضارة تخصيصاً ثم جاء الحق بخير الحضارات الأخرى إجمالاً؛ قوم نوح وعاد وإرم وثمود. وكلهم: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ وعرفنا أن الآيات تطلق ثلاث إطلاقات: الآيات الكونية التي تثبت وجود الخالق الأعلى مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧] . وكذلك المعجزات التي يؤتيها الله رسله لإثبات صدق بلاغهم عن الله مثل انشقاق البحر لموسى ﵇، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى ﵇، ثم آيات القرآن الكريم التي هي محكم منهج الله في الأرض. وقول الحق: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ ، نعلم منه أنهم أنكروا وجود الخالق، والأصل في الكفر هو الستر، وكفر يعني ستر. ولذلك يسمون الزارع بالمعنى اللغوي: كافر؛ لأنه يحضر الحب ويستره بالتراب، ويسمون الليل لغويا: كافر؛ لأنه يستر الأشياء. والشاعر يقول: لي فيك أجر مجاهد ... إن صح أن الليل كافر ومعنى «كفروا» أي ستروا وجود الله تعالى، إذن فالله موجود ثابت الوجود قبل أن يستروه بالكفر؛ لأن الإيمان أصل في وجود الخلق، والخلق قد وجدوا على الإيمان، ثم جاء أناس ستروا هذا الإيمان. إذن فكلمة

стр. 5502

الكفر التي معناها الستر دليل من أدلة الإيمان، وإلا لو لم يكن الله موجوداً فكيف يسترون ما ليس له وجود؟ ، فإذا قال لك أحد: إنه كفر - والعياذ بالله - تقول: الكفر هو الستر؛ فماذا سترت؟ لا بد أنك سترت ما هو موجود، وقول الحق : ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ أي كفروا بآياته الكونية فلم يؤمنوا رغم الآيات الظاهرة التي تملأ الكون، وكفروا بآيات الرسل فكذبوا رسلهم رغم أنهم جاءوهم بمعجزات تخرق قوانين الحياة، ولم يصدقوا آيات الكتاب التي أنزلت من السماء لتبين لهم منهج الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ [الأنفال: ٥٢] . إيجاز معبر يذكر لك لماذا أخذهم الله بذنوبهم: ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ [الأنفال: ٥٢] . والأخذ في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾ كان بسبب ما ارتكبوه من ذنوب وإفساد في الأرض. والإنسان حين يجد سوءاً يحيط به وعذاباً أليماً يأتيه فهو يحاول أن يفّر منه، ولذلك يقول الحق في آية أخرى: ﴿أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] . أي أن قدرة الله تعالى تمسك الكافر مسكة محكمة فلا يستطيع فرارا أو هروبا.

стр. 5503

وقوله : ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ [الأنفال: ٥٢] . أي أن الله أقوى من كل ما تصنعون في كونه، وعقابه تعالى شديد وأليم. ونعلم أن العقاب لا يعم الناس إلا بقدر ذنوبهم، فليس معنى أن الله شديد العقاب أن تصيب شدة العذاب مَنْ فعل ذنباً بسيطاً، ولكنْ لكلٍ جزاؤه على قدر ذنبه؛ وهذا العقاب مهما كان بسيطاً فهو شديد أليم، وقول الحق : ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ هذا القول لا يدخل في الجبرية التي يقول عنها الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء ويخطىء من يظن أن الله قد كتب جبرا على إنسان أن يكون كافراً ثم يلقى به في نار جهنم، لا؛ لأن مثل هذا الأمر يتنافى مع عدالة الله ، فأنت أيها الإنسان مخير بين الطاعة وبين المعصية، بين الإيمان وبين الكفر. وعلى هذا نفهم قول الحق: ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٢] . أي بسبب ذنوبهم، وما دام الحق ﵎ قد توعدهم بعقاب شديد فهذا دليل على شدة ظلمهم.

стр. 5504

ثم يعطينا الحق الحيثية لذلك فيقول تعالى: ﴿ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ ... ﴾

стр. 5505

و «ذلك» إشارة إلى ما تقدم، وأنت إن نظرت إلى بداية البشرية تجد أن الله تعالى خلق آدم ليجعله خليفة في الأرض، وخلق حواء لإبقاء النوع الإنساني. وقبل أن ينزل آدم على الأرض أعطاه الله المنهج، ومن آدم وحواء بدأت ذريتهما، ولو ساروا على المنهج الذي علمه آدم لهذه الذرية، لصارت البشرية إلى سعادة. ولكن الذرية تغيرت، وجحدوا النعمة وأنكروا أنَّ للنعمة خالقاً، فهل يبقي الله عليهم الأمن والسلامة والنعم ما داموا قد تغيروا؛ لا. بل لا بد - إذن - أن يغير الله نعمه عليهم، وإلا لما أصبح هناك أي منطق للدين؛ لأن الإنسان قد طرأ على النعم، بمعنى أن الله لم يخلق الإنسان ثم خلق له النعم. بل خلق النعم أولاً ثم جاء الإنسان إلى كون أعد له إعداداً كاملاً؛ وفيه كل مقومات الحياة واستمرار الحياة. وظل الإنسان فترة طويلة في طفولة الحياة يرتع في نعم الله، فقبل أن يعرف الزراعة؛ وجد الثمار التي يأكلها. وقبل أن يعرف كيف يبحث عن الماء وجد الماء الذي يشربه، وعلمه الله كيف يعيش. وذلل له من الحيوان ما يعطيه اللبن واللحم، وكل هذه النعم وغيرها كان لا بد أن يأخذها الإنسان بالشكر واستمرار الولاء لله الخالق المنعم. ولكن الإنسان جحد نعمة الله تعالى وجحد المنعم، أتبقى له سعادة وحياة مطمئنة في الأرض؟ طبعاً لا، وما دام الإنسان قد غير، لا بد أن يغير الحق النعمة إلى نقمة، ومن رحمته سبحانه أنه شاء أن يكون الإنسان هو البادىء، فالحق سبحانه منزّه أن يكون البادىء بالظلم، بل بدأ الإنسان يظلم نفسه.

