← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ أي لا تلتفت إلى معاركهم ولا إلى حوارهم فالله يكفيك بكل الوسائل عمن سواه واقرأ قوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] الله يقول لنبيه ﷺ َ إذا حاول اليهود والنصارى والمنافقون أن يكيدوا لك ويؤذوك والمؤمنين، فالله يكفيك لأنه عليم سميع بصير لا يخفى عليه شيء. . ولقد حاول اليهود قتل رسول الله ﷺ َ أكثر من مرة وحاولوا إيذاءه بالسحر فأبطل الله كيدهم وأظهر ما خفي منه وأطلع رسوله عليه. . فمهما استخدموا من وسائل ظاهرة أو خفية فسيكفيك الله شرها ولذلك قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السميع العليم﴾ . . أي سميع بما يقال، عليم بما يدبرونه. بل يعلم ما في صدورهم قبل أن ينطقوا به. . فلا تعتقد أن شيئا يفوت على الله سبحانه أو يفلت منه. إن كل حركة قبل أن تحدث يعلمها سبحانه، وكل كيد قبل أن يتم هو محبطه. فإذا كان الله معك فماذا تخشى؟ وممن تخاف؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يصل إليك؟ . وأنت معك عليم بكل ما سيحدث حتى يوم القيامة وبعد يوم القيامة. . ومادام معك القوي الذي لا يضعف أبدا والحي الذي لا يموت أبدا والعليم بكل شيء فلا تخشى أحدا لأنك في أمان الله سبحانه.

стр. 562

ما هي الصبغة؟ الصبغة هي إدخال لون على شيء بحيث يغيره بلون آخر. . تصبغ الشيء أحمر أو أزرق أو أي لون تختاره. والصبغ ينفذ في المصبوغ خاصة إذا كان المصبوغ له شعيرات مسام كالقطن أو الصوف. . ولذلك فإن الألياف الصناعية لا يمكن أن تصبغ لماذا؟ لأن شعرة القطن أو الصوف أشبه بالأنبوبة في تركيبها. وإذا جئنا بقنديل من الزيت ووضعنا فيه فتيلا من القطن بحيث يكون رأس الفتيل في الزيت ثم تشغله من أعلاه نجد أن الزيت يسري في الأنابيب ويشعل الفتيل. . فإذا جربنا هذا في الألياف الصناعية فلا يمكن أن يسري فيها الزيت وإنما النار تأكل الألياف لأنه ليس فيها أنابيب شعرية كالقطن والصوف. . ولذلك تجد الألياف الصناعية سهلة في الغسيل لأن العرق لا يدخل في مسامها بينما الملابس القطنية تحتاج لجهد كبير لأن مسامها مشبعة بالعرق والتراب. إذن الصبغة لابد أن تتدخل مادتها من مسام القماش. . أما الطلاء فهو مختلف. إنه طبقة خارجية تستطيع أن تزيلها. . ولذلك فإن الذين يفتون في طلاء الأظافر بالنسبة للسيدات ويقولون إنه مثل الحناء نقول لهم لا. . الحناء صبغة تتخلل المادة الحية وتبقى حتى يذهب الجلد بها أي لا تستطيع أن تزيلها عندما تريد. . ولكن الطلاء يمكن أن تزيله في أي وقت ولو بعد إتمامه بلحظات. . إذن فطلاء الأظافر ليس صبغة. قوله سبحانه: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ فكأن الإيمان بالله وملة إبراهيم وما أنزل الله على

стр. 563

رسله هي الصبغة الإلهية التي تتغلغل في الجسد البشري. . ولماذا كلمة صبغة؟ حتى نعرف أن الإيمان يتخلل جسدك كله. . إنه ليس صبغة من خارج جسمك ولكنها صبغة جعلها الله في خلايا القلب موجودة فيه ساعة الخلق. . ولذلك فإن رسول الله ﷺ َ يقول: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه» فكأن الإيمان صبغة موجودة بالفطرة. . إنها صبغة الله. . فإن كان أبواه مسلمين ظل على الفطرة. وإن كان أبواه من اليهود أو النصارى يهودانه أو ينصرانه أي يأخذانه ويضعانه في ماء ويقولون صبغناه بماء المعمودية. . هذا هو معنى صبغة الله. ويريد الحق سبحانه أن يبين لنا ذلك بأن يجعل من آيات قدرته اختلاف ألواننا. . هذا الاختلاف في اللون من صبغة الله. . اختلاف ألوان البشر ليس طلاء وإنما في ذات التكوين. . فيكون هذا أبيض وهذا أسمر وهذا أصفر وهذا أحمر، هذه هي صبغة الله. . وما يفعلونه من تعميد للطفل لا يعطي صبغة. لأن الإيمان والدين لا يأتي من خارج الإنسان وإنما يأتي من داخله. . ولذلك فإن الإيمان يهز كل أعضاء الجسد البشري. واقرأ قول الحق : ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] هذا هو التأثير الذي يضعه الله في القلوب. . أمر داخلي وليس خارجيا. . أما إيمان غير المسلمين فهو طلاء خارجي وليس صبغة لأنهم تركوا صبغة الله. . ونقول لهم: لا. هذا الطلاء من عندكم أنتم، أما ديننا فهو صبغة الله. .

стр. 564

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً﴾ . . استفهام لا يمكن أن يكذبوه ولكن الجواب يأتي على وفق ما يريده السائل سبحانه من أنه لا يوجد من هو أحسن من الله صبغة. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ أي مطيعون لأوامره والعابد هو من يطيع أوامر الله ويجتنب ما نهى عنه. والأوامر دائما تأتي بأمر فيه مشقة يطلب منك أن تفعله والنهي يأتي عن أمر محبب إلى نفسك هناك مشقة أن تتركه. . ذلك أن الإنسان يريد النفع العاجل، النفع السطحي، والله يوجهنا إلى النفع الحقيقي. . النفع العاجل يعطيك لذة عاجلة ويمنحك نعيما دائما في الآخرة وتمتعا بقدرات الله . . وأنت حين تسمع المؤذن ولا تقوم للصلاة لأنها ثقيلة على نفسك قد أعطيت نفسك لذة عاجلة كأن تشغل نفسك بالحديث مع شخص أو بلعب الطاولة أو بغير ذلك. . وتترك ذلك النفع الحقيقي الذي يقودك إلى الجنة. . ولذلك قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦] إذن العبادة أمر ونهي. . أمر يشق على نفسك فتستثقله، ونهى عن شيء محبب إلى نفسك يعطيك لذة عاجلة ولذلك تريد أن تفعله. . إذن فقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ . . أي مطيعون لأوامره لأننا آمنا بالآمر إلها وربا يعبد. . فإذا آمنت حبب الله إليك فعل الأشياء التي كنت تستثقلها وسهل عليك الامتناع عن الأشياء التي تحبها لأنها تعطيك لذة عاجلة. . هذه هي صبغة الله التي تعطينا العبادة. . واقرأ قوله ﵎: ﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ ولكن الله حَبَّبَ

стр. 565

إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان أولئك هُمُ الراشدون﴾ [الحجرات: ٧] وهكذا فإن الله بصبغة الإيمان يحبب إلينا الخير ويجعلنا نبغض الشر. . لا عن رياء ونفاق خارج النفس كالطلاء ولكن كالصبغة التي تتخلل الشيء وتصبح هي وهو شيئا واحدا لا يفترقان. .

