Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
الأسباب - إذن - هي للناس جميعاً، ولهم أن يتخذوا الأزمان المواتية لحركة الحياة كما يحبون، فيسيرون الزراعات على أي تقويم، ويحددون المواسم على حسب ما يفيدهم، وهم يحددون بذلك مصالحهم المادية التي هي من عطاء الربوبية. ولكن الله رب قَيِّم، ولذلك فهناك عطاء ألوهية لله في المنهج الذي أرسل به الرسل للناس فأوضح: أنا أختار الزمان الذي أجده مناسباً للقيم والمعاني السامية، وأختار الأماكن المناسبة للقيم والمعاني السامية.
وأراد الحق برسالة محمد ﷺ َ أن يشيع اصطفاء المكان والزمان لكل الزمان والمكان.
والشهور والأزمان عند الله هي اثنا عشر شهراً، وما دام قد قال: ﴿عِندَ الله﴾ ، فهناك «عند» غير الله؛ وهناك «عند» الناس.
وأوضح سبحانه لخلقه: قَدِّروا أزمانكم بمصالحكم، وهذا ما يحدث في الواقع المعاش. . إنك تجد من يزرع حسب التقويم القبطي، حيث تكون شهور الصيف فيه ثابتة، وكذلك شهور الشتاء والربيع والخريف؛ لأن التقويم القبطي قائم على التقويم الشمسي.
ولكن الحق يريد للقيم أزماناً مخصوصة؛ لذلك قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾ وأوضح سبحانه: لا تجعلوا زمن القيم كالأزمان التي تجعلونها لمصالحكم.
وأراد الله سبحانه أن تعم القِيمَ كل الزمن، ولا تكون مقصورة على أزمان معينة، ولذلك اختار سبحانه أزماناً للصلاة مثلاً، فصلاة الصبح لها قوت، وصلاة الظهر لها وقت، والعصر لها وقت، والمغرب لها وقت، والعشاء لها وقت. ولكن أوقات الصلاة رغم أنها محدودة فهي تشمل
стр. 5847
الزمن كله؛ فالصلاة تقام مثلاً في أسوان، وبعد دقائق في الأقصر، وبعد دقائق في القاهرة، وبعد دقائق في الإسكندرية، ثم تتدرج إلى دول أوربا، وهكذا. فكأنها لا تتوقف عند فترة معينة، بل هي مستمرة حسب اختلاف الأوقات في الدول المختلفة، فصلاة الفجر - على سبيل المثال - قبل شروق الشمس. والشمس تشرق في كل دقيقة على بقعة مختلفة من الأرض. فكأن الصلاة دائمة على سطح الأرض. بل أكثر من ذلك نجد أننا في الوقت الذي نصلي فيه نحن الظهر، قد يصلي غيرنا العصر في شمال أوربا، والمغرب في أمريكا، والعشاء في كندا مثلاً، فكأن الصلاة تقام في كل وقت على ظهر الأرض؛ ذلك لأن الكون كله مُسبِّح لله.
ونأتي بعد ذلك إلى اختيار الله ليوم وقفة عرفات، ولشهر الصوم وغير ذلك من الأوقات، فشهر رمضان يأتي مرة في الصيف، كما يأتي في الشتاء وفي الربيع، وفي الخريف. كذلك الحج يأتي في فصول السنة المختلفة. وهكذا شاء عدل الله أن تكون الأيام المفضلة عنده مُوزَّعة على الزمن كله. وجعل الحق سبحانه وحدة الزمن هي اليوم، واليوم يتكون من الليل والنهار، والأيام وحدتها الشهر، والشهور وحدتها العام، وجعل من مهمة الشمس أن تحدد لنا اليوم، ومن مهمة القمر أن يحدد لنا الشهر؛ فهو في أول الشهر هلال، ثم تربيع أول وتربيع ثانٍ فبدْر إلى آخره. إذن فالقمر هو الذي يحدد بداية الشهر ونهايته.
ولقد حدد الحق سبحانه شهور العام، فقال:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾ وقال: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ .
ولكن لماذا لم يجعل الحق الأشهر سلاماً؟ نقول: إن الحق في تشريعه أراد أن يسود السلام، ولكن الحرب أيضاً قد تكون سبباً لتحقيق
стр. 5848
السلام، فليس كل إنسان أو مجتمع يسير على الجادة، فمن الممكن أن تخرج جماعة عن الجادة، ولهذا لا بد من قتال تلك الجماعة، ولا بد كذلك من وقفة للخير أمام الشر، وما دام الإنسان له اختيار؛ فقد يسير في اختياره إلى ناحية السوء؛ لذلك لا بد أن يضرب المجتمع على يد المسيء، وإذا ما اختارت دولة قتال دولة أخرى اعتداءً، فالحرب ضرورة للدفاع.
