← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بيت ربهم. . وكلما كربهم شيء أو همهم شيء توجهوا إلى ربهم وهم في بيته فيذهب عنهم الهم والكرب. . ولذلك فإن الحق يقول: ﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] أفئدة وليست أجساما وتهوى أي يلقون أنفسهم إلى البيت. . والحج هو الركن الوحيد الذي يحتال الناس ليؤدوه. . حتى غير المستطيع يشق على نفسه ليؤدي الفريضة. . والذي يؤديه مرة ويسقط عنه التكليف يريد أن يؤديه مرة أخرى ومرات. إن من الخير أن تترك الناس يثوبون إلى بيت الله. . ليمحو الله سبحانه ما في صدورهم من ضيق وهموم مشكلات الحياة. وقوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ . . أمنا يعني يؤمّن الناس فيه. . العرب حتى بعد أن تحللوا من دين إسماعيل وعبدوا الأصنام كانوا يؤمنون حجاج بيت الله الحرام. . يلقي أحدهم قاتل أبيه في بيت الله فلا يتعرض له إلا عندما يخرج. والله يضع من التشريعات ما يريح الناس من تقاتلهم ويحفظ لهم كبرياءهم فيأتي إلى مكان ويجعله آمنا. . ويأتي إلى شهر ويجعله آمنا لا قتال فيه لعلهم حين يذوقون السلام والصفاء يمتنعون عن القتال. والكلام عن هذه الآية يسوقنا إلى توضيح الفرق بين أن يخبرنا الله أن البيت آمن وأن يطلب منا جعله آمنا. . إنه سبحانه لا يخبرنا بأن البيت آمن ولكن يطلب منا أن نؤمّن من فيه. . الذي يطيع ربه يؤمن من في البيت والذي لا يطيعه لا يؤمنه. . عندما يحدث هياج من جماعة في الحرم اتخذته ستاراً لتحقيق أهدافها. . هل يتعارض هذا مع قوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ . . نقول لا. . إن الله لم يعط لنا هذا كخبر ولكن كتشريع. . إن أطعنا الله نفذنا هذا التشريع وإن لم نطعه لا ننفذه.

стр. 527

وقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ . . وهنا نقف قليلا فهناك مَقام بفتح الميم ومُقام بضم الميم. . قوله تعالى: ﴿ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] مَقام بفتح الميم إسم لمكان من قام. . ومُقام بضم الميم اسم لمكان من أقام. . فإذا نظرت إلى الإقامة فقل مُقام بضم الميم. . وإذا نظرت إلى مكان القيام فقل مقام بفتح الميم. . إذن فقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ بفتح الميم اسم المكان الذي قام إبراهيم فيه ليرفع القواعد من البيت ويوجد فيه الحجر الذي وقف إبراهيم عليه وهو يرفع القواعد. ولكن لماذا أمرنا الله بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ لأنهم كانوا يتحرجون عن الصلاة فيه. . فالذي يصلي خلف المقام يكون الحجر بينه وبين الكعبة. . وكان المسلمون يتحرجون أن يكون بينهم وبين الكعبة شيء فيخلون من الصلاة ذلك المكان الذي فيه مقام إبراهيم. . ولذلك قال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ َ: ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ وسؤال عمر ينبع من الحرص على عدم الصلاة وبينه وبين الكعبة عائق وهم لا يريدون ذلك. . ولما رأى عمر مكانا في البيت ليس فيه صلاة يصنع فجوة بين المصلين أراد أن تعم الصلاة كل البيت. . فنزلت الآية الكريمة: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ . وإذا كان الله قد أمرنا أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى. . فكأنه ﷻ أقر وجود مكان إبراهيم في مكانه فاصلا بين المصلين خلفه وبين الكعبة. . وذلك لأن مقام إبراهيم له قصة تتصل بالعبادة وإتمامها على الوجه الأكمل، والمقام سيعطينا حيثية الإتمام لأن الله يقول: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]

стр. 528

إذن هناك آيات واضحة يريدنا الله سبحانه أن نراها ونتفهمها. . فمقام إبراهيم هو مكان قيامه عندما أمره الله برفع القواعد من البيت. . والترتيب الزمني للأحداث هو أن البيت وُجد أولا. . ثم بعد ذلك رفعت القواعد ووضع الحجر الأسود في موقعه وقد وضعه إبراهيم ﵇. إن الله لا يريد أن يعطينا التاريخ بقدر ما يريد أن يعطينا العبرة؛ فقصة بناء البيت وقع فيها خلاف بين العلماء. . متى بني البيت؟ بعض العلماء جعلوا بداية البناء أيام إبراهيم وبعضهم يرى أنه من عهد آدم وفريق ثالث يقول إنه من قبل آدم. . وإذا حكمنا المنطق والعقل وقرأنا قول الحق ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾ [البقرة: ١٢٧] نسأل ما الرفع أولا؟ هو الصعود والإعلاء، فكل بناء له طول وله عرض وله ارتفاع. . ومادامت مهمة إبراهيم هي رفع القواعد فكأن هناك طولا وعرضا للبيت وإن إبراهيم سيحدد البعد الثالث وهو الارتفاع. . إن البيت كان موجودا قبل إبراهيم. . ثم جاء الطوفان الذي غمر الأرض في عهد نوح فأخفى معالمه. . فأراد الله أن يظهره ويبين مكانه للناس. والكعبة ليست هي البيت ولكنها هي المكين الذي يدلنا على مكان البيت. . إذن فالذين فهموا من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت﴾ . . بمعنى أن إبراهيم هو الذي بنى البيت. . نقول لهم إن البيت كان موجودا قبل إبراهيم وأن مهمة إبراهيم اقتصرت على رفع القواعد لإظهار مكان البيت للناس. . ودليلنا على ذلك أنه الآن وقد ارتفع البناء حول الكعبة. . من يصلي على السطح لا يسجد للكعبة ولكنه يسجد لجوّ الكعبة. . ومن يصلي في الدور الأسفل يصلي أيضا للكعبة لأن المكان غير المكين. ولعل أكبر دليل على ذلك من القرآن الكريم. . أن إبراهيم حين أخذ هاجر وابنها

стр. 529

إسماعيل وتركهما في بيت الله الحرام ولم يكن قد بنى الكعبة في ذلك الوقت. . ذكر البيت واقرأ قول الحق ﵎ في دعاء إبراهيم وهو يترك هاجر وطفلها الرضيع: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة﴾ [إبراهيم: ٣٧] يعني أن البيت كان موجودا وإسماعيل طفل رضيع. . ولكن القواعد من البيت قد أقيمت بعد أن أصبح إسماعيل شابا يافعا يستطيع أن يعاون أباه في بناء الكعبة. . إذن فمكان بيت الله الحرام كان موجودا قبل أن يبني إبراهيم ﵇ الكعبة. . ولكن مكان البيت لم يكن ظاهرا للناس، ولذلك بين الله لإبراهيم مكان البيت حتى يضع له العلامة التي تدل الناس عليه. . واقرأ قوله ﵎: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج: ٢٦] إن كثيرا من المفسرين يخفى عليهم حقيقة ما جاء في القرآن. والمفروض أننا حين نتعرض لقضية بناء البيت لابد أن نستعرض جميع الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول هذه القصة. . ومنها قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] والكلام هنا عن البيت. والقول إنه وضع للناس. والناس هم آدم وذريته حتى تقوم الساعة. . وعلى ذلك لابد أن نفهم أن البيت مادام وضع للناس فالناس لم يضعوه. . ولكن الله هو الذي وضعه وحدده، وعدل الله يأبى إلا أن يوجد البيت قبل أن يخلق آدم. ولذلك فإن الملائكة هم الذين وضعوه بأمر الله وحيث أراد الله لبيته أن يوضع. . والله مع نزول آدم إلى الأرض شرع التوبة وأعد هذا البيت ليتوب الناس فيه إلى ربهم وليقيموا الصلاة ويتعبدوا فيه.