стр. 566

تحديد الأمر بِقُلْ إيقاظ لمهمة التكليف عند رسول الله ﷺ َ. . والله حين يقول لرسوله ﵊ ُ قل كان يكفي أن يقول ما يريده سبحانه. . فأنت إذا قلت لابنك اذهب إلى أخيك وقل له أبوك يأمرك بكذا فيذهب الولد ويقول هذا الكلام دون أن يقول كلمة قل. . ولكن خطاب الله لرسوله ﷺ َ بكلمة قل تلفتنا إلى أن هذا الأمر ليس من عنده ولكنه من عند الله سبحانه، ومهمة الرسول هي البلاغ. إن تكرار كلمة «قل» في الآيات هي نسبة الكلام المقول إلى عظمة قائله الأول وهو الله ﵎. . فالكلام ليس من عند رسول الله ولكن قائله هو الله ﷻ . قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ . . المحاجة معناها حوار بالحجة، كل من المتحاورين يأتي بالحجة التي تؤيد رأيه أو وجهة نظره. . وإذا قرأت قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي قال كل منهما حجته. . ولابد أن يكونا خصمين كل منهما يعاند رأيه الرأي

стр. 567

الآخر وكل يحاول أن يأتي بالحجة التي تثبت صدق كلامه فيرد عليه خصمه بالحجة التي تهدم هذا الكلام وهكذا. قوله تعالى: ﴿أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ . . ومادام الله رب الجميع كان من المنطق أن نلتقي لأنه ربي وربكم حظنا منه سواء. . ولكن مادامت قد قامت الحجة بيننا فأحدنا على باطل. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿والذين يُحَآجُّونَ فِي الله مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] والمحاجة لا يمكن أن تقوم بين حق وحق وإنما تقوم بين حق وباطل وبين باطل وباطل. . لأن هناك حقا واحدا ولكن هناك مائة طريق إلى الباطل. . فمادامت المحاجة قد قامت بيننا وبينكم ونحن على حق فلابد أنكم على باطل. . وليحسم الحق هذه المسألة ويمنع الجدل والجدال قال سبحانه: ﴿وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ . . أي لا نريد جدلا لأن الجدل لن يفيد شيئا. . نحن لنا أعمالنا وأنتم لكم أعمالكم وكل عمل سيجازى صاحبه عليه بمدى إخلاصه لله. . ونحن أخلصنا العبادة لله وحدة وأنتم اتجهتم بعبادتكم إلى ما تحبه أهواؤكم. إن الله الذي هو ربنا وربكم لا يفضل أحدا على أحد إلا بالعمل الصالح المخلص لوجه الله. . ولذلك فنحن نضع الإخلاص أولا وقد يكون العمل واحدا أمام الناس. . هذا يأخذ به ثوابا وذلك يأخذ به وزرا وعذابا فالمهم هو أن يكون العمل خالصا لله. قد يقول إنسان إن الإخلاص في العمل والعمل مكانه القلب. . ومادام الإنسان لا يؤذي أحدا ولا يفعل منكرا فليس من الضروري أن يصلي مادامت النية خالصة. . نقول إن المسألة ليست نيات فقط ولكنها أعمال ونيات. . ورسول الله ﷺ َ يقول:

стр. 568

«إنما الأعمال بالنيات» فلابد من عمل بعد النية. . لأن النية تنتفع بها وحدك والعمل ويعود على الناس. . فإذا كان في نيتك أن تتصدق وتصدقت انتفع الفقراء بمالك. . ولكن إذا لم يكن في نيتك فعل الخير وفعلته لتحصل على سمعة أو لترضي بشرا انتفع الفقراء بمالك ولن تنتفع أنت بثواب هذا المال. . والله يريد أن يقترن عملك بنية الإخلاص لله. . والعمل حركة في الحياة. والنية هي التي تعطي الثواب لصاحبه أو تمنع عنه الثواب ولذلك يقول الله ﷻ : ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١] فالله يريدنا أن نتصدق. . والفقير سينتفع بالصدقة سواء كانت نيتك أن يقال عنك رجل الخير المتصدق. . أو أن يقال عنك رجل البر والتقوى أو أن تخفي صدقتك. . فالعمل يفعل فينتفع به الناس سواء أردت أو لم ترد. أنت إذا قررت أن تبني عمارة، النية هنا هي التملك. ولكن انتفع ألوف الناس بهذا العمل ابتداء من الذي باع لك قطعة الأرض والذي أعد لك الرسم الهندسي وعمال الحفر والذي وضع الأساس ومن قام بالبناء وغيرهم وغيرهم. . هؤلاء انتفعوا من عملك برزق لهم. . سواء أكان في بالك الله أم لم يكن في بالك الله فقد انتفعوا. إذن فكل عمل فيه نفع للناس أردت أو لم ترد. . ولكن الله لا يجزي على الأعمال بإطلاقها وإنما يجزي على النيات بإخلاصها. . فإن كان عملك خالصا لله جزاك الله عليه. . وإن كان عملك لهدف آخر فلا جزاء لك عند الله لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. إن الذين يتعجبون من أن إنسانا كافرا قدم كشفاً هاماً للبشرية ولكنه لم يكن مؤمنا بالله. . يتعجبون أيعذب في النار؟ نقول نعم لأنه عمل وليس في قلبه الله. . ولذلك يجازى في الحياة الدنيا، فتقام له التماثيل ويطلق اسمه على الميادين ويخلد اسمه في الدنيا التي عمل من أجلها. . ولكن مادام ليس في نيته الله فلا جزاء له عند الله.

стр. 569

اليهود والنصارى إدعوا أن الأنبياء السابقين لموسى وعيسى كانوا يهودا أو نصارى. فاليهود ادعوا أنهم كانوا يهودا. والنصارى ادعوا أنهم كانوا نصارى، الله يرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله﴾ . والسؤال هنا لا يوجد له إلا رد واحد لأنهم لن يستطيعوا أن يقولوا نحن أعلم من الله. . وقلنا إنه إذا طرح سؤال في القرآن الكريم فلابد أن يكون جوابه مؤيدا بما يريده الحق ولا يوجد له إلا جواب واحد. . ولذلك فإن قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله﴾ والله لاشك أعلم وهذا واقع. إذن فكأن الله بالسؤال قد أخبر عن القضية. . ولكن يلاحظ في هذه الآية الكريمة ذكر إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط. . وفي ذكر إسماعيل دائما مع اسحق ويعقوب يدل على وحدة البلاغ الإيماني عن الله؛ لأن إسماعيل كان في أمة العرب واسحق ويعقوب كانا في بني إسرائيل. والحق يتحدث عن وحدة المصدر الإيماني لخلقه؛ لأنه لا علاقة أن يكون إسماعيل للعرب واسحق لغير العرب بوحدة المنهج الإلهي. ولذلك تقرأ قول الحق تعالى:

стр. 570

﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إلها وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] والله الذي بعث إسماعيل هو الله الذي بعث اسحق إله واحد أحد. . ومادام الإله واحداً فالمنهج الإيماني لابد أن يكون واحدا. . فإذا حدث خلاف فالخلاف من البشر الذين يحرفون المنهج ليحققوا شهوات ومكاسب لهم. . وكل نفس لها ما كسبت فلن ينفعكم نسبكم إليهم ولن يضيف إليكم شيئا في الآخرة. . إن كانوا مؤمنين فلن ينفعكم أن تكفروا وأن تقولوا نحن ننتسب إلى إبراهيم وإسماعيل واسحق. . وإن كانوا غير ذلك فلا يضركم شيئا.

