Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
هذه الحقيقة التي توجبها الفطرة الإيمانية؟ وكيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟
ويقول سبحانه بعد ذلك عن أهل الكتاب: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ ... ﴾
стр. 5812
و «الحَبْر» هو لقب عند اليهود، وهو العالم. ويقال في اللغة «حِبر» أو «حَبْرُ» أي رجل يدقق الكلام ويزنه بأسلوب عالم. والرهبان عند النصارى والمقصود بهم المنقطعون للعبادة، فالحَبر عالِم اليهود، والراهب عابد النصارى، أما عالم النصارى فيسمى «قسيس» ولذلك قال الحق : ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً﴾ [المائدة: ٨٢] .
فإن قصدنا عالم الدين المسيحي قلنا: «قسيس» ، وإن قصدنا رجل التطبيق أي العابد قلنا: «الراهب» والراهب هو من يقول: إنه انقطع لعبادة الله فوق ما طلب الله منه من جنس ما طلب، ونعلم أنه لا رهبانية في الإسلام، ولكن الإنسان يستطيع أن يتقرب إلى الله كما يحلو له من جنس ما طلب الله منه، فإن كان الحق قد أمر بإقامة الصلاة خمس مرات
стр. 5813
في اليوم، فالمسلم الذي يرغب في زيادة التقرب إلى الله يمكنه أن يصلي ضعف عدد مرات الصلاة، وإذا كان الحق سبحانه قد فرض أن تكون الزكاة بمقدار اثنين ونصف في المائة، فالعبد الصالح قد يزيد ذلك بضعفه أو أضعافه. وهذه زيادة من جنس ما فرض الله تعالى وزيادة، وهذا يعني في الإسلام الدخول إلى مقام الإحسان، واقرأ إن شئت قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٦] .
أي: أنهم قد دخلوا إلى مقام الإحسان أي ارتقوا فوق مقام الإيمان. ويزيدنا الحق علماً بمقام الإحسان فيقول: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٩] .
وسبحانه لا يطلب منا في فروض الدين ألا نهجع إلا قليلا من الليل، بل نصلي العشاء وننام إلى الفجر. لكن إنْ قام الإنسان منَّا وتهجد فذلك زيادة عما فرض الله ولكنه من جنس ما فرض الله. وكذلك الاستغفار فمن تطوع به فهو خير له. وكذلك الصدقة على غير المحتاج، فهنا زيادة في العطاء على ما فرضه الله من الزكاة التي حُدِّدَتْ من قبل في قول الحق ﵎: ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] .
والرهبانية كانت رغبة من بعضهم في الدخول إلى مقام الإحسان، ولكن الحق لم يفرضها عليهم؛ لأنه هو الذي خلق وَعلم أزلاً قدرات من خلق،
стр. 5814
لذلك قال الحق وتعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] .
هم إذن قد ابتدعوها ابتغاء رضوان الله وزيادة في العبادة، وليس في ذلك ملامة عليهم، ولكنها ضد الطبيعة البشرية؛ لذلك لم يراعوا الرهبانية حق رعايتها، ويقول المولى هنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً﴾ فهل معنى ذلك أنهم يقولون للحبر أو الراهب «رب» ؟ لا، ولكن كانت معاملتهم لهم كمن يعامل ربه؛ لأن الله هو الذي يُحل ويحرم ب «افعل» و «لا تفعل» ، فإذا جاء هؤلاء الأحبار وأحلُّوا شيئاً حرمه الله أو حرَّموا شيئاً أحلَّه الله، فهم إنما قد أخذوا صفة الألوهية فوصفوهم بها؛ لأن التحليل والتحريم هي سلطة الله، فلذلك
«عندما دخل عدي بن حاتم على سيدنا رسول الله ﷺ َ ووجد الرسول ﷺ َ في عنق الرجل صليباً من الذهب أو من الفضة قال سيدنا رسول الله ﷺ َ:» اخلع هذا الوثن «، ومن أدب الرجل مع الرسول خلع الصليب. وقال ﷺ َ:» «إنكم لتتخذون الأحبار والرهبان أرباباً» . فقال الرجل: نحن لا نعبدهم. . قال له رسول الله ﷺ َ: أولا تطيعونهم فيما حرموا وأحلوا؟ قال: نعم. قال: تلك هي العبادة «.
﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ﴾ ولسائل أن يسأل: وما معنى عطف المسيح على الأرباب، وعلى الأحبار والرهبان؟ والإجابة: إن الذي يحلل ويحرم إن لم يكن رسولاً، فهو إنسان يطلب
стр. 5815
السلطة الزمنية، وذلك لا يتأتى من الرسول؛ لأن الرسول ﷺ َ إنما جاء ليلفت الناس إلى عبادة الله بما شرعه الله، وعيسى ﵇ هو رسول لم يقم إلا بالبلاغ عن الله، ولكن البعض أخطأ التقدير وظن أنه ابن الله، ولذلك يتابع الحق قوله:
﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهكذا يذكر الحق أن الأمر لم يصدر منه إلا بأن يعبد من يؤمن بالرسالات الإله الواحد. ورسولنا ﷺ َ يقول:» خير ما قلته أنا والنبيون: لا إله إلا الله «.
وأنت حين تنظر إلى» لا إله إلا الله «تجد النفي في» لا «والاستثناء من النفي والإثبات في» إلا «، وهذا نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها له وحده، وحين نقول:» الله واحدا «فهذا يتضمن الإثبات فقط. ويأخذ الفلاسفة الذين يملكون قوة الأداة والبيان من هذه القضية» الإثبات والنفي «، أو» الموجب والسالب «، ويقولون: كل التقاء بين موجب وسالب إنما يعطي طاقة، والطاقة يمكن استخدامها في الإنارة أو تدار بها آلة، وكذلك الطاقة الإيمانية تحتاج إلى» سالب وموجب «، ويقول الشاعر إقبال:
إنما التوحيدُ إيجَابٌ وسَلبٌ ... فِيهِما للنفْسِ عزمٌ ومَضَاء
ويقول تذليلاً للآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وحين تسمع كلمة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ فاعرف أنها للتنزيه، فلا ذات مثل ذات الله، ولا صفة مثل صفات الله، فالله عني وأنت غني، فهل غناك الحادث مثل غنى الله الأزلي؟ وأنت حي والله حي، فهل حياتك الموقوتة مثل حياته؟ فحياته
стр. 5816
ذاتية وحياتك موهوبة، فسبحانه حي بذاته، ولذلك يجب أن تفرق بين اسمه» الحي «واسمه» المحيي «، فهو حي في ذاته، ومُحْي لغيره، وإن كانت الصفة لله في الذات فهي لا تتعدى إلى الغير، إن الله يوصف بها ولا يوصف بنقيضها، فتقول» حي «ولا تقول المقابل، ولكن إن قلت:» محيي «فأنت تأتي بالمقابل وتقول:» مميت «.
وتقول: «قابض وباسط» و «رحيم وقهار» .
إذن: فصفة الذات يتصف الله بها ولا يتصف بمقابلها، وأما صفة الفعل فيتصف بها ويتصف بمقابلها لأنها في غيره، فسبحانه هو مُحي لغيره، ومميت لغيره، لكنه حي في ذاته. إذن فكلمة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تعني التنزيه ذاتاً، وصفاتٍ، وأفعالاً، وإذا جاء فعل من الله، ويأتي مثله فعل من البشر، نقول: إن فعل الله غير فعل البشر لأن فعل الله بلا علاج، ولكن فعل البشر بعلاج، بمعنى أن كل جزئية من الزمن تأخذ قدراً من الفعل، كأن تنقل شيئاً من مكان إلى مكان، فأنت تأخذ وقتاً وزمناً على قدر قوتك، أما فعل الله فلا يحتاج إلى زمن، وقوته لا نهائية.
ولذلك حين قال سيدنا رسول الله ﷺ َ: لقد أسْرِيَ بي إلى بيت المقدس، قال من سمعوه: أتدعي أنك أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ لكن لم يلتفت أحد منهم إلى أن محمداً ﷺ َ لم يقل: لقد ذهبت
стр. 5817
إليها بقوتي، بل قال: لقد أسرِيَ بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. إذن: فالذي أسْرَى هو الله القوي القادر ولا يحتاج الله إلى زمن.