стр. 5506

ولذلك يقول الحق : ﴿ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] . إذن فذرية آدم بدأت أولاً بتغيير نعمة الإيمان إلى الكفر، ومن شكر النعمة إلى جحودها، فجزاهم الله تعالى بالطوفان وبالصواعق وبالهلاك؛ لأنهم غيروا ما بأنفسهم، ولو أنهم عادوا إلى شكر الله وعبادته؛ لأعاد لهم الله نعَم الأمن والاستقرار والحياة الطيبة. ويلفتنا المولى إلى أن اتباع المنهج يزيد النعم ولا ينقصها، فيقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] . وطبقاً لهذا القانون الإلهي نجد أن تغير الناس من الإيمان إلى الكفر لا بد أن يقابله تغيير من نعمة الله عليهم وإلا لأصبح منهج الله بلا قيمة، والمثال أن كل طالب يدخل امتحاناً، ولكن لا ينجح إلا من ذاكر فقط، وأما من لم يستذكر فإنه يرسب؛ حتى لا تكون الدنيا فوضى. ولو أن الله أعطى لمن اتبعوا المنهج نفس العطاء الذي يعطيه لمن لا يتبعون المنهج فما هي قيمة المنهج؟ . إذن لا بد أن يدخل الإنسان إلى الإيمان، وأن يكون هذا الإيمان متغلغلاً في أعماقك وليس أمراً ظاهريا فقط، فلا تدَّع الإصلاح وأنت تفسد، ولا تدع الشرف والأمانة وأنت تسرق، ولا تدع العدل وأنت تظلم الفقير وتحابي الغني؛ لأن الحق لا يعطي نعمه الظاهرة والباطنة إلا لمن يتبعون منهجه. وإذا رأيت قوماً عمّ فيهم الفساد فاعلم أن نفوسهم لم تتغير رغم أنهم يتظاهرون

стр. 5507

باتباع المنهج الإلهي. وإن شكونا من سوء حالنا فلنعرف أولاً ماذا فعلنا ثم نغيره إلى ما يرضي الله فيغير الله حالنا. ولذلك إذا وجدت كل الناس يشكون فاعلم أن هذا قد حدث بسبب أن الله غير نعمه عليهم؛ لأنهم غيروا ما بأنفسهم. أي أن حالتهم الأولى أنهم كانوا في نعمة ومنسجمين مع منهج الله، فغيروا انسجامهم وطاعتهم فتغيرت النعمة، أي أن هناك تغييرين أساسيين، أن يغير الله نعمة أنعمها على قوم، وهذا لا يحدث حتى يغيروا ما بأنفسهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣] . أي أن الله تعالى يعلم حقيقة ما يفعلون ويسمع سرّهم وجهرهم، ولذلك إذا غيروا، سمع الله سبحانه وعلم؛ لأن التغيير إما أن يكون بالقول وإما أن يكون بالفعل، فإن كان التغيير بالقول فالحق سبحانه يسمعه ولو كان مجرد خواطر في النفوس، وإن كان التغيير بالعمل فالحق يراه ويعلمه ولو كان في أقصى الأرض. يعود الحق إلى آل فرعون فيقول: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ ... ﴾

стр. 5508

يتساءل البعض: لماذا عاد الحق إلى آل فرعون ولم يأت بها

стр. 5509

مع الآية الأولى؟ . نقول: لأن هناك فرقا دقيقا بين كل منهما. فالآية الأولى يقول فيها الحق ﵎: ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ [الآنفال: ٥٢] في الآية الثانية يقول فيها: ﴿كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٤] . والآية الأولى تدل على أنهم كفروا بالآيات الكونية المثبتة لوجود الله تعالى وآيات الرسل وآيات الكتب التي أنزلت إليهم، وفي هذه الآية كذبوا بآيات ربهم أي لم يصونوا النعم التي أعطاها الله لهم، فنعم الله عطاء ربوبية، وتكاليفه ومنهجه عطاء ألوهية، وهم في الآية الأولى كذبوا بعطاء الألوهية، أي كفروا بالله. وفي الآية الثانية كذبوا بعطاء الربوبية أي بنعم الله، فعطاء الربوبية هو عطاء رب خلق من عَدم وأمَد من عُدم لتكتمل للإنسان مقومات حياته. والله يساوي في عطاء الربوبية بين المؤمن والكافر وبين العاصي والطائع، ولا يفرّق بينهم بسبب الإيمان أو الكفر. وهنا يقول المولى : ﴿وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤] . أي لم يكن بينهم مؤمن وكافر بحيث يكون هنا تفرقة بأن ينجي المؤمنين ويغرق الكافرين، بل كلهم ظلموا أنفسهم بالكفر؛ لذلك قال الحق : ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ، وذكر سبحانه آل فرعون بالتخصيص؛ لأنهم الأمة الوحيدة التي بقيت حضارتها تدل على مدى تقدمها، هذا التقدم الذي لم نصل إلى كل أسراره حتى الآن. ولا يمكن أن تنتهي مثل هذه الحضارة إلا بقوة أعلى من قوتها. فكأن الحق قد أراد أن يلفتنا إلى آل فرعون بالذات؛ لأنه قدر