стр. 530

وعندما أراد إبراهيم أن يقيم القواعد من البيت كان يكفي أن يقيمها على قدر طول قامته ولكنه أتى بالحجر ليزيد القواعد بمقدار ارتفاع الحجر. . ويريد الله بمقام إبراهيم واتخاذه مصلى أن يلفتنا إلى أن الإنسان المؤمن لابد أن يعشق التكليف. . فلا يؤديه شكلا ولكن يؤديه بحب ويتحايل ليزيد تطوعا من جنس ما فرض الله عليه. إن الحجر الموجود في مقام إبراهيم إنما هو دليل على عشقه ﵇ لتكاليف ربه ومحاولته أن يزيد عليها. وإن الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم به حفر على شكر قدميه. . وهما بين قائل أن الحجر لان تحت قدمي إبراهيم من خشية الله. . وبين قائل إن إبراهيم هو الذي قام بحفر مكان في الحجر على هيئة قدميه. . حتى إذا وقف عليه ورفع يده إلى أعلى ما يمكن ليعلي القواعد من البيت كان توازنه محفوظا. وقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ دليل على البيت زالت معالمه تماما وأصبح مثل سائر الأرض فذبحت فيه الذبائح وألقيت المخلفات، فأمر الله أن يطهر هو وإسماعيل البيت من كل هذا الدنس ويجعله مكانا لثلاث طوائف: «الطائفين» وهذه مأخوذة من الطواف وهو الدوران حول الشيء. . ولذلك يسمون شرطة الحراسة بالليل طوافة لأنهم يطوفون في الشوارع في أثناء الليل. والله ﷻ يقول: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠] وهذه هي قصة الحديقة التي منع أولاد الرجل الصالح بعد وفاته حق الفقراء والمساكين فيها فأرسل الله سبحانه من طاف بها. . أي مشى في كل جزء منها فأحرق أشجارها. . فالطائف هو الذي يطوف. . ﴿والعاكفين﴾ هم المقيمون ﴿والركع السجود﴾ هم المصلون فتطهير البيت للطواف به والإقامة والصلاة فيه. . وهو مطهر أيضا لأنه سيكون قبلة للمسلمين لكل راكع أو ساجد في الأرض حتى قيام الساعة.

стр. 531

يقول الحق : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ . . ومادام الله قد جعله أمنا فما هي جدوى دعوة إبراهيم أن تكون مكة بلدا آمنا. . نقول إذا رأيت طلبا لموجود فاعلم أن القصد منه هو دوام بقاء ذلك الموجود. . فكأن إبراهيم يطلب من الله أن يديم نعمة الأمن في البيت. . ذلك لأنك عندما تقرأ قول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بالله وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ [النساء: ١٣٦] هو خاطبهم بلفظ الإيمان ثم طلب منهم أن يؤمنوا. . كيف؟ نقول إن الله سبحانه يأمرهم أن يستمروا ويداوموا على الإيمان. . ولذلك فإن كل مطلوب لموجود هو طلبٌ لاستمرار هذا الموجود. وقول إبراهيم: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ . . أي يا رب إذا كنت قد جعلت هذا البيت آمنا من قبل فأمنه حتى قيام الساعة. . ليكون كل من يدخل إليه آمنا لأنه

стр. 532

موجود في واد غير ذي زرع. . وكانت الناس في الماضي تخاف أن تذهب إليه لعدم وجود الأمان في الطريق. . أو آمنا أي أن يديم الله على كل من يدخله نعمة الإيمان. وقوله تعالى: ﴿اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ تكررت في آية أخرى تقول: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ . . فمرة جاء بها نكرة ومرة جاء بها معرفة. . نقول إن إبراهيم حين قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ . . طلب من الله شيئين. . أن يجعل هذا المكان بلدا وأن يجعله آمنا. ما معنى أن يجعله بلدا؟ هناك أسماء تؤخذ من المحسات. . فكلمة غصب تعني سلخ الجلد عن الشاة وكأن من يأخذ شيئا من إنسان غصبا كأنه يسلخه منه بينما هو متمسك به. كلمة بلد حين تسمعها تنصرف إلى المدينة. . والبلد هو البقة تنشأ في الجلد فتميزه عن باقي الجلد كأن تكون هناك بقعة بيضاء في الوجه أو الذراعين فتكون البقعة التي ظهرت مميزة ببياض اللون. . والمكان إذا لم يكن فيه مساكن ومبان فيكون مستويا بالأرض لا تستطيع أن تميزه بسهولة. . فإذا أقمت فيه مباني جعلت فيه علامة تميزه عن باقي الأرض المحيطة به. وقوله تعالى: ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ . . هذه من مستلزمات الأمن لأنه مادام هناك رزق وثمرات تكون مقومات الحياة موجودة فيبقى الناس في هذا البلد. . ولكن إبراهيم قال: ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ فكأنه طلب الرزق للمؤمنين وحدهم. . لماذا؟ لأنه حينما قال له الله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤]

стр. 533

قال إبراهيم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] قال الله سبحانه: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] فخشي إبراهيم وهو يطلب لمن سيقيمون في مكة أن تكون استجابة الله سبحانه كالاستجابة السابقة. . كأن يقال له لا ينال رزق الله الظالمون. فاستدرك إبراهيم وقال: ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ . . ولكن الله سبحانه أراد أن يلفت إبراهيم إلى أن عطاء الألوهية ليس كعطاء الربوبية. . فإمامة الناس عطاء ألوهية لا يناله إلا المؤمن، أما الرزق فهو عطاء ربوبية يناله المؤمن والكافر. لأن الله هو الذي استدعانا جميعا إلى الحياة وكفل لنا جميعا رزقنا. . وكأن الحق سبحانه حين قال: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ . . كان يتحدث عن قيم المنهج التي لا تعطى إلا للمؤمن ولكن الرزق يعطى للمؤمن والكافر. . لذلك قال الله سبحانه: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ . . وفي هذا تصحيح مفاهيم بالنسبة لإبراهيم ليعرف أن كل من استدعاه الله تعالى للحياة له رزقه مؤمنا كان أو كافرا. والخير في الدنيا على الشيوع. فمادام الله قد استدعاك فإنه ضمن لك رزقك. إن الله لم يقل للشمس أشرقي على أرض المؤمن فقط، ولم يقل للهواء لا يتنفسك ظالم وإنما أعطى نعمة استبقاء الحياة واستمرارها لكل من خلق آمن أو كفر. . ولكن من كفر قال عنه الله : ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ . . التمتع هو شيء يحبه الإنسان ويتمنى دوامه وتكراره. وقوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ دليل على دوام متعته، أي له المتعة في الدنيا. ولكل نعمة متعة، فالطعام له متعة والشراب له متعة والجنس له متعة. . إذن التمتع في الدنيا بأشياء متعددة. ولكن الله ﵎ وصفه بأنه قليل. . لأن المتعة في الدنيا مهما بلغت وتعدّدت ألوانها فهي قليلة.