стр. 571

بعض الناس يقول إن هذه الآية مكررة فقد تقدمتها آية تقول: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إلها وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣ - ١٣٤] بعض السطحيين يقولون إن في هاتين الآيتين تكرارا. . نقول إنك لم تفهم المعنى. . الآية الأولى تقول لليهود إن نسبكم إلى إبراهيم واسحق لن يشفع لكم عند الله بما حرفتموه وغيرتموه في التوراة. . وبما تفعلونه من غير ما شرع الله. فاعملوا أن عملكم هو الله ستحاسبون عليه وليس نسبكم. أما في الآية التي نحن بصددها فقد قالوا إن إبراهيم وإسماعيل واسحق كانوا هودا أو نصارى. . الله ﵎ لا يجادلهم وإنما يقول لهم لنفرض وهذا فرض غير

стр. 572

صحيح إن إبراهيم وإسماعيل واسحق كانوا هودا أو نصارى فهذا لن يكون عذرا لكم. . لأن لهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم، فلا تأخذوا ذلك حجة على الله يوم القيامة. . ولا تقولوا إننا كنا نحسب أن إبراهيم وإسماعيل واسحق كانوا هودا أو نصارى أي كانوا على غير دين الإسلام لأن هذه حجة غير مقبولة. . وهل أنتم أعلم أم الله سبحانه الذي يشهد بأنهم كانوا مسلمين. إياك أن تقول إن هناك تكراراً. . فإن السياق في الآية الأولى يقول لا شفاعة لكم يوم القيامة في نسبكم إلى إبراهيم وإسماعيل واسحق. . والسياق في الآية الثانية يقول لا حجة لكم يوم القيامة في قولكم إنهم كانوا هودا أو نصارى. . فلن ينفعكم نسبكم إليهم ولن يقبل الله حجتكم. . وهكذا فإن المعنى مختلف تماما يمس موقفين مختلفين يوم القيامة.

стр. 573

هذه الآية نزلت لتصفي مسألة توجه محمد ﷺ َ والمؤمنين إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس. . وهذا أول نسخ في القرآن الكريم. . يريد الله أن يعطيه العناية اللائقة؛ لأنه سيكون مثار تشكيك وجدل عنيف من كل من يعادي الإسلام؛ فكفار قريش سيأخذون منه ذريعة للتشكيك وكذلك المنافقون واليهود. الله ﵎ يريد أن يحدد المسألة قبل أن تتم هذه التشكيكات. . فيقول ﷻ : ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ . . حرف السين هنا يؤكد إنهم لم يقولوا بعد. . ولذلك قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السفهآء﴾ فقبل أن يتم تحويل القبلة قال الحق تعالى: إن هذه العملية ستحدث هزة عنيفة يستغلها المشككون. وبرغم أن الله قال: ﴿سَيَقُولُ السفهآء﴾ . . أي أنهم لم يقولوها إلا بعد أن نزلت هذه الآية. . مما يدل على أنهم سفهاء حقا؛ لأن الله ﷻ أخبر رسوله ﷺ َ في قرآن يتلى ويصلى به ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. . قال: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس﴾ . . فلو أنهم امتنعوا عن القول ولم يعلقوا على تحويل القبلة لكان ذلك تشكيكا في القرآن الكريم. . لأنهم في هذه الحالة كانوا يستطيعون أن يقولوا: إن قرآنا أنزله الله على رسوله ﷺ َ لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. . قال: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ . . ولم يقل أحد شيئا. .

стр. 574

ولكن لأنهم سفهاء فعلا. . والسفه جهل وحمق وطيش قالوها. . فكانوا وهم الكافرون بالقرآن الذين يريدون هدم هذا الدين من المثبتين للإيمان الذين تشهد أعمالهم بصدق القرآن. لأن الله سبحانه قال: ﴿سَيَقُولُ السفهآء﴾ وهم قالوا فعلا. . ولقد قال كفار مكة عن الكعبة إنها بيتنا وبيت آبائنا وليست بيت الله. . فصرف الله رسوله في أول الإسلام ووجهه إلى بيت المقدس. . وعندئذ قال اليهود: يسفه ديننا ويتبع قبلتنا. . والله أراد أن يحتوي الإسلام كل دين قبله فتكون القداسة للكل. . ولذلك أسرى برسول ﷺ َ من مكة إلى بيت المقدس. . حتى يدخل بيت المقدس في مقدسات الإسلام لأنه أصبح محتوى في الإسلام. ولم يشأ الله أن يجعل القبلة إلى الكعبة أول الأمر لأنهم كانوا يقدسونها على أنها بيت العرب وكانوا يضعون فيها أصنامهم. . ووضع الأصنام في الكعبة شهادة بأن لها قداسة في ذاتها. . فالقداسة لم تأت بأصنامهم بل هم أرادوا أن يحموا هذه الأصنام فوضعوها في الكعبة. . لماذا لم يضعوها في مكان آخر؟ لأن الكعبة مقدسة بدون أصنام. والله حين قال: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ . . وَلاّه يعني حرفه ورده. . والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس. . وهنا يأتي الحق برد جامع هو أن أوامر الله الإيمانية لا ترتبط بالعلة. . إنما علة التنفيذ فيما يأمرنا الله سبحانه به ﷻ أن الله هو الآمر. . ولو أن الحق ﵎ بين لنا السبب أو العلة في تغيير القبلة لما كان الأمر امتحانا للإيمان في القلوب. . لأن الإيمان والعبادة هي طاعة معبود فيما يأمر وما ينهي. . يقول لك الله عظم هذا الحجر وهو الحجر الأسود الموجود في الكعبة وتعظمه بالاستلام والتقبيل. . ويقول لك: ارجم هذا الحجر الذي يرمز إلى إبليس فترجمه بالحصى، ولا يقول الله سبحانه لماذا؟ لأنه لو قال لماذا ضاع الإيمان هنا وأصبح الأمر مسألة إقناع واقتناع. فأنا حين أقول لك لا تأكل هذا لأنه مر وكل هذا لأنه حلو يكون السبب واضحا. . ولكن الله ﵎ يقول لك كل هذا ولا تأكل هذا. . فإن أكلت مما حرمه تكون آثما. وإن امتنعت تكون طائعا وتثاب. إذن العلة الإيمانية هي أن الأمر صادر من الله سبحانه. . ولو أنك امتنعت عن

стр. 575

شرب الخمر لأنها ضارة بالصحة أو تفسد الكبد فلا ثواب لك، ولو امتنعت عن أكل لحم الخنزير لأن فيه كمية كبيرة من الكولسترول وله مضار كثيرة فلا ثواب لك. . ولكنك لو امتنعت عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لأن الله حرمهما. . فهذه هي العبادة وهذا هو الثواب. الله أراد أن يرد على هؤلاء السفهاء فقال: ﴿قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . . أي أنك إذا اتجهت إلى بيت المقدس أو اتجهت إلى الكعبة أو اتجهت إلى أي مكان في هذا الكون فالله موجود فيه. . فبيت المقدي ليس له خصوصية بذاته، والكعبة ليس لها خصوصية بذاتها. . ولكن أمر الله ﵎ هو الذي يعطيهما هذه الخصوصية. . فإذا اتجهنا إلى بيت المقدس فنحن نتجه إليه طاعة لأمر الله. . فإذا قال الله سبحانه اتجهوا إلى الكعبة اتجهنا إليها طاعة لأمر الله. قوله تعالى: ﴿يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . . الصراط هو الطريق المستقيم لا التواء فيه بحيث يكون أقرب المسافات إلى الهدف. والله سبحانه وجهنا لبيت المقدس فهو صراط مستقيم نتبعه. . وجهنا إلى الكعبة فهو صراط مستقيم نتبعه. . فالأمر لله.