стр. 5510

للبشرية أن تكتشف آثار آل فرعون، وآثارهم لافتة للعالم أجمع، ووضع في قلوب البشر حب أن يأتوا ليروا حضارة آل فرعون، ويتعجبوا كيف وصلوا إلى هذه المنزلة العالية من الحضارة، ثم انهارت هذه الحضارة كدليل على وجود قوة أعلى وهي الله ، وقد أهلكهم الحق لأنهم كفروا بالألوهية واتخذوا فرعون إلها وربا من دون الله، وكفروا بنعمة الربوبية التي أعطاها الله لهم، والتي يذكر الله جزءا منها في قوله الكريم: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧] . إذن فالله تعالى قد أعطاهم الزرع والماء ولم يعطهم بتقتير، بل أعطاهم بوفرة وسعة؛ لذلك قال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وأعطاهم الثروة والقوة التي تحفظ لهم كرامتهم؛ وتجعلهم أسياد الأرض في عصرهم، وحققت لهم مقاماً كريماً ولم يجرؤ أحد على أن يهينهم، ولا أن يعتدي عليهم، فقد كان عندهم كنوز الأرض؛ وعندهم القوة التي تحفظ لهم الكرامة في قوله تعالى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٦ - ٢٧] وأعطاهم من العلم ما يوفر لهم الترف والحياة الطيبة الرغدة المريحة في كل شيء، ولكنهم كفروا بنعم الربوبية هذه، كما كفروا بنعمة الألوهية؛ فاستحقوا العقاب، وبقيت آثارهم تدل عليهم؛ نجد فيها الذهب والكنوز، وقد دفنت مع موتاهم، ونجد فيها الحضارة والقوة في المعارك التي صوروها على معابدهم بتوضيح وإتقان. ونرى فيها النعمة الهائلة التي كان يعيش فيها فرعون

стр. 5511

وقومه، ولكنهم لم يؤدوا حقها وكفروا بالخلق واهب النعم. ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله ... ﴾

стр. 5512

﴿الدوآب﴾ جمع دابة، والدابة هي كل ما يدب على وجه الأرض، فإذا كان هذا هو المعنى يكون الإنسان داخلاً في هذا التعريف، ولكن العرف اللغوي حدد الدابة بذوات الأربع، أي الحيوانات. وشرف الخالق الإنسان بأن جعله لا يمشي على أربع، فلا يدخل في هذا التعريف. وقول الحق : ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٥٥] . يبين لنا أن الله قد ألحق الكفار بالدواب واستثنى المؤمنين فقط، فسبحانه خلق الدواب وباقي أجناس الكون مقهورة تؤدي مهمتها في الحياة بالغريزة وبدون اختيار؛ والشيء الذي يحدث بالغرائز لا تختلف فيه العقول، ولذلك نجد كثيراً من الأشياء نتعلمها نحن أصحاب العقول من الحيوانات والحشرات التي لا عقول لها؛ لأن الحيوانات تتصرف بالغريزة، والغريزة لا تخطىء أبداً، فإذا قرأنا قول الحق : ﴿فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] . نجد أن الغراب الذي لا اختيار له، ولا عقل؛ علم الإنسان الذي له عقل

стр. 5513

واختيار. وقد حدث ذلك لأن الغراب محكوم بالغريزة. إذن فكل ما يقوم به الحيوان من سلوك هو باختيار الله ؛ لأن الحيوان مقهور على التكاليف. ومن رحمة الله تعالى أن المخلوقات باستثناء الإنسان خلقت مقهورة؛ تفعل كل شيء بالغريزة وليس بالعقل، ولكن الإنسان الذي كرمه الله بالعقل يكفر ويعصي. رغم أن الحق أنعم على الإنسان بنعمة الاختيار. ومن العجيب أننا نجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا يخرج سلوكه عن النظام المجبول عليه ويؤدي مهمته كما رسمت له تماماً، فالدابة مثلاً تلد ويأخذون وليدها ليذبحوه فلا تنفعل؛ لأن هذه مهمتها في الحياة أن تعطي للإنسان اللحم. والحمامة ترقد على بيضها وعندما يخرج الفرج الصغير تتولاه لفترة بسيطة جداً حتى يعرف كيف يطير وكيف يأكل ثم بعد ذلك تتركه؛ ليؤدي مهمته؛ لأنه محكوم بالغريزة. والغرائز لا تخطىء. ويتصرف بها الحيوان بدون تعليم له. فإذا جئنا للإنسان نجد أن ألوان السلوك المحكومة بالغريزة فيه لا يتعلمها؛ إذا جاع طلب الطعام دون أن يعلمه أحد كيف يشعر بالجوع، فهذه غريزة. وإذا عطش طلب الماء دون يعلمه أحد معنى العطش ولا كيف يشرب. وكل واحد منا في الغرائز متساو مع الآخر. ونجد الغني والفقير والحاكم والغفير إذا شعروا بالجوع طلبوا الطعام، وإذا شعروا بالعطش طلبوا الماء. فكل شيء محكوم بالغرائز لا يوجد فيه تغيير. ومن العجيب - مثلاً - أن الحمار حين يريد أن يعبر مجرى مائيا ينظر إليه، وبمجرد النظرة يستطيع أن يعرف هل سيعبره أو لا، فإن كان قادراً قفز قفزة واحدة ليعبر، وإن لم يقدر بحث عن طريق آخر. ولا تستطيع أن تجبر حماراً على أن يعبر مجرى مائيا لا يقدر على عبوره، ومهما ضربته فلن يستجيب لك ولن يعبر. أما الإنسان إن طلبت منه أن يعبر قناة مائية فقد يقول لنفسه:

стр. 5514

سأجمع كل قوتي وأقفز قفزة هائلة، وإن لم يكن قياسه صحيحاً، يسقط في الماء، ذلك لأنه أخطأ وصورت له أداة الاختيار أنه يستطيع أن يفعل ما لا يقدر عليه. إذن فالمحكوم بالغريزة هو الأوعى. وعندما نأتي إلى الأكل، نجد الحيوان المحكوم بالغريزة أكثر وعياً؛ لأنه يأكل فإذا شبع لا يذوق شيئاً. ولو جئت له بأشهى الأطعمة. فأنت لا تستطيع أن تجعل الحيوان يأكل عود برسيم واحداً، أو حفنة تبن، أو حبة فول بعد أن يشبع، وتجده يدوس على زاد عن حاجته بقدميه. وتعال إلى إنسان ملأ بطنه وشبع وغسل يديه، ثم قالوا له مثلا: أنت نسيت الفاكهة، أو نسيت الحلوى، تجده يعود مرة أخرى ليأكل وهو شبعان؛ فيتلف معدته ويتلف جسده. ولذلك تجد الإنسان مصاباً بأمراض كثيرة لا تصيب الحيوان؛ لأنه يسرف في أشياء كثيرة، بل تجد أن الأمراض التي تصيب الحيوان معظمها من تلوث بيئة الحيوان مما يفعله الإنسان. والحق يريد أن يخبرنا أن الدابة المحكومة بالغريزة خير من الكافر؛ لأن الدابة تؤدي مهمتها في الحياة تماماً. بينما لا يؤدي الكافر مهمته في الأرض، بل يفسد فيها ويسفك الدماء، وبذلك يكون شرا من الدابة. ولقد قلنا: إن الدّابة تحملك من مكان إلى مكان ولا تشكو، وتَحمل أثقالك ولا تتبرم. وتظل سائرة فترة طويلة وأنت جالس فوقها فلا تضيق بك وتلقيك على الأرض، لقد خُلِقت لهذه المهمة وهي تؤديها كما خلقت لها دون شكوى أو ضجر؛ لأنها محكومة بنظام دقيق تتبعه وتنفذه. ولكن الإنسان اخترع السيارة وطور فيها، وقد يجلس أمام مقعد القيادة ويصيبه التعب فينعس ويقع في حادثة فيصاب فيها ويصيب غيره أيضاً. وكان من المفروض أن يتبع الإنسان في حياته منهج ربه الذي أنزله إليه، لكن من البشر من كفر وأخذ يعربد في الكون، وبذلك يكون شراً من الدابة؛

стр. 5515

لأن الكافر لا يستخدم عقله في أولويات الوجود، وهو لو استخدم عقله لعرف أنه أقبل على كون قد أعد إعداداً دقيقاً؛ شمس تضيء نصف الكون لتعطيه النهار، وتغرب ليطل قمر يضيء بالليل يؤنسه في الظلام؛ ونجوم تهديه الطريق في البر والبحر، ومطر ينزل لينبت الزرع. وحيوان مسخر له يعطيه اللبن واللحم ويحمل أثقاله. كان لا بد - إذن - للإنسان صاحب العقل أن يفكر: من الذي خلق له كل هذه النعم؟ لأن هذه هي من أولى مهمات العقل الذي يفكر، ويدلنا على الخالق. وكان لا بد في هذه الحالة أن يعرف الإنسان بعقله أن الذي صنع له كل هذه النعم وسخرها له لا بد أنه يريد به خيراً. ولذلك إذا جاءه المنهج من السماء عليه أن يتبعه؛ لأنه يعلم أن هذا المنهج خير ما يصلح له؛ لأنه جاء من خالقه. وفي هذه الحالة كان لا بد لأمور الكون أن تستقيم. ولكن بعضاً من بني الإنسان ستروا وجود الله وكفروا به ولذلك يوضح لنا الحق ﵎ أنهم شرّ من الدواب، لأنهم لا يؤمنون. ثم يقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ ... ﴾

стр. 5516

وبعد أن تكلم الحق عن الكافرين الذين حاربوا رسول الله ﷺ َ، ينتقل هنا للكلام عن الجماعة التي عاهدت رسول الله ﷺ َ على أن يكفوا عنه شرهم، وألا يتعرض لهم الرسول، وهم اليهود، فهل ظلوا على وفائهم بالعهد؟ لا. بل نقضوا العهد.

стр. 5517

بنو قريظة - مثلا - عاهدوا رسول الله ﷺ َ على ألا يعينوا عليه أحدا، ولما جاءت موقعة بدر مدوا الكفار بالسلاح ونقضوا العهد، ثم عادوا وأعطاهم رسول الله ﷺ َ عهداً ثانياً، وعندما جاءت غزوة الخندق اتفقوا على أن يدخل جنود قريش من المنطقة التي يسيطرون عليها ليضربوا جيش المسلمين من الخلف في ظهره، فأرسل الله ريحاً بددت شمل الكفار، إذن فقول الحق : ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦] . وهم قد فعلوا ذلك؛ لأنهم تركوا منهج الله وخافوا من رسول الله فحاولوا أن يخدعوه بنقض المعاهدات. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ إنهم لا يتقون الله الذي يؤمنون به إلها؛ لأنهم أهل كتاب؛ جاءتهم التوراة، وجاءهم رسول وهو موسى ﵇، وهم ليسوا جماعة لم يأتها كتاب بل نزل عليهم كتاب سماوي هو التوراة، ومع ذلك لا يتبعون ما في كتابهم ولا يتقون الله تعالى، فهم أولاً ينقضون العهد، والنقض ضد الإبرام، والإبرام هو أن تقوي الشيء تماماً كما تبرم الخيط أي تقويه، وعندما تقوي الخيط فأنت تجعله ملفوفاً على بعضه ليصبح متيناً. فالخيط الذي طوله شبران عندما تبرمه يصبح طوله شبراً واحداً ويصبح قويا، فإذا فككته أي نقضته أصبح ضعيفاً، ولذلك يقول المولى : ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً﴾ [النحل: ٩٢] . ويعطينا الحق الحكم في هؤلاء؛ أولئك الذين لا يؤمنون،

стр. 5518

ولا يتقون وينقضون عهدهم؛ فيأتي فيهم القول الحق: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب ... ﴾