إذن: ف ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هي تنزيه لله عن أي شيء يوجد في البشر. ولا تقارن قدرة الله بقدرة البشر مهما كان، بل إن العمل ينسب لقدرة صاحبه، وكلما زادت القوة زادت القدرة والله هو القوي. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ هو تنزيه لله، ولا تجد بشراً يقول لبشر حتى من الكفار الذين يعاندون الإيمان، لا يقول واحد منهم لآخر «سبحانك» لأن التنزيه أمر يختص به الله .
والناس تضع أسماء أولادها، فالأسماء مقدور عليها من البشر، ولكنك لا تجد كافراً معانداً محارباً لدين الله يسمى ابنه «الله» فالمؤمن لا يجرؤ على هذه التسمية لأنه يؤمن بالله، والكافر لا يجرؤ عليها أبدا بقدرة الله وقهره. لذلك فكلمة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ولفظ الجلالة «الله» لفظان يختص بهما الله وحده بالقدرة المطلقة لله ، وسبحانه القائل:
﴿رَّبُّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] .
إذن: فالله بالقدرة والقهر - حجز ألسنة البشر جميعاً أن يقول أحدهم لأحد: «سبحانك» ، أو أن يسمى أحد ابنه «الله» .
والله يقول هنا: ﴿لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، وموقف المشركين وأهل الكتاب واقع تحت هذه الآية؛ لأن منهج السماء لا يأتي إلا إذا عَمَّ الفساد والله يريد من الإنسان الخليفة في الأرض أن يكون صالحاً ومصلحاً، وأقلُّ درجات الصلاح أن تترك الصالح فلا تفسده، فإن استطعت أن ترتقي به فهذا هو الأفضل. فإن كانت هناك بئر يشرب منها الناس، فالصلاح أن تترك هذه البئر ولا تردمها، والأصلح من ذلك أن تحمي
стр. 5818
جدرانها بالطوب حتى لا تنهار الأتربة وتسُدَّها، وأن تحاول أن تسهل حصول الناس على الماء من البئر، والأصلح منه أن تصنع خزانا عاليا، ومن هذا الخزان تمتد المواسير ليصل الماء إلى الناس في منازلهم بدون تعب، هذا إصلاح لأنك بذلك إنما تأخذ بأسباب الحق القائل عن تميز الفكر؛ عند ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ [الكهف: ٨٤ - ٨٥]
أي: أن الله أعطى لذي القرنين الأسباب، وهو زَادَ باجتهاده أسباباً أخرى؛ إذن: فالحق سبحانه يريد من الإنسان أن يُصْلح في الأرض حتى يسعد المجتمع بأي إصلاح في الأرض ويستفيد منه الكل، ولذلك يعطي الحق اختيارات في أشياء ولا يعطيها في أشياء أخرى، فالإنسان له اختيار في أن يصلي أو لا يصلي، يتصدق أو لا يتصدق، يعمل أو لا يعمل إلى آخر ما نعلمه، ولكن الكون الأعلى محكوم بالقهر، فالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء وكل هذا له نظام دقيق، فلا الشمس ولا القمر ولا النجوم، ولا غيرها من الكون الأعلى يخضع لاختيار الإنسان، وإلا لفسد الكون. وكل شيء مقهور سليم بالفطرة ولا يحدث فساد إلا في الشيء الذي فيه اختيار للإنسان؛ لأن الاختيار قد يتبع الشهوة وهوى النفس، حتى المخلوقات المقهورة كالحيوانات التي سخرها الله للإنسان لا يأتي منها الشر. بل إن مُخلَّفاتها تُستخدم في زيادة خصوبة الأرض. ولكن الأشياء التي صنعها الإنسان ملأت أجواء الدنيا بالسموم ولوثت الجو؛ لأن الأولى مخلوقة بهندسة إلهية، والثانية بهندسة بشرية علم صانعها أشياء وغابت عنه أشياء.
وقد يعتقد الناس أن هناك بعضاً من الاكتشافات قد حلَّتْ مشكلات الكون، ثم بعد ذلك وعندما تمر السنوات يعرفون أنه جاءت بالشقاء للبشرية، ولعل تلوث البيئة الذي بدأ يؤثر على حياة الكون أخيراً يلفتنا إلى ذلك، حتى
стр. 5819
إن الإنسان الذي قطع الأشجار وأزال الغابات التي خلقها الله في هذا الكون لتكون مصدراً للهواء النقي وأنشأ بدلاً منها مصانع ومُدناً؛ بدأ الآن يحاول أن يعيد زراعة هذه الأشجار بعد أن علم أن تدخله في الكون قد أفسد جَوّه وماءه وأفسد لمنهج الله تعالى لاستقام أمر الدنيا، كما استقام الكون الأعلى.
ولذلك يقول الحق : ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان﴾ [الرحمن: ١ - ٧] .
إذن: فالميزان للعلويات لا يختل أبداً، فإذا عرفتم ذلك فنِّفذوا أمر الحق في قوله: ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ [الرحمن: ٨] .
فإذا سرْتم على ضوء منهج الله تعالى، تستقيم أموركم الدنيا كما استقامت أموركم العليا، وها هو ذا الكون أمامكم يسير منضبطاً، وهذا شأن الشيء الذي فيه اختيار للإنسان؛ إنْ لم يسِرْ على منهج الله تجدوه غير مستقيم. وعلى هذا إذا رأيت عورة في الكون من أي لون، فاعلم أن منهجاً من مناهج الله قد عُطِّل.
ولذلك نجد - أيضاً - أن المفسدين ساعة يرون أن مصلحاً قد جاء ليضرب على أيدي المفسدين، تجدهم يحاولون إفساده وجذبه إليهم ليعيش فسادهم، وإذا لم يتحقق لهم ذلك فهم يقفون أمام هذا المصلح لأنهم إنما يعيشون بالفساد وعلى الفساد، ويصنعون لأنفسهم السيادة والجبروت ويستعبدون غيرهم، وحين يرى المفسدون رجلاً يريد أن يعدل ميزان الكون فهم يحاربونه.
وأنت حين تشتري سلعة، فالبائع يزنُ لك بمقدار ما تدفع من ثمن، ويحتاج
стр. 5820
البائع إلى ميزان منضبط ليزنَ لك به ما تشتريه، فإن كان بائعاً مخادعاً، فهو يعبث بالميزان ليبيع لك الأقل بالثمن الأكبر، وليبخسك حقك. ومثل هذا البائع مثل المفسدين الذين يرهقهم أن يأتي مصلح يعيد ميزان الكون لما أمر الله من إقامة العدل وإصلاح المعوج.
ومن قبل قلنا: إنَّ الحق ضرب المثل فجعل له سبحانه نورين. . النور الأول حسي وهو في الماديات، والنور الثاني معنوي وهو في القيم، وكما أن النور الحسي يهدي الإنسان إلى طريقه دون أن يصطدم بأي شيء؛ لأن الإنسان إن اصطدم بشيء أقل منه، فإنه يحطمه، وإذا كان الشيء أكبر من الإنسان فهو يحطم الإنسان، وهكذا يلعب النور دوراً في الحسيات، وكذلك جعل الله للمعنويات نوراً، لذلك قال الحق : ﴿نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥] .
والمفسد يكره أن يوجد مثل هذا النور، بل يريد أن يطفئه، ولذلك يقول الحق بعد ذلك: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله ... ﴾
стр. 5821
لكن هل يستطيعون أن يطفئوا نور الله؟ لا؛ لأن الإنسان في الأمر الحسّي لا يستطيع أن يطفئ النور؛ لأن هناك فَرقاً بين مصدر النور وبين أداة التنوير، فالإنسان يمكنه أن يحطم الدائرة الزجاجية التي تحمل النور، لكن لا أحد بإمكانه أن يطفئ «المُنوِّر» والمنوِّرُ الأعلى هو الله، ولا أحد يستطيع إطفاءه. ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله﴾ أي: لا يريد الله شيئاً ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ، وسبحانه قد أرسل الرُّسُل حاملة لمنهج النور ولم يرسل الرسل
стр. 5822
لينتصر عليهم الكفر، ولذلك يقول لنا: ﴿ويأبى الله﴾ أي لا يريد ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ .
ويتابع الحق جل وعلا قوله: ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق ... ﴾
стр. 5823
والرسول ﷺ َ إنما جاء بالقيم التي تهدي إلى الطريق المستقيم، جاء بالدين الحق. فكلمة «دين» أخذَتْ واستعملت أيضاً في الباطل، ألم يأمر الحق نبيه ﷺ َ أَن يقول لكفار ومشركي مكة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
فهل كان لهم دين؟ نعم كان لهم ما يدينون به مما ابتكروه واخترعوه من المعتقدات؛ لكن ﴿وَدِينِ ا﴾ هو الذي جاء من السماء.
﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ ولنلحظ أن الحق جاء بهذا القول ليؤكد أن الإسلام قد جاء ليظهر فوق أي ديانة فاسدة، ونحن نعلم أن هناك ديانات متعددة جاءت من الباطل، فسبحانه القائل: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السموات والأرض﴾ [المؤمنون: ٧١] .
ونتوقف عند قول الحق : ﴿عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ ، فلو أن الفساد كان في الكون من لون واحد، كان يقال ليظهره على الدين الموجود الفاسد، ولكنَّ هناك أدياناً متعددة؛ منها البوذية وعقائد المشركين، وديانات أهل الكتاب والمجوس الذين يعبدون النار أو بعض أنواع من الحيوانات،
стр. 5824
وكذلك الصابئة. ولذلك فإن الله لا يريد أن يظهر دينه؛ الذي هو دين الحق على دين واحد؛ من أديان الباطل الموجودة، ولكن يريد سبحانه أن يظهره على هذه الأديان كلها، وأن يعليه حتى يكون دين الله واقفاً فوق ظَهْر هذه الأديان كلها، والشيء إذا جاء على الظَّهْر أصبح عالياً ظاهراً. والحق يقول: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] .
أي: أن يأتوا فوق ظهره. وكل الأديان هي في موقع أدنى بكثير من الدين الإسلامي. بعض الناس يتساءل: إذن كيف يكون هناك كفار ومجوس وبوذيون وصابئون وأصحاب أديان أخرى كاليهودية والنصرانية، فما زالت دياناتهم موجودة في الكون وأتباعها كثيرون، نقول: لنفهم معنى كلمة الإعلاء، إن الإعلاء هو إعلاء براهين وسلامة تعاليم، بمعنى أن العالم المخالف للإسلام سيصدم بقضايا كونية واجتماعية، فلا يجد لها مخرجاً إلا باتباع ما أمر به الإسلام ويأخذون تقنيناتهم من الإسلام، وهم في هذه الحالة لا يأخذون تعاليم الإسلام كدين، ولكنهم يأخذونها كضرورة اجتماعية لا تصلح الحياة بدونها. وأنت كمسلم حين تتعصب لتعاليم دينك، فليس في هذا شهادة لك أنك آمنت، بل دفعك وجدانك وعمق بصيرتك لأنْ تؤمن بالدين الحق، ولكن الشهادة القوية تأتي حين يضطر الخصم الذي يكره الإسلام ويعانده إلى أن يأخذ قضية من قضايا الإسلام ليحل بها مشكلاته، هنا تكون الشهادة القوية التي تأتي من خصم دينك أو عدوك. ومعنى هذا أنه لم يجد في أي فكر آخر في الكون حلاً لهذه القضية فأخذها من الإسلام.
فإذا قلنا مثلاً: إن إيطاليا التي فيها الفاتيكان الذي يسيطر على العقائد
стр. 5825
المسيحية في العالم الغربي كله، وكانت الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان تحارب الطلاق وتهاجم الإسلام لأنه يبيح الطلاق، ثم اضطرتهم المشكلات الهائلة التي واجهت المجتمع الإيطالي وغيره من المجتمعات الأوروبية إلى أن يبيحوا الطلاق؛ لأنهم لم يجدوا حلاً للمشكلات الاجتماعية الجسيمة إلا بذلك.
ولكن هل أباحوه لأن الإسلام أباحه، أم أباحوه لأن مشاكلهم الاجتماعية لا تُحلُّ إلا بإباحة الطلاق؟ وساعة يأخذون حلاً لقضية لهم من ديننا ويطبقون الحل كتشريع، فهذه شهادة قوية، يتأكد لهم بها صحة دين الله ويتأكد بها قول الحق : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ [التوبة: ٣٢] ، وبالله لو كان الإظهار غلبة عقدية، بمعنى ألاَّ يوجد على الأرض أديان أخرى، بل يوجد دين واحد هو الإسلام لما قال الحق هنا: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ ولما قال في موضع آخر من القرآن: ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ وهذا يعني أن الحق قد جعل من المعارضين للإسلام من يظهر الإسلام على غيره من الأديان لا ظهور اقتناع وإيمان، لا، بل يظلون على دينهم ولكن ظروفهم تضطرهم إلى أن يأخذوا حلولاً لقضاياهم الصعبة من الإسلام. ومثال آخر من قضية أخرى، هي قضية الرضاعة، يقول الحق : ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
وقامت في أوروبا وأمريكا حملات كثيرة ضد الرضاعة الطبيعية، وطالبوا الناس باستخدام اللبن المجفف والمصنوع كيميائياً بدلاً من لبن الأم، وكان ذلك في نظرهم نظاماً أكمل لتغذية الطفل، ثم بعد ذلك ظهرت أضرار هائلة على صحة الطفل ونفسيته من عدم رضاعته من أمه. واضطر العالم كله إلى أن يعود الطفل ونفسيته من عدم رضاعته من أمه. واضطر العالم كله إلى أن يعود إلى الرضاعة الطبيعية وبحماسة بالغة. هل فعلوا ذلك تصديقاً للقرآن
стр. 5826
الكريم أم لأنهم وجدوا أنه لا حَلَّ لمشكلاتهم إلا بالرجوع إلى الرضاعة الطبيعية؟
وكذلك الخمر نجد الآن حرباً شعواء ضد الخمر في الدول التي أباحتها من قبل وتوسعت فيها، ولكن شنُّوا عليها هذه الحرب بعد أن اكتشف العلم أضرارها على الكبد والمخ والسلوك الإنساني، هذا هو معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ أي: يجعله غالباً بالبرهان والحجة والحق والدليل على كل ما عداه. ولذلك يقول الحق : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ فقد ظهر هذا الدين وغلب في مواجهة قضايا عديدة ظهرت في مجتمعات المشركين والكافرين الذين يكرهون هذا الدين ويحاربونه، وهو ظهور غير إيماني ولكنه ظهور إقراري، أي رغماً عنهم.
وبعد أن بيَّن الله أن الأحبار والرهبان لا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح، ولا باليوم الآخر بالشكل السليم، ويحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويتخذهم أتباعهم أرباباً من دون الله. هنا يقول الحق : ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ... ﴾
стр. 5827
وبعد أن شرح سبحانه لنا ما يدور في ذواتهم، وانحرافهم عن منهج الله تعالى، والغرق في حب الدنيا وحب الشهوات، وهم قد اشتروا بآيات الله
стр. 5828
ثمناً قليلاً، وحرَّفوا تعاليم السماء حتى يأكلوا أموال الناس بالباطل، ولكن هل الأموال تؤكل؟ طبعاً لا، بل نشتري بالمال الطعام الذي نأكله، فلماذا استخدم الحق سبحانه عبارة ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس﴾ ؟ أراد الحق بذلك أن يلفتنا إلى أنهم لا يأخذون المال على قدر حاجتهم من الطعام والشراب، ولكنهم يأخذون أكثر من حاجتهم ليكنزوه.
ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الآية أنهم ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل، مصداقاً لقول الحق سبحانه ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾ ومعنى ذلك أنَّ هناك أكْلاً من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة؛ ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة وهكذا، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على تعاليم الدين، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر في قول الحق : ﴿إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾ ولم يقل ﷻ : كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، بل قال ﴿إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان﴾ ؛ لأنه قد يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون، والله لا يظلم أحداً؛ لذلك جاء بالاحتمال. فلو أن الله عمَّم ووُجد منهم من هو ملتزم بالدين. فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يُغطِّ كل الاحتمالات، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك؛ لأن الحق في قرآنه يصون الاحتمالات كلها.
إذن: فاستيلاء بعض من هؤلاء الأحبار والرهبان على أموال الناس لا يكون بالحق، لأي لا يحصلون فقط على ما يكفيهم، بل بالباطل أي بأكثر مما
стр. 5829
يحتاجون. وهم يأخذون المال ليصدوا به عن سبيل الله، وهم في سبيل الحصول على الأموال الدنيوية؛ يُغيِّرون منهج الله بما يتفق مع شهوتهم للمال، وما يحقق لهم كثرة الأموال التي يحصلون عليها، ولهذا تأتي العقوبة في ذات الآية فيقول المولى :
﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والكنز مأخوذ من الامتلاء والتجمع، ولذلك يقال: «الشاة مكتنزة» ، أي مليئة باللحم وتجمَّعَ فيها لحمٌ كثير.