стр. 576

ساعة ترى كذلك فهناك تشبيه. . الحق يريدنا أن نتنبه إلى نعمته في أنه جعلنا أمة وسطاً. . فكل ما يشرعه الله يدخل في باب النعم على المؤمنين. . وإذا كان الاتجاه إلى الكعبة هو اختبار لليقين الإيماني في نفوس المسلمين. . فإنه سبحانه جعلنا أمة وسطا نعمة منه، ومادمنا وسطا فلابد أن هناك أطرافا حتى يتحدد الوسط. . هذا طرف ثم الوسط ثم طرف آخر. . ووسط الشيء منتصفه أو ما بين الطرفين. ولكن ما معنى أمة وسطا؟ وسط في الإيمان والعقيدة. فهناك من أنكروا وجود الإله الحق. . وهناك من أسرفوا فعددوا الآلهة. . هذا الطرف مخطئ وهذا الطرف مخطئ. . أما نحن المسلمين فقلنا لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحد أحد. . وهذه بديهية من بديهيات هذا الكون. . لأن الله ﵎ خلق الكون وخلق كل ما فيه وقال سبحانه إنه خلق. . ولم يأت ولن يأتي من يدعي الخلق. . إذن فالدعوى خالصة لله ﵎. . ولو كان في هذا الكون آلهة متعددة لادعى كل واحد منهم الخلق. . ولذلك فإن الله ﷻ يقول: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]

стр. 577

أي لتنازع الخلق ولاضطرب الكون. . فالإسلام دين وسط بين الإلحاد وتعدد الآلهة. . على أن هناك أناساً يسرفون في المادية ويهملون القيم الروحية. . وأناساً يهملون المادة ويؤمنون بالقيم الروحية وحدها. واقع الحياة أن الماديين يفتنون الروحانيين لأن عندهم المال والقوة. . الإسلام جاء وسطا فيه المادة والروح. . وإياك أن تقول أن الروح أحسن من المادة أو المادة أحسن من الروح. . فالمادة وحدها والروح وحدها مسخرة وعابدة ومسبحة لله تعالى. . لكن حين تختلط المادة بالروح فإنه توجد النفس، والنفس هي التي لها اختيار تطيع أو تعصي. . تعبد أو تكفر والعياذ بالله. الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يعيشوا مادية الحياة بقيم السماء. . وهذه وسطية الإسلام، لم يأخذ الروح وحدها ولا المادة وحدها. . وإنما أوجد مادية الحياة محروسة بقيم السماء. . فحين يخبرنا الله سبحانه أنه سيجعلنا أمة وسطا تجمع خير الطرفين نعرف أن الدين جاء ليعصم البشر من أهواء البشر. الله ﵎ يريدنا أن نبحث في ماديات الكون بما يخلق التقدم والرفاهية والقوة للبشرية. . فما هو مادي معملي لا يختلف البشر فيه. . لكن ما يدخل فيه أهواء البشر ستضع السماء لكم قانونه. . فإذا عشتم بالأهواء ستشقون. . وإذا عشتم بنظريات السماء ستسعدون. قد يتساءل البعض هل الشيوعية التي جاءت منذ أكثر من نصف قرن ارتقت بشعوبها أم لا؟ نقول انظروا إليها الآن لقد بنت ما ادعته من ارتقاءات على الكذب والزيف. . ثم تراجعت ثم انهارت تماما. . وكما انهارت الشيوعية ستنهار الرأسمالية لأنهما طرفان متناقضان إنما نحن أمة وسطا. . ولذلك أعطانا الله سبحانه خيري الدنيا والآخرة. الحق سبحانه يقول: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ . . أي أن الحجة ستكون لكم في المستقبل. . وسيضطر العالم إلى الرجوع إلى ما يقننه دينكم. . والله ﵎ قال: ﴿أُمَّةً وَسَطاً﴾ ولم يقل الوسط بكسر الواو أي المنتصف حتى لا يقال إن هؤلاء الرأسماليين والشيوعيين سيتراجعون إلى الحق تماما. . ولكن بعضهم سيميل

стр. 578

قليلا إلى هذه الناحية أو تلك بحيث يتم اللقاء. . ولذلك عندما يقولون نأخذ أموال الأغنياء ونوزعها على الفقراء. . نقول لهم وعندما يأتي فقير في المستقبل. . من أين تعطيه بعد أن قضيت على الأغنياء؟ . وقد سمعت من شخص له تجربة في السياسة والحكم. . قال إن الذي كان يعمل معي وأضاع ماله كله على الخمر والقمار والنساء كان أحسن مني. . لأنني احتفظت بأموالي ونميتها فقالوا إنك إقطاعي وصادروها. . بينما ذلك الذي أسرف لم يفعلوا به شيئا. . قلت إن الله يريد منك أن تنمي مالك. . لأنك إن لم تنمه ودفعت عنه زكاة ٢. ٥ ... فالمال يفنى خلال أربعين سنة. . ولكن إذا نميت مالك وجاءوا إلى ناتج عملك وأخذوه بدعوى أنك إقطاعي فإنهم يقضون على العمل في المجتمع. . لأنه إذا كنت ستأخذ ناتج عمله بدون حق فلماذا يعمل؟ إن الإسلام جاء ليزيد مجال حركة الحياة ويضمن مال المتحرك. . ليأخذ من ماله زكاة ويعين غير القادر حتى لا يحقد على المجتمع. . هذا وسط. وقوله تعالى: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ . . فكأن الله أخبرنا أنه ستحدث في الكون معركة لن يفصل فيها إلا شهادة هذه الأمة. . فاليمين أو الرأسمالية على خطأ، والشيوعية على خطأ. . أما منهج الله الذي وضع الموازين القسط للكون ولحياة الإنسان فهو الصواب. . ثم يخبرنا الحق ﵎ أن الرسول ﷺ َ سيكون شهيدا علينا. . هل كان عملنا وتحركنا مطابقا لما أنزله على رسوله ﷺ َ وبلغه الرسول ﵊ ُ لنا؟ أم أننا اتبعنا أهواءنا وانحرفنا عن المنهج. الرسول ﷺ َ سيكون شهيداً علينا في هذه النقطة. . تلك الآية وإن كانت قد بشرت الأمة الوسط بأن العالم سيعود إلى حكمها، فذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا سادت شهادة الحق والعدل فيها: وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ﴾ . . هذه عودة إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. . الله ﵎ لا يفضل اتجاها على اتجاه. . ولذلك فإن الذين يتجهون إلى الكعبة ستختلف اتجاهاتهم حسب موقع بلادهم من الكعبة. . هذا يتجه إلى الشرق. وهذا يتجه إلى الشمال الشرقي. . وهذا يتجه إلى الجنوب الغربي.

стр. 579

إنه ليس هناك عند الله اتجاه مفضل على اتجاه. . ولكن تغيير القبلة جعله الله سبحانه اختبارا إيمانيا ليس علم معرفة ولكن علم مشهد. . لأن الله يعلم. . ولكنه ﷻ يريد أن يكون الإنسان شهيدا على نفسه يوم القيامة. . ولكنه اختبار إيماني ليعلم الله مدى إيمانكم ومن سيطيع الرسول فيما جاءه من الله ومن سينقلب على عقبيه. . فكأن أمر تحويل القبلة سيحدث هزة إيمانية عنيفة في المسلمين أنفسهم. . فيعلم الله من يستمر في إيمانه واتباعه لرسول الله. . ومن سيرفض ويتحول عن دين الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله﴾ . . والله يريد هنا العلم الذي سيكون شهيدا على الناس يوم القيامة. . وعملية الابتلاء أو الاختبار في تغيير القبلة عملية شاقة. . إلا على المؤمنين الذين يرحبون بكل تكليف. . لأنهم يعرفون أن الإيمان هو الطاعة ولا ينظرون إلى علة الأشياء. ولكن الكفار والمنافقين واليهود لم يتركوا عملية تحويل القبلة تمر هكذا فقالوا: إن كانت القبلة هي الكعبة فقد ضاعت صلاتكم أيام اتجهتم إلى بيت المقدس. . وإن كانت القبلة هي بيت المقدس فستضيع صلاتكم وأنتم متجهون إلى الكعبة. نقول لهم لا تعزلوا الحكم عن زمنه. . قبلة بيت المقدس كانت في زمنها والكعبة تأتي في زمنها. . لا هذه اعتدت على هذه ولا هذه اعتدت على هذه. . ولقد مات أناس من المؤمنين وهم يصلون إلى بيت المقدس فقام المشككون وقالوا صلاتهم غير مقبولة. . ورد الله سبحانه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ . . لأن الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس كانوا مطيعين لله مؤمنين به فلا يضيع الله إيمانهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . . أي تذكروا أنكم تؤمنون برب رءوف لا يريد بكم مشقة. . رحيم يمنع البلاء عنكم.