стр. 5519

أي إن وجدتهم في أي حرب فشرد بهم من خلفهم. ولنا أن نلحظ أن كلمة «إما» هي إن الشرطية المدغمة في «ما» إذا ما حذفنا منها ما، نجد أنها تصبح إن، كأنه يقول: «إنْ مَا» ، وأدغمت نون «إن» في «ما» ، مثلها مثل أن نقول: إن جاءك زيد فأكرمه؛ هذه جملة شرطية فيها شرط وجواب وأداة شرط، ولكنه إذا تم مرة واحدة يكون قد انتهى. ولكن «ما» مع إن الشرطية تدلنا على أنه كلما حدث ذلك فإننا نفعل بهم ما أمر الله تعالى به، كما نقول: كلما جاءك زيد فأكرمه؛ لأن إما هذه تتضمن ما يفيد الاستمرارية، مثل «كلما» فكلما جاءك تكرمه ولو جاء مائة مرة، ولو لم تجيء «ما» لكان يكفي أن تصنعها مرة واحدة. وقوله تعالى: ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب﴾ ، ثقف بمعنى وجد، أي كلما وجدتهم في الحرب: فشرد بهم من خلفهم، أي اجعلهم أداة لتشريد من خلفهم. وعليك أن تؤدبهم أدباً يجعل الذين وراءهم يخافون منكم، ويبتعدون عنكم، وكلما رأوكم أصابهم الخوف والهلع، وكما يقول المثل العامي: «اضرب الربوط يخاف السايب» . أي أن المطلوب أن نجاهدهم بقوة وبدون شفقة، حتى لا يفكر في مساندتهم من جاءوا خلفهم لينصروهم أو يؤازروهم بالدخول معهم في القتال، ولا تحدثهم أنفسهم في أن يستمروا في المعركة، فشرد بهم، والتشريد هو التشتيت والتفريق والإبعاد ولكن بقسوة. فحيثما يريدوا أن يذهبوا؛ امنعهم وشتتهم على غير مرادهم. وقول الحق : ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لكي تكون هذه التجربة درساً لهم؛ كيلا يفكروا مرةً أخرى في حربٍ

стр. 5520

معك؛ لأنهم سوف يتذكرون ما حدث لهم فيبتعدون عن مواجهتك. ويقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ ... ﴾

стр. 5521

وسبحانه وتعالى يبدأ هذه الآية بقوله: «وإما» ومثلها مثل «فإما» في الآية السابقة وقد تم التوضيح فيها، وهنا يتحدث عن الآخرين الذين لا يواجهون بالحرب، بل يدبرون لخيانة رسول الله ﷺ َ. ونقول: هل هذه الخيانة مقطوع بها؟ أو أنت أخذت بالشبهات؟ . الله هنا يفرق بعدالته في خلقه بين الخيانة المقطوع بها والخيانة غير المقطوع بها، فالخيانة المقطوع بها لها حكم، والخيانة المظنون بها لها حكم آخر. ولذلك يقول الحق : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] . أي بلغك أنهم سيخونونك، ماذا تفعل فيهم؟ . يقول الحق : ﴿فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] . أي أنه ما دام هناك عهد والعهد ملك لطرفين، هذا عاهد وذاك عاهد، فإياك أن تأخذهم على غرة، بل انبذ إليهم، والنبذ هو الطرح والإبعاد، أي عليك أن تلغي العهد الذي بينك وبينهم، وتنهيه، وتبعده بكراهية. فساعة تخاف الخيانة

стр. 5522

أبعدهم، ولكن لا تحاربهم قبل أن تعلِمَهُم أنك قد ألغيت العهد بسبب واضح معلوم. وقد علم رسول الله ﷺ َ أن قبيلة خزاعة - كانت من حلفائه بعد صلح الحديبية - وكان الصلح يقضي ألا تهاجم قريش حلفاء رسول الله ﷺ َ، وألا يهاجم رسول الله ﷺ َ حلفاء قريش، وذهب بعض من أفراد قريش إلى قبيلة خزاعة وضربوهم، أي أن قريشاً خانت العهد، ونقضت الميثاق الذي كان بينها وبين رسول الله ﷺ َ، وذلك بمعاونتها بني بكر في الاعتداء على خزاعة حلفاء الرسول ﷺ َ فماذا فعل الناجون من خزاعة؟ . أرسلوا عنهم عمرو بن سالم الخزاعي يصرخ عند رسول الله ﷺ َ في المدينة وقال: إن قريشاً أخلفتك الوعد ونقضت ميثاقك، ولما حدث هذا لم يبق رسول الله ﷺ َ المسألة سرّاً، بل أبلغ قريشاً بما حدث. وأنه طرح العهد الذي تم في صلح الحديبية بينه وبين قريش. وعندما جاء أبو سفيان إلى المدينة ليحاول أن يبرر ما حدث. رفض رسول الله ﷺ َ أن يقابله. إذن فإن وجدت من القوم الذين عاهدتهم بوادر خيانة فانبذ العهد، أما إن تأكدت أنهم خانوك فعلاً وحدثت الخيانة ففاجئهم بالحرب، تماماً كما فَعل رسول الله ﷺ َ مع اليهود بعد أن خانوه في غزوة الخندق ونقضوا العهد والميثاق. ثم يقول الحق : ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨] .

стр. 5523

فكأن الله تعالى بريء، ورسول الله ﷺ َ بريء، والمسلمون أبرياء أن يخونوا حتى مع الذين كفروا؛ وهذه تؤكد لنا أن الإسلام جاء ليعدل الموازين في الأرض؛ ليس بالنسبة للمؤمنين به فقط بل بالنسبة للناس جميعاً. ولذلك إن قرأت قول الحق : ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ [النساء: ١٠٥] . تلاحظ أن الآية لم تقل: بين المؤمنين.، ولكن قالت: ﴿بَيْنَ الناس﴾ ؛ حتى لا تكون هناك تفرقة في العدل بين مؤمن وغير مؤمن، فغير المؤمن مخلوق لله، استدعاه الله إلى هذا الوجود، وسبحانه قد أعد له مكانه في هذا العالم؛ لذلك لا بد أن تراعي العدل معه في كل الأمور ولا تظلمه بل تعطيه حقه؛ لأنك بذلك تكون أنت مددا من إمدادات الله. وقد كان هذا السلوك العادل الذي أمر به الله سبباً في دخول عدد كبير في الإسلام. ونجد الحق يقول: ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: ١٠٥] . أي لا تناصر - يا محمد - الخائنين حتى وإن كانوا من أتباعك. وقد نزلت هذه الآية عندما سُرق درع من قتادة بن النعمان وهو من الأنصار، وحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من بيت يقال لهم: بنو أبيرق. فجاء صاحب الدرع إلى رسول الله ﷺ َ، وقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما علم السارق بما حدث، وضع الدرع في جوال دقيق وأسرع وألقاه في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين. وقال لعشيرته: إني وضعت الدرع في منزل اليهودي زيد بن السمين، فانطلقوا إلى رسول الله ﷺ َ وقالوا: يا رسول الله إن صاحبنا بريء. والذي سرق الدرع هو فلان