إذن: فيكنزون أي يجمعون، وقول الحق : ﴿يَكْنِزُونَ الذهب والفضة﴾ ؛ وهذان المعدنان هما أساس الاقتصاد الدنيوي، فقد بدأ التعامل الاقتصادي بالتبادل، أي سلعة مقابل سلعة، وهي ما يسمى عمليات عمليات المقايضة، وعندما ارتقى التعامل الاقتصادي اخترعت العملة التي صارت أساساً للتعامل بين الناس والدول.
والعملة من بدايتها حتى الآن ترتكز على الذهب والفضة. وحتى عندما وجدت العملة الورقية، كان لا بد أن يكون لها غطاء من الذهب لكي تصبح لها قيمة اقتصادية؛ لأنَّ العملة الورقية لا يكون لها قيمة إلا بما يغطيها من الذهب والفضة.
ومن إعجاز القرآن الكريم أن الحق حين يتكلم عن الذهب والفضة وهما معدنان، يجعلهما الأساس في النقد والتجارة، ولقد وجدت معادن أخرى أغلى من الذهب وأغلى من الفضة كالماس مثلاً. لكن لا يزال الأساس النقدي في العالم هو الذهب والفضة. وعلى مقدار رصيد الذهب الذي يغطي العملة الورقية ترتفع قيمة عملة أي بلد أو تنخفض. . فمثلاً في مصر في عهد الاحتلال البريطاني كان النقد المتداول ثمانية ملايين جنيه، ورصيدنا من الذهب عشرة ملايين جنيه فيكون الفائض من الذهب مليوني جنيه، وبذلك كانت قيمة الجنيه المصري تساوي جنيهاً من الذهب مضافاً إليه قرشان ونصف القرش. والذي يهبط بالنقد إلى الحضيض أن يكون رصيد
стр. 5830
الذهب قليلاً وكمية النقد المتداولة كثيرة، وهكذا يبقى الذهب هو الحجة والأساس في الاقتصاد العالمي.
إذن: فالحق في هذه الآية الكريمة أراد أن يلفتنا إلى أن الذهب والفضة هما أساس التعامل في تسيير حركة العالم الاقتصادية، وأن هذا التعامل يقتضي الحركة الدائمة للمال؛ لأن وظيفة المال هي الانتفاع به في عمارة الأرض، ولو أنك لم تحرك مالك وكنت مؤمناً، فإنه ينقص كل عام بنسبة ٢ ٥ ... وهي قيمة الزكاة. ولذلك يفنى هذا المال في أربعين سنة. فإن أراد المؤمن أن يُبْقي على ماله؛ فيجب أن يديره في حركة الحياة ليستثمره وينميه ولا يكنزه حتى لا تأكله الزكاة؛ وهي نسبة قليلة تُدفَعُ من المال. ولكن إذا أدار صاحب المال ما يملكه في حركة الحياة، فسينتفع به الناس وإن لم يقصد أن ينفعهم به؛ لأن الذي يستثمر أمواله مثلاً في بناء عمارة ليس في باله إلا ما سيحققه من ربح لذاته، ولكن الناس ينتفعون بهذا المال ولو لم يقصد هو نفعهم؛ فمن وضع الأساس يأخذ أجراً، ومن جاء بالطوب يأخذ قدر ثمنه، ومن أحضر أسمنتاً أخذ، ومن جاء بالحديد أخذ، والمعامل التي صنعت مواد البناء أخذت، وأخذ العمال أجورهم؛ في مصانع الأدوات الصحية وأسلاك الكهرباء وغيرها، والذين قاموا بتركيب هذه الأشياء أخذوا، إذن: فقد انتفع عدد كبير في المجتمع من صاحب العمارة، وإن لم يقصد هو أن ينفعهم. ولذلك فإن الذي يبني عمارة يقدم للمجتمع خدمة اقتصادية ينتفع بها عدد من الناس، وكذلك كل من يقيم مشروعاً استثمارياً.
إذن: لا يريد من المال أن يكون راكداً، ولكنه يريده متحركاً ولو كان في أيدي الكافرين؛ لأنه إذا تحرك أفاد الناس جميعاً فيحدث بيع وشراء وإنتاج للسلع وإنشاء للمصانع، وتشغيل للأيدي العاملة إلى غير ذلك، ولكن إن كنز كل واحد منا ماله فلم يستثمره في حركة الحياة، فالسلع لن تستهلك، والمصانع ستتوقف، ويتعطل الناس عن العمل.
стр. 5831
وكما يحث الإسلام على استثمار المال، يطالبنا أيضاً بألا يذهب المال إلى الناس بغير عمل؛ حتى لا يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل. ولذلك قيل: إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى مشروعات جديدة، فلا تترك الناس عاطلين؛ بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمّها أي ردمها، في هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم، فلا تنتشر البطالة ويتعود الناس أن يأكلوا بدون عمل؛ لأن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع.
إذن: فالحق يريد للمال أن يتحرك ولا يكنز؛ ولذلك قال المولى : ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لأنهم بكنزهم المال إنما يُوقفُونَ حركة الحياة التي أرادها الله تعالى لكونه. وأنت ترى العالم الآن يعيش في غائلة البطالة؛ لأن المال لا يتحرك لعمارة الكون، بل هناك من يكتنزون فقط.
ولقائل أن يقول: ولكن الناس الآن يتعاملون بالنقد الورقي، بينما ذكر الله الذهب والفضة؛ نقول: إن العملة الورقية ليست نقداً بذاتها، ولكنها استخدمت لتعفي الناس من حمل كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة، قد لا يقدرون على حملها، إذن فهي عملية للتسهيل، وهي منسوبة إلى قيمتها ذهباً، إذن: فالذين يكنزون العملة الورقية ولا ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم عمارته تنطبق عليهم الآية الكريمة.
ولكن الكنز في هذه الآية لا يأتي فقط بمعنى الجمع؛ ولكنه أيضاً بمعنى أنهم لا يؤدون حق الله فيها. ولذلك فإن المال الذي أخرجتَ زكاته لا يُعدُّ كنزاً، لأنه يتناقص بالزكاة عاماً بعد آخر؛ أما المال المكنوز فهو المال الذي لا تُؤدَّى زكاته.
стр. 5832
والذي يملك مالاً مهما كانت قيمته ويؤدي حق الله فيه لا يعتبر كانزاً للمال. بل الكنز في هذه الحالة ما لم يؤد فيه حق الله.
وإذا عُدْنا إلى نص الآية الكريمة: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ نتساءل: لماذا لم يقل الله: ولا ينفقونهما مع أنهما معدنان؟ ونقول: إن الحق استخدم أسلوب الجمع؛ لأن الذهب يطلق إطلاقات كثيرة، فهناك من يملك ألف دينار من الذهب، وغيره يملك مائة دينار من الذهب، وثالث ليس لديه إلاَّ دينار ذهبيّ واحد وكذلك الفضة، وما دام الجمع هنا موجوداً فلا بد أن تستخدم ﴿يُنفِقُونَهَا﴾ .
ولم تقل الآية الكريمة: والذي يكنز. ولكنها قالت: ﴿والذين يَكْنِزُونَ﴾ ، إذن: فالمخاطبون متعددون، فهذا عنده ذهب، وهذا عنده ذهب، وثالث عنده فضة، إذن فلا بد من استخدام صيغة الجمع. ويلفتنا القرآن الكريم إلى هذه القضية في قوله تعالى:
﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] .
ولم يقل «اقتتلا» لأن الطائفة اسم لجماعة مكونة من أفراد كثيرين، فإذا جاء القتال لا تقوم طائفة وتمسك سيفاً وتقاتل الثانية، وإنما كل فرد من الطائفة الأولى يقاتل كل فرد من الطائفة الثانية، إذن فهما طائفتان ساعة السلام، ولكن ساعة الحرب يتقاتل كل أفراد الطائفة الأولى مع كل أفراد الطائفة الثانية. ولذلك قال الحق : ﴿اقتتلوا﴾ ، ولم يقل «اقتتلا» . أما في حالة الصلح فقد قال : ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] .