وكذلك لو أن الحق قد جعل العام كله أياماً حُرُماً لأذلَّ الكفار والمشركون المؤمنين؛ لأن الكفار والمشركين سيعصون الله ويحاربون، والمؤمنون ملتزمون بأمر الله، فكأن الله قد فرض العبودية على المؤمن به. وأعطى السيادة لغير المؤمن. ثم إن قوى الخير والشر تتصارع في هذا الكون، وقوى الحق والباطل تتقاتل، ولا بد من وقفة للحق أمام الباطل، ولذلك أباح الحق في الأشهر الحرم القتال، حتى إذا استشرى الباطل تصدى له الحق بالقوة، ولذلك قال شوقي:
الحرْبُ في حَقٍّ لَديْكَ شريعةٌ ... ومِنَ السُّمُومِ النَّافِعَاتِ دَوَاءُ
إذن: فقد شاء الله أن يوجد من يقاوم الباطل، وضمن للحق أن يحارب الباطل ويواجهه؛ لذلك لم يشرع تحريم القتال في العام كله. ولكنه شرع هذا التحريم فقط أربعة أشهر يذوق الناس فيها حلاوة السلام ويتوقف فيها القتال وتتاح الفرصة للصلح.
ولقد أوجد سبحانه في الكون سُنَّة، هي أنه إذا ما التقى حق وباطل في المعركة فالباطل ينهزم في وقت قصير. وإن رأيت معركة تطول سنوات طويلة فاعرف أنه بين باطل وباطل، وإذا قامت الحرب بين وباطل فإن السماء لا تتدخل، وأما إذا قامت المعركة بين حق وباطل فإن السماء تنصر الحق على الباطل. ولا تقوم معركة بين حَقَّيْن أبداً؛ لأن الحق
стр. 5849
في الدنيا كلها واحد، فلا يوجد حقان، بل حق وباطل، وإن وجد الصراع فإنه لا يطول بينهما؛ لأن الباطل زهوق بطبيعته، وإن وجدت حرب بين باطلين، فالسماء توضح لنا أنه لا يوجد باطل منهما أولى بأن ينصره الله على الآخر؛ بل يترك سبحانه هذا الصراع لأسبابهم؛ مما يطيل أمد الحرب.
وحين شرع الله الأشهر الحرم، ضمن الناس مطلوبات السلام الدائم؛ لأن الناس تنهكهم الحرب ويحبون أن يرتاحوا منها، فإذا جاءت الأشهر الحرم كانت فرصة للناس ليوقفوا الحرب، دون أن يشعر أحدهم بالذل والهوان والهزيمة. ونحن نلجأ إلى ذلك أحياناً، فإذا كنا في بيت يسكنه عدد من الناس - كما يحدث في الريف - وسُرِق شيء ثمين من هذا البيت، والسارق من السكان ونريد منه أن يعيده دون أن ينكشف أمره فهم يحددون مكاناً معيناً، وكل واحد من سكان البيت يأتي ليلاً ويضع حفنة من التراب في هذا المكان، لعل السارق يضع ما سرقه دون أن يعرفه أحد، وفي هذا ستر له فلا ينفضح أمام الناس.
والأشهر الحرم فرصة للسلام دون أن ينفضح أحد من الأطراف المتحاربة أمام الناس بأنه ضعيف أو غير قادر على الاستمرار في الحرب، وتتوقف خلالها الحرب وقد ستر الله كل أطرافها، وتقوى خلالها فرص أكبر للسلام والصلح، وبذلك تكون فرص السلام أكبر من فرص الحرب بكثير.
ولكن ماذا يحدث عندما يعتدي عصاة غير مطيعين لله على المؤمنين في الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها؟ إن الحق سبحانه لا يعني بتشريعاته أبداً أن تكون مصدر إذلال للمؤمنين وإعزاز للكافرين؛ ولذلك ينبهنا إلى أننا يجب ألا نسمح لأعداء الله بأن يستغلوا حرمة الأشهر الحرم ليتمادوا
стр. 5850
في العدوان على المؤمنين، فأباح للمؤمنين القتال في هذه الأشهر إذا قاتلهم الكفار فيها، وكذلك في الأماكن المحرَّم فيها القتال، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وهكذا أباح الله القتال في الشهر الحرام ليدافع المؤمنون فيه عن أنفسهم إذا بدأهم الكفار بالقتال، وأباح الحق سبحانه أيضاً القتال في المسجد الحرام إذا قام الكفار بقتال المؤمنين فيه، رغم أننا نعلم أن تحريم القتال في المسجد الحرام هو تحريم دائم، ولكن الحق سبحانه وضع استثناء فقال: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين﴾ [البقرة: ١٩١] .
