← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

بأن تقنع إنساناً بأن يفعل شيئاً. والشيطان ليس له سلطان القهر والحجة. والحق عندما يقول: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ فإنه يوضح لنا أن نجسهم يحتم علينا أن نمنعهم من دخول الأماكن التي لا يدخلها إلا الإنسان الطاهر. وجعل الحق النجاسة المعنوية مثلها مثل النجاسة المادية، ولذلك قال العلماء: ما دام الحق قد وصفهم بأنهم نجس فلا بد أن يكون فيهم نجس مادي، ولذلك إذا اقتربت منهم تجد لهم رائحة غير طيبة، لأنهم لا يتطهرون من حدث، ولا يغتسلون من جنابة. وعندما ذهبنا إلى الجزائر بعد تحريرها من فرنسا، لم نجد في البيوت حمامات؛ لأن الواحد من المستعمرين لا يذهب إلى الحمام إلا كل عشرين يوماً مثلاً، لذلك جعلوا الحمامات بعيداً عن المساكن، ولكن بعد أن تحررت الجزائر صار في البيوت حمامات؛ لأن الثقافة الإسلامية مبنية على الطهارة، ويتوجب على المسلم أنه كلما دخل الإنسان الحمام تطهر، وكلما كان جنباً اغتسل. ولقد قال البعض: لو أنني سلَّمت على مشرك ويده رطبة. . فلا بد أن أغسل يدي. فإذا كانت يده جافة فيكفي أن أمسح على يدي. وفي هذا احتياط وتأكيد على اجتناب هؤلاء المشركين. وإذا كنا نجتنبهم أجساداً وقوالب، ألا يجدر بنا أن نجتنبهم قلوباً؟ وقد أنزل الحق هذه الآية الكريمة في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي صدر فيه منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام والبراءة من هؤلاء المشركين، وتساءل العلماء: هل الممنوع والمحرم هو اقتراب المشرك

стр. 5777

من المسجد الحرام، أم من الحرم كله؟ وحدد الإمام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام. ومع احترامنا لاجتهاد الإمام الشافعي نقول: إن الحق قال: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ﴾ ولم يقل: فلا يدخلوا. وتحريم الاقتراب يعني ألا يكونوا قريبين منه، وأقرب شيء للمسجد الحرام هو كل الحرم، ولو كان المراد هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك. وهكذا نرى كيف يمكن أن يجتهد الإنسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق. ويتابع المولى قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب. والغيب - كما عرفنا - هو ما يغيب عنك وعن غيرك، أما الشيء الذي يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فلا يكون غيباً، فإذا سرق منك مال مثلاً فأنت لا تعرف من الذي سرق، والسارق في هذه الحالة غيب عنك، ولكنه ليس غيباً عن غيرك؛ فالسارق يعرف نفسه؛ والذي دبر له الجريمة يعرفه، ومن رآه وستر عليه يعرفه. وأنت - أيضاً - لا تعرف مكان المسروقات، ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه. إذن: فهي غيب عنك وليست غيباً عن غيرك. وهذه لعبة الأفاقين والنصابين الذين يُسخِّرون الجن، فما دام الشيء معروفاً ومعلوماً لغيرك من الناس؛ فالكشف عنه مسألة سهلة، ولكنّ هناك غيباً عنك وعن غيرك، وهذا هو ما ينفرد به الحق في قوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ... ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] .

стр. 5778

ولكنْ هناك غيبٌ عن الناس جميعاً، ولكنه لن يظل غيباً إلى آخر الزمان، فمثلاً الكهرباء كانت غيباً واكتشفناها، وتفتيت الذرة كان غيباً وعرفناه، وقوانين الجاذبية كانت غيباً ثم دخلت في علم الإنسان فأصبحت معلومة له وليس هذا هو الغيب الذي يقصده الله في قوله: ﴿عَالِمِ الغيب﴾ ، فهذا غيب يختص نفسه به، لا تقل: إن فلاناً يعلم الغيب، ولكن قل: إنه مُعلَّم غيب، والمسائل الغيبية: إما أن يحجبها الزمان أو يحجبها المكان، فالآثار المطمورة مثلاً، تعبِّر عن شيء ماض واندثر، وفيه أخبار الأمم السابقة، ولا يعرفها أحد، وستره حجاب الزمن الماضي، إلى أن يتم الكشف عنها ويهيِّئ الله لها من يفكُّ ألغازها. أما إبلاغ الله رسوله من أنباء الأمم السابقة مما جاء في القرآن الكريم فهو اختراق لحجاب الزمن الماضي، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] . ويقول : ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ. .﴾ [القصص: ٤٤ - ٤٥] . وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ﴾ في آيات أخرى دليل على أن الله أخبر رسوله ﷺ َ بما كان مستوراً في الزمن الماضي. أما الشيء الذي سوف يحدث في المستقبل، فهو محجوب عنك بحجاب الزمن المستقبل، وقد اخترق القرآن الكريم حجاب المستقبل في آيات كثيرة كلها تبدأ بحرف السين، وحرف السين دليل على أن الشيء لم يحدث بعد، وقوله تعالى:

стр. 5779

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] . دليل على أنه من الزمن المستقبل يكشف الله لنا عن آياته الموجودة في الأرض، وقوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣] . وهذا اختراق لحجاب المستقبل؛ لأن النصر حدث بعد نزول هذه الآية بتسع سنوات. إذن: فالذي يحدث في المستقبل محجوب عنك بالزمن المستقبل، ولكن هناك شيئاً يحدث في الحاضر ولا نعرفه وهو محجوب عنك بحجاب المكان، فما يحدث في مكان لست موجوداً فيه لا تعرفه، فأنت إن كنت جالساً في مكة مثلاً، فأنت لا تعرف ما يحدث في المدينة المنورة لأنه محجوب عنك بحجاب المكان، وهناك أيضاً حجاب النفس، أي: أن ما يدور في نفسك لا يعرفه أحد غيرك؛ لأنه محجوب بحجاب النفس. وحين يقول الحق : ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ فسبحانه وتعالى يخاطب قوماً يريد منهم أن ينفذوا هذا الأمر، ولكنه سبحانه يعلم السرائر التي تستقبل النص. مثلما يأتي إنسان ويخبرك أن المخبز القريب من منزلك سوف يغلق فأول ما يتبادر إلى ذهنك السؤال: ومن أين سنأتي بالخبز؟ أو أن يقال لك: «إن الباخرة التي تحمل اللحم والخضروات ضلت الطريق» فأول ما يخطر على بالك لحظتها: ومن أين نأكل؟ وكان المشركون يأتون إلى الحج ومعهم أموالهم ويتاجرون وينفقون، هذه الفترة تمثل بالنسبة لمن يعيشون حول بين الله الحرام فترة الرواج المادي الذي يعيشون عليه طوال العام.

стр. 5780

فإذا كان الحق يقول لهم: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ فأي شيء يختلج في نفوس المسلمين؟ لا بد أن يدور في أعماقهم السؤال: ومن الذي سيشتري بضائعنا؟ لكن هل ترك الله مثل هذا القول دون أن يرد عليه؟ لا، فقد رد على التساؤل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ﴾ . وهكذا كشف الله حجاب النفس، وردَّ على ما سيدور في نفوس المؤمنين في نفس الآية التي حرم فيها على المشركين أن يقتربوا من المسجد الحرام، ولم ينتظر الحق حتى يعلن المؤمنون ما في أنفسهم، بل رد على ما يجول بخواطرهم قبل أن يعلنوه. وحين يكشف الله حجاب النفس بهذا الشكل، فالمؤمن الذكي يقول: هذا ما جاء في بالي. ولأطمئن لأنه عرف ما بنفسي فسوف يرزقني. ولو لم يأت ذلك في بالهم لَكَذَّبوا النص. ولو كذبوا النص لما بقوا على الإيمان، وما داموا قد بَقَوْا على الإيمان فقد جاء النص معبراً عما يجول بأنفسهم تماماً. والله كشف حجاب النفس في آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى عن المنافقين والكفار: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] . وقول النفس لا يسمعه أحد، ولو أن هؤلاء لم يقولوا هذا في أنفسهم لقالوا: والله ما خطر ذلك في نفوسنا. ولأنهم قالوه في أنفسهم فقد بُهِتُوا لكشف القرآن الكريم لما يدور داخل أنفسهم. ولقد رد الله في الآية الكريمة على ما سيدور في خواطر المؤمنين عندما يستمعون إليها، فلم ينتظر الحق حتى يشكو المؤمنون لرسول الله ﷺ َ خوفهم الفقر وقلة الرزق، بل أجاب على ذلك قبل أن يخطر على بالهم.