стр. 534

واقرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار﴾ . . ومعنى أضطره أنه لا اختيار له في الآخرة، فكأن الإنسان له اختيار في الحياة الدنيا يأخذ هذا ويترك هذا ولكن في الآخرة ليس له اختيار. . فلا يستطيع وهو من أهل النار مثلا أن يختار الجنة بل إن أعضاءه المسخرة لخدمته في الحياة الدنيا والتي يأمرها بالمعصية فتفعل، لا ولاية له عليها في الآخرة وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] أي أن الجوارح التي كانت تطيع الكافر في المعاصي في الدنيا لا تطيعه يوم القيامة؛ فاللسان الذي كان ينطق كلمة الكفر والعياذ بالله يأتي يوم القيامة يشهد على صاحبه. . والقدم التي كانت تمشي إلى أماكن الخمر واللهو والفسوق تشهد على صاحبها، واليد التي كانت تقتل وتسرق تشهد على صاحبها. وقوله: «اضطره» معناه أن الإنسان يفقد اختياره في الآخرة ثم ينتهي إلى النار وإلى العذاب الشديد مصداقا لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير﴾ . . أي أن الله يحذر الكافرين بأن لهم النار والعذاب في الآخرة ليس على اختيار منهم ولكن وهم مقهورون.

стр. 535

يقول الله لرسوله ﷺ َ اذكر عندما كان إبراهيم يرفع القواعد من البيت. . وجاءت ﴿يَرْفَعُ﴾ هنا فعلا مضارعا لِتصويرِ الحدث الآن وفي المستقبل. ولكن هل يرفع إبراهيم القواعد من البيت الآن؟ أم أنه رفع وانتهى؟ طبعا هو رفع وانتهى، ولكن الله يريد أن يستحضر حالة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت. . والله يريد من المؤمنين أن يتصوروا عملية الرفع، فلم يكن إبراهيم يملك سلما حتى يرفعه ويقف فوقه، ولم يكن يملك «سقالة» . . ولكن غياب هذه النعم لم يمنع إبراهيم من أن يتحايل ويأتي بالحجر. إن الله يريد منا ألا ننسى هذه العملية، وإبراهيم وابنه إسماعيل يذهبان للبحث عن حجر، ولابد أن يكون الحجر خفيف الوزن ليستطيعا أن يحملاه إلى مكان البناء. . ثم يقف إبراهيم على الحجر وإسماعيل يناوله الأحجار الأخرى التي سيتم بها رفع القواعد من البيت. ورغم المشقة التي يتحملها الاثنان. . هما سعيدان. . وكل ما يطلبانه من الله هو أن يتقبل منهما. والقبول والمقابلة والاستقبال كلها من مادة مواجهة. . أي أنهما يسألان الله في موقف المعرض عن عمله، إنهما لا يريدان إلا الثواب: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ أي أعطنا الثواب عما نعمله لأجلك وتنفيذا لأمرك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾ . . أي أنت يا رب السميع الذي تسمع دعاءنا وتسمع ما نقول. . «والعليم» . . العليم بنيتنا ومدى إخلاصنا

стр. 536

لك. . وإننا نفعل هذا العمل ابتغاء لوجهك ولا نقصد غيرك. . ذلك أن الأعمال بالنيات، وقد يعمل رجلان عملا واحدا. أحدهما يثاب لأنه يعمله إرضاء لله وتقربا منه والآخر لا يثاب لأنه يفعله من أجل الدنيا. والله عليم بالنية فإن كان العمل خاصا لله تقبله، وإذا لم يكن خالصا لوجهه لا يتقبله. . ورسول الله ﷺ َ يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» إذن فالعمل إن لم يكن خالصا لله فلا ثواب عليه.

стр. 537

هناك فرق بين أن تُكَلَّفَ بشيء فتفعله بحب، وأن تفعل شكلية التكليف وتخرج من عملك خروج الذي ألقى عن كاهله عبء التكليف. . في هذه الآية الكريمة دعاء إبراهيم وابنه إسماعيل وكانا يقولان يا رب أنت أمرتنا أن نرفع القواعد من البيت وقد فعلنا ما أمرتنا. . وليس معنى ذلك أننا اكتفينا بتكليفك لنا لأننا نريد أن نذوق حلاوة التكليف منك مرات ومرات. . ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ نسلم كل أمورنا إليك. إن الإنسان لا يمكن أن ينتهي من تكليف ليطلب تكليفا غيره إلا إذا كان قد عشق حلاوة التكليف ووجد فيه استمتاعا. . ولا يجد الإنسان استمتاعا في التكليف إلا إذا استحضر الجزاء عليه. . كلما عمل شيئا استحضر النعيم الذي ينتظره على هذا العمل فطلب المزيد. إبراهيم وإسماعيل ﵉ بمجرد أن فرغا من رفع القواعد من البيت قالا: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ولم يكتفيا بذلك بل أرادا امتداد حلاوة التكليف إلى ذريتهما من بعدهما. . فيقولان: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ . . ليتصل أمد منهج الله في الأرض ويستمر التكليف من ذرية إلى ذرية إلى يقوم القيامة. . ثم يقولان: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ . . أي بين لنا يا رب ما تريده منا. بين لنا كيف نعبدك وكيف نتقرب إليك. . والمناسك هي الأمور التي يريد الله أن نعبده بها. وقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ ترينا أن إبراهيم يرغب في فتح أبواب التكليف على

стр. 538

نفسه، لأنه لا يرى في كل تكليف إلا تطهيرا للنفس وخيرا للذرية ونعيما في الآخرة. . ولذلك يقول كما يروي لنا الحق: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم﴾ . . وتب علينا ليس ضروريا أن نفهمها على أنها توبة من المعصية. . وأن إبراهيم وإسماعيل وقعا في المعصية فيريدان التوبة إلى الله. . وإنما لأنهما علما أن من سيأتي بعدهما سيقع في الذنب فطلبا التوبة لذريتهما. . ومن أين عَلِما؟ عندما قال الله لإبراهيم: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير﴾ . . لقد طلبا من الله ﵎ التوبة والرحمة لذريتهما. . والله يحب التوبة من عباده وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة. . لأن المعصية عندما تأخذ الإنسان من منهج الله لتعطيه نفعا عاجلا فإن حلاوة الإيمان إن كان مؤمنا ستجذبه مرة أخرى إلى الإيمان بعيدا عن المعاصي. . ولذلك قيل إن انتفعت بالتوبة وندمت على ما فعلت فإن الله لا يغفر لك ذنوبك فقط ولكن يبدل سيئاتك حسنات. . وقلنا أن تشريع التوبة كان وقاية للمجتمع كله من أذى وشر كبير. . لأنه لو كان الذنب الواحد يجعلك خالدا في النار ولا توبة بعده لتجبر العصاة وازدادوا شرا. . ولأصيب المجتمع كله بشرورهم ولَيَئِسَ الناس من آخرتهم لأن رسول الله ﷺ َ يقول: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» لذلك فمن رحمة الله سبحانه أنه شرع لنا التوبة ليرحمنا من شراسة الأذى والمعصية.