واستخدم هنا «المثنى» لأننا ساعة نصلح بين طائفتين، لا نأتي بكل فرد من الطائفة الأولى ونصلحه على كل فرد من الطائفة الثانية، ولكن نأتي بزعيم
стр. 5833
الطائفة الأولى ونصالحة على زعيم الطائفة الثانية فيتم الصلح. ولذلك هنا تجب التثنية.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة﴾ لم يقل ولا ينفقونهما، ولكن قال : ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ والإنفاق في سبيل الله يشمل مجالات متعددة، ففي سبيل الله تحدث حركة في المجتمع يستفيد منها الناس، فحين تُخْرجُ الزكاة يستفيد منها الناس، وحين تُجهَّزُ بها جيوش المسلمين يستفيد منها الناس، ونظرية عدم كنز المال ربما ظهرت حديثاً في الاقتصاد العالمي ولكنها موجودة منذ نزول القرآن الكريم.
فأنت إن أنفقت ولم تكنز حدث رواج في السوق. والرواج معناه إيجاد العمل ووسائل الرزق. وإيجاد الحافز الذي يؤدي إلى ارتقاء البشرية، وأنت حين تشتري لبيتك غسالة أو ثلاجة أو بنيت بيتاً صغيراً فإنك تُوجِدُ رواجاً اقتصادياً في المجتمع. وفي نفس الوقت ارتقيت بوسائل استخداماتك. والرواج يدفع إلى اكتشاف الأحسن الذي يفيد البشرية، ولكن إذا كنزت كل مالك ساد الكساد الاقتصادي.
وليس معنى ذلك أن ينفق صاحب المال كل ماله وزيادة؛ لأن الحق يريد الوسط في كل الأشياء. ولذلك يقول : ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧] .
والحق في هذه الآية يحذر من سفاهة الإنفاق، وعدم الإبقاء على جزء من المال لمواجهة أي أزمة مفاجئة. لكنك إن قترت حدث كساد في السوق وتوقف الإنتاج وتعطل العمال، والإسلام يريد نفقة معتدلة توجد الرواج السلعي، وادخاراً تستخدمه في الارتقاء بحياتك ومواجهة الأزمات.
стр. 5834
والإنفاق أنواع: إنفاق في المساوي لإبقاء الحركة الدائمة بين المنتج والمستهلك، وإنفاق في غير المساوي بإعطاء الزكاة للفقير والمحتاج والمعدم، والزكاة تنقي المجتمع من مفاسد كثيرة؛ فهي تمنع الحقد بين الناس؛ لأن الفقير إذا وجد من يعطيه فهو يتمنى له دوام النعمة حتى يستمر العطاء فلا يسخط الفقير على الغني، والغني والفقير متساويان في الانتفاع؛ لأن الفقير عندما يأخذ لا يسخط على أنه فقير، ولكنه يحس بالعطاء حوله، والغني حين يعطي يحس أن هذا أمان له؛ لأنه إن ذهبت عنه النعمة فسوف يجد من يعطيه.
وهكذا يحدث توازن في المجتمع بين الناس، فلا يوجد من لا يستطيع الحصول على ضروريات الحياة، ولا يوجد من لديه فائض يحبسه عن الناس. ولهذا يدعونا الإيمان إلى العمل بما يزيد عن قدر الحاجة، ليكون هناك فائض للزكاة والصدقة. والإنسان إذا عمل فإنه لا يفيد نفسه فقط بل يفيد المجتمع أيضاً. فسائق «التاكسي» مثلاً إذا كسب مائة جنيه في اليوم قد يظن أنه نفع نفسه فقط، ولكنه في الحقيقة نفع المجتمع كله بأن يسَّر على العباد مصالحهم، فنقل هذا إلى عمله؛ ونقل ذلك إلى المستشفى، ونقل غيرهما إلى السوق ليشتري ما يحتاج إليه، ونقل رابعاً ليزور قريباً أو ليحقق مصلحة وهكذا.
إذن: فالذي يعمل يكون عمله خيراً لنفسه وخيراً للمجتمع، وإن عمل كل الناس على قدر حاجاتهم فقط، فمن أين يعيش غير القادر على العمل؟ من أين يعيش المستحق للزكاة والصدقة؟ إنه لا يعيش إلا بفائض القادر على
стр. 5835
العمل، ولذلك لا بد للإنسان المسلم أن يعمل على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته. والعمل على قدر الحاجة يجعله يوفي بحاجات من يعولهم، ولا يضطرهم إلى أن يمدوا أيديهم للآخرين؛ أي أنه يقيهم شر الحاجة. أما العمل على قدر الطاقة فيجعله يأخذ حاجته، ويعطي لغير القادر ما يقيم حياته، وبذلك يقدم الخير لنفسه ومن يعولهم وللآخرين.
إن المجتمع الذي يجد فيه غير القادر حاجته، هو مجتمع يملؤه الاطمئنان بالنسبة للقادر وغير القادر. ونحن نعلم أننا نعيش في دنيا أغيار، ولا يوجد من يدوم غناه أو من يدوم فقره؛ لأن دوام الحال من المحال، إن عاش الغني في مجتمع متكافل يجد فيه الفقير حاجته فهو لن يخشى تقلبات الزمن؛ لأنه وهو الآن يعطي الفقير، إن أصبح فقيراً فسوف يجد مقومات حياته، والفقير إذا أغناه الله تعالى فسيذكر أنه كان يأخذ من الأغنياء، فيبادر ليعين الفقراء كنوع من رَدِّ الجميل. وبذلك يعيش المجتمع كله حياة آمنة، كما أن الحياة في مثل هذا المجتمع إنما تهيىء الاطمئنان للناس على أولادهم وذريتهم، ذلك أن الأعمار بيد الله، وعندما يحس الإنسان بأنه إن مات وترك أولاداً صغاراً ضعافاً فسوف يتكفل المجتمع بهم، عندئذ يحس بالأمان في حياته، ولكن إذا كان المجتمع قاسياً يضيع في حق اليتيم، فالأب يعيش غير مطمئن على أولاده الصغار، ولهذا نجد أن الحق ﵎ قد أمر بكفالة اليتيم؛ ليعوضه عن أب واحد بآباء متعددين يَرْعَونهُ، فَيُحسُّ الأب بالأمان وتُحس الأم بالأمان ويحس الصغار بالأمان، ولذلك يقول الحق :
стр. 5836
﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾
[النساء: ٩] .
وتقوى الله تكون ضماناً في أن يكفل المجتمع اليتيم؛ فيدخل الأمن في قلب كل أب يخشى أن يموت وأولاده صغار.
إذن: فساعة يكفل المجتمع اليتيم فالطفل لن يسخط على القدر الذي حرمه من أبيه لأنه وجد آباء يرعونه، وهناك قصة يرويها عدد من إخواننا العلماء، فقد مات زميل من زملائهم وأولاده صغار، وكانت الأم تبكي على أطفالها لأنهم تيتموا، ثم مرت السنوات وكبر الأطفال فصار هذا مهندساً وصار ذلك طبيباً، والثالث أصبح محامياً، بينما من لا يزال آباؤهم على قيد الحياة كانوا متعثرين في دراستهم، فقال أحدهم للآخر: ليتنا نموت حتى يفتح الله باب الرزق على أولادنا.
إذن: فهناك آباء محابس رزق، إذا ذهبوا فاض الله بالرزق على أولادهم، وهذه صورة نراها في الكون؛ فنعرف أن المسألة في يد الله القائل: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] .
إذن: فالاقتصاد الإسلامي مبني على وجود حركة في الكون، ولا بد أن تكون هذه الحركة على قدر طاقة المتحركين، وليس على قدر حاجاتهم؛ حتى يكون هناك فائض يأخذه غير القادر من المتحرك القادر.
ثم يعطينا الله لمحة إيمانية، حينما نرى الفقير غير القادر وهو يتلقى العطاء من أي إنسان غني يتعب في عمله، وكأن من هم أغنى منه يعملون ليعطوه، وسبحانه وتعالى حين سلب القوة من هذا الرجل فقد عوَّضه بأن أعطاه ثمرة من جهد وناتج عمل غيره فلا يسخط على اختبار الله تعالى له بالابتلاء.
стр. 5837
﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
وساعة تسمع كلمة ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ تعرف أن البشارة عادة تكون في خبر سار، وإن جاءت في خبر محزن تكون تهكمًا، فالإنسان الذي هو عزيز قومه ويجعل الناس له اعتباراً، إن ظلم وطغى وخاف الناس أن يردوه؛ لأنه لا يخشى الله فيهم، هذا الظالم يُؤتَى به يوم القيامة ويُعذَّب أشد العذاب، ويقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] .
وبطبيعة الموقف في النار هو مهان بعذاب جهنم ولا يمكن أن يكون عزيزاً كريماً، ولكن قول ملائكة النار: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ ، هو تهكم شديد، وهو في ذلك كقول الحق ﵎: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه﴾ [الكهف: ٢٩] .