стр. 5781

فكأن الحق يُشرِّع حتى للخواطر قبل أن تخطر على البال، ولا يترك الأمور حتى تقع ثم يُشرِّع لها. وهنا يقول المولى : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ والعيلة هي الفقر، ويتابع الحق جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ﴾ ، ولم يقل الحق «سيغنيكم» بل قال: ﴿فَسَوْفَ﴾ وهي تقتضي زمناً سيمر ولكنه زمن قريب؛ لأن الخير الذي سيأتي له أسباب كثيرة كفيلة بتحقيقه كأن يعوضهم الله عما كان يأتي به الكفار بأن تمطر السماء مطراً فينبت النبات، وهذه تحتاج إلى زمن، وأن يأخذوا بالأسباب بأن يروج لهم تجارة على غير المشركين، أو يكشف لهم من كنوز الأرض ما يغنيهم. ولذلك قال: ﴿فَسَوْفَ﴾ . والأسباب تحتاج إلى وقت، فنزلت الأمطار قرب جدة التي أسلمت ونبت الزرع في وادي خليط، وتبالي باليمن وجرش وصنعاء، وجاءت أحمال البعير بالخير لأهل مكة وحدثت الفتوحات الإسلامية، فجاء الخير من الجزية والخراج. وهكذا نرى أن ﴿فَسَوْفَ﴾ امتدت لمراحل كثيرة، وما زالت موجودة ممتدة حتى الآن. إذن: فقد أخذت الأمد الطويل. على أننا لا بد نلتفت إلى قول الحق : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ هي حيثية بأن المؤمن عليه ألا يتهاون في أمر دينه رغبة في تحقيق أمر من أمور الدنيا، فكل من يرتكب معصية خوفاً من أن تضيع منه فائدة مادية أو دنيوية، كأن يخشى قول الحق خوفاً من أن يضيع منع منصبه، أو يغضب عليه صاحب العمل فيطرده من وظيفته، نقول له: لا عذر لك؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ . وحيث إن الرزق من عند الله ، وهذا هو كلام الله ، فلا عذر لأحد أن يرتكب معصية بحجة المحافظة على رزقه، أو بحجة أنه يدفع الفقر عن نفسه وبيته وأولاده.

стр. 5782

على أن قوله تعالى: ﴿إِن شَآءَ﴾ قد تجعل الإنسان يظن أن الزمن سوف يباعد بينه وبين الرزق؛ لأنه سبحانه قد يشاء أو لا يشاء، فكيف يكون هذا الأمر وهو سبحانه أراد بالآية طمأنة المسلمين. وإذا كان الله قد قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ فإننا نقول: إن الحق يريد الصلة الدائمة بعبده وألا يفسد على العبد الرجاء الدائم في الله تعالى. وقوله : ﴿إِن شَآءَ﴾ هو إبقاء لهذا الرجاء؛ لأن العبد سيظل في رجاء إلى الله فيظل الله تعالى في باله؛ ولأنه سيطلب دائماً رضا الله فإن هذا يجعله يبتعد عن المعصية ويتمسك بالطاعة. وفوق ذلك كله، فإن الحق ﵎ له طلاقة القدرة في كونه، فقدر الله وقضاؤه ليسا حجة على الله تقيد مشيئته سبحانه، فمشيئة الله مطلقة لا يقيدها حتى قدر الله. فهو إن شاء حدث القدر. وإن شاء لم يحدث. وهكذا تظل طلاقة قدرة الله في كونه. وبعض العارفين بالله قد يكشف لهم الله لمحة من لمحات الغيب، فيخبر الواحد منهم الناس، فيخلف الله ما كشفه؛ حتى يظل الله وحده عالم الغيب؛ فما دام ذلك اصطفاه الله بغيب أطلع الناس عليه. فسبحانه يُغيِّر أحداث الغيب ولا يعطي لذلك الشخص خبراً عن أي غيب آخر. إذن فكلمة: ﴿إِن شَآءَ﴾ هي إثبات لطلاقة قدرة الله في كونه، فإن شاء أعطاكم، وإن شاء لم يُعْطِكم، فالإعطاء له حكمة، والمنع له حكمة، فقد يفتري البعض بالنعمة فيحجبها الحق عنهم، وهذا ما حدث في كثير من البلاد

стр. 5783

التي طغت وكفرت بنعمة الله عليها؛ لأنه سبحانه لو ترك النعمة هكذا بدون ضوابط لاستشرى في تلك البلاد الفساد والمعاصي، إذن: فالمشيئة تقتضي إعطاءً، أو منعاً، والإعطاء له حكمة، والمنع له حكمة؛ لأن الحق يعامل خلقه على أنهم من الأغيار القُلَّب؛ منهم من يأتيه النعمة فتطغيه، ولذلك يقول : ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦] . أي: أن الإنسان إذا أنعم الله تعالى عليه، عدّ هذا كرماً من الله ، وإذا ما ضيق الله عليه الرزق اعتبر ذلك إهانة وعدم رضا من الله. ويرد الله ﵎ ليصحح المفهوم فيقول: ﴿كَلاَّ﴾ أي لا المال دليل على الإكرام، ولا قلة المال دليل على الإهانة. ﴿كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر: ١٧ - ٢٠] . إذن: فالمال إذا جاء ليطغيك يكون نقمة عليك وليس نعمة لك، وإذا كانت قلة المال تمنع طغيانك فهي نعمة وليست نقمة. ولذلك قال ﵎: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] . قد يمنع عنك المال الذي إن وصل إليك غرَّك فتحسب أنك في غنى عن الله تعالى وتطغى، وهذا المنع نعمة وليس نقمة، إذن فقوله ﵎: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ﴾ هو إبقاء لطلاقة القدرة في الكون حتى يكون الإغناء لا بالمادة وحدها ولا بالمال وحده، ولكن بالقيم أيضاً، فلا يذهب المال قيم السماء ولا يبعد عن منهج الله. وقوله : ﴿إِن شَآءَ﴾ يعني: أنه سبحانه إن شاء أعطى،

стр. 5784

وإن شاء منع، فلا مانع لنا أعطى، ولا معطي لما منع، وهي طلاقة المشيئة، في حدود حكمة الله ، فلا تقل حين يمنع: إنه لم يحقق قوله: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ لأن الإغناء كما يكون بالمادة، يكون أيضاً إغناء بالقيم. ويؤكد هذا قَوْله : ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بالأمر الذي يصلح لكم، حكيم في وضع العطاء في موضعه والمنع في موضعه. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق ... ﴾

стр. 5785

وهنا يعود الحق إلى التحدث عن القتال، ونعلم أن الذين تحدث عنهم المولى سبحانه في هذه السورة، هم المشركون وأحوالهم، والأمر بإلغاء المعاهدة معهم، وإبعاد ذواتهم عن المسجد الحرام، وتقتيل من يحاول البقاء منهم ليحض على الشرك؛ حتى لا يجتمع في جزيرة العرب دينان. وعرفنا من قبل السبب، وأما الذين يتحدث عنهم الله في هذه الآية فهم غيرهم ... فرغم أن الحق أرسل لمشركي العرب محمداً ﷺ َ

стр. 5786

وهو رسول من أنفسهم، فهم يعرفونه حق المعرفة، كما أن المعجزة التي جاء بها ﷺ َ من جنس فصاحتهم، فإذا كذبوه فهم مخطئون، ورغم هذا كذبوه ولم يؤمنوا به، أما خارج الجزيرة فالرسول ليس منهم، والقرآن لم ينزل بلغتهم، وكان عليهم أن يأخذوا من المنهج التطبيق المناسب. وهكذا نرى أن مصادمة الإيمان لم تكن من مشركي مكة فقط، بل كانت أيضاً من بعض يهود المدينة وبعض من نصارى نجران، وإذا كان الحق قد حدد في هذه السورة موقف الإيمان من المشركين به، فقد أراد أيضاً أن يحدد موقف الإيمان من أهل الكتاب. ونحن نعرف أن هناك فرقاً بين أهل الشرك وأهل الكتاب، فالمشركون لم يكونوا يؤمنون بالله إلهاً واحداً بل معه شركاء، ولكن أهل الكتاب يؤمنون بالإله ويؤمنون برسول وكتاب سماوي، وهم بذلك أقرب إلى الإيمان. ولذلك نجد القرآن الكريم يعرض لنا مثل هذه القضية كطبيعة فطرية، فنجد أن النبي ﷺ َ قد حزن هو وصحابته حين غُلِبتْ الروم في أدنى الأرض. لماذا حزن الرسول ﷺ َ وهو يعلم أن الروم سيقفون أيضاً ضده؟ لقد حزن ﷺ َ لأنهم يؤمنون أن للكون خالقاً واحداً وأن له رسلاً يوحي إليهم وأن له كتباً منزلة، لكن الأمر يختلف بالنسبة للمشركين، فهم يكفرون بالله وهذا قمة الكفر. صحيح أن بعضاً من أهل الكتاب وقفوا مع المشركين في موقف العداء