стр. 539

دعاء إبراهيم ﵇ الله ليتم نعمته على ذريته ويزيد رحمته على عباده. . بأن يرسل لهم رسولا يبلغهم منهج السماء حتى لا تحدث فترة ظلام في الأرض تنتشر فيها المعصية والفساد والكفر ويبعد الناس فيها الأصنام كما حدث قبل إبراهيم. كلمة ﴿رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ ترد على اليهود الذين أحزنهم أن رسول الله ﷺ َ من العرب، وأن الرسالة كان يجب أن تكون فيهم. . ونحن نقول لهم إن جدنا وجدكم إبراهيم وأنتم من ذرية يعقوب بن اسحق. ومحمد ﷺ َ من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وأخ لإسحاق. . ولا حجة لما تدعونه من أن الله فَضَّلَكم واختاركم على سائر الشعوب. . إنما أراد الحق أن يسلب منكم النبوة لأنكم ظلمتم في الأرض وعهد الله لا يناله الظالمون. أراد الحق ﵎ أن يقول لهم أن هذا النبي من نسل إبراهيم وأنه ينتمي إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وقوله تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ . . أي آيات القرآن الكريم. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾ . . يجب أن نعرف أن هناك فرقا بين التلاوة وبين التعليم. فالتلاوة هي أن تقرأ القرآن، أما التعليم فهو أن تعرف معناها وما جاءت به لتطبقه وتعرف من أين جاءت. . وإذا كان الكتاب هو القرآن الكريم

стр. 540

فإن الحكمة هي أحاديث رسول الله ﷺ َ التي قال الحق فيها في خطابه لزوجات النبي: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة﴾ [الأحزاب: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي ويطهرهم ويقودهم إلى طريق الخير وتمام الإيمان. وقوله ﷻ : ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ . . أي العزيز الذي لا يغلب لجبروته ولا يسأله أحد. . «والحكيم» الذي لا يصدر منه الشيء إلا بحكمة بالغة.

стр. 541

ما ملة إبراهيم؟ إنها عبادة الله وحده لا شريك له وعشق التكاليف؛ فإبراهيم وَفَّى كل ما كلفه به الله وزاد عليه. . وقابل الابتلاء بالطاعة الصبر. . فعندما ابتلاه الله بذبح ابنه الوحيد لم يتردد وكان يؤدي التكاليف بعشق ويحاول أن يستبقي المنهج السليم في ذريته. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ﴾ يعني يعرض ويرفض. ويقال رغب في كذا أي أحبه وأراده. ورغب عن كذا أي صَدَّ عنه وأعرض. . والذين يصدُّون عن ملة إبراهيم ويرفضونها هؤلاء هم السفهاء الجهلة، لذلك قال عنهم الله : ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ . . دليل على ضعف الرأي وعدم التفرقة بين النافع والضار. . فعندما يكون هناك من ورثوا مالاً وهم غير ناضجي العقل لا يتفق عقلهم مع سنهم نسميهم السفهاء. . والسفيه هو من لم ينضج رأيه ولذلك تنقل قوامته على ماله إلى ولي أو وصي؛ لأنه بِسَفَهِهِ غيرُ قادر على أن ينفق المال فيما ينفع. والقرآن الكريم يعالج هذه المسألة علاجا دقيقا فيقول: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً وارزقوهم فِيهَا واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [النساء: ٥]

стр. 542

نلاحظ أن الحق سمى أموال السفهاء بأموالي الولي ولم يعتبرها مال السفيه لأنه ليس أهلا للقيام عليها. . وجعل هذه الأموال تحت إشراف شخص آخر أكثر نضجا وحكمة. وقوله تعالى: «أموالكم» ليكون الولي أو الوصي حريصا عليها كَمَالِهِ أو أكثر ولكن هو قيم فقط. . فإذا بلغ الإنسان سن الرشد أو شفى السفيه من سفاهته يرد إليه ماله ليتصرف فيه. ونحن نرى عددا من الأبناء يرفعون قضايا على آبائهم وأمهاتهم يتهمونهم فيها بالسفه لأنهم لا يحسنون التصرف في أموالهم. . ثم يأخذون هذه الأموال ويبعثرونها هم. . والذي يجب أن يعلمه كل من يقوم بهذه العملية أنه لا حق له في إنفاق المال وتبذيره لحسابه الخاص، ولكنّ هناك حكمين: إما أن يكون الشخص فقيرا فله أن يأكل بالمعروف. . وإما أن يكون غنيا فيجعل عمله في الولاية لله لا يتقاضى عنه شيئا. . أما أن يأخذ المال ويبعثره على نفسه وشهواته وعلى زوجته وأولاده فهذا مرفوض ويحاسب عليه. . والله يقول: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾ [النساء: ٦] إذن الذي يعرض عن ملة إبراهيم هو سفيه لا يملك عقلا يميز بين الضار والنافع. ويقول الله : ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ . . اصطفاه في الدنيا بالمنهج وبأن جعله إماما وبالابتلاء. . وكثير من الناس يظن أن ارتفاع مقامات بعضهم في أمور الدنيا هو اصطفاء من الله لهم بأن أعطاهم زخرف الحياة الدنيا ويكون هذا مبررا لأن يعتقدوا أن لهم منزلةً عالية في الآخرة. . نقول لا، فمنازل الدنيا لا علاقة لها بالآخرة. ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا﴾ . . وأضاف: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ . . لنعلم أن إبراهيم ﵇ له منزلة عالية في الدنيا ونعيم في الآخرة أي الاثنين معا.

стр. 543

والله يريد أن يلفتنا إلى أنه قال لإبراهيم أسلم فقال أسلمت. . إذن فمطلوب الحق من عبده أن يسلم إليه. . ولم يقل الحق أسلم إِليّ، لأنها مفهومة. . ولم يقل أسلم لربك لأن الإسلام لا يكون إلا لله. لأنه هو سبحانه المأمون علينا. . على أن إبراهيم ﵇ قال في رده: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ . ومعنى ذلك أنه لن يكون وحده في الكون. لأنه إذا أسلم لله الذي سخر له ما في السماوات والأرض. . يكون قد انسجم مع الكون المخلوق من الله للإنسان. . ومَنْ أكثرُ نضجاً في العقل ممن يُسلم وجهه لله سبحانه. . لأنه يكون بذلك قد أسلمه إلى عزيز حكيم قوي لا يقهر، قادر لا تنتهي قدرته. . غالب لا يغلب، رزاق لا يأتي الرزق إلا منه. فكأنه أسلم وجهه للخير كله. والدين عند الله منذ عهد آدم إلى يوم القيامة هو إسلام الوجه لله، ولماذا الوجه؟ لأن الوجه أشرف شيء في الإنسان يعتز به ويعتبره سمة من سمات كرامته وعزته. . ولذلك فنحن حين نريد منتهى الخضوع لله في الصلاة نضع جباهنا ووجوهنا على الأرض. . وهذا منتهى الخشوع والخضوع أن تضع أشرف ما فيك وهو وجهك على الأرض إعلانا لخضوعك لله . والله ﷻ يريد من الإنسان أن يسلم قيادته لله. . بأن يجعل اختياراته في الدنيا لما يريده الله ﵎. . فإذا تحدث لا يكذب، لأن الله يحب الصدق،

стр. 544

وإذا كلف بشيء يفعله لأن التكليف في صالحنا ولا يستفيد الله منه شيئا. . وإذا قال الله تعالى تصدق بمالك أسرع يتصدق بماله ليرد له أضعافا مضاعفة في الآخرة وبقدرة الله. وهكذا نرى أن الخير كله للإنسان هو أن يجعل مراداته في الحياة الدنيا طبقا لما أراده الله. . وفي هذه الحالة يكون قد انسجم مع الكون كله وتجد أن الكون يخدمه ويعطيه وهو سعيد. أما من يسلم وجهه لغير الله فقد اعتمد على قوي يمكن أن يضعف، وعلى غني يمكن أن يفتقر. . وعلى موجود يمكن أن يموت ويصبح لا وجود له. ولذلك فهو في هذه الحالة يتصف بالسفاهة لأنه اعتمد على الضار وترك النافع.