стр. 580

نحن نعلم أن «قد» للتحقيق. . و «نرى» . . فعل مضارع مما يدل على أن الحدث في زمن التكلم. . الحق يعطينا صورة لرسول الله ﷺ َ. . أنه يحب ويشتاق أن يتجه إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس. . وكان ﵊ ُ قد اعتاد أن يأتيه الوحي من علو. . فكأنه ﷺ َ كان يتجه ببصره إلى السماء مكان إيتاء الوحي. . ولا يأتي ذلك إلا إذا كان قبله متعلقا بأن يأتيه الوحي بتغيير القبلة. . فكأن هذا أمر شغله. إن الله سبحانه يحيط رسوله ﷺ َ بأنه قد رأى تقلب وجه رسوله الكريم في السماء وأجابه ليتجه إلى القبلة التي يرضاها. . فهل معنى ذلك أن القبلة التي كان عليها الرسول ﷺ َ وهي بيت المقدس لم يكن راضيا عنها؟ نقول لا. . وإنما الرضا دائما يتعلق بالعاطفة، وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل. . ولذلك لا يقول أحد إن رسول الله ﷺ َ لم يكن راضيا عن قبلة بيت المقدس. . وإنما كان يتجه إلى بيت المقدس وفي قلبه عاطفة تتجه إلى الكعبة. . هذا يدل على الطاعة والالتزام. الله يقول لرسوله ﵊ ُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ أي تحبها بعاطفتك. . ورسول الله ﵊ ُ كان يتطلع إلى هذا التغيير، فكأن عواطفه ﷺ َ اتجهت لتضع مقدمات التحويل.

стр. 581

قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ . . والمراد بالوجه هو الذات كلها وكلمة شطر معناها الجهة، والشطر معناه النصف. . وكلا المعنيين صحيح لأنه حين يوجد الإنسان في مكان يصبح مركزاً لدائرة ينتهي بشيء اسمه الأفق وهو مدى البصر. . وما يخيل إليك عنده أن السماء انطبقت على الأرض. إن كل إنسان منا له دائرة على حسب نظره فإذا ارتفع الإنسان تتسع الدائرة. . وإذا كان بصره ضعيفا يكون أفقه أقل، ويكون هو في وسط دائرة نصفها أمامه ونصفها خلفه. إذن الذي يقول الشطر هو النصف صحيح والذي يقول أن الشطر هو الجهة صحيح. وقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ . . أي اجعل وجهك جهة المسجد الحرام أو اجعل المسجد الحرام في نصف الدائرة التي أمامك. . وفي الزمن الماضي كانت العبادات تتم في أماكن خاصة. . إلى أن جاء رسول الله ﷺ َ فجعل الله له الأرض كلها مسجدا. إن المسجد هو مكان السجود ونظراً لأن السجود هو منتهى الخضوع لله فسمي المكان الذي نصلي فيه مسجدا. . ولكن هناك فرق بين مكان تسجد فيه ومكان تجعله مقصورا على الصلاة لله ولا تزاول فيه شيئا آخر. المسجد مخصص للصلاة والعبادة. . أما المكان الذي تسجد فيه وتزاول حركة حياتك فلا يسمى مسجداً إلا ساعة تسجد فيه. . والكعبة بيت الله. باختيار الله. وجميع مساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله. . ولذلك كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله. وقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ يعني أينما كنتم. . ﴿فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ . . لأن الآية نزلت وهم في مسجد بني سلمة بالمدينة فتحول المسلمون إلى المسجد الحرام. . وحتى لا يعتقد أحد أن التحويل في هذا المسجد فقط وفى الوقت الذي نزلت فيه الآية فقط قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ . . وقوله ﷻ : ﴿وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَمَا الله

стр. 582

بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ . . أي أن الذين أوتوا الكتاب ويحاولون التشكيك في اتباع رسول الله ﷺ َ. . يعلمون أن رسول الله هو الرسول الخاتم ويعرفون أوصافه التي ذكرت في التوراة والإنجيل. . ويعلمون أنه صاحب القبلتين. . ولو لم يتجه الرسول ﷺ َ من بيت المقدس إلى الكعبة. . لقالوا إن التوراة والإنجيل تقولان إن الرسول الخاتم محمداً ﷺ َ يصلي إلى قبلتين فلماذا لم تتحقق؟ ولكان هذا أدعى إلى التشكيك. إذن فالذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم. . لأنه في التوراة أن الرسول الذي سيجيء وسيتجه إلى بيت المقدس ثم يتجه إلى البيت الحرام. . فكأن هذا التحويل بالنسبة لأهل الكتاب تثبيت لإيمانهم بالرسول ﵊ ُ وليس سببا في زعزعة اليقين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ . . يريد الحق ﵎ أن يطمئن رسول الله ﷺ َ أن تشكيكهم لا يقدم ولا يؤخر. . فموقفهم ليس لطلب الحجة ولكن للمكابرة. . فهم لا يريدون حجة ولا دليلا إيمانياً. . ولكنهم يريدون المكابرة.

стр. 583

اتباع القبلة مظهر إيماني في الدين، فمادمت آمنت بدينك فاتبع قبلتك. . لا أؤمن بدينك لا اتبع قبلتك. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ ساعة تسمع «ولئن» واو ولام وإن. . هذا قسم. فكأن الحق ﵎ أقسم أنه لو أتى رسول الله ﷺ َ أهل الكتاب بكل آية ما آمنوا بدينه ولا اتبعوا قبلته. . لماذا؟ لأنهم لا يبحثون عن دليل ولا يريدون الاقتناع بصحة الدين الجديد. . ولو كانوا يريدون دليلا أو اقتناعا لوجدوه في كتبهم التي أنبأتهم عن رسول الله ﷺ َ وأنه النبي الخاتم وأعطتهم أوصافه. . فكأن الدليل عندهم ولكنهم يأخذون الأمر سفها وعنادا ومكابرة. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ . . فكأنه حين جاءت الآية بتغير القبلة أعلمنا الله أن المسلمين لن يعودوا مرة أخرى إلى الاتجاه نحو بين المقدس ولن يحولهم الله إلى جهة ثالثة. . ولكي يعلمنا الله أن اليهود والنصارى سيكونون في جانب ونحن سنكون في جانب آخر. . وأنه ليس هناك التقاء بيننا وبينهم. قال سبحانه: ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ . . فالخلاف في القبلة مستمر إلى يوم القيامة.

стр. 584

وقول الحق: ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظالمين﴾ . . حين يخاطب اللهُ رسوله وحبيبه محمداً ﷺ َ بهذه الآية. . وهو يعلم أن محمدا الرسول المعصوم لا يمكن أن يتبع أهواءهم. . نقول إن المقصود بهذه الآية هي أمة محمد ﷺ َ. إن الله يخاطب أمته في شخصه قائلا: ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظالمين﴾ . . ما هي أهواء أهل الكتاب؟ هي أن يهادنهم رسول الله ﷺ َ أو يقول إن ما حرفوه في كتبهم أنزله الله. . وهكذا يجعل هوى نفوسهم أمراً متبعا. . فكأن الله يريد أن يلفت أمة محمد ﵊ ُ. . إلى أن كل من يتبع أهواء أهل الكتاب وما حرفوه سيكون من الظالمين مهما كانت درجته من الإيمان. . وإذا كان الله ﵎ لن يقبل هذا من رسوله وحبيبه فكيف يقبله من أي فرد من أمة محمد ﷺ َ؟ إن الخطاب هنا يمس قمة من قمم الإيمان التي تفسد العقيدة كلها. . والله يريدنا أن نعرف أنه لا يتسامح فيها ولا يقبلها حتى لو حدثت من رسوله ولو أنها لن تحدث. . ولكن لنعرف أنها مرفوضة تماما من الله على أي مستوى من مستويات الإيمان حتى في مستوى القمة فتبتعد أمة محمد عن مثل هذا الفعل تماما.