وهم ساعةَ يسمعون كلمة ﴿يُغَاثُواْ﴾ يفرحون؛ لأن عطشهم شديد وهم قد استغاثوا فقيل لهم إنهم سيغاثون، وهذا خبر سار بالنسبة لهم، ولكن الإغاثة تأتيهم بماء يشوي وجوههم، فهل هذه إغاثة؟ إنه تهكم عليهم وزيادة في عذابهم، كذلك قول الحق هنا: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ويصف لنا الحق هذا العذاب الأليم الذي سيتعرضون له، ويُبيِّن لنا خبر المغيَّب عنَّا في الآخرة بصورة مُحَسَّة لنا فيقول: ﴿يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ... ﴾
стр. 5838
نحن نعلم أن النار لا تُحمى إلا للمعادن، فإن كان ما كنزوه أوراقَ نقد فكيف يُحمَى عليها؟ وإن كان ما كنزوه معادن فهي صالحة لأنْ تُكْوَى بها أجسادهم، أما الورق فكيف يتم ذلك؟ ونقول: إن القادر يستطيع أن يجعل من غير المُحْمَى عليه مُحمىً، أو يحولها إلى ذهب وفضة؛ وتكوى بها نَواحٍ متعددة من أجسادهم، والكية هي أن تأتي بمعدن ساخن وتلصقه بالجلد فيحرقه ويترك أثراً.
و «حين مات أحد الصحابة في عهد الرسول ﷺ َ وبحثوا في ثيابه فوجدوا فيها ديناراً، قال الرسول ﷺ َ:» هذه كَيَّة من النار «؛ لأن صاحبه كان حريصاً على أن يكنزه، كما» وجدوا مع صحابي آخر دينارين كنزهما، فقال رسول الله ﷺ َ: «هاتان كَيَّتانِ» «.
كان هذا قبل أن تشرع الزكاة، أما إذا كان صاحب المال قد أدى حق الله فيه فلا يُعَدُّ كنزاً، وإلا لو قلنا: إنَّ الإنسان إذا أبقى بعضاً من المال لأولاده حتى ولو أدى زكاته فإن ذلك يعتبر كنزاً، لو قلنا ذلك لكنا قد أخرجنا آيات الميراث في القرآن الكريم عن معناها؛ لأن آيات الميراث جاءت لتورث ما عند المتوفي. والمال المورَّث المفترض فيه أنه قد أتى عن طريق حلال وأدى فيه صاحبه حق الله، لذلك لا يعتبر كنزاً.
وهنا يقول الحق : ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ ، لماذا خَصَّ الله هذه الأماكن بالعذاب؟ لأن كل جارحة من هذه
стр. 5839
الجوارح لها مدخل في عدم إنفاق المال في سبيل الله. كيف؟ مثلاً: تجدون الوجه هو أداة المواجهة، وإذا رأيت إنساناً فقيراً متجهاً إليك ليطلب صدقة، وأنت تعرف أنه فقير وقد جاءك لحاجته الشديدة، فإن كان أول ما تفعله حتى لا تؤدي حق الله أن تشيح بوجهك عنه، أو تعبس ويظهر على وجهك الغضب، فإن هذا الفقير يحس بالمهانة والذلة؛ لأن الغني قد تركه وابتعد عنه، فإذا لم تنفع إشاحة الوجه واستمر الفقير في تقدمه من الغني، فإنه يعرض عنه بأن يدير له جنبه ليحس بعدم الرضا، فإذا استمر الفقير واقفاً بجانبه فإنه يعطي له ظهره.
إذن: فالجوارح الثلاث قد تشترك في منع الإنفاق في سبيل الله، وهي الوجه الذي أداره بعيداً، ثم أعطاه جانبه، ثم أعطاه ظهره. هذه هي الجوارح الثلاث التي تشترك في منع حق الله عن الفقير، ولذلك لا بد أن تُعذَّب فَتُكْوى الجباه والجنوب والظهور.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿هذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ ، أي: هذا ما منعتم فيه حق الله، فإن كنز الإنسان مالاً كثيراً فسيكون عذابه أشد ممن كنز مالاً قليلاً؛ لأن الكَيَّ سيكون بمساحة كبيرة، أما إن كان الكنز صغيراً فتكون الكية صغيرة.
ولهذا لا يجب أن يغتر المكتنز بكمية ما كنز؛ لأن حسابه سوف يكون على قدر ما كنز.
وقوله : ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي: أن عذابكم في الآخرة سيكون بسبب كنزكم المال، فالمال الذي تفرحون بكنزه في الدنيا كان يجب أن يكون سبباً في حزنكم؛ لأنكم تكنزون عذاباً لأنفسكم يوم القيامة، ومهما أعطاكم كنز المال من تفاخر وغرور في الحياة الدنيا، فسوف يقابله في الآخرة عذابٌ، كُلٌّ على قدر ما كنز.
стр. 5840
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتا بِ الله يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ... ﴾
стр. 5841
والشهر: هو دورة القمر كما هو معلوم، ونحن نعرف أن الكون فيه شمس وقمر وفيه نجوم، هذه هي الأشياء المرئية لنا، وهناك كواكب أخرى بعيدة عنا تستطيع أن تأخذ مليون شمس في جوفها، كل هذا يعطيك فكرة عن مدى اتساع الكون، فلا تعتقد أن الشمس هذه موجودة بذاتها، بل هي تأخذ أشياء من كواكب أعلى منها كثيرة، ولكن ما نراه بأعيننا محدود، وهناك ما لا يمكننا أن نراه؛ لأنه غير منظور لنا. وأنت إذا نظرت إلى مصباح كهربائي، فنور المصباح ليس ذاتياً، بل إن وراءه أجهزة كثيرة تمده بالكهرباء من أسلاك وكابلات وأكشاك، ثم محطة توليد الكهرباء التي تولد التيار الكهربائي، ثم المصانع التي أنتجت الآلات التي تعمل في محطة الكهرباء، إذن: فوراء هذا المصباح الصغير حجم هائل من العمل والأجهزة المختلفة.
ونحن نرى الشمس فيها ضياء، والقمر فيه نور، فما الفرق بين الضياء والنور؟
الضياء: فيه نور وفيه حرارة. والنور: فيه ضوء وليس فيه حرارة. ولذلك
стр. 5842
يسمون ضوء القمر «الضوء الحليم» ، أي: أنك عندما تجلس في ضوء القمر لا تحتاج إلى مظلة تحميك منه، ولكن إن جلست تحت ضوء الشمس فأنت تحتاج إلى مظلة تحميك من حرارة الشمس الشديدة.
والحق يسمى الشمس سراجاً وهَّاجاً، والسراج فيه حرارة وفيه ضوء. أما القمر فسماه منيراً؛ لأن أشعة الشمس تنعكس عليه فينير، وهذان الكوكبان العلويان - الشمس والقمر - وضع الله فيهما موازين الزمن. والزمن له حالات كثيرة تتطلب موازين وقياسات مختلفة، وأساس الزمن هو اليوم والليلة، وأساس اليوم هو صباح وظهر وعصر ومغرب، وهناك الفجر الصادق والفجر الكاذب والشروق، وهناك أوقات يتساوى فيها الشيء وظله، وأوقات يكون الظل مثْلَيْ الشيء. والليل فيه الظلام، ويأتي بعد النهار والليل - في مقاييس الزمن - الشهورُ، وبعد الشهور تأتي السنوات.
إذن: فمقاييس الزمن محتاجة لآلات تقاس بها، وأنت تعرف بداية اليوم بشروق الشمس. إذن فالشمس معيار اليوم. وأنت تعرف بداية الليل بغروب الشمس. وهكذا فالشمس تعطينا بداية ونهاية الليل والنهار، ولكنها لا تعطينا شيئاً عن الشهور، فإذا نظرت إلى الشمس فإنك لا تعرف هل أنت في أول الشهر أو في منتصفه أو في آخره. ولكنك إذا نظرت إلى القمر عرفت، ففي أول الشهر يكون القمر هلالاً، وفي منتصفه يكون بدراً، وفي آخره المحاق. والشهور عند الله اثنا عشر شهراً.
وهكذا نرى أن الحق قبل أن يخلق الإنسان، ويجعله خليفة في الأرض؛ خلق له كوناً مُعَدَّا إعداداً حكيماً لاستقباله، فقدَّر في الأرض الأقوات وجعل الشمس والقمر وأنزل المطر، فكل ما يقيم حياة الإنسان كان
стр. 5843
موجوداً في الكون قبل أن يأتي الإنسان إليه.