стр. 5787

لرسول الله، لكن قلبه ﷺ َ معهم لأنهم أهل إيمان بالقمة. ويُسَرِّي الحق عن رسوله ﷺ َ فيقول: ﴿الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣] . وهنا يبرز سؤال يقول: متى سيغلبون؟ تأتي الإجابة من الحق ﵎: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] . والبضع بالنسبة للزمن هو فترة تتراوح من ثلاث لتسع سنوات، ولم يحدد الحق البضع هنا؛ لأن المعارك لها أوليات ونهايات، لهذا جاء قول الحق ﵎ مراعياً لما تستغرقه هذه المراحل كلها، وجاء القول بأن نصر الروم على الفرس سوف يأتي بعد بضع سنين. وبالله قولوا لي: كيف يتحكم نبي أمي في جزيرة تسكنها أمة أمية، ولا علم لهذا الرسول بأخبار الأمم وكيف لهذا النبي أن يأتي بأخبار نصر أمة على أخرى؟ ويظل هذا الخبر في الكتاب الذي يحمل منهج رسالته قرآناً يُتْلَى ويتعبد به إلى قيام الساعة؟ لقد قالها بثقة في حدوث ما جاء في القرآن في المستقبل القريب؛ لأنها جاءته عن ربه، وهو واثق أن قائل هذا الخبر قادر على إنفاذ ما يقول. وإلا، فماذا كان يحدث لو أن الرسول ﷺ َ قال ذلك ثم مر بضع سنين ولم يأت نصر الروم؟ وماذا يكون موقف الذين آمنوا به كرسول من عند الله؟ إذن: هو ﷺ َ لم يكن ليجازف وينطقها إلا بثقة في أن القائل هو الحق سبحانه الذي شاء أن ينزل بالخبر في آية قرآنية تُتلى، وتُكتب، وتُحفظ، ويُصَلَّى بها في كل وقت إلى أن تقوم الساعة. وينزلها سبحانه على محمد ﷺ َ وقت أن كان ضعيفاً لا يعرف ميزان القوي، ولا يعلم هل ستستعد الروم لتنتصر أو لا؟

стр. 5788

ثم ألم يكن من الممكن أن يتصالح الروم والفرس؟ كل ذلك لم يكن في حسبان محمد ﷺ َ؛ لأن الخبر جاء من الله وسبحانه القادر على إنفاذ ما يقول. ألم يكن هناك إخبار عن أمور خالفت النواميس؟ نعم كانت هناك أمور خارجة عن النواميس وجاء بها الخبر من الله . . ألم يقل زكريا ﵇ حين بُشِّر بالولد: ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٨ - ٩] . أي: ما دام الله قد قال فقد تأكد الحدوث. وكان المؤمنون أقرب إلى الروم لأنهم أهل كتاب؛ ولأن لهم صلة بالسماء، ومن له صلة بالسماء يمتلئ بالحنين إلى أخبار السماء، ويتسمع أخبار المؤمنين في القمة العقدية. ومن العجيب أن هذه الآية تصدق في الروم وفارس، فينتصر الروم على الفرس، وتصدق في محمد ﷺ َ وأصحابه، فينتصر رسول الله وأصحابه في بدر. ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله. .﴾ [الروم: ٤ - ٥] . وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق ﵎: ﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . ونلحظ أن الحق قد وصفهم هنا بأنهم لا يؤمنون بالله مع أنهم أهل إيمان. والمعنى أنهم لا يؤمنون بالله الإيمان الذي يعطي الله جلال

стр. 5789

الصفات وكمالها؛ لأن بعضهم قال: إن الله له ابن اسمه عزير، وقال البعض الآخر: المسيح ابن الله، إذن فهم لم يؤمنوا بالله حق الإيمان تسبيحاً وتنزيهاً لذاته الكريمة عَمَّا لا يليق بها، وكذلك يختلف إيمانهم باليوم الآخر عن الإيمان الحق به، إنه إيمان لا يتفق مع مرادات الله تعالى؛ فهم يقولون مثلاً: إن النعيم في الآخرة ليس مادياً ولكنه نعيم روحي. ونقول: عندما يحدثنا الله عن نعيم الآخرة فلا بد أن نعرف هذا النعيم حتى نفهم المعنى، ونتساءل: ما هو النعيم الروحي؟ هل النعيم الروحي هو خواطر في النفس فقط لا علاقة لها بالحقيقة؟ أيكون هذا هو نعيم الآخرة؟ لقد أوضح المولى بما لا يدع مجالاً للظن أو الشك أنه قد أعد جنة للمؤمنين وأعد ناراً للكافرين، وحكى لنا الحق عن هذه الحياة بما فيها من ثواب ومن عقاب؛ بما يقنعنا أن فيها نعيمًا مثل الذي نعرفه، فإذا كان هذا النعيم روحياً ونحن لا نعرف النعيم الروحي ولا نعلم شيئاً عنه، فكيف يغرينا الله بشيء لا نعلمة؟ إذن: فإيمان هؤلاء الناس باليوم الآخر ليس إيماناً كما يريده الله. فسبحانه حين يحدثنا عن الجنة إنما يحدثنا عن أشياء من جنس ما نعرف وليس من جنس ما لا نعرف. وصحيح أن الله قد بيَّن لنا بعض صور النعيم في الجنة، وقال: إنها مثل كذا وكذا. قال الحق ﷻ : ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عقبى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار﴾ [الرعد: ٣٥] . إذن: فالله يعطي مثلاً فقط. ومعلوم أن اللفظ في اللغة لا بد أن يوضع لمعنى معروف. ولذلك فعندما يحدثنا الله عن نعيم الجنة لا بد أن يحدثنا بكلام نعرف معانيه. ورسول الله ﷺ َ قال عن الجنة: «

стр. 5790

فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» . إذن: فلا توجد في اللغة ألفاظ تعبر عن نعيم الجنة؛ لأن المعنى غير معروف لنا، ولكن الله أراد أن يحببنا فيها فأعطانا صورة نفهمها عن النعيم، فيقول : ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ وهو يريدنا أن نعرف أن فيها نعيماً خالياً من كل المنغصات التي تكون في المثل. فمثلاً الخمر في الدنيا فيها خصلتان؛ الأولى أنها تغتال العقول والثانية: أنها لا تشرب بقصد اللذة، والذي يشرب الخمر لا يشربها مثلما يشرب كوب عصير المانجو أو عصير الليمون الذي يستطعمه ويشربه على مهل، ولكنه يسكب الكأس في فمه دفعة واحدة؛ لأن طعمها غير مستساغ وليقلل زمن مرور الخمر على الحس الذائق، ومعنى هذا أن طعمها غير مستطاب، ثم إنها تذهب بوعي الشارب لها فيفقد السيطرة على سلوكه، ويعتذر في الصباح عما فعل أثناء احتسائه للخمر ويقول خجلاً: «لم أدر موقع رأسي من موقع قدمي» هذه خمر الدنيا، ولكن الخمر في الجنة لا غَوْل فيها. . أي: لا تغتال العقول، حلوة المذاق، ولذلك يصفها الله بقوله: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] . أي: أنها مختلفة تماماً عن تلك الخمر التي حرمها الله في الدنيا. وتتجلى الحكمة في معنى الاستطعام في قول رسول الله ﷺ َ: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهنَّ طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه

стр. 5791

مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلْقَى في النار» . ومن رحمة الله تعالى بخلقه أنه لم يجعل الطعام وقوداً للطاقة فقط، بل يغري الناس على وقود الطاقة لاستبقاء الحياة بأن يستلذ الإنسان الطعام، ويطيل أمد اللذة ساعة تناوله، لا أن ينتظر النفع بعد أن يهضم الطعام. فكأن الإيمان لا يستمر إلا لمن يحب في الله ويكره في الله؛ فذلك يعطيه الطاقة التي تستبقي إيمانه، كما تستبقي طاقة الطعام حياة الإنسان. وشاء الله أن يعطينا في تصوير الجنة المثل لما في الجنة، لا بتشخيص وتحديد لما في الجنة فعلاً، ويقول : ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] . وإذا كانت النفس لا تعلم شيئاً، فهي لا تملك ألفاظاً تضع فيها ما لا تعلمه، فإذا خاطبها الله تعالى بواقع الجنة فهي لن تفهم، لذلك شاء الحق ﵎ أن يخاطبها بواقع المثل، فيقول : ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] . إذن: فهو رزق يشبه الرزق الموجود في الدنيا ولكن ليس هو، أما أن