стр. 585

الله ﵎ يقول إن الذين جاءهم الكتاب قبل رسول الله ﷺ َ يعرفونه. . يعرفون ماذا؟ هل يعرفون أمر تحويل القبلة؟ أم يعرفون أمر رسول الله ﷺ َ وبعثه ورسالته التي يحاولون أن يشككوا فيها؟ الله يشرح لنا ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ [البقرة: ٨٩] فكأن اليهود والنصارى يعرفون رسالة محمد ﷺ َ. . ومكتوب في التوراة والإنجيل أنه الحق ومطلوب منهم أن يؤمنوا به. . إن كعب الأحبار كان جالسا وعمر بن الخطاب ﵁ كان موجودا فسأله عمر أكنتم تعرفونه يا كعب؟ أي أكنتم تعرفون محمداً ﷺ َ ورسالته وأوصافه؟ فقال كعب وهو من أحبار اليهود. . أعرف كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد. . فلما سألوه لماذا؟ قال لأن ابني أخاف أن تكون امرأتي خانتني فيه أما محمد ﷺ َ) فأوصافه مذكورة بالدقة في التوراة بحيث لا نخطئه. إذا فأهل الكتاب يعرفون رسول الله ﷺ َ ويعرفون زمنه ورسالته. . والذين أسلموا منهم وآمنوا فعلوا ذلك عن اقتناع، أما الذين لم يؤمنوا

стр. 586

وكفروا بما جاء به رسول الله ﷺ َ عرفوا ولكنهم كتموا ما يعرفونه. . ولذلك يقول الله عنهم: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . . وساعة تقول كتم الشيء. . فكأن الشيء بطبيعته كان يجب أن يبرز وينتشر. . والحق بطبيعته لابد أن يبرز وينتشر ولكن إنكار الحق وكتمه يحتاج إلى مجهود. إن الذين يحققون في القضايا الدقيقة يحاولون أن يمنعوا القوة أن تكتم الحق. . فيجعلون من يحققون معه لا ينام حتى تنهار قواه فينطق بالحقيقة. . لأن النطق بالحق لا يحتاج إلى مجهود، أما كتم الحق فهو الذي يحتاج إلى كجهود وقوة، وعدم النطق بالحق عملية شاقة. . ولكن الله يقول: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . . أي أنهم ليسوا جاهلين ولكنهم على علم بالحقيقة. . والحق من الله فهل يستطيع هؤلاء كتمانه؟ طبعا لا، لابد أن يظهر. . فإذا انتشر الكذب والباطل فهو كالألم الذي يحدث في الجسد. . الناس تكره الألم ولكن الألم من جنود الشفاء لأنه يجعلك تحس أن هناك شيئا أصابه مرض فتتجه إليه بأسباب العافية. إن أخطر الأمراض هي التي لا يصاحبها ألم ولا تحس بها إلا بعد أن يكون قد فات وقت العلاج. . والحق دائما غالب على أمره ولذلك لا توجد معركة بين حقين. . أما الباطل فتوجد معركة بين باطل وباطل. وبين حق وباطل. لأنه لا يوجد إلا حق واحد أما الباطل فكثير. . والمعارك بين الحق والباطل تنتهي بهزيمة الباطل بسرعة. . ولكن الذي يطول هو معركة بين باطلين. . ولذلك فإن معارك العصر الحديث تطول وتتعب الدنيا. . فمعارك الحرب العالمية الثانية مثلا لازالت آثارها ممتدة حتى الآن في الحرب الباردة وغير ذلك من الحروب الصغيرة. . ورسول الله ﷺ َ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»

стр. 587

الحق من الله . . ومادام من الله فلا تكونن من الذين يشكون في أن الحق سينتصر. . ولكن الحق لابد من قوة تحميه. . وكما يقول الشاعر: السيف إن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل فما فائدة أن يكون معك سيف بتار. . دون أن توجد اليد القوية التي ستضرب به. . ونحن غالبا نكون مضيعين للحق لأننا لا نوفر له القوة التي ينتصر بها. وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ . . الممتري هو الذي يشك في حدوث الشيء. . والشك معناه أنه ليست هناك نسبة تتغلب على نسبة. . أي أن الاحتمالين متساويان. . ولكن الحق من الله ولا توجد نسبة تقابله. . ولذلك لا يجب أن نشك ولا ندخل في جدل عقيم حول انتصار الحق.

стр. 588

شاء الله سبحانه أن يجعل الإنسان مختارا. . ومن هنا فإن له الاختيار في أن يؤمن أو لا يؤمن. . أن ينصر الحق أو ينصر الباطل. . أن يفعل الخير أو يفعل الشر. . كل هذه اختبارات شاء الله أن يعطيها للإنسان في الدنيا بحيث يستطيع أن يفعل أو لا يفعل. . ولكن هذا لن يبقى إلى الأبد. إن هذا الاختيار موجود في الحياة الدنيا. ولكن بشرية الإنسان تنتهي ساعة الاحتضار فعند مواجهة الموت ونهاية العمر يصبح الإنسان مقهورا وليس مختارا. . فهو لا يملك شيئا لنفسه ولا يستطيع أن يقول لن أموت الآن. . انتهت بشريته وسيطرته على نفسه حتى أعضاؤه تشهد عليه. . ففي الحياة الدنيا كل واحد يختار الوجهة التي يتجه إليها، هذا يختار الكفر وهذا يختار الإيمان. . هذا يختار الطاعة وهذا يختار المعصية، فمادام للإنسان اختيار فكل واحد له وجهة مختلفة عن الآخر. . والذي يهديه الله يتجه إلى الخيرات وكأنه يتسابق إليها. . لماذا؟ لأنه لا يعرف متى يموت ولذلك كلما تسابق إلى خير كان ذلك حسنة أضافها لرصيده. إن المطلوب من المؤمنين في الحياة الدنيا أن يتسابقوا إلى الخيرات قبل أن يأتيهم الأجل ولا يحسب واحد منهم أنه سيفلت من الله. . لأنه كما يقول : ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعاً﴾ . . أي أنه ليس هناك مكان تستطيعون أن تختفوا فيه عن علم الله ﵎ بل هو يعرف أماكنكم جميعا واحدا واحدا وسيأتي بكم جميعا مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٧]

стр. 589

وقوله سبحانه: ﴿ففروا إِلَى الله إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] أي أن الحق ﷻ يريدنا أن نعرف يقينا أننا لا نستطيع أن نفر من علمه. ولا من قدره ولا من عذابه. . وأن الطريق الوحيد المفتوح أمامنا هو أن نفر إلى الله. . وأنه لا منجاة من الله إلا إليه. . ولذلك لا يظن كافر أو عاص أنه سيفلت من الله. . ولا يظن أنه لن يكون موجودا يوم القيامة أو أنه لن يحاسب أو أنه يستطيع أن يختفي. إن غرور الدنيا قد يركب بعض الناس فيظنون أنهم في منعة من الله وأنهم لن يلاقوه. . نقول لهم إنكم ستفاجأون في الآخرة حين تعرفون أن الحساب حق والجنة حق والنار حق. ستفاجأون بما سيحدث لكم. . ومن لم يؤمن ولم يسارع إلى الخير سيلقى الخزي والعذاب الأليم. . إن الله ينصحنا أن نؤمن وأن نسارع في الخيرات لننجوا من عذابه، ويقول لنا لن يفلت واحد منكم ولا ذرة من ذرات جسده من الوقوف بين يدي الله للحساب. . ولذلك ختم الله هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . . أي أن الله لا يعجزه شيء ولا يخرج عن طاعته شيء. . إنه سبحانه على كل شيء قدير.