стр. 545

عندما تقرأ كلمة وصى فاعلم أن الوصية تأتي لحمل الإنسان على شيء نافع في آخر وقت لك في الدنيا؛ لأن آخر ساعات الإنسان في الدنيا إن كان قد عاش فيها يغش الناس جميعا فساعة يحتضر لا يغش نفسه أبدا ولا يغش أحدا من الناس لماذا؟ لأنه يحس إنه مقبل على الله سبحانه فيقول كلمة الحق. النصح أو الوصية هي عظة تحب أن يستمسك بها من تنصحه وتقولها له مخلصا في آخر لحظة من لحظات حياته. . ولذلك سيأتي الله ليبين لنا ذلك في قوله: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] وهكذا يريد الله سبحانه أن يبين لنا أن الوصية دائما تكون لمن تحب. . وأن حب الإنسان لأولاده أكيد سواء أكان هذا الإنسان مؤمنا أم كافرا. . ونحن لا نتمنى أن يكون في الدنيا من هو أحسن منا إلا أبناءنا ونعمل على ذلك ليكون لهم الخير كله. وصّى إبراهيم بنيه، ويعقوب وصى بنيه. . وكانت الوصية ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين﴾ إذن فالوصية لم تكن أمرا من عند إبراهيم ولا أمرا من عند يعقوب. ولكن كانت أمرا اختاره الله للناس فلم يجد إبراهيم ولا يعقوب أن يوصيا

стр. 546

أولادهما إلا بما اختاره الله. . فكأن إبراهيم ائتمن الله على نفسه فنفذ التكاليف وائتمنه على أولاده فأراد منهم أن يتمسكوا بما اختاره لهم الله. قوله تعالى: ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ . . إبراهيم هو الأب الكبير وابنه اسحق وابن اسحق يعقوب. . ويعقوب هو الأب المباشر لليهود. . ويعقوب وصاهم كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ . أنت لا تنهى إنسانا عن أمر إلا إذا كان في إمكانه أن يتجنبه ولا تأمره به إلا إذا كان في إمكانه أن ينفذه. . فهل يملك أولاد يعقوب أن يموتوا وهم مسلمون؟ والموت لا يملكه أحد. . إنه يأتي في أي وقت فجأة. . ولكن مادام يعقوب قد وصى بنيه: ﴿لاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ فالمعنى لا تفارقوا الإسلام لحظة حتى لا يفاجئكم الموت إلا وأنتم مسلمون. والله أخفى موعد الموت ومكانه وسببه. . ليكون هذا إعلاما به ويتوقعه الناس في أي سن وفي أي مكان وفي أي زمان. . ولذلك قد نلتمس العافية في أشياء يكون الموت فيها. . والشاعر يقول: إن نام عنك فكل طب نافع ... أو لم ينم فالطب من أسبابه أي إن لم يكن قد جاء الأجل، فالطب ينفعك ويكون من أسباب الشفاء. . أما إذا جاء الأجل فيكون الطب سببا في الموت، كأن تذهب لإجراء عملية جراحية فتكون سبب موتك. . فالإنسان لابد أن يتمسك بالإسلام وبالمنهج ولا يغفل عنه أبدا. . حتى لا يأتيه الموت في غفلته فيموت غير مسلم. . والعياذ بالله.

стр. 547

هذا خطاب من يعقوب ينطبق ويمس اليهود المعاصرين لنزول القرآن الكريم. . يعقوب قال لأبنائه ماذا تعبدون من بعدي: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إلها وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . . هذا إقرار من الأسباط أبناء يعقوب بأنهم مسلمون وأن آباءهم مسلمون. . وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ﴾ . . فكأنه لم يحدث بعد موت إبراهيم وحين كان يعقوب يموت لم يحدث أن تغير المعبود وهو الله الواحد. . ولذلك قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿إلها وَاحِداً﴾ . . وسنأخذ من هذه الآية لقطة تفيدنا في أشياء كثيرة لأن القرآن سيتعرض في قصة إبراهيم أنه تحدث مع أبيه في شئون العقيدة. . فقال كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] ونحن نعلم أن رسول الله ﷺ َ من سلالة إسماعيل ابن إبراهيم. . والرسول ﵊ ُ قال: «

стр. 548

أنا سيد ولد آدم» فإذا كان آزرُ أبو إبراهيم كافراً وعابداً للأصنام. . فكيف تصح سلسلة النسب الشريف؟ نقول إنه لو أن القرآن قال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ﴾ وسكت لكان المعنى أن المخاطب هو أبو إبراهيم. . ولكن قول الله: ﴿لأَبِيهِ آزَرَ﴾ . . جاءت لحكمة. لأنه ساعة يذكر اسم الأب يكون ليس الأب ولكن العم. . فأنت إذا دخلت منزلا وقابلك أحد الأطفال تقول له هل أبوك موجود ولا تقول أبوك فلان لأنه معروف بحيث لن يخطئ الطفل فيه. . ولكن إذا كنت تقصد العم فإنك تسأل الطفل هل أبوك فلان موجود؟ فأنت في هذه الحالة تقصد العم ولا تقصد الأب. . لأن العم في منزلة الأب خصوصا إذا كان الأب متوفيا. إذن قول الحق : ﴿لأَبِيهِ آزَرَ﴾ بذكر الاسم فمعناه لعمه آزر. . فإذا قال إنسان هل هناك دليل على ذلك؟ نقول نعم هناك دليل من القرآن في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ﴾ . . والآباء جمع أب، ثم حدد الله ﵎ الآباء، إبراهيم وهو الجد يطلق عليه أب. . وإسماعيل وهو العم يطلق عليه أب واسحق وهو أبو يعقوب وجاء إسماعيل قبل اسحق. إذن ففي هذه الآية جمع أب من ثلاثة هم إبراهيم وإسماعيل واسحق. . ويعقوب الذي حضره الموت وهو ابن اسحق، ولكن أولاد يعقوب لما خاطبوا أباهم قالوا آباءك ثم جاءوا بأسمائهم بالتحديد. . وهم إبراهيم الجد وإسماعيل العم واسحق أبو يعقوب وأطلقوا عليهم جميعا لقب الأب. . فكأن إسماعيل أطلق عليه الأب وهو العم وإبراهيم أطلق عليه الأب وهو الجد واسحق أطلق عليه الأب وهو الأب. . فإذا قال رسول الله ﷺ َ: «أنا أشرف الناس حسباً ولا فخر»

стр. 549

يقول بعض الناس كيف ذلك ووالد إبراهيم كان غير مسلم. . ورسول الله ﷺ َ قال: «أنا سيد ولد آدم» فإذا قال أحدهم كيف هذا وأبو إبراهيم ﵇ كان مشركا عابدا للأصنام. . نقول له لم يكن آزر أبا لإبراهيم وإنما كان عمه، ولذلك قال القرآن الكريم ﴿لأَبِيهِ آزَرَ﴾ وجاء بالاسم يريد به الأبوة غير الحقيقية. . فأبوة إبراهيم وأبوة اسحق معلومة لأولاد يعقوب. . ولكن إسماعيل كان مقيما في مكة بعيدا عنهم، فلماذا جاء اسمه بين إبراهيم واسحق؟ نقول جاء بالترتيب الزمني لأن إسماعيل أكبر من اسحق بأربعة عشر عاما. . وكونه وصف الثلاثة بأنهم آباء. . إشارة لنا من الله أن لفظ الأب يطلق على العم. . والله ﵎ يريدنا أن نتنبه لمعنى كلمة آزر. . ويريد أن يلفتنا أيضا إلى أن تعدد البلاغ عن الله لا يعني تعدد الآلهة. . لذلك قال سبحانه: ﴿إلها وَاحِداً﴾ . .