стр. 5524

اليهودي. وذهب الصحابة فوجدوا الدرع في جوال دقيق في بيت اليهودي. ولكن اليهودي أنكر أنه سرق الدرع وقال: لقد أتى به طعمة بن أبيرق ولم يلحظ طعمة أثناء نقل جوال الدقيق أن بالجوال ثقباً صغيراً، تسرب منه الدقيق ليصنع علامة على الأرض، وذلك من غفلته؛ لأن الله لا بد أن يترك دليلاً للحق يهتدي به القاضي حتى لا يضيع الحق؛ فتتبع المسلمون علامة الدقيق حتى أوصلتهم إلى بيت طعمة بن أبيرق وأصبحت القضية أن السارق مسلم. ولكنه اتهم اليهودي كذباً بالسرقة. وقال أصحاب رسول الله ﷺ َ: إن حكمت لليهودي على المسلم يكون المسلمون في خسة ودناءة وحرج، وإذا بالوحي ينزل على رسول الله ﷺ َ ليعصمه من تعدي خواطره في هذه المسألة: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: ١٠٥] . أي لا تكن لأجل ولصالح الخائنين مدافعا عن أي واحد منهم ولو كان هذا الخائن مسلماً. وهكذا كان عدل الإسلام في أن حكم الله تعالى لا ينصر مسلماً على باطل ولا يظلم يهوديا، ألا يرون هذا الدين وما فيه من قوة الحق؟ ألا يدفعهم ذلك إلى أن يتجهوا إلى هذا الدين الإسلامي دين العدالة والإنصاف ليكونوا في أحضانه؟! وهنا يقول الحق ﵎: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] .

стр. 5525

أي قل لهم إني ألغيت هذا العهد الذي بيني وبينكم وأصبحت في حل منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ يبين أنه لا يحب الخائنين حتى ولو كانوا من المنسوبين للإسلام. ثم يقول الحق ﵎ بعد ذلك: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا ... ﴾

стр. 5526

حين دخل رسول الله ﷺ َ مع الكفار في حرب، قُتل فريق من الكفار، وأُسر فريق آخر منهم، وفر فريق ثالث، وأما الذين قتلوا والذين أسروا فقد أخذوا جزاءهم، والذين فروا نجوا من القتل ومن الأسر، فكأنهم سبقوا فلم يلحق بهم المسلمون الذين أرادوا أن يقتلوهم أو يأسروهم. والسبق أن يوجد شيء يريد أن يلحق بشيء أمامه فيسبقه؛ ولا يستطيع اللحاق به. فكأن الكفار عندما فروا سبقوا المسلمين الذين لو لحقوا بهم لقتلوهم أو أسروهم. الحق يريدنا أن نعرف أن هذا هو ظاهر ما حدث، ولكن الحقيقة التي يريدنا الله أن نفهمها هي أن هؤلاء الكفار الذين فروا وسبقوا، ولم تلحقهم أيدي المسلمين، هؤلاء لا يعجزون الله تعالى ولا يخرجون عن قدرته وسوف يأتيهم العذاب في وقت لاحق، إما بانقضاء الأجل وإما في معركة ثانية. وعادة نجد أن كلاً من السابق والمسبوق يستخدم أقصى قوته، الأول ليفر والثاني ليلحق به. ولذلك عندما تراهما فقد تتعجب من القوة التي يجري كل

стр. 5527

منهما بها، وهذه هي الطبيعة الإنسانية، فساعة الأحداث العادية يكون للإنسان قوة وقدرة. وساعة الأحداث المفاجئة تكون له أي للإنسان ملكات أخرى. فإذا غرقت سفينة في البحر مثلاً وتعلق واحد من ركابها بقطعة خشب من حطام السفينة، تجده يسبح لفترة طويلة دون أن يشعر بالتعب. فإذا وصل إلى الشاطيء خارت قواه. ولقد عرفنا سر ذلك عندما اكتشف علم وظائف الأعضاء أن الإنسان عنده غدة فوق الكلي هي الغدة الكظرية، إذا وقع في مأزق مفاجيء تفرز مادة «الادرينالين» وهذه مادة يمكن أن تعطيه عشرة أضعاف قوته، ولكن إذا زال الخطر تتوقف الغدة عن إفراز هذه المادة إلا بالنسبة التي يحتاجها الجسم، ولذلك تجد الإنسان الذي يضارع الموج في البحر تمده هذه الغدة بالوقود، فإذا وصل إلى الشاطيء توقفت الغدة عن الإفراز الزائد المناسب للخطر فتخور قواه وربما يظل ثلاثة أيام نائماً من التعب. وهناك قصة خيالية رمزية تروى عن صائد أرسل كلبه يجري وراء غزال ليأتيه به، والكلب يجري يريد اللحاق بالغزال، والغزال يجري طلباً للنجاة، وفجأة التفت الغزال إلى الكلب وقال له: لن تلحقني؛ لأني أجري لحساب نفسي وأنت تجري لحساب صاحبك. فمن يفعل شيئاً لينجو بنفسه يكون قوياً. وقول الحق : ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩] . أي إنهم في قبضة المشيئة لا يخرجون عن قدرة الله الذي سيحضرهم ويحاسبهم. وبعد أن تكلم الحق عمن حارب، ومن عاهد وغدر، ومن

стр. 5528

فر وسبق، ومن يريد أن يلحق به، أراد أن ينبهنا إلى حقيقة هامة وهي ألا نقصر في إعدادنا للقوة التي تعيننا على ملاقاة الأعداء وقت الحرب أو حتى تأتينا الحرب؛ لأننا قد نفاجأ بها فلا نستطيع أن نستعد، ولذلك لا يجب أن يقتصر استعدادنا للقتال إلى أن تأتي ساعة القتال ذاتها، لا، بل يجب أن نستعد سلماً وحرباً. ولذلك يقول الحق بعد ذلك: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ... ﴾