стр. 5792

يقال: إن نعيم الجنة هو النعيم الروحي أو نعيم الخواطر أو ما نسميه آمال النفس، كأن يتخيل إنسان جائع أنه أكل كمية كبيرة من اللحم أو السمك؛ فتسعد روحه بذلك من غير واقع يحدث، فكل هذا غير حقيقي، ولكنهم يقولون هذا الكلام؛ لأنهم إذا ما تصوروا نعيم الجنة كالخواطر، فسوف يكون عذاب النار مقابلاً أيضاً لنعيم الجنة، أي سيكون عذاب الخواطر، وفي هذا تصور لعذاب سهل؛ لأنهم يخافون عذاب النار فيريدونه عذاباً روحياً. ولكن الإحساس بالنعيم والعذاب لا بد أن يكون له واقع يشبهه في الدنيا، وإلا ما وُجِد في أنفسنا ما يجعلنا نرغب في نعيم الجنة ونخاف من عذاب النار. لذلك فإن نعيم الجنة حق، وعذاب النار حق. وشاء الله سبحانه أن يصفي النعيم من كل الشوائب، فقال عن أنهار الجنة: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] . أي: ليس فيه كل الشوائب الموجودة في عسل الدنيا. وكذلك قال عن لبن الجنة: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥] . وكلمة ﴿لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ لها عند العرب أيام رسول الله ﷺ َ معنى؛ لأن العربي كان يحلب الجمال ويضع ألبانها في الأواني، وكان اللبن يتغير طعمه ويصير حامضاً، لكنه كان مضطراً أن يشربه؛ لذلك فحين يسمع ﴿وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ فهو يعطيه المثل من حياته، بعد أن ينقيه من كل الشوائِبِ التي تفسد طعم اللبن في الحياة الدنيا. وهنا يقول الحق : ﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ أي الإيمان الواجب بعظمة الله وتنزيهه. واليهود يؤمنون إيماناً إجمالياً بالله، ولكنهم يُجسِّمونه ويقولون: إنه جلس على صخرة ومد قدميه في قصعة من الزمرد ثم استنكف الله أن يمده لبني إسرائيل، وهذا تصوير لا يليق بكمال

стр. 5793

الله ولا بذاته المقدسة، وهذا خطأ في التصوير. وكذلك كان خطؤهم في تصور نعيم الجنة وعذاب النار، وبذلك لم يؤمنوا إيماناً حقاً باليوم الآخر، ولهذا جاء قول الحق: ﴿وَلاَ باليوم الآخر﴾ وهم لم يقفوا فقط ضد الإسلام كمنهج، بل وقفوا أيضاً من أديانهم مثل هذا الموقف، ويقول المولى : ﴿وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ﴾ وهم كأهل كتاب حرفوا وبدلوا في دينهم فأحلوا ما حرم الله. ولذلك يقول سبحانه: ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق﴾ والحق - كما نعلم - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وإذا نظرنا إلى كل رسول في عصره؛ نجده قد جاء بالحق، وإذا جاء رسول من بعده فهو لا ينسخ العقائد، ولكنه ينسخ في الأحكام، وهكذا نعلم أن كل رسول جاء بالعقائد الثابتة وبالأحكام التي تناسب الزمان إلى أن بعث الله محمداً ﷺ َ، فكان النبي الخاتم إلى أن تقوم الساعة، ولا بد أن يكون الحق الذي جاء به هو الحق الثابت الذي لا يتغير؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين فلا رسول بعده، إذن فقوله: ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أي: أنهم لا يؤمنون حتى بما جاء في كتبهم من بشارة به ﷺ َ، وهذا حكم خاص بهم؛ لأن المشكلة معهم أنهم لم يصدقوا بلاغ رسول الله ﷺ َ عن الله وأنه مرسل إليهم، وسَنَّ رسول الله ﷺ َ في معاملتهم ما شرعه الله تعالى، وذلك أن يعاملوا معاملة مختلفة عن المشركين، فمعاملة المشركين كانت براءة من العهد، وإبعاداً عن المسجد الحرام وقتالاً إن وجدناهم، أو أن يسلموا. أما معاملة رسول الله ﷺ َ مع أهل الكتاب فكانت: إما أن يسلموا، وإما أن يعطوا الجزية مع استبقاء الحياة، ولذلك قال الحق ﵎: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾

стр. 5794

أي: حتى يؤدوا ما فُرِض عليهم دفعة من أموال مقابل حصولهم على الأمان والحماية، وفي هذا صون لدمائهم، ولذلك نجد أن المسلمين قد فتحوا بلاداً غير إسلامية وصاروا قادرين على رقابهم ولم يقتلوهم، بل أبقوا عليهم، وإبقاء الحياة نعمة من نعم الإسلام عليهم، وهناك نعمة ثانية وهي أنه لم يفرض عليهم ديناً، وإنما حمى اختيارهم الدين الذي يرونه، وفي ذلك رد على من يقول: إن الإسلام انتشر بالسيف، ونقول: إن البلاد التي فتحت بالمسلمين أقرت أهل الأديان على أديانهم، وحمت فقط حرية الاختيار، بل وقف المسلمون بالسيف أمام القوم الذين يقفون أمام اختيار الناس، وتركوا الناس أحراراً. لكننا نجد المغالطات تملأ كتابات الغرب حول مسألة السيف. ونرد دائماً أن الإسلام لو انتشر بالسيف لما وجدنا في البلاد التي فتحها أناساً باقين على دياناتهم، بل كان الإسلام يأخذ الجزية ممن بَقَوْا على دياناتهم من أهل الكتاب. وأخْذُ الجزية دليل على أنهم ظلوا على دينهم وظلوا أحياء، وهاتان نعمتان من نعم الإسلام، وكان يجب أن يؤدوا جزاء على ذلك، وكان الجزاء هو الجزية. وهي مادة «جزى» و «يجزي» . فكأن الجزية فعلة من «جزى» «يجزي» ؛ لأن الإسلام قدم لهم عملاً طيباً بأن أبقى على حياتهم وأبقاهم على دينهم من غير إكراه، فوجب أن يُعطوا جزاء على هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم بالإسلام. وأيضاً، فإنهم سيعيشون في مجتمع إيماني؛ الولاية فيه للإسلام، ويتكفل المسلمون بحمايتهم وضمان سلامتهم في أنفسهم وأهلهم وفي أموالهم وفي كل شيء، فإذا كان المسلم يدفع لبيت المال زكاة تقوم بمصالح الفقراء والمسلمين، فأهل الكتاب الموجودون في المجتمع الإسلامي ينتفعون - أيضاً - بالخدمات التي يؤديها الإسلام لهم، ويجب عليهم أن يؤدوا شيئاً من مالهم نظير تلك الخدمات، والإسلام مثلاً لا يكلف أهل الكتاب أن يدخلوا جنداً في حرب ضد أي عدو للمسلمين إلا إذا تطوعوا هم بذلك، إذن: فالجزية ليست فرض قهر، وإنما هي مقابل منفعة أداها الإسلام لهم؛ إبقاءً على

стр. 5795

حياتهم وإبقاء على دينهم الذي اختاروه، وقرر الحق أن يعطوا الجزية ﴿عَن يَدٍ﴾ واليد هي الجارحة التي تُؤدَّي بها الأعمال، وأغلب الأعمال إنما تُزَاوَلُ باليَد، ونجد القرآن الكريم يقول: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] . واللسان أيضاً آلة الكلام، والحق ﵎ يجازي على القول الطيب أو السيىء، ولكن الأصل في العمل هو «اليد» ، وتطلق اليد ويراد بها القدرة التي تعمل، أو يراد بها النعمة، مثل قولنا: فلان له يد على فلان، وفلان له أياد بيضاء على الناس. وهنا يقول الحق : ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ﴾ . فهل المقصود ب ﴿عَن يَدٍ﴾ أي من يُعْطُونَ الجزية، أم أيدي الآخرين الآخذين للجزية؟ إن هذا القول: ﴿عَن يَدٍ﴾ مثلما يقال: فلان نفض يده من هذا الأمر، أي خرج عن الأمر ولم يعد يعاون عليه. إذن يكون معنى ﴿عَن يَدٍ﴾ أي غير رد للنعمة. وعن يد منهم أي من المعطين للجزية، أو ﴿عَن يَدٍ﴾ أي: يداً بيده فلا يجلس الواحد من أهل الكتاب في الأمة الإسلامية المحكومة بالإسلام في مكانه ويرسل رسولاً من عنده ليسلم الجزية، لا، بل عليه أن يدفعها ويحضرها بيده. أو نقول: ﴿عَن يَدٍ﴾ من معنى القدرة، فمن عنده قدرة، فتأخذ الجزية من القادر ولا نأخذها من العاجز. إذن: يشترط في اليد إن كانت منهم ثلاثة ملاحظ؛ الملحظ الأول: أن