وهكذا جاء التقنين الإلهي ليحمي المؤمنين من طغيان الكافرين، فالمؤمنون يلتزمون بعدم القتال في الأشهر الحرم كما أمر الله؛ بشرط التزام الطرف الآخر الذي يقاتلهم، فإن لم يلتزم الكفار بهذا التحريم، فسبحانه لا يترك المؤمنين للهزيمة، وهكذا شاء الحق أن يضع التشريعات المناسبة لهذا الموقف. فإن احترمها الطرفان كان بها، أما إن خالفها الكفار فقد سمح الله للمؤمنين بالقتال.
وهنا يقول سبحانه:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله﴾ والكتاب يطلق على الشيء المكتوب المدوَّن، ولا يُدوَّن الكلام إلا إذا كانت له أهمية ما، أما الأحاديث التي تتم بين الناس فهم لا يكتبونها ولا تُدوَّن. بينما الكلام المهم وحده هو الذي يُكتب حتى يكون حجة في الاستشهاد به في حالة وجود خلاف.
стр. 5851
ولكن أين ﴿كِتَابِ الله﴾ الذي كُتِبَ فيه هذا؟
إنه اللوح المحفوظ عند الله، والمهيمن على كل الكتب التي نزلت في مواكب الرسل، ويقصد بالكتاب - أيضاً - القرآن الكريم الذي نزلت فيه هذه الآية، وقد جاء القرآن جامعاً لمنهج الله بدءاً بآدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة. وتغير في القرآن كثير من الأحكام الموجودة في الرسالات السابقة، أما العقائد فهي واحدة. كما أن القرآن قد تضمن الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة وقت نزوله، والمثال هو قوله الحق: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ... ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
وأيضاً يقول الحق سبحانه: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ... ﴾ [يونس: ٥] .
فكأنه ربط السنين والحساب بالقمر، وهذا الحساب هو من ضمن إعجازات الأداء البياني في القرآن؛ لأن العالم قد بحث عن أدق حساب للزمن، فلم يجد أدق من حساب القمر، وكل الأحياء المائية تعتمد في حسابها على الحساب القمري، والله سبحانه يريد منا حين نقرأ كتاباً أن نتمعن في وضع الألفاظ في موضعها.
فيقول سبحانه:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض﴾ وبعد ذلك يأتي باستثناء هو: ﴿مِنْهَآ﴾ أي من الاثني عشر شهراً ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدين القيم فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ولقائل أن يقول: لماذا لم يقل الله: «فيها» بدلاً من ﴿فِيهِنَّ﴾ ما دام قد قال من قبل: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ؟
стр. 5852
ونقول: إن الحق ينهى عن الظلم العام في كل الشهور، وإن كان المقصود الأشهر الحرم الأربعة، فالمقصود النهي عن ظلم الحرب. وهنا قاعدة لغوية يجب أن نلتفت إليها؛ وعندنا في اللغة جمع قلة وجمع كثرة؛ جمع القلة من ثلاثة إلى عشرة، ويختلط الأمر على بعض الناس في مسألة جمع القلة وجمع الكثرة، وجمع التكسير وجمع الصحيح. فجمع القلة وجمع الكثرة، غير جمع التكسير، والجمع الصحيح؛ لأن التكسير هو أن تكسير بنية الكلمة، فمثلاً بيت جمعها بيوت، ورسول جمعها رسل؛ هنا كسرْتَ بنية الكلمة أي: غيَّرتها.
أما إن قلت: «مسلم» فجمعها «مسلمون» ، وهنا تضيف «واواً ونوناً» ، ولكن كلمة «مسلم» صحيحة، أي أننا لم نكسر المفرد. ولكن إن قلت: «سفينة» وجمعها «سفن» تكون قد كسرت المفرد.
وقول الحق هنا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله﴾ فما دام العدد هو اثنا عشر شهراً تكون قد زادت عن جمع القلة؛ لأن جمع القلة من ثلاثة إلى عشرة، وجمع القلة يعاملونه معاملة الجماعة. وإن زاد على عشرة يعاملونه معاملة المفرد المؤنث، مثل وضع الشهور الأربعة المحرمة في كتاب الله، ولذلك قال: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وجاء هنا ب «نون النسوة» للجمع. والقاعدة - كما قلنا - إن جمع القلة يعامل معاملة الجماعة، فإن كان جمع كثرة عومل معاملة المفرد المؤنث؛ لأن الفرد يكون معصوماً بالجماعة، أي أنه بمفرده ضعيف. فإن وجد جماعة ينتمي إليها فهو يُحِسُّ بالقوة.