стр. 550

وقوله تعالى: «خلت» أي انفردت. وخلا فلان بفلان أي انفرد به. . وخلا المكان من نزيله أي أصبح المكان منفردا، والنزيل منفردا ولا علاقة لأحدهما بالآخر. . الله ﵎ يقول: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] أي إنفردوا هم وشياطينهم ولم يعد في المكان غيرهم؛ ولقد قلنا إن كل حدث لابد أن يكون له محدث، ولا حدث يوجد بذاته، وكل حدث يحتاج إلى زمان ويحتاج إلى مكان. . فإذا قال الحق ﵎: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ فمعناه إنه انقضى زمانها وانفرد عن زمانكم. والمقصود بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي انتهى زمانها. . وتلك إسم إشارة لمؤنث مخاطب وأمة هي المشار إليه، والخطاب للنبي ﷺ َ ولعامة المسلمين. . والله حين يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ فكأنها مميزة بوحدة عقيدتها ووحدة إيمانها حتى أصبحت شيئا واحدا. . ولذلك لابد أن يخاطبها بالوحدة. . واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٩٢]

стр. 551

وتلك هنا إشارة لأمة إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب. . هم جماعة كثيرة لهم عقيدة واحدة. وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ . . أي تلك جماعة على دين واحد تحاسب عما فعلته كما ستحاسبون أنتم على ما فعلتم. . ولكن الله يقول: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] وإبراهيم فرد وليس جماعة؟ نقول نعم إن إبراهيم فرد ولكن اجتمعت فيه من خصال الخير ومواهب الكمال ما لا يجتمع إلا في أمة. وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ يراد بها إفهام اليهود ألا ينسبوا أنفسهم إلى إبراهيم نسبا كاذبا لأن نسب الأنبياء ليس نسباً دمويا أو جنسيا أو انتماء. . وإنما نسب منهج واتباع. . فكأن الحق يقول لليهود لن ينفعكم أن تكونوا من سلالة إبراهيم ولا اسحق ولا يعقوب. . لأن نسب النبوة هو نسب إيماني فيه اتباع للمنهج والعقيدة. . ولا يشفع هذا النسب يوم القيامة لأن لكل واحد عمله. قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ . . الكسب يؤخذ على الخير والاكتساب يؤخذ في الشر لأن الشر فيه افتعال. إننا لابد أن نلتفت ونتنبه إلى آيات القرآن الكريم حتى نستطيع أن نرد على أولئك الذين يحاولون الطعن في القرآن. . فلا يوجد معنى لآية تهدمها آية أخرى ولكن يوجد عدم فهم. يأتي بعض المستشرقين ليقول هناك آية في القرآن تؤكد أن الله يعطي بالأنساب وذلك في قوله ﷻ : ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ

стр. 552

عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] الأبناء مؤمنون، وقوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ كلمة ألحقنا تأتي عندما تلحق ناقصا بكامل. . فإذا كان الاثنان مؤمنين فكأنك تزيد درجة الأبناء إكراما لآبائهم المؤمنين. . نقول إن الإيمان شيء والعمل بمقتضى الإيمان شيء آخر. . الأب والذرية مؤمنون ولكن الآباء تفانوا في العمل والأبناء ربما قصروا قليلا. . ولكن هنا رفع درجة بالنسبة للمؤمنين أي لابد أن يكون الأب والذرية مؤمنين. . ولكن غير المؤمنين مبعدون ليس لهم علاقة بآبائهم انقطعت الصلة بينهم بسبب الإيمان والكفر. . فالآباء لهم أعمال حسنة كثيرة. . والأبناء لهم أعمال حسنة أقل. . ينزل الله الأبناء في الجنة مع آبائهم لأن الإيمان واحد. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي أنقصناهم من عملهم من شيء. . إذن فالآباء والذرية مأخوذون بإيمانهم، والله بفضله يلحق الأبناء بالآباء. قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ . . هذه عملية الإيمان في العقيدة. . قد يقول البعض إن الله ﵎ يقول: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: ٢١] ويقول سبحانه: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: ٣٩] فكيف يأخذ الأبناء جزاء بدون سعي؟ نقول افهموا النصوص جيدا. قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ تحدد العدل ولكنها لا تحدد الفضل الذي يعطيه الله سبحانه لمن شاء من عباده، وهذا يعطي بلا حساب. . ثم من الذي قال

стр. 553

إن هذا ليس من سعيهم؟ إن إلحاق الأبناء المؤمنين بالمنزلة العالية لآبائهم تكريم لعمل الآباء وليس زيادة لعمل الأبناء. ولقد روى لنا العلماء أن ولدا كان مؤمنا طائعا عابدا وأبوه كان مسرفا على نفسه. . فلما مات الأب حزن عليه ابنه ولكنه رأى أن أباه جالس فوق رأسه ومعه واحدة من الحور العين تؤنسه. . فتعجب الإبن كيف ينال أبوه هذه المكافأة وقد كان مسرفا على نفسه فسأله: كيف وصلت لهذه المنزلة؟ فقال الأب أي منزلة. . قال الابن أن تكون معك واحدة من الحور العين. . فقال الأب وهل فهمت أنها نعيم لي. . قال الابن نعم. . فقال الأب: لا، أنا عقوبة لها. . الله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] إذن أنت في الآخرة ستفرح بفضل الله ورحمته أكثر من فرحك بعملك الصالح. . مصداقا لحديث رسول الله ﷺ َ: «سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدْخِلَ الجنة أحداً عَمَلُه، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته» ربما يأتي أحد ويقول الصلاة على الميت ما هو القصد الشرعي منها. . إن كانت تفيده فستكون الفائدة زيادة على عمله. . وإن لم تكن تعطيه أكثر من عمله فما فائدتها؟ . نقول مادام الشرع كلفنا بها فلها فائدة. وهل تظن أن الصلاة على الميت ليست من عمله؟ هي داخلة في عمله لأنه مؤمن وإيمانه هو الذي دفعك للصلاة عليه. . والذي تدعو له بالخير وبالرحمة وبالمغفرة ويتقبلها الله. . أيقال أنه أخذ غير عمله؟ لا؛ إنك لم تدع له إلا بعد أن أصابك الخير منه. . ولكنك لا تدعو مثلا

стр. 554

لإنسان أخذ بيدك إلى خمارة أو إلى فاحشة أو إلى منكر. . بل تدعو لمن أعطاك خيرا فإن استجاب الله لك فهو من عمله. الله يقول إن ما كان يعمله من سبقكم من الأمم لا تسألون عنه. . وإن كنتم تدعون أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا نقل لكم أنتم لن تسألوا عما كان يعمل إبراهيم ولكن عليكم أنفسكم. . السؤال يكون عن عملكم.