стр. 590

لابد أن نتأمل كم مرة أكد القرآن الكريم قضية تحويل القبلة. . أكدها ثلاث مرات متقاربة. . لأن تحويل القبلة أحدث هزة عنيفة في نفوس المؤمنين. . والحق يريد أن يُذهب هذا الأثر ويؤكد تحويل القبلة تأكيدا إيمانيا. لقد جاء بثلاث آيات التي هي أقل الجمع. . واحدة للمتجه إلى الكعبة وهو داخل المسجد. . والثانية للمتجه وهو خارج المسجد. . والثالثة للمتجه من الجهات جميعا. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ . . هو رد على المنافقين واليهود والنصارى الذين حاولوا التشكيك في الإسلام. . بأن واجهوا المسلمين بقضية تغيير القبلة. . على أساس أنها قضية ما كان يجب أن تتم لأنه ليس فيها زيادة في التكليف ولا مشقة زائدة تزيد ثواب المؤمن. . فالجهد الذي يبذله المؤمن في الاتجاه إلى المسجد الأقصى هو نفس الجهد الذي يبذله في الاتجاه إلى البيت الحرام. . فأنت إذا اتجهت في صلاتك يمينا أو شمالا أو شرقا أو غربا فإن ذلك لا يضيف إليك مشقة. فما هو سبب التغيير؟ . نقول لهم إن هذه ليست حجة للتشكيك في تحويل القبلة لأن الاتجاه إلى المسجد الحرام هو طاعة الله. . ومادام الله قد قال فعلينا أن نطيع طاعة إيمانية. . يقول المولى ﷻ : ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . . أي أن ما فعلتموه من تحويل القبلة هو حق جاءكم من الله ﵎. . والله ليس غافلا عن عملكم بحيث تكونون قد اتجهتم إلى البيت الحرام. بل الله يعلم ما تبدون وما تكتمون. . فاطمئنوا أنكم على الحق وولوا وجوهكم تجاه المسجد الحرام. . واعملوا أن الله سبحانه محيط بكم في كل ما تعملون.

стр. 591

الحق ﵎ يؤكد لرسوله ﷺ َ أن يتوجه هو والمسلمون إلى المسجد الحرام. . سواء كانوا في المدينة أو في خارج المدينة أو في أي مكان على الأرض. . وتلك هي قبلتهم في كل صلاة بصرف النظر عن المكان الذين يصلون فيه. وقوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ . . الناس هنا المقصود بهم المنافقون واليهود والنصارى. . حجة في ماذا؟ لأن المسلمين كانوا يتجهون إلى بيت المقدس فاتجهوا إلى المسجد الحرام. . وليس لبيت المقدس قدسية في ذاته ولا للمسجد الحرام قدسية في ذاته كما قلنا. . ولكن نحن نطيع الأمر من الآمر الأعلى وهو الله. . إن الله ﵎ أطلق على المنافقين واليهود والنصارى كلمة (ظلموا) ووصفهم بأنهم الذين ظلموا. . فمن هو الظالم؟ الظالم هو من ينكر الحق أو يغير وجهته. أو ينقل الحق إلى باطل والباطل إلى حق. . والظلم هو تجاوز الحد وكأنه سبحانه وصفهم بأنهم ق تجاوزوا الحق وأنكروه يقول سبحانه: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ﴾ أي لا تخشوا الذين ظلموا: ﴿واخشوني وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . . أي أن الخشية لله وحده والمؤمن لا يخشى بشرا. . لأنه يعلم أن القوة لله جميعا. . ولذلك فإنه يقدم على كل عمل بقلب لا يهاب أحدا إلا الحق. وقوله سبحانه: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . . تمام النعمة هو

стр. 592

الإيمان. وتمام النعمة هو تنفيذ مطلوبات الإيمان. . فإذا هدانا الله للإيمان فهذا من تمام نعمة علينا. ولكي يكونُ الإيمان صحيحا ومقبولا فلابد أن أؤدي مطالبه والمداومة على تنفيذ تكليفات الله لنا، فلا نجعل التكليف ينقطع. لأن التكليف نعمة بغيرها لا تصلح حياتنا ولا تتوالى نعم التكليف من الله إلا إذا أقبلنا على منهج الله بعشق. . وأنت حينما تأتي إلى المنهج قد يكون شاقا، ولكن إذا تذكرت ثواب كل طاعة فإنك ستخشع وتعشق التكليف. . لأنك تعرف العمل الصالح بثوابه والعمل في المعصية بعقابه. . ولذلك قال الله ﵎: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦] إذن الخاشعون هم الذين يقرنون الطاعة بالثواب والمعصية بالعقاب والعذاب، لأن الذي ينصرف عن الطاعة لمشقتها عزل الطاعة عن الثواب فأصبحت ثقيلة، والذي يذهب إلى المعصية عزل المعصية عن العقاب فأصبحت سهلة. . فمن تمام النعمة أن يديم الله علينا فعل مطلوبات الإيمان. . ولذلك في حجة الوداع نزلت على رسول الله ﷺ َ الآية الكريمة: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: ٣] وكان ذلك إخبارا بتمام رسالة رسول الله ﷺ َ بأن الأحكام التكليفية قد انتهت. . ولكن الذين يستثقلون التكليف تجدهم يقولون لك لقد عم الفساد والله لا يكلف نفسا إلا وسعها. . كأنه يحكم بأن هذا في وسعه وهذا ليس في وسعه وعلى ضوئه يأخذ التكليف. . نقول له أَكَلَّفَ الله أم لم يُكلِّف، إن كان قد كَلّف فيكون التكليف في وسعك. . لأنه سبحانه حين يجد مشقة يأمر التخفيف مثل إباحة قصر الصلاة للمسافر وإباحة الإفطار في رمضان للمريض والمسافر فهو سبحانه قد حدد ما في وسعك.

стр. 593

قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . . الهداية هي الطريق المستقيم الموصل إلى الغاية وهو أقصر الطرق، وغاية هذه الحياة هي أن تصل إلى نعيم الآخرة. . الله أعطاك في الدنيا الأسباب لتحكم حركة حياتك ولكن هذه ليست غاية الحياة. . بل الغاية أن نذهب إلى حياة بلا أسباب وهذه هي عظمة قدرة الله . . والله ﷻ يأتي ليعلمنا في الآخرة أنه خلقنا لنعيش في الدنيا بالأسباب وفي الآخرة لنعيش في كنفه بلا أسباب. إذن قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . . أي لعلكم تنتبهون وتعرفون الغاية المطلوبة منكم. . ولا يظن أحدكم أن الحياة الدنيا هي الغاية أو هي النهاية أو هي الهدف. . فيعمل من أجل الدنيا فيأخذ منها ما يستطيع حلالا أو حراما باعتبارها المتعة الوحيدة المخلوقة له. . نقول لا، إنه في هذه الحالة يكون قد ضل ولم يهتد لأنه لو اهتدى لعرف أن الحياة الحقيقية للإنسان هي في الآخرة. ولعرف أن نعيم الآخرة الذي لا تفوته ولا يفوتك. . يجب أن يكون هدفنا في الحياة الدنيا فنعمل ما نستطيع لنصل إلى النعيم بلا أسباب في الجنة.