والإنسان جعله الله خليفة في الأرض وله حركة، وهي الأحداث التي تقع منه أو تقع فيه أو تقع عليه، والأحداث تتطلب زماناً ومكاناً، ولذلك خلق الله لها الزمان والمكان. إذن: فالحياة كلها تفاعل بين حركة الإنسان الخليفة وبين الزمان والمكان.
وكما أعدَّ الله للإنسان في كونه مقومات حياته اليومية. . أنزل له القيم التي تحفظ له معنويات حياته، وأراد بها الحق أن تتساند حركة الإنسان ولا تتعاند، ومعنى التساند أنْ تتحد حركة الناس جميعاً في إيجاد النافع لمزيد من الإصلاح في الأرض، أما إن تعاندت حركات البشر ضد بعضها البعض، فإن الفساد يظهر في الأرض؛ لأن كل واحد يريد أن يهدم ما يفعله الآخر.
ولكي تتساند حركات الإنسان في الكون؛ فلا بد من مُشَرِّع واحد - وهو المشرع الأعلى - يعطي قوانين الحركة البشرية لكل الناس. وإن ابتعد الناس عن تشريعات الله تعالى، وأخذوا يقنِّنون لأنفسهم، نجد قوانين البشر تتبع أهواءهم، وكل واحد يحاول أن يحصل على مَيْزات لنفسه، ويأخذ حقوق الآخرين؛ فتفسد الحياة، ولذلك يقول الحق : ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السموات والأرض﴾ [المؤمنون: ٧١] .
إن اتباع الحق لأهوائهم سيُخضِعُ الكون لأهواء البشر، هذا يريد وهذا لا يريد، والحق سبحانه يريد في الكون حركة السلام والأمن والاطمئنان، وهذه لا تتم إلا إذا التزم كل إنسان بمنهج الله؛ حينئذ يوجد سلام دائم ومستوعب شامل، مستوعب لسلام الإنسان مع نفسه، ولسلام الإنسان مع الكون، ولسلام الإنسان مع الله، لكن الإنسان الذي خلقه الله مُخيَّراً وأنزل له المنهج بالتكليف، في إمكانه أن يطيع هذا المنهج أو أن يعصيه. وإن عصى الإنسان المنهج فهو يفسد في الأرض وينشر فيها الظلم والفساد.
стр. 5844
وأراد الحق سبحانه أن يضع للسلام ضماناً، وهو أن توجد قوة تقف أمام الفساد في الأرض؛ لذلك شاء الحق أن يكون للحرب وجود في هذا الكون؛ لتتصارع الإرادات، فما دام للإنسان اختيار، وما دام هناك من يعصي ومن يطيع، فلا بد أن يحدث الصراع. أما الأمور التي لا اختيار للإنسان فيها فهي لا تعكر السلام في الكون، فلن تقوم ثورة - مثلاً - لكي تشرق الشمس، أو تشتعل حرب لإنزال المطر؛ لأن هذه الأمور تسير بقوانين القهر التي أرادها الله لها، وتعطي نفعها للجميع، ولكن الفساد يأتي من انحراف الناس عن منهج الله، وما دام في الكون حراس للمنهج من البشر، بحيث إذا انحرف إنسان ضربوا على يده حتى يعود إلى الطريق السليم؛ فإن الحياة المطمئنة الآمنة تبقى. ولكن إن عَمَّ الفساد، ولم يوجد في المجتمع من يقف ضده تعاندت حركات الحياة وتعب الناس في حياتهم وأرزاقهم.
ولكي يسود السلام في الكون؛ وضع الحق سبحانه في الزمن وفي المكان حواجز أمام طغيان النفوس؛ عَلَّها تفيق وتعود إلى الحق، فجعل في الزمان أشهراً حُرماً يمتنع فيها القتال، ويسود فيها السلام بأمر السماء، وأراد الحق أن يكون هذا السلام القسري فرصة تجعل هؤلاء المتحاربين يفيقون إلى رشدهم وينهون الخلاف بينهم، كذلك خصَّ الله بعض الأماكن بتحريم القتال فيها، فإذا التقى الناس في هذه الأماكن كانت هناك فرصة لتصفية النفوس وإنهاء الخلاف.
стр. 5845
والإنسان في حربه مع أخيه الإنسان يُنهك بنيران ونتائج الحرب، تنهكه دماً، وتنهكه مالاً، وتنهكه عتاداً، ويصيب الضعفُ الإنسان نتيجة هذه الإنهاكات منتصراً كان أم مهزوماً، ولكنه أمام عزة نفسه في مواجهة خصمه يريد أن يستمر في الحرب حتى لا يظهر أمام الخصم بأنه قد ذُلَّ. فيشاء الله برحمته لخلقه أن يجعل في الزمان وفي المكان ما يحرم فيه القتال؛ حتى لا يقال: إن قبيلة ما أو جماعة ما قد أوقفت القتال خوفاً من خصومها، أو لأن خصومها هم الأقوى؛ ولكن ليقول الناس: إنهم أوقفوا الحرب بأمر الله.
وبهذا يحتفظ كل طرف من الأطراف المتحاربة بكرامته؛ فيسهل الصلح وتسلم الأرواح والنفوس.
وكذلك إن لجأ واحد من المتحاربين إلى المكان أو الأماكن التي يحرم الله فيها القتال، أمن على نفسه، وفي هذا منع للشر أن يستمر، وصون للنفوس من المهانة والذلة والانكسار أمام الغير؛ لذلك أراد الله أن يوضح لنا: أنا خالقكم، وأنا الرحيم بكم، وسأجعل لكم من الزمان زماناً أحرم فيه القتال، وأجعل مكاناً مَنْ دخله كان آمناً، فاستتروا وراء ذلك وكُفُّوا عن القتال.
وهذه هي بعض من رحمة الله، يعطي بها سبحانه للناس فرص الحياة، وهذا من عطاءات الربوبية، وعطاء الربوبية من الله هو لخلقه جميعاً، المؤمن منهم والكافر، والطائع والعاصي، وكل نعم الكون من عطاءات ربوبية الله.
إن عطاءات الله سبحانه لا تفرق بين المؤمن والكافر، فالأرض مثلاً لا تعطي الزرع للطائع وتمنعه عن العاصي، والشمس لا تضيء وتسقط دفئها وحرارتها للمؤمن دون الكافر؛ فَنِعَمُ الكون المادية كلها من عطاء ربوبية الله لخلقه.
стр. 5846
الأسباب - إذن - هي للناس جميعاً، ولهم أن يتخذوا الأزمان المواتية لحركة الحياة كما يحبون، فيسيرون الزراعات على أي تقويم، ويحددون المواسم على حسب ما يفيدهم، وهم يحددون بذلك مصالحهم المادية التي هي من عطاء الربوبية. ولكن الله رب قَيِّم، ولذلك فهناك عطاء ألوهية لله في المنهج الذي أرسل به الرسل للناس فأوضح: أنا أختار الزمان الذي أجده مناسباً للقيم والمعاني السامية، وأختار الأماكن المناسبة للقيم والمعاني السامية.
وأراد الحق برسالة محمد ﷺ َ أن يشيع اصطفاء المكان والزمان لكل الزمان والمكان.
والشهور والأزمان عند الله هي اثنا عشر شهراً، وما دام قد قال: ﴿عِندَ الله﴾ ، فهناك «عند» غير الله؛ وهناك «عند» الناس.
وأوضح سبحانه لخلقه: قَدِّروا أزمانكم بمصالحكم، وهذا ما يحدث في الواقع المعاش. . إنك تجد من يزرع حسب التقويم القبطي، حيث تكون شهور الصيف فيه ثابتة، وكذلك شهور الشتاء والربيع والخريف؛ لأن التقويم القبطي قائم على التقويم الشمسي.
ولكن الحق يريد للقيم أزماناً مخصوصة؛ لذلك قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾ وأوضح سبحانه: لا تجعلوا زمن القيم كالأزمان التي تجعلونها لمصالحكم.