стр. 5529

وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ﴾ يعني أن يكون الإعداد لكل من تحدث عنهم، وهم الذين قاتلوا وقتلو وأصاب أهلهم ضرورة الثأر لمقتلهم، والذين أسروا، والذين نقضوا العهد نقضاً أكيداً أو نقضاً محتملاً، كل هؤلاء لا بد أن تعد لهم ما جاء به قول الحق ﵎: ﴿مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾ وهذا تكليف من الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يجاهدون لإعلاء كلمته بضرورة أن يعدوا دائماً قدر إمكانهم ما استطاعوا من قوة. ولماذا قدر استطاعتهم؟ لأن الإنسان محدود بطاقة، ووراء قدرة المؤمنين قدرة الله سبحانه. ولذلك

стр. 5530

أنت تعد قدر ما تستطيع ثم تطلب من الله أن يعينك. وإذا ما صنعت قدر استطاعتك، إياك أن تقول: إن هذه الاستطاعة لن توصلني إلى مواجهة ما يملكه خصمي من معدات يمكن أن يهاجمني بها، فخصمك ليس له مدد من السماء إنما أنت لك المدد السماوي، وما دام لك هذا المدد فقوتك بمدد الله تجعلك الأقوى مهما كان عدوك، ولذلك عندما يحدث الله تعالى المؤمنين يوضح لهم: إياكم أن تخافوا من كثرة عدد عدوكم، والمطلوب منكم أن تعدوا له ما استطعتم من قوة وحتى أطمئنكم أني معكم، تذكروا آية واحدة أنزلتها، وهي: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ [آل عمران: ١٥١] . وساعة يلقي الله في قلوب الذين كفروا الرعب سيلقون سلاحهم ويفرون من ميدان القتال ولو كانوا يحاربون بأقوى الأسلحة، وسيتمكن المؤمنون منهم وينتصرون عليهم بأية قوة أعدوها. وقوله تعالى: ﴿مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ هذه القوة قد تكون ذاتية في النفس بحيث لا تخاف شيئاً، فجسم كل مقاتل قوي ممتليء بالصحة وله عقل يعمل باقتدار وإقبال على القتال في شجاعة، بالإضافة إلى قوة السلاح بأن يكون سلاحاً حديثاً متطوراً بعيد المدى، وأن يحرص المؤمنون على امتلاك كل شيء موصول بالقوة. وكان الهدف قديماً وحديثاً أن يمتلك المقاتل قوة تمكنه من عدوه ولا تمكن عدوه منه. وفي عهد رسول الله ﷺ َ كان مدى رمي السهام هو رمز القوة. فأول ما تبدأ الحرب يضربون العدو بالنبال، فإذا زحف العدو وتقدم يستخدمون له الرماح، فإذا تم الالتحام كان ذلك بالسيوف. وكانت أحسن قوة في الحرب هي

стр. 5531

السهام التي ترمي بها خصمك فتناله وهو بعيد عنك، ولا يستطيع أن ينالك أو يقترب منك. ولذلك عندما فسر رسول الله ﷺ َ القوة قال فيما يرويه عنه عقبة بن عامر ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ َ وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ ثم قال:» ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي «» . لأنك بالرمي تتمكن من عدوك ولا يتمكن هو منك، فإذا تفوقت في الرمي كنت أنت المنتصر عليه. ولكن كيف ينطبق ذلك على الحرب في العصر الحديث بعد أن تطورت الأسلحة الفتاكة؟ لقد صارت المدفعية لفترة من الزمن هي السلاح؛ لأنها المحقق للنصر لبعد مداها، ثم جاءت الطائرات لتصبح هي السلاح الأقوى؛ لأنها تستطيع أن تقطع مسافة طويلة وتلقي بقنابلها وتعود. وصارت قوة الطيران هي التي تحدد المنتصر في الحرب؛ لأنها تلحق بالعدو خسائر جسيمة دون أن يستطيع هو أن يرد عليها ما دام غير متفوق في الطيران، ثم بعد ذلك جاءت الصواريخ والصواريخ عابرة للقارات، إلى آخر الأسلحة المتطورة التي تتسابق على اختراعها الدول الآن، وكلها أسلحة بعيدة المدى، والهدف أن تنال كل دولة أرض عدوها ولا يستطيع هو أن ينال أرضها. ويضيف الحق ﵎: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] . ورباط الخيل هو القوة التي تحتل الأرض، فمهما بلغت قدرتك في الرمي فأنت لا تستطيع أن تستولي على أرض عدوك، ولكنَّ راكبي الخيل كانوا

стр. 5532

يدخلون المعركة في الماضي بعد الرمي ليحتلوا الأرض. وهذه عملية تقوم بها المدرعات الآن. فالمعركة تبدأ اولاً رمياً بالصواريخ والطائرات حتى إذا حطمت قوة عدوك انطلقت المدرعات لتحتل الأرض، فالطائرات والصواريخ تهلك العدو وتحطمه ولكنها لا تأخذ الأرض. ولكن الذي يمكننا من الأرض والاستيلاء عليها هو: رباط الخيل، أو المدرعات، ورباط الخيل هو عقده للحرب، أي أن الخيل تُعد وتُعلف وتدرب وتكون مستعدة للحرب في أية لحظة، تماماً كما تأتي للمدرعات وتعدها إعداداً جيداً بالذخيرة، وتصلح ماكيناتها وتتدرب عليها لتكون مستعداً للقتال في أي لحظة. ولذلك يقول رسول الله ﷺ َ فيما يرويه عنه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ َ قال: «من خير معاش الناس لهم رجل يمسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعةً أو فَزْعةً طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانَّه، ورجل في غنيمة في شَعَفَة من هذه الشعفاء وبطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير» . أي أنه لا ينتظر بل ينطلق لأي صيحة. ومن الإعجاز في الأداء القرآني أنه أعطانا ترتيباً للحرب، فالحرب أولاً تبدأ بهجوم يحطم قوى العدو بالرمي، سواء كان بالصواريخ أم بالطائرات أم بغيرهما، ثم بعد ذلك يحدث الهجوم البري، ولا يحدث العكس أبداً. ورتب الحق وسائل استخدام القوة أثناء القتال، فهي أولاً الرمي، وبه نهلك مَكيناً ثم نستولي على المكان، وكان ذلك يتم برباط الخيل الذي تقوم مقامه المدرعات الآن. ونجد أن الحق جاء في القرآن الكريم بالأداء الذي يعلم ما تأتي به الأيام من اختراعات الخلق، ونجد في زماننا هذا كل قوة للسيارة أو المدرعة أو الدبابة