стр. 5796

يكونوا موالين لا نافضين لأيديهم منا ومن حكمنا، والملحظ الثاني: أن يأتي بها بنفسه لا أن يرسل بها رسولاً من عنده، وإن جاء بها لا بد أن يأتي بها وهو ماش وأن يعطيها وهو واقف ومن يأخذ الجزية قاعد، وهذا هو معنى ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . ولماذا يعطونها عن صَغار؟ لأن الحق أراد للإسلام أن يكون جهة العلو، وقد صنع فيهم الإسلام أكثر من جميل، فلم يقتلهم ولم يرغمهم على الدخول إلى الإسلام؛ لذلك فعليهم أن يتعاملوا مع المسلمين بلا كبرياء ولا غطرسة، وأن يخضعوا لأحكام الإسلام، وأن يكونوا موالين للمسلمين، لا ناقضين الأيدي، وأن يؤدوا الجزية يداً بيد، وأما العاجز وغير القادر فيعفى من دفع الجزية. ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ والصَّغَار من مادة الصاد والغين والراء، وتدل على معنيين؛ إن أردتها عن السن يقال «صَغُر» «يَصْغُرُ» مثل قولنا: فلان كبر يكبر. وإن أردتها في الحجم والمقام نقول «صَغِر» «يصغَر» ، أي: صغر مقاماً أو حجماً، ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] . وهنا في قوله: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ تعني أن يؤدوها عن انكسار لا عن علو، حتى إنَّ من يُعطي لا يظن أنه يعطي عن علو، ونقول له: لا، إن اليد الآخذة هنا هي اليد العليا. ثم أراد الحق أن يعطينا حيثيات قتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فقال بعد ذلك:

стр. 5797

﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ... ﴾

стр. 5798

هذا الادعاء فيه مساس بجلال الله تعالى، فالإنسان يتخذ ولداً لعدة أسباب؛ إمَّا لأنه يريد أن يبقى ذِكْره في الدنيا بعد أن يرحل، والله سبحانه دائم الوجود؛ وإمَّا لكي يعينه ابنه عندما يكبر ويضعف، والله دائم القوة؛ وإما ليرث ماله وما يملك، والله ﵎ يرث الأرض ومن عليها. وإما ليكون عزوةً له، والله ﷻ عزيز دائماً. وهكذا تنتفي كل الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الادعاء. ولا يعقل أن يرسل الله سبحانه رسولاً ليبين للناس منهج الحق فإذا به يقول للناس: إنَّه ابن الله. إذن فهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل بالله. ويسوق الحق ﵎ قول كل من اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله﴾ . وهكذا نجد أنهم لم ينزهوا الله وأخلُّوا بالإيمان الحق. ولا بد أن نعلم أن من قالوا: إن عُزَيْراً ابن الله ليسوا هم كل اليهود، بل جماعة منهم فقط هي التي جعلت عُزَيْراً ابناً لله لما رأى أفرادها على يديه نعمة أفاءها الله تعالى عليه، فقالوا: هذه نعمة عظيمة جداً لا يمكن أن يعطيها ربنا لشخص عادي، بل أعطاها لابنه. ذلك أن اليهود بعد سيدنا موسى ﵇ قتلوا الأنبياء، وعاقبهم الله بأن رفع التوراة من صدور الحافظين لها، ولكن طفلاً لم يعجبه

стр. 5799

مشهد قتل الأنبياء فخرج شارداً في الصحراء مهاجراً وهارباً، فقابله شخص في الطريق فسأله: لماذا أنت شارد؟ فقال: خرجْت أطلب العلم. وكان هذا الشخص هو جبريل ﵇، فعلَّمه أن لله توراة، فحفظها فصار واحداً من أربعة، هم فقط من حفظوا التوراة: موسى، وعيسى، وعزير، واليسع، ولأن الكتب قديماً لم تكن تكتب على ورق رقيق مثل زماننا، بل كانت تكتب على الأحجار وسعف النخيل، لذلك كان وزن التوراة يقدر بسبعين حِمْل بعير، وحين رجع عزير حافظاً للتوراة، اندهش قومه وقالوا: لا بد أنه ابن الله؛ لأن الله أعطاه التوراة وآثره على القوم جميعاً. ونشأت جماعة من اليهود تؤمن بذلك، وكان منهم سلاَّم بن مشكم، وشاس بن قيس، ومالك ابن الصيف، ونعمان بن أوفى. وحينما أنزل الله قوله: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ لم ينكر اليهود المعاصرون لهذا النزول تلك المسألة ولم يكذبوها، فكأن هناك من اليهود الذين كانوا بالمدينة من كان يؤمن بذلك، وإلا لاعترضوا على هذا القول، وهذا دليل على أن ما جاء بالآية يصدق على بعضهم أو هم عالمون بأن قوماً منهم قد قالوا ذلك. وكذلك قالت النصارى عن عيسى ﵇، فجاء قول الحق ﵎: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله﴾ ويتابع الحق: ﴿ذلك قَوْلُهُم﴾ فيوضح لنا سبحانه أن النبوة لله جاءت فيها مشبهة، كان يجب أن يلتفتوا إليها وينزهوا الله عن ذلك؛ لأن الحق يصف عباده بأنهم عباد الله، وأن الخلق كلهم خلق الله تعالى. فالمولى وهو الخالق والقادر على كل شيء خلق كل الخلق

стр. 5800

من عدم ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً. ولكن الشبهة عند بعض من أتباع المسيح جاءت من أنه أوجِدَ من دون أب، ونقول لهم: لو أن هذا الأمر جاء لكم من هذا الطريق، فكان من الأوْلى أن تجيء ذات الشبهة في خلق آدم؛ لأن قصارى ما في المسيح أنه جاء من غير أب، ولكن آدم جاء من غير أب ومن غير أم، فأيهما كان أوْلى أن يكون ابن إله؟ ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ﴾ . والحق يخلق الشيء - أي شيء - بأسباب، وكل الأَسباب مخلوقة له، والولد منا - في جمهرة الناس - ينشأ من اجتماع الأب والأم، والشيء المردود بين شيئين له صور منطقية أربعة: إما أن يوجد بوجود شيئين ذكر وأنثى، وإما أن يوجد بانعدام الشيئين مثل آدم، وإما أن يوجد بوجود واحد من الشيئين وهو الذكر مثل حواء، فقد خلقها الله من آدم مصداقاً لقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ، وإما بوجود واحد من الشيئين وهي الأنثى وخلق عيسى ﵇ منها بدون وجود الذكر. وليعلمنا الله جميعاً أن الأسباب لا دخل لها في التكوين، وأن المسبِّب هو القادر على أن يوجِد من غير أب وأم كما أوجد آدم، وأن يوجد من أب وأم كما أوجد جمهرة الناس، وأن يوجد من أم دون أب كما أوجد عيسى، وأن يوجد من دون أم كما أوجد حواء. إذن: فالقسمة دائرة بقدرة الله وإرادته، ولا دخل لأحد إلا إرادة الحق ، فالأسباب ليست هي الفاعلة في ذاتها، بل إرادة الخالق سبحانه هي الفاعلة، ولذلك يقول المولى : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السموات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] . أي: قد يوجد الذكر والأنثى ولا يعطي لهما الحق أولاداً، وهذه