وأراد الله سبحانه أن تعم القِيمَ كل الزمن، ولا تكون مقصورة على أزمان معينة، ولذلك اختار سبحانه أزماناً للصلاة مثلاً، فصلاة الصبح لها قوت، وصلاة الظهر لها وقت، والعصر لها وقت، والمغرب لها وقت، والعشاء لها وقت. ولكن أوقات الصلاة رغم أنها محدودة فهي تشمل
стр. 5847
الزمن كله؛ فالصلاة تقام مثلاً في أسوان، وبعد دقائق في الأقصر، وبعد دقائق في القاهرة، وبعد دقائق في الإسكندرية، ثم تتدرج إلى دول أوربا، وهكذا. فكأنها لا تتوقف عند فترة معينة، بل هي مستمرة حسب اختلاف الأوقات في الدول المختلفة، فصلاة الفجر - على سبيل المثال - قبل شروق الشمس. والشمس تشرق في كل دقيقة على بقعة مختلفة من الأرض. فكأن الصلاة دائمة على سطح الأرض. بل أكثر من ذلك نجد أننا في الوقت الذي نصلي فيه نحن الظهر، قد يصلي غيرنا العصر في شمال أوربا، والمغرب في أمريكا، والعشاء في كندا مثلاً، فكأن الصلاة تقام في كل وقت على ظهر الأرض؛ ذلك لأن الكون كله مُسبِّح لله.
ونأتي بعد ذلك إلى اختيار الله ليوم وقفة عرفات، ولشهر الصوم وغير ذلك من الأوقات، فشهر رمضان يأتي مرة في الصيف، كما يأتي في الشتاء وفي الربيع، وفي الخريف. كذلك الحج يأتي في فصول السنة المختلفة. وهكذا شاء عدل الله أن تكون الأيام المفضلة عنده مُوزَّعة على الزمن كله. وجعل الحق سبحانه وحدة الزمن هي اليوم، واليوم يتكون من الليل والنهار، والأيام وحدتها الشهر، والشهور وحدتها العام، وجعل من مهمة الشمس أن تحدد لنا اليوم، ومن مهمة القمر أن يحدد لنا الشهر؛ فهو في أول الشهر هلال، ثم تربيع أول وتربيع ثانٍ فبدْر إلى آخره. إذن فالقمر هو الذي يحدد بداية الشهر ونهايته.
ولقد حدد الحق سبحانه شهور العام، فقال:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾ وقال: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ .
ولكن لماذا لم يجعل الحق الأشهر سلاماً؟ نقول: إن الحق في تشريعه أراد أن يسود السلام، ولكن الحرب أيضاً قد تكون سبباً لتحقيق
стр. 5848
السلام، فليس كل إنسان أو مجتمع يسير على الجادة، فمن الممكن أن تخرج جماعة عن الجادة، ولهذا لا بد من قتال تلك الجماعة، ولا بد كذلك من وقفة للخير أمام الشر، وما دام الإنسان له اختيار؛ فقد يسير في اختياره إلى ناحية السوء؛ لذلك لا بد أن يضرب المجتمع على يد المسيء، وإذا ما اختارت دولة قتال دولة أخرى اعتداءً، فالحرب ضرورة للدفاع.
وكذلك لو أن الحق قد جعل العام كله أياماً حُرُماً لأذلَّ الكفار والمشركون المؤمنين؛ لأن الكفار والمشركين سيعصون الله ويحاربون، والمؤمنون ملتزمون بأمر الله، فكأن الله قد فرض العبودية على المؤمن به. وأعطى السيادة لغير المؤمن. ثم إن قوى الخير والشر تتصارع في هذا الكون، وقوى الحق والباطل تتقاتل، ولا بد من وقفة للحق أمام الباطل، ولذلك أباح الحق في الأشهر الحرم القتال، حتى إذا استشرى الباطل تصدى له الحق بالقوة، ولذلك قال شوقي:
الحرْبُ في حَقٍّ لَديْكَ شريعةٌ ... ومِنَ السُّمُومِ النَّافِعَاتِ دَوَاءُ
إذن: فقد شاء الله أن يوجد من يقاوم الباطل، وضمن للحق أن يحارب الباطل ويواجهه؛ لذلك لم يشرع تحريم القتال في العام كله. ولكنه شرع هذا التحريم فقط أربعة أشهر يذوق الناس فيها حلاوة السلام ويتوقف فيها القتال وتتاح الفرصة للصلح.
ولقد أوجد سبحانه في الكون سُنَّة، هي أنه إذا ما التقى حق وباطل في المعركة فالباطل ينهزم في وقت قصير. وإن رأيت معركة تطول سنوات طويلة فاعرف أنه بين باطل وباطل، وإذا قامت الحرب بين وباطل فإن السماء لا تتدخل، وأما إذا قامت المعركة بين حق وباطل فإن السماء تنصر الحق على الباطل. ولا تقوم معركة بين حَقَّيْن أبداً؛ لأن الحق
стр. 5849
في الدنيا كلها واحد، فلا يوجد حقان، بل حق وباطل، وإن وجد الصراع فإنه لا يطول بينهما؛ لأن الباطل زهوق بطبيعته، وإن وجدت حرب بين باطلين، فالسماء توضح لنا أنه لا يوجد باطل منهما أولى بأن ينصره الله على الآخر؛ بل يترك سبحانه هذا الصراع لأسبابهم؛ مما يطيل أمد الحرب.
وحين شرع الله الأشهر الحرم، ضمن الناس مطلوبات السلام الدائم؛ لأن الناس تنهكهم الحرب ويحبون أن يرتاحوا منها، فإذا جاءت الأشهر الحرم كانت فرصة للناس ليوقفوا الحرب، دون أن يشعر أحدهم بالذل والهوان والهزيمة. ونحن نلجأ إلى ذلك أحياناً، فإذا كنا في بيت يسكنه عدد من الناس - كما يحدث في الريف - وسُرِق شيء ثمين من هذا البيت، والسارق من السكان ونريد منه أن يعيده دون أن ينكشف أمره فهم يحددون مكاناً معيناً، وكل واحد من سكان البيت يأتي ليلاً ويضع حفنة من التراب في هذا المكان، لعل السارق يضع ما سرقه دون أن يعرفه أحد، وفي هذا ستر له فلا ينفضح أمام الناس.
والأشهر الحرم فرصة للسلام دون أن ينفضح أحد من الأطراف المتحاربة أمام الناس بأنه ضعيف أو غير قادر على الاستمرار في الحرب، وتتوقف خلالها الحرب وقد ستر الله كل أطرافها، وتقوى خلالها فرص أكبر للسلام والصلح، وبذلك تكون فرص السلام أكبر من فرص الحرب بكثير.
ولكن ماذا يحدث عندما يعتدي عصاة غير مطيعين لله على المؤمنين في الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها؟ إن الحق سبحانه لا يعني بتشريعاته أبداً أن تكون مصدر إذلال للمؤمنين وإعزاز للكافرين؛ ولذلك ينبهنا إلى أننا يجب ألا نسمح لأعداء الله بأن يستغلوا حرمة الأشهر الحرم ليتمادوا
стр. 5850
في العدوان على المؤمنين، فأباح للمؤمنين القتال في هذه الأشهر إذا قاتلهم الكفار فيها، وكذلك في الأماكن المحرَّم فيها القتال، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وهكذا أباح الله القتال في الشهر الحرام ليدافع المؤمنون فيه عن أنفسهم إذا بدأهم الكفار بالقتال، وأباح الحق سبحانه أيضاً القتال في المسجد الحرام إذا قام الكفار بقتال المؤمنين فيه، رغم أننا نعلم أن تحريم القتال في المسجد الحرام هو تحريم دائم، ولكن الحق سبحانه وضع استثناء فقال: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين﴾ [البقرة: ١٩١] .
وهكذا جاء التقنين الإلهي ليحمي المؤمنين من طغيان الكافرين، فالمؤمنون يلتزمون بعدم القتال في الأشهر الحرم كما أمر الله؛ بشرط التزام الطرف الآخر الذي يقاتلهم، فإن لم يلتزم الكفار بهذا التحريم، فسبحانه لا يترك المؤمنين للهزيمة، وهكذا شاء الحق أن يضع التشريعات المناسبة لهذا الموقف. فإن احترمها الطرفان كان بها، أما إن خالفها الكفار فقد سمح الله للمؤمنين بالقتال.
وهنا يقول سبحانه:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله﴾ والكتاب يطلق على الشيء المكتوب المدوَّن، ولا يُدوَّن الكلام إلا إذا كانت له أهمية ما، أما الأحاديث التي تتم بين الناس فهم لا يكتبونها ولا تُدوَّن. بينما الكلام المهم وحده هو الذي يُكتب حتى يكون حجة في الاستشهاد به في حالة وجود خلاف.
следующие страницы →