стр. 5533

إنما تقاس منسوبة إلى الخيل، فيقال قوة خمسة أحصنة أو خمسمائة حصان. ويقول المولى : ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . فالقصد - إذن - من إعداد هذه القوة هو إرهاب العدو حتى لا يطمع فيكم؛ لأن مجرد الإعداد للقوة، هو أمر يسبب رهباً للعدو. ولهذا تقام العروض العسكرية ليرى الخصم مدى قوة الدولة، وحين تبين لخصمك القوة التي تملكها لا يجتريء عليك، ويتحقق بهذا ما نسميه بلغة العصر «التوازن السلمي» . والذي يحفظ العالم الآن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي هو التوازن السلمي بين مجموعات من الدول، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي المكلف للحرب، فالقوة الآن لا تقتصر على السلاح فقط، ولكن تعتمد القوة على عناصر كثيرة منها الاقتصاد والإعلام وغيرهما. وصار الخوف من رد الفعل أحد الأسباب القوية المانعة للحرب. وكل دولة تخشى مما تخفيه أو تظهره الدولة الأخرى. وهكذا صار الإعداد للحرب ينفي قيام الحرب. ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . ولا تظنوا أن من يواجهونكم هم أعداء الله فقط وقد سلطكم سبحانه عليهم، لا بل عليكم أن تعرفوا أت أعداء الله هم أعداؤكم أيضاً؛ لأنهم يفسدون الحياة على المؤمنين. وعدو الله دائماً يحاول أن ينال من المؤمين. وأن ينكل بهم، وأن يجبرهم إن استطاع على الكفر وأن يغريهم على ذلك. فالحق لا يغضب؛ لأنهم لم يؤمنوا به، بل لأنهم لا يطبقون المنهج

стр. 5534

الذي يسعد الإنسان على الأرض، فسبحانه وتعالى لا يكرههم ولكن يعاقبهم بسبب الإفساد في الأرض وبغيهم وطغيانهم. ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وهذه لفتة من الحق إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم فقط الذين ظهروا أثناء الرسالة من كفار قريش واليهود والمنافقين وغيرهم، ولكنَّ هناك خلقاً كثيراً سيأتون بعد ذلك لا تعلمونهم أنتم الآن ولكنَّ الله يعلمهم، كما يلفتنا سبحانه إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم الذين يظهرون في ميدان القتال فقط ليحاربوا المسلمين، ولكنَّ هناك كثيراً ممن لا يظهرون في ميدان القتال يحاربون دين الله ويحاربون المسلمين. وقد ظهر معنى هذه الآية الكريمة، ولا يزال يظهر للمسلمين، فظهرت عداوة الفرس والروم وحربهم ضد المسلمين، وظهرت عداوة الصليبيين وغيرهم. ومع الزمن سوف يظهر من يعلمهم الله ولا نعلمهم نحن. وقد جاءت أحداث الحياة لتؤكد دقة تعبير القرآن الكريم. ثم يتناول الحق هواجس النفس البشرية، وهي تنصت لهذه الآيات من الإعداد العسكري، فالذي يخطر على البال أولاً أن مثل هذا الإعداد يتطلب مالاً، ويتطلب جهداً، ويتطلب زمناً فوق الزمن لقضاء المصالح والحوائج. فإياكم أن تنكصوا عن الاستعداد؛ لأن كل ما تنفقونه في سبيل الله محسوب عند الله. وإياكم أن تقولوا: إنّ الإعداد لقوة المجتمع يحتاج مالاً ويقتر على الأبناء؛ لأن الله يرزقكم. ويقول : ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] .

стр. 5535

أي أن ما تنفقونه مما يقال له: شيء سواء أكان قليلاً أم كثيراً يرد إليكم، ولقد جاء التعبير ب ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي مما يقال له شيء. ولو جاءت الآية: غنمتم شيئاً، لما شملت الأشياء البسيطة، ولكن قوله تعالى: ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ أي من بداية ما يقال له شيء، حتى قالوا: إن الخيط الذي يوجد عند العدو لا بد أن يذهب للغنائم، وقوله ﵎: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله﴾ [الأنفال: ٦٠] . يعني أي شيء تنفقونه في سبيل الله تعالى مدخر لكم ما دمتم أنفقتموه وليس في بالكم إلا الله . أما الإنفاق الذي ظاهره لله وحقيقته للشهرة أو الحصول على الثناء أو للتفاخر أو لقضاء المصالح. فكل ذلك اللون من الإنفاق خارج عن الإنفاق في سبيل الله، لكن الإنفاق في سبيل الله سيرده الله لكم مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونََ﴾ أي أن ما تنفقونه في سبيل الله لا ينقص مما معكم شيئاً. على أن الحق يريدنا أن نأخذ طريق العدل وليس طريق الافتراء؛ لذلك يطلب منا ألا يطغينا هذا الاستعداد للحرب على خلق الله، فما دام لدينا استطاعة وأعددنا قوتنا وأسلحتنا فليس معنى ذلك أن نصاب بالغرور ونجترىء على خلق الله؛ ولهذا فإن الله ينبهنا إلى ذلك بقوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ... ﴾
следующие страницы →