стр. 555

عندما تأتي قالوا فمعناها إن الذين قالوا جماعة. . الذين قالوا هم اليهود والنصارى. ولكن كلا منهم قال قولا مختلفا عن الآخر. . قالت اليهود كونوا هودا. وقالت النصارى كونوا نصارى. . ونحن عندنا عناصر ثلاثة: اليهود والنصارى والمشركون. ويقابل كل هؤلاء المؤمنون. . ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ﴾ من المقصود بالخطاب؟ المؤمنين. . أو قد يكون المعنى وقالت اليهود للمؤمنين والمشركين والنصارى كونوا هودا. . وقالت النصارى لليهود والمشركين والمؤمنين كونوا نصارى. . لأن كل واحد منهما لا يرى الخير إلا في نفسه. . ولكن الإسلام جاء وأخذ من اليهودية موسى وتوراته الصحيحة، وأخذ من المسيحية عيسى وإنجيله الصحيح. . وكل ما جاء به محمد ﷺ َ. ومعنى ذلك أن الإسلام أخذ وحدة الصفقة الإيمانية المعقودة بين الله سبحانه وبين كل مؤمن. . ولذلك تجد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ونلاحظ أن المشركين لم يدخلوا في القول لأنهم ليسوا أهل كتاب.

стр. 556

قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ . . أي رد عليهم، والخطاب لرسول الله ﷺ َ بأنني سأكون تابعا لدين إبراهيم وهو الحنيفية. . وهم لا يمكن أن يخالفوا في إبراهيم فاليهود اعتبروه نبيا من أنبيائهم. . والنصارى اعتبروه نبيا من أنبيائهم ولم ينفوا عنه النبوة ولكن كلا منهم أراد أن ينسبه لنفسه. ما معنى حنيفا؟ إن الاشتقاقات اللفظية لابد أن يكون لها علاقة بالمعنى اللغوي. . الحنف ميل في القدمين أن تميل قدم إلى أخرى. . هو تقوس في القدمين فتميل القدم اليمنى إلى اليسار أو اليسرى إلى اليمين هذا هو الحنف. . ولكن كيف يؤتي بلفظ يدل على العوج ويجعله رمزا للصراط المستقيم؟ . لقد قلنا إن الرسل لا يأتون إلا عندما تعم الغفلة منهج الله. . لأنه مادام وجد من أتباع الرسول من يدعو إلى منهجه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يكون هناك خير. النفس البشرية لها ألوان. . فهناك النفس اللوامة تصنع شرا مرة فيأتي من داخل النفس ما يستنكر هذا الشر فتعود إلى الخير. . ولكن هناك النفس الأمارة بالسوء وهي التي لا تعيش إلا في الشر تأمر به وتغري الآخرين بفعله. . إذا فسد المجتمع وأصبحت النفوس أمارة بالسوء ينطبق عليها قول الحق سبحانه: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] تتدخل السماء برسول يعالج اعوجاج المجتمع. . ولكن الله ﵎ وضع عنصر الخيرية في أمة محمد ﷺ َ إلى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ [آل عمران: ١١٠]

стр. 557

إذن فقد ائتمن الله ﵎ أمة محمد على المنهج. . ومادام فيها من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فلن يأتي رسول بعد محمد ﷺ َ. نعود إلى قوله تعالى حنيفا. . قلنا إن الحنف هو الاعوجاج. . ونقول إن الاعوجاج عن المعوج اعتدال. . والرسل لا يأتون إلا بعد اعوجاج كامل في المجتمع. . ليصرفوا الناس عن الاعوجاج القائم فيميلون إلى الاعتدال. . لأن مخالفة الاعوجاج اعتدال. . وقوله تعالى: «حنيفا» تذكرنا بنعمة الله على الوجود كله لأنه يصحح غفلة البشر عن منهج الله ويأخذ الناس من الاعوجاج الموجود إلى الاعتدال. . والهداية عند اليهود والنصارى مفهومها تحقيق شهوات نفوسهم لأن بشرا يهدي بشرا. . والله قال: ﴿وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ولقد تعايش رسول الله ﷺ َ في المدينة مع اليهود ولكنهم حاربوه ولم يرضوا عنه. . وإبراهيم ﵇ كان مؤمنا حقا ولم يكن مشركا. .

стр. 558

هذه الآية الكريمة تعطينا تفسيرا لقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ . . إيمان بالله وحده لا شريك له. . إيمان بما أنزل إلينا وهو القرآن وما أنزل لإبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى أي التوراة وما أوتي عيسى أي الإنجيل وما أوتي النبيون بالإجمال. . فالبلاغ الصحيح عن الله منذ عهد آدم حتى الآن هو وحدة العقيدة بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. . ووحدة الكون بأن الله هو الخالق وهو المدبر وكل شيء يخرج عن الألوهية لله الواحد الأحد. . وأن كل شيء يخرج عن ذلك يكون من تحريف الديانات السابقة هو افتراء على الله سبحانه لا نقبله. قوله تعالى: ﴿قولوا آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وهو القرآن الكريم. ولا يمكن أن يعطف عليه ما يصطدم معه. . ولذلك فإن ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط هذه ملة إبراهيم. . وهذا يؤكد لنا أن ملة إبراهيم من وحي الله إليه. . والرسالات كلها كما قلنا تدعو لعبادة الله الواحد الواحد الذي لا شريك له. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . . أي أن إبراهيم كان مسلما وكل الأنبياء كانوا مسلمين وكل ما يخالف ذلك من صنع البشر. . ومعنى الإسلام أن هناك مسلما ومسلما إليه هو الله . ونحن نسلم له في العبودية سبحانه وفي اتباع

стр. 559

منهجه. . والإنسان لا يسلم وجهه إلا لمن هو أقدر منه وأعلم منه وأقوى منه ولمن لا هوى له. . فإن تشككت في أحد العناصر فإسلامك ليس حقيقة وإنما تخيل. . وأنت لا تسلم زمامك لله إلا وأنت متأكد أن قدراته سبحانه فوق قدرات المخلوقين جميعا، وأنه سبحانه غني عن العالمين، ولذلك فإنه غير محتاج إلى ما في يدك بل هو يعطيك ﷻ من الخير والنعم ولا يوجد إلا الوجود الأعلى لتسلم وجهك له.

стр. 560

نقول إن السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لهذه الآية. . هل لِما آمنا به مثل حتى يؤمنوا به؟ إنك لكي تؤمن لابد أن تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. . فهل إذا قالها أحد بعدك يكون قال ما قلته أم مثل ما قلته؟ يكون قال مثل ما قلت. أي إنني حين أعلن إيماني وآخذ الشهادة التي قلتها أنت أكون قد قلت مثلها لأن ما نطقت به لا يفارقك أنت. . ولكني إذا صنعت شيئا وقلت لغيري إصنع مثله، هو سيصنع شيئا جديدا ولن يصنع ما صنعته أنا. الشيء نفسه حين تقول لي: تصدق بمثل ما تصدق به فلان. لن تكون الصدقة هي المال نفسه بل تكون مثله. نقول لمن يردد هذا الكلام: إنك لم تفهم المعنى إيمانهم أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وإيمان غيرهم أن يقولوا مثل هذه العبارة أي أن يعلنوا إيمانهم مثلنا بالله ورسوله. . فالمثل هنا يرتبط بالشهادة وكل من آمن بالإسلام نطق بالشهادتين مثل من سبقوه في الإيمان. فالمثلية هنا في العبارة وإيمانهم هو أن يقولوا مثل ما قلنا. يقول الحق ﵎: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا﴾ أي اهتدوا إلى الحق. . ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ وتولوا يعني أعرضوا. وشقاق يعني خلافا معكم وخلافا مع بعضهم البعض؛ فلكل منهم وجهة نظر يدعيها، وهداية اخترعها. . حتى إذا التقوا في الكفر فلن يلتقوا في أسباب الكفر كل واحد اتخذ سببا ولذلك اختلفوا. . والشقاق من المشقة والنزاع والمشاجرة، والشق هو الفرقة بين شيئين.