стр. 5801

طلاقة قدرة من الله تعالى، فإياك أن تقول إنها بأسباب، بل يَهَبُ لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء ذكوراً، ويجمع لمن يشاء بين الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيماً، وكان استقبال الناس للمواليد يختلف؛ فالعرب كانوا يحبون إنجاب الذكر؛ لأنه قوي ويحقق العزوة ويركب الخيل، ويحارب الأعداء. ولم يكونوا يحبون إنجاب الفتاة لأنها قد تأتي منها الفضائح، ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ. .﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] . وجاء الإسلام ليوضح: أنه ما دام لا دخل لك في الإنجاب والإنسال، فَدع الأمر لمن يهب الأبناء. وقد سمى الحق ﵎ الأبناء «هبة» ليذكرك أن الإنجاب شيء أعطاه سبحانه لك بلا مقابل منك، فالذكور هبة، والإناث أيضا هبة. فلا تفضل تلك الهبة عن هذه الهبة. ودائماً أقول للذي ينجب بنات، ويذهب هو وزوجته إلى الأطباء: لو استقبلتم هبة الله في الإناث كما تستقبلونها في الذكور، فإن الحق يجزيكم جزاء لا يخطر لكم على البال، فيحسن الله كل ابنة لكم في عين رجل صالح ويتزوجها، فإن كُن عشر بنات فهُنَّ يأتين بعشرة رجال أزواج يعاملون الأب والأم لكل زوجة معاملة الأب والأم، وهكذا يرزق الله من يرضى بقسمة الله في الإنجاب، ويصبح أزواج البنات أطوع من الأبناء الذكور، فالذي يرضى بالهبة في الإناث يوضح له الله: رضيتَ بهبتي فيك ولم تكن على سنة العرب من كراهة الإناث؛ لذلك أهبك من أزواج البنات أبناء لم تتعب في تربيتهم ويكونون أكثر حناناً وولاءً من أي أبناء تنجبهم أنت. ولذلك إذا ما وجدت إنساناً قد وُفِّقَ في زيجات بناته، من رجال يصونون أعراضهم ويحسنون معاملة أهل الزوجة، فاعلم أن الأب قد استقبل ميلاد الأنثى بالرضا؛ لأنها هبة الله. ويقول المولى :

стр. 5802

﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ [الشورى: ٥٠] . إذن: فالعقم أيضاً هبة إلهية؛ لأن الإنسان إذا ما استقبل العقم برضا الله؛ لَوَجَد في كل رجل يراه ابناً له؛ لأنه استقبل الهبة في المنع برضا، مثله مثل من استقبل الإناث كاستقبال الذكور. إذن: ما دامت المسألة هبة من الله فيجب أن تستقبل عطاء الله ومنعه بالرضا. وعيسى ﵇ جاء بنسبة طلاقة القدرة من الخالق ؛ لأن القسمة العقدية والعقلية لا تتم إلا به، ولن تتكرر؛ لأن آدم وُجِدَ أولاً، ومن وجدوا بعد آدم جاء كل منهم من أبوين، وكذلك حواء وُجِدَت من قبلهم، فهذه ثلاث صور قد وجدت في الكون وبقيت صورة ناقصة، هي أن يوجد إنسان من أم دون أب، فأتمها الله بعيسى ﵇: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وقول الحق ﴿ذلك﴾ إشارة إلى القول بأن المسيح ابن الله أو عزير ابن الله، ويضيف الحق توضيحاً ﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ . ونسأل: وهل يوجد قول بغير أفواه؟ إن كل قول إنما يكون بالأفواه؛ حتى قول المؤمنين بأن الله واحد وأن محمداً رسول الله هو قول بالأفواه. ونقول: هناك قول بالفم فقط دون أن يكون له معنى من المعاني، وهناك قول بالفم أيضاً وله معنى، إلا أنه غير حقيقي، وكاذب. ولنعرف أولاً: ما هو القول؟ إنه كلام يعبر به كل قوم عن أغراضهم؛ كأن تقول للطفل: اجلس، ولا بد أن يكون الطفل فاهماً لمعنى الجلوس، وإن قلتها بالعربية لطفل إنجليزي فلن يفهم معناها. إذن: فاللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والغرض هو معنى متفق عليه بين المتكلم والسامع، ولا بد أن يعرف الاثنان ما يشير إليه اللفظ من

стр. 5803

موضوعات. فإن لم يعرف السامع اللفظ الذي يتكلم به المتكلم فهو لا يفهم شيئاً. وهكذا نعلم أن الفهم بين المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ، فإذا تكلم متكلم بشيء لا علم للسامع به؛ فهو لا يفهم. وكانوا يضربون لنا المثل قديماً بعلقمة النحوي وكان مشهوراً في النحو والألفاظ واللغة، ويتقعر في استخدام الكلمات، ولا يتكلم إلا باللغة الفصيحة الشاذة التي لا يعرفها الناس، وكان عند علقمة خادم، فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب اسمه «أعجز» ليشكو له علة عنده، وقال علقمة للطبيب: قد أكلت من لحوم هذه الجوازىء فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع من الوابية إلى دأبة العنق، ولم يزل يمني حتى خالط الخلب وأملت منه السراسيب. ولم يكن الطبيب متخصصاً في اللغة ولا معاجم عنده، فوقف مستغرباً من كلمات علقمة وقال له: أعدْ عليَّ ما قلته فإني لم أفهم، فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لأنه لم يفهم لغته، وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له: هات القلم والورقة لأكتب لك الدواء، وكتب له: خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماروس واشربه بماء ماء. فقال علقمة: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمت شيئاً، فقال الطبيب: لعن الله أقلَّنا إفهاماً لصاحبه. وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي بألفاظ ليست من الألفاظ الدائرة على ألسن الناس. وقال أساتذتنا لنا: ولم يؤدبه عن هذا إلا غلامه أي خادمه، فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال: يا غلام أصعقت العتاريف، ولأن الغلام لم يفهم فقد رد قائلاً: زقفيلا، وقال علقمة للغلام: وما زقفيل؟ قال: وأنت ما أصعقت العتاريف؟ فقال له: يا بني لقد أردت أصاحت الديكة؟ فقال: وأنا أردت لم تَصِحْ. وهنا يقول الحق : ﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إذن: القول هو اللفظ الملفوظ من الفم، وهذا القول إما أن يكون له معنى، وإما ليس له معنى. مثل كلمة «زقفيل» التي قالها خادم علقمة، هذه الكلمة ليس لها

стр. 5804

وجود في اللغة فهي قول باللسان ليس له معنى. وقد يكون القول له معنى؛ إلا أنه كلام باللسان لا يؤيده واقع، فهو كذب. وقول الحق : ﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يحتمل الأمرين. إما أنهم يقولون كلاماً لا يقصدونه ولا يعرفون معنى ما يقولون، والمثال: أن نقول: «كتب» ، وهي كلمة مكونة من الكاف والتاء والباء، ويمكن أن نستخدم ذات الحروف فنقول: «كبت» وهي نفس الحروف أيضاً ولها معنى. أو نقول: «تكب» وهو لفظ غير مستعمل، وهو كلام بالفم ولا معنى له في اللغة، بل هو لفظ مهمل. فإذا قال إنسان كلاماً له معنى فهمناه مثل قول: «زيد كان بالأمس بالمكان الفلاني» وهنا زيد معلوم، والمكان معلوم، وأمس معلوم. لكن زيداً لم يذهب إلى ذلك المكان، وبذلك يكون القول في حقيقته كذباً لم يحدث. ويكون كلاماً بالفم، ولا واقع له في الحياة. إذن: فالقول بالفم إما أن يكون لا معنى له أبداً، فيستعمل كلفظ مهمل لا وجود له في اللغة، وإما أن يكون له معنى في ذاته إلا أنه ليس له واقع يؤيده. والحق يقول: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. .﴾ [الأحزاب: ٤] . والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذلكم قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٤] . هذا إذن كلام لا وجود له في الواقع، فالزوجة لا تصير أمّا لزوجها والولد المتبني لا يكون ابناً للرجل أو المرأة، لذلك يقول الحق ﵎: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [الأحزاب: ٥] .