стр. 594

الله ﷻ بعد أن حدثنا عن الهداية إلى منهجه وإلى طريقه. حدثنا عن نعمته علينا بإرسال رسول يتلو علينا آيات الله. ورسول الله ﷺ َ هو الذي ستأتي على يديه قمة النعم وهو القرآن والدين الخاتم. قوله تعالى: ﴿رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾ أي ليس من جنس آخر. ولكنه ﷺ َ رسول منكم تعرفونه قبل أن يكلف بالرسالة وقبل أن يأتي بالحجة. . لماذا؟ لأنه معروف بالخلق العظيم وبالقول الكريم والأمانة وبكل ما يزيد الإنسان رفعة وعلوا واحتراما. . إن أول من آمن برسول الله ﷺ َ هم أولئك الذين يعرفونه أكثر من غيرهم. . كأبي بكر الصديق وزجته ﷺ َ السيدة خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب. . هؤلاء آمنوا دون أن يطلبوا دليلا لأنهم أخذوا الإيمان من معرفتهم برسول الله ﷺ َ قبل أن يكلف بالرسالة. . فهم لم يعرفوا عنه كذبا قط. فقالوا إن الذي لا يكذب على الناس لا يمكن أن يكذب على الله فآمنوا. . فالله من رحمته أنه أرسل إليهم رسولا منهم أميا ليعلمه ربه. . ولذلك قال الحق ﵎: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]

стр. 595

الحق سبحانه يقول: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ . . الآيات هي القرآن الكريم والتزكية هي التطهير ولابد أن يكون هناك دنس ليطهرهم منه. . فيطهرهم من عبادة الأصنام ومن وأد البنات والخمر والميسر والربا. . ومعنى التزكية أيضا سلب الضار فكأنه جاءهم بالنفع وسلب منهم الضر. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب والحكمة﴾ . . الكتاب على إطلاقه ينصرف إلى القرآن الكريم والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. . والكتاب يعطيك التكليف إما أن يأمرك بشيء وإما أن ينهاك عن شيء. إذن فهي دائرة بين الفعل والترك. . والحكمة أن تفعل الفعل الذي يحقق لك خيرا ويمنع عنك الشر. وهي مأخوذة من الحكمة أو الحديدة التي توضع في فم الجواد لتحكم حركته في السير والوقوف، وتصبح كل حركة تؤدي الغرض منها والحكمة أيضا هي أحاديث رسول الله ﷺ َ مصداقا لقوله تعالى: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة﴾ [الأحزاب: ٣٤] وقوله سبحانه: ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ لأنكم أمة أمية. فإن بهرتكم الدنيا بحضارتها فستبهرونهم بالإشعاعات الإيمانية التي تجعلكم متفوقين عليهم. . فكل ما يأتيكم من السماء هو فوق كل حضارات الأرض. . لذلك يقول عمر بن الخطاب ﵁: ما عمر لولا الإسلام.

стр. 596

قوله تعالى: «فاذكروني» أي كل هذه النعم والفضل عليكم يجب ألا تنسوها. . أن تعيشوا دائما في ذكر من أنعم عليكم. . فالله يريد من عباده الذكر وهم كلما ذكروه سبحانه وشركوه شكرهم وزادهم. . والله يقول في حديث قدسي: «أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» هذه هي رغبة الكريم في أن يعطي بشرط أن نكون أهلا للعطاء لأنه يريد أن يعطيك أكثر وأكثر. . فقوله تعالى: «اذكروني» أي اذكروا الله في كل شيء. في نعمه. في عطائه. في ستره. في رحمته. في توبته. يقول بعض الصالحين: سمعت فيمن سمع عن حبيبي رسول الله ﷺ َ أنك إذا ما أقبلت على شرب الماء فقسمه ثلاثا. . أول جرعة قبل باسم الله واشربها، ثم قل الحمد لله وابدأ شرب الجرعة الثانية وقل باسم الله وبعد الانتهاء منها قل الحمد لله. . ثم قل باسم الله واشرب الجرعة الثالثة واختمها بقولك الحمد لله. فمادام هذه الماء في جوفك فلن تحدثك ذرة من جسدك بمعصية الله. جربها يوما في نفسك وقل باسم الله واشرب، وقل الحمد لله وكررها ثلاث مرات فإنك تكون قد استقبلت النعمة بذكر المنعم وأبعدت عن نفسك حولك وقوتك، وأنهيت النعمة بحمد الله. ولكن لماذا الماء؟ لأن الماء في الجوف أشبع من أي شيء آخر.

стр. 597

قوله تعالى: ﴿واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ الشكر على النعمة يجعل الله يزيدك منها. واقرأ قوله ﵎: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وشكر الله يذهب الغرور عن نفسك فلا تفتنك الأسباب وتقول أوتيته على علم مني. ﴿وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ أي لا تستروا نعم الله بل اجعلوها دائما على ألسنتكم. . فإن كل نعمة من نعم الله لو استقبلت بقولك «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» لا ترى في النعمة مكروها أبدا لأنك حصنت النعمة بسياج المنعم. . أعطيت لله حقه في نعمته فإن لم تفعل وتركتها كأنها منك وأنت موجدها ونسيت المنعم وهو الله فإن النعمة تتركك.

стр. 598

الله يطالبنا أن نستعين بالصبر والصلاة. . على ماذا؟ على كل ما يطلبه منا الله. . على تكليفاته ومنهجه نستعين على ذلك بالصبر والصلاة. . ولكن لماذا الصبر؟ لأن الصبر هو منع النفس من أي شيء يحدث وهو يأخذ ألوانا شتى حسب تسامي الناس في العبادة. فمثلا سئل الإمام علي ﵁ عن حق الجار؟ قال: تعلمون أنك لا تؤذيه؟ قالوا نعم. . قال وأن تصبر على أذاه. . فكأنه ليس مطلوبا منك فقط ألا تؤذي جارك بل تصبر على أذاه. . والصبر هو الذي يعينك على أن تفعل ما أمرك الله به ولا تفعل ما نهاك عنه. إن الله منعك من أشياء هي من شهوات النفس وأمرك بأشياء فيها مشقة وهذه محتاجة إلى الصبر. . وأنت أن أخذت منهج الله تعبداً ستأخذه فيما بعد عادة. يقول أحد الصالحين في دعائه: اللهم إني أسألك ألا تكلني إلى نفسي فإني أخشى يا رب ألا تثيبني على الطاعة لأنني أصبحت أشتهيها فسبحانك أمرتنا أن نحارب شهواتنا. . انظر إلى الطاعة من كثرة حب الله أصبحت مرغوبة محببة إلى النفس. . رسول الله ﷺ َ كان يقول لبلال ساعة الآذان: «أرحنا بها يا بلال» ولم يقل كما يقول بعض الناس والعياذ بالله أرحنا منها؛ ذلك أن هناك من يقول

стр. 599

لك أن الصلاة تكون على كتفي مثل الجبل وأرتاح، نقول له أنت ترتاح بها ولا ترتاح منها؛ لأنك وقفت بين يدي الله المكلف، ومادام الإنسان واقفا أمام ربه فكل أمر شاق يصبح سهلا. يقول أحد العابدين: أنا لا أواجه الله بعبوديتي ولكن أواجهه بربوبيته فأرتاح لأنه ربي ورب العالمين. . الذي له أب يعينه لا يحمل هما فما بالك بالذي له رب يعينه وينصره. قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ أي أنه يطلب منك أن تواجه الحياة في معية الله؛ فأنت لو واجهت المشكلات في معية من تثق في قوته تواجه الأمور بشجاعة فما بالك إذا كنت في معية الله وكل شيء في الوجود خاضع لله، أيجرؤ شيء أن يقف أمامك وأنت مع الله؟ إن الأحداث لا تملأ الخلق بالفزع والهلع إلا ساعة الانفلات من حضانة ربهم. . وإنما من يعيش في حضانة ربه لا يجرؤ عليه الشيطان فالشيطان خناس. . ما معنى خناس؟ إذا سهوت عن الله اجترأ عليك وإذا ذكرت الله خنس وضعف؛ فهو لا قوة له. . وهو لا يدخل مع الله في معركة، وإنما يدخل مع خلق الله الذين ينسون الله ويبتعدون عنه يقول القرآن الكريم: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] ومادام الله مع الصابرين فلابد أن نعشق الصبر. . وكيف لا نعشق ما يجعل الله معنا؟ يقول الحق ﷻ في الحديث القدسي: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده» يقول بعض الصالحين: اللهم إني استحي أن أسألك الشفاء والعافية

стр. 600

حتى لا يكون ذلك زهدا في معيتي لك. . إذن لابد أن نعشق الصبر لأنه يجعلنا دائماً في معية الله. الله يقول: ﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ . . ونحن نريد أن يكون الله سبحانه معنا دائما. . إن هذه الآية لا تجعل الإنسان ييأس مهما لقى في حركة حياته من المشقة.
следующие страницы →