стр. 561

وقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ أي لا تلتفت إلى معاركهم ولا إلى حوارهم فالله يكفيك بكل الوسائل عمن سواه واقرأ قوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦] الله يقول لنبيه ﷺ َ إذا حاول اليهود والنصارى والمنافقون أن يكيدوا لك ويؤذوك والمؤمنين، فالله يكفيك لأنه عليم سميع بصير لا يخفى عليه شيء. . ولقد حاول اليهود قتل رسول الله ﷺ َ أكثر من مرة وحاولوا إيذاءه بالسحر فأبطل الله كيدهم وأظهر ما خفي منه وأطلع رسوله عليه. . فمهما استخدموا من وسائل ظاهرة أو خفية فسيكفيك الله شرها ولذلك قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السميع العليم﴾ . . أي سميع بما يقال، عليم بما يدبرونه. بل يعلم ما في صدورهم قبل أن ينطقوا به. . فلا تعتقد أن شيئا يفوت على الله سبحانه أو يفلت منه. إن كل حركة قبل أن تحدث يعلمها سبحانه، وكل كيد قبل أن يتم هو محبطه. فإذا كان الله معك فماذا تخشى؟ وممن تخاف؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يصل إليك؟ . وأنت معك عليم بكل ما سيحدث حتى يوم القيامة وبعد يوم القيامة. . ومادام معك القوي الذي لا يضعف أبدا والحي الذي لا يموت أبدا والعليم بكل شيء فلا تخشى أحدا لأنك في أمان الله سبحانه.

стр. 562

ما هي الصبغة؟ الصبغة هي إدخال لون على شيء بحيث يغيره بلون آخر. . تصبغ الشيء أحمر أو أزرق أو أي لون تختاره. والصبغ ينفذ في المصبوغ خاصة إذا كان المصبوغ له شعيرات مسام كالقطن أو الصوف. . ولذلك فإن الألياف الصناعية لا يمكن أن تصبغ لماذا؟ لأن شعرة القطن أو الصوف أشبه بالأنبوبة في تركيبها. وإذا جئنا بقنديل من الزيت ووضعنا فيه فتيلا من القطن بحيث يكون رأس الفتيل في الزيت ثم تشغله من أعلاه نجد أن الزيت يسري في الأنابيب ويشعل الفتيل. . فإذا جربنا هذا في الألياف الصناعية فلا يمكن أن يسري فيها الزيت وإنما النار تأكل الألياف لأنه ليس فيها أنابيب شعرية كالقطن والصوف. . ولذلك تجد الألياف الصناعية سهلة في الغسيل لأن العرق لا يدخل في مسامها بينما الملابس القطنية تحتاج لجهد كبير لأن مسامها مشبعة بالعرق والتراب. إذن الصبغة لابد أن تتدخل مادتها من مسام القماش. . أما الطلاء فهو مختلف. إنه طبقة خارجية تستطيع أن تزيلها. . ولذلك فإن الذين يفتون في طلاء الأظافر بالنسبة للسيدات ويقولون إنه مثل الحناء نقول لهم لا. . الحناء صبغة تتخلل المادة الحية وتبقى حتى يذهب الجلد بها أي لا تستطيع أن تزيلها عندما تريد. . ولكن الطلاء يمكن أن تزيله في أي وقت ولو بعد إتمامه بلحظات. . إذن فطلاء الأظافر ليس صبغة. قوله سبحانه: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ فكأن الإيمان بالله وملة إبراهيم وما أنزل الله على

стр. 563

رسله هي الصبغة الإلهية التي تتغلغل في الجسد البشري. . ولماذا كلمة صبغة؟ حتى نعرف أن الإيمان يتخلل جسدك كله. . إنه ليس صبغة من خارج جسمك ولكنها صبغة جعلها الله في خلايا القلب موجودة فيه ساعة الخلق. . ولذلك فإن رسول الله ﷺ َ يقول: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه» فكأن الإيمان صبغة موجودة بالفطرة. . إنها صبغة الله. . فإن كان أبواه مسلمين ظل على الفطرة. وإن كان أبواه من اليهود أو النصارى يهودانه أو ينصرانه أي يأخذانه ويضعانه في ماء ويقولون صبغناه بماء المعمودية. . هذا هو معنى صبغة الله. ويريد الحق سبحانه أن يبين لنا ذلك بأن يجعل من آيات قدرته اختلاف ألواننا. . هذا الاختلاف في اللون من صبغة الله. . اختلاف ألوان البشر ليس طلاء وإنما في ذات التكوين. . فيكون هذا أبيض وهذا أسمر وهذا أصفر وهذا أحمر، هذه هي صبغة الله. . وما يفعلونه من تعميد للطفل لا يعطي صبغة. لأن الإيمان والدين لا يأتي من خارج الإنسان وإنما يأتي من داخله. . ولذلك فإن الإيمان يهز كل أعضاء الجسد البشري. واقرأ قول الحق : ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] هذا هو التأثير الذي يضعه الله في القلوب. . أمر داخلي وليس خارجيا. . أما إيمان غير المسلمين فهو طلاء خارجي وليس صبغة لأنهم تركوا صبغة الله. . ونقول لهم: لا. هذا الطلاء من عندكم أنتم، أما ديننا فهو صبغة الله. .

стр. 564

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً﴾ . . استفهام لا يمكن أن يكذبوه ولكن الجواب يأتي على وفق ما يريده السائل سبحانه من أنه لا يوجد من هو أحسن من الله صبغة. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ أي مطيعون لأوامره والعابد هو من يطيع أوامر الله ويجتنب ما نهى عنه. والأوامر دائما تأتي بأمر فيه مشقة يطلب منك أن تفعله والنهي يأتي عن أمر محبب إلى نفسك هناك مشقة أن تتركه. . ذلك أن الإنسان يريد النفع العاجل، النفع السطحي، والله يوجهنا إلى النفع الحقيقي. . النفع العاجل يعطيك لذة عاجلة ويمنحك نعيما دائما في الآخرة وتمتعا بقدرات الله . . وأنت حين تسمع المؤذن ولا تقوم للصلاة لأنها ثقيلة على نفسك قد أعطيت نفسك لذة عاجلة كأن تشغل نفسك بالحديث مع شخص أو بلعب الطاولة أو بغير ذلك. . وتترك ذلك النفع الحقيقي الذي يقودك إلى الجنة. . ولذلك قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦] إذن العبادة أمر ونهي. . أمر يشق على نفسك فتستثقله، ونهى عن شيء محبب إلى نفسك يعطيك لذة عاجلة ولذلك تريد أن تفعله. . إذن فقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ . . أي مطيعون لأوامره لأننا آمنا بالآمر إلها وربا يعبد. . فإذا آمنت حبب الله إليك فعل الأشياء التي كنت تستثقلها وسهل عليك الامتناع عن الأشياء التي تحبها لأنها تعطيك لذة عاجلة. . هذه هي صبغة الله التي تعطينا العبادة. . واقرأ قوله ﵎: ﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ ولكن الله حَبَّبَ

стр. 565

إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان أولئك هُمُ الراشدون﴾ [الحجرات: ٧] وهكذا فإن الله بصبغة الإيمان يحبب إلينا الخير ويجعلنا نبغض الشر. . لا عن رياء ونفاق خارج النفس كالطلاء ولكن كالصبغة التي تتخلل الشيء وتصبح هي وهو شيئا واحدا لا يفترقان. .
следующие страницы →