стр. 5805

والحق يقول: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: ١ - ٤] . أي: أن هذا القول منهم كلام له معنى في اعتقادهم، ولكن ليس له واقع، ولذلك قال المولى : ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: لا واقع لهذا القول يسنده فهو كذب. ﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وهل هذا القول بالأفواه أهم ابتكروه أم ابتدعوه؟ إن الحق سبحانه يوضح لنا: ﴿يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي: أنهم لم يأتوا بهذا التصور من عندهم، بل من شيء له واقع، فقد قال المشركون ما أورده الحق على ألسنتهم: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ [الزخرف: ١٩] . فقد توهم المشركون أن لله تعالى بنات والعياذ بالله - وسبحانه منزه عن ذلك، في ذلك يخاطبهم المولى ﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى﴾ - إذن: فهذا كلام قديم؛ لذلك قال الحق عنهم: ﴿يضاهئون﴾ أي: يشابهون ويماثلون الذين من قبلهم حينما قالوا مثل ذلك، كما أن البوذية في الصين واليابان قالت ببنوة الإله والحلول وقد حفظ بعضهم من هؤلاء، ولم يطرأ جديد من ألسنتهم، وهم كما وصفهم القرآن الكريم ﴿يضاهئون﴾ أي: يشابهون ويماثلون به قول الذين كفروا من قبل، و «المضاهاة» هي المماثلة والمشابهة، وقالوا: إن مادتها مأخوذة من امرأة «ضَهيْاء» وهي التي ضاهت وشابهت

стр. 5806

الرجل، في عدم الحيض أو الحمل أو الولادة، وهي بذلك تكون شبيهة بالرجل. ﴿يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ والتعقيب هنا إنما يصدر من الحق ﵎ عليهم، ولم يتركه الحق لنا، وساعة تسمع: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ فالفطرة الإنسانية تفرض أن يقول السامع لهذا الكلام: قاتلهم الله كيف يقولون هذا؟ وشاء الحق هنا أن يتحملها عنا جميعاً؛ لأننا إن قلنا نحن: «قاتلهم الله أو لعنهم الله» فلا أحد منا يضمن استجابة الدعاء عليهم، فالأمر قد لا يتحقق، ولكن حين يقولها الحق . فتكون أمراً مقضياً. لذلك يقول الحق: ﴿قَاتَلَهُمُ الله أنى يُؤْفَكُونَ﴾ ، وما معنى قاتلهم الله؟ أنت إذا رأيت فعلاً قبيحاً من فرد، تقول: قاتله الله. لأن حياته تزيد المنكرات، ومثال ذلك من يسب أباه، يقول من يسمعه «قاتله الله» بينما يقول الإنسان منا لإنسان يفعل الخير: «فليعش هذا الرجل الطيب» ؛ لأنك ترى أن حياته فيها خير للناس. وقول الحق: ﴿قَاتَلَهُمُ الله﴾ أي لعنهم وطردهم، ويقول : ﴿أنى يُؤْفَكُونَ﴾ ، وكلمة ﴿أنى﴾ ترد بمعنيين، فمرة تعني «من أين؟» ، ومرة أخرى تعني «كيف؟» ، والمثال على معناها الأول قول الحق على لسان سيدنا زكريا لما دخل على مريم البتول: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧] . قال ذلك لأنه رأى عندها أشياء من الخيرات لم يأت بها إليها، مع أنه هو الذي يكفلها، والمفترض فيه أن يأتي لها بمقومات حياتها، وعندما دخل عليها ووجد شيئاً هو لم يأت به، سألها: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ أي: من أين لك هذا؟ فأجابت مريم المصطفاة بما جاء في القرآن الكريم:

стр. 5807

﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] . وجاء الحق بهذه الكلمة لتخدم أموراً إيمانية كثيرة جداً، وجاء بها على لسان مريم المصطفاة؛ لأن المسألة ليست مجرد طعام يأتيها من مصدر لا يعلمه البشر حتى من هي في كفالته. بل هي تقديم لما سوف يحدث. فلا تظن أن الأمور تسير سير المسألة الحسابية بأسباب ومسببات، وعلل ومعللات، ومقدمات ونتائج، بل هي بإرادة الله تعالى؛ لأنها لو كانت من عند الإنسان لفعلها بحساب، ولكن الحق يعطي بلا حساب؛ لأنه خالق الأسباب، وهو قادر على أن يخلق المسبَّب على الفور: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] . وحين أنطق الحق مريم بهذا إنما كان ليوضح لها ولزكريا في آن واحد: إنك يا زكريا تأتي لها بالرزق في حدود قدراتك وحساباتك البشرية، ولكن الله يأتيها بالرزق بغير حساب، وهو ما تستطيع أن تأتي به قدرات البشر، فقد يكون الرزق الذي رآه سيدنا زكريا عند سيدتنا مريم لوناً من الأطعمة لا يأتي إلا في الصيف، بينما كان الوقت شتاء، أو العكس، وقد يصح أن هذا الرزق ليس في بلادهم مثله، ولذلك قال: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ وقول الحق ﵎: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ هو قضية تربوية اجتماعية بمعنى أن الكفيل على قوم حينما يرى عندهم أشياء لم يأتِ بها هو، وجب عليه أن يسأل عن مصدرها، فحينما ترى في يد ابنك قلم حبر غالي الثمن وأنت لم تحضره له، لا بد أن تسأله: من أين جئت به؟ وذلك لتعرف التأثيرات الخارجية عليه، هل سرقه؟ أم أن أحداً أراد استدراجه إلى غرض سَيِّئ فأغراه بهذا القلم؟ لا بد إذن أن تسأل ابنك: من أين لك هذا؟ وكذلك إن رأيت ابنتك ترتدي ثوباً لم تأت لها به ولا أتت به أمها بعلمك، لا بد أن تسأل ابنتك: من أين

стр. 5808

لك هذا؟ وهذه القضية إن سيطرت على كل بيت من بيوتنا فلن يحدث في البيوت ما يشينها، لكننا للأسف الشديد نرى في بعض البيوت طفلاً يدخل ومعه قطعة من الشيكولاتة، ولا تسأله الأم: من أين لك هذا؟ بل تربت عليه وتأخذ منه قطعة من «الشيكولاته» لتأكل معه. لكن الأم التي تجيد التربية تماماً تسأل الابن: من أين أتيت بها؟ حتى تعرف هل ثمنها مناسب لمصروف يده أم لا، فإن لم تجد أنه قد جاء بهذه «الشيكولاتة» من مصدر معلوم لها وحلال فهي تحذره وتضرب على يده. ولا بد لنا أن نعلم أن قانون: «من أين لك هذا؟» يحكم العالم كله؛ لأنه يتحكم في التربية الاجتماعية كلها. وقد سبق الإسلام العالم بأربعة عشر قرناً حين أنزل الحق ﵎ قوله: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ ، وأجابت سيدتنا مريم الإيجاب الإيماني، وأوضحت لسيدنا زكريا ﵇: أنت تتكلم بحسابك ولكني أتكلم بحساب الله تعالى؛ لأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، أنطقها الحق ذلك لأن هذا القول سوف يخدم قضايا عقدية متعددة في الكون: القضية الأولى: أنها ساعة أن قالت: ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] . نبهت زكريا إلى قضية عقدية، وهي أن الله غير محكوم بالأسباب، وسبحانه يعطي بلا حساب، ونظر زكريا إلى نفسه متسائلاً: ما دام الله يعطي بغير حساب، وأنا قد بلغت من الكبر عتياً، وامرأتي عاقر، فلماذا لا أطلب منه أن يعطيني الولد؟ إذن: فقد نبهت مريم سيدنا زكريا ﵇ ولفتت نظره إلى قضية عقدية، وهي أن الله يعطي بلا أسباب، وبلا حساب، فدعا الله أن يرزقه غلاماً فلما بشره الحق بالغلام تساءل: كيف يرزق بالغلام وامرأته عاقر، وهو قد بلغ من الكبر عتياً؟ وجاءت الإجابة من الحق :

стр. 5809

﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٩] . وهكذا انتفع زكريا بعطاء الله بالابن، ولم يكتَف الحق بذلك، بل تكفل عن زكريا بتسميته، ولله ملحظ في تسميته، ونحن نعلم أن الناس تسمي الوليد الصغير بأسماء تتيمن بها، مثل أن يسمى رجل ابنه «سعداً» رجاء أن يكون سعيداً، وقد يسمونه «فارساً» ، رجاء أن يكون فارساً، ويسمونه «فضلاً» رجاء أن يكون كريماً، ويسمون الفتاة «قمراً» لعلها تكون جميلة. إذن: فالتسمية باسم يحمل معنىً شريفاً على أمل أن يكون الوليد هكذا، وهناك شاعر كان أولاده يموتون بعد الولادة، فجاءه ابن وسمَّاه يحيى، فمات هذا الابن أيضاً فقال الشاعر متحسِّراً: سَمَّيتُه يَحْيى لِيَحْيا فَلمْ ... يكُنْ لِرد قضاء اللهِ فيه سَبِيلُ إذن: فالتسمية بالاسم الشريف، أو بالاسم الذي يدل على الشيء المؤمَل هو رجاء أن يكون الوليد هكذا، لكن المسمى لا يملك أن يكون سعيداً، ولا أن يكون فارساً، ولا أن يعيش؛ لأن الذي يملك كل ذلك هو الله ، فإذا كان الله هو الذي سمى يحيى، فلا بد أن يكون الأمر مختلفاً؛ لأن الذي يملك هو الذي سمَّى، فهل سيعيش يحيى بن زكريا كالحياة التي نحياها وفيها الموت مُحتَّم على الجميع؟ نعم؛ لذلك شاء له الله أن يموت لتبقى حياته موصولة إلى أن تقوم الساعة. وهكذا رأت سيدتنا مريم آثار ذلك منذ أن قال لها زكريا ﵇ ﴿أنى لَكِ هذا﴾ وأجابت: ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] .

стр. 5810

لقد رأت كل ذلك في سيدنا زكريا وفي ميلاد يحيى، وجعل الله كل ذلك مقدمات لها؛ لأنها سَتُمتحن في عِرْضها فهي التي ستنجب ولدا من غير أب، وعليها أن تتذكر دائماً قولها: ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] . ولذلك تجد القرآن الكريم في قصصه العجيب يقول على لسان مريم: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠] . وقد بشرَّها الحق ﵎ بذلك في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَم﴾ [آل عمران: ٤٥] . وما دام قد نسبه الله لها فلن يكون له أب، فتساءلت: كيف يكون لي غلام من غير أب. ويُذكِّرها الحق بهذا القول: ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] . وقال لها: ﴿كذلك قَالَ رَبُّكَ﴾ [مريم: ٢١] . مثلما قال لزكريا من قبل، إذن ﴿أنى﴾ هذه هي مفتاح الموضوع العقدي كله، في زكريا ويحيى، وفي مريم وعيسى، وهذا هو معنى ﴿أنى﴾ وقلنا إن «أنّى» تأتي بمعنى كيف؟ مثل قول الحق ﵎ على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] . وسيدنا إبراهيم لا يُكذب أن الله قادر على الإحياء، ولكنه يسأل عن الكيفية، وهنا يقول الحق: ﴿قَاتَلَهُمُ الله أنى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يعدلون عن الحق؟ فالقضية منطقية، وما كان يصح أن تغيب عنهم، فكيف يُصرَفون عن

стр. 5811

هذه الحقيقة التي توجبها الفطرة الإيمانية؟ وكيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟ ويقول سبحانه بعد ذلك عن أهل الكتاب: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ ... ﴾

стр. 5812

و «الحَبْر» هو لقب عند اليهود، وهو العالم. ويقال في اللغة «حِبر» أو «حَبْرُ» أي رجل يدقق الكلام ويزنه بأسلوب عالم. والرهبان عند النصارى والمقصود بهم المنقطعون للعبادة، فالحَبر عالِم اليهود، والراهب عابد النصارى، أما عالم النصارى فيسمى «قسيس» ولذلك قال الحق : ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً﴾ [المائدة: ٨٢] . فإن قصدنا عالم الدين المسيحي قلنا: «قسيس» ، وإن قصدنا رجل التطبيق أي العابد قلنا: «الراهب» والراهب هو من يقول: إنه انقطع لعبادة الله فوق ما طلب الله منه من جنس ما طلب، ونعلم أنه لا رهبانية في الإسلام، ولكن الإنسان يستطيع أن يتقرب إلى الله كما يحلو له من جنس ما طلب الله منه، فإن كان الحق قد أمر بإقامة الصلاة خمس مرات

стр. 5813

في اليوم، فالمسلم الذي يرغب في زيادة التقرب إلى الله يمكنه أن يصلي ضعف عدد مرات الصلاة، وإذا كان الحق سبحانه قد فرض أن تكون الزكاة بمقدار اثنين ونصف في المائة، فالعبد الصالح قد يزيد ذلك بضعفه أو أضعافه. وهذه زيادة من جنس ما فرض الله تعالى وزيادة، وهذا يعني في الإسلام الدخول إلى مقام الإحسان، واقرأ إن شئت قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٦] . أي: أنهم قد دخلوا إلى مقام الإحسان أي ارتقوا فوق مقام الإيمان. ويزيدنا الحق علماً بمقام الإحسان فيقول: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٩] . وسبحانه لا يطلب منا في فروض الدين ألا نهجع إلا قليلا من الليل، بل نصلي العشاء وننام إلى الفجر. لكن إنْ قام الإنسان منَّا وتهجد فذلك زيادة عما فرض الله ولكنه من جنس ما فرض الله. وكذلك الاستغفار فمن تطوع به فهو خير له. وكذلك الصدقة على غير المحتاج، فهنا زيادة في العطاء على ما فرضه الله من الزكاة التي حُدِّدَتْ من قبل في قول الحق ﵎: ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] . والرهبانية كانت رغبة من بعضهم في الدخول إلى مقام الإحسان، ولكن الحق لم يفرضها عليهم؛ لأنه هو الذي خلق وَعلم أزلاً قدرات من خلق،

стр. 5814

لذلك قال الحق وتعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] . هم إذن قد ابتدعوها ابتغاء رضوان الله وزيادة في العبادة، وليس في ذلك ملامة عليهم، ولكنها ضد الطبيعة البشرية؛ لذلك لم يراعوا الرهبانية حق رعايتها، ويقول المولى هنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً﴾ فهل معنى ذلك أنهم يقولون للحبر أو الراهب «رب» ؟ لا، ولكن كانت معاملتهم لهم كمن يعامل ربه؛ لأن الله هو الذي يُحل ويحرم ب «افعل» و «لا تفعل» ، فإذا جاء هؤلاء الأحبار وأحلُّوا شيئاً حرمه الله أو حرَّموا شيئاً أحلَّه الله، فهم إنما قد أخذوا صفة الألوهية فوصفوهم بها؛ لأن التحليل والتحريم هي سلطة الله، فلذلك «عندما دخل عدي بن حاتم على سيدنا رسول الله ﷺ َ ووجد الرسول ﷺ َ في عنق الرجل صليباً من الذهب أو من الفضة قال سيدنا رسول الله ﷺ َ:» اخلع هذا الوثن «، ومن أدب الرجل مع الرسول خلع الصليب. وقال ﷺ َ:» «إنكم لتتخذون الأحبار والرهبان أرباباً» . فقال الرجل: نحن لا نعبدهم. . قال له رسول الله ﷺ َ: أولا تطيعونهم فيما حرموا وأحلوا؟ قال: نعم. قال: تلك هي العبادة «. ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ﴾ ولسائل أن يسأل: وما معنى عطف المسيح على الأرباب، وعلى الأحبار والرهبان؟ والإجابة: إن الذي يحلل ويحرم إن لم يكن رسولاً، فهو إنسان يطلب

стр. 5815

السلطة الزمنية، وذلك لا يتأتى من الرسول؛ لأن الرسول ﷺ َ إنما جاء ليلفت الناس إلى عبادة الله بما شرعه الله، وعيسى ﵇ هو رسول لم يقم إلا بالبلاغ عن الله، ولكن البعض أخطأ التقدير وظن أنه ابن الله، ولذلك يتابع الحق قوله: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهكذا يذكر الحق أن الأمر لم يصدر منه إلا بأن يعبد من يؤمن بالرسالات الإله الواحد. ورسولنا ﷺ َ يقول:» خير ما قلته أنا والنبيون: لا إله إلا الله «. وأنت حين تنظر إلى» لا إله إلا الله «تجد النفي في» لا «والاستثناء من النفي والإثبات في» إلا «، وهذا نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها له وحده، وحين نقول:» الله واحدا «فهذا يتضمن الإثبات فقط. ويأخذ الفلاسفة الذين يملكون قوة الأداة والبيان من هذه القضية» الإثبات والنفي «، أو» الموجب والسالب «، ويقولون: كل التقاء بين موجب وسالب إنما يعطي طاقة، والطاقة يمكن استخدامها في الإنارة أو تدار بها آلة، وكذلك الطاقة الإيمانية تحتاج إلى» سالب وموجب «، ويقول الشاعر إقبال: إنما التوحيدُ إيجَابٌ وسَلبٌ ... فِيهِما للنفْسِ عزمٌ ومَضَاء ويقول تذليلاً للآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وحين تسمع كلمة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ فاعرف أنها للتنزيه، فلا ذات مثل ذات الله، ولا صفة مثل صفات الله، فالله عني وأنت غني، فهل غناك الحادث مثل غنى الله الأزلي؟ وأنت حي والله حي، فهل حياتك الموقوتة مثل حياته؟ فحياته
следующие страницы →