إذن: فالفرد يعصم بالجماعة، وبهذا تعامل الحماعة كلها كهيئة واحدة، وهناك شاعر يستهزىء بقوة جماعة ما، فيقول:
لاَ أُبَالِي بِجمْعِهِنَّ فَجَمْ ... عُهُنَّ كُلُّ جَمْعٍ مُؤنَّثٍ
стр. 5853
إذن: فكل جمع يكون مؤنثاً، وهذا ما ينطبق على قوله هنا: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وأكرر: إن أردت الظلم العام فإن الله قد حرم الظلم في كل شهور السنة؛ سواء ظلمك لنفسك أم ظلمك للناس، وإن أردتَ من معنى الكلام تحريم الحرب في الأشهر الحرم تكون: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قد أتت بالمؤنث.
ومعنى قوله: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: إياكم أن تظنوا أن مخالفتكم لمنهج الله يحدث منها شيء يضر الحق سبحانه، فكل ما يحدث من ظلمكم لأنفسكم هو أن تضروا أنفسكم أو غيركم، لكن لن يضر أحدكم الله؛ لأن صفات الله في الكون لا تتأثر أطاع الخلق أم عَصَوا. ولذلك فإن اتباع منهج الله هو أمر لصالح الناس، لصالحنا نحن، فانصرافنا عن المنهج لا يضر الله سبحانه شيئاً ولكن يضرنا نحن، فكل ما أنزله الله من قيم هو لصالحنا حرباً وسلاماً، وتحريماً وتحليلاً.
ولكن لماذا خصَّ الحق سبحانه الشمس بحساب اليوم، والقمر بحساب الشهر؟ وأقول: لأن الله سبحانه يريد أن يوزع الفضل على كل الزمن، وأن ييسر على الناس أداء مناسكه وما يكلفهم به. فلو حسبت الشهور بالشمس لكان ميعاد الحج كل عام في أشهر الصيف دائماً، ومن يعيش مثلاً في بلاد باردة إن ذهب إلى الحج صيفاً يتعرض لأخطار شديدة، فكأنه ليس هناك عدل بين الذين يعيشون في مناطق باردة، والذين يعيشون في مناطق حارة في أداء مناسك الحج، فلو كان ميعاد الحج هو الصيف دائماً، فسوف يؤديه الذين يعيشون في المناطق الحارة بسهولة، بينما يؤديه من يحيا في المناطق الباردة بصعوبة، ولتمام عدل الله بين خلقه نجده سبحانه قد أدار الأشهر القمرية في السنة الميلادية، فلا يأتي الحج أبداً في طقس واحد، وبذلك تستوي كل البيئات وكل الناس في أحكام الله.
стр. 5854
وأيضا صوم رمضان لو كان يأتي في الصيف دائماً، لوجدنا بعض الناس سيصومون ثماني أو تسع ساعات، والذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون عشرين ساعة في اليوم، ولكن مجيء رمضان في فصول السنة كلها يجعل أولئك الذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون مرة تسع عشرة ساعة مثلاً، ومرة ساعتين أو ثلاثاً، وهذه تعوض تلك، فيتم العدل، وإذا أخذنا متوسط ساعات الصيام بالنسبة لهؤلاء الناس على مدار السنة، نجد أن فترات صومهم فترة تسع عشرة ساعة وفترات ثلاث ساعات، وبذلك يتساوون في المتوسط مع أولئك الذين يصومون ثماني أو تسع ساعات يومياً.
ونجد بالحساب أن تقويم الهلال ينقص عن تقويم الشمس بمقدار أحد عشر يوماً وثلث يوم كل عام، ويكون الفرق عاماً كاملاً كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث العام، أي أن رمضان يأتي مرة في يناير ومرة في فبراير ومرة في مارس، وكذلك الحج، وبذلك تتكافأ الفرص بين المؤمنين جميعاً، فالذين يصومون في الصيف المعروف بيومه الطويل، يصومون في الشتاء ويومه قصير. والذين يعانون من الصوم في حرارة الجو، يصومون أيضاً في برد الشتاء، وهكذا يدور رمضان والحج في شهور العام كله، وبذلك يتم عدل الله على الجميع بالتشريع الحق، ويدور التكليف مشقة ويُسْراً وصعوبة وسهولة على جميع المؤمنين.
وإذا نظرنا إلى ربط اليوم بالشمس نجد أن الحق الذي ربط أوقات الصلاة بالشمس، كفل لها الدوام التكليفي، لماذا؟
لأن القمر نراه أياماً، ولكننا لا نراه في أيام المحاق، فلو ربطنا الصلاة بالقمر لضاع منا الدوام، مضافاً إلى ذلك أن القمر يظهر لنا في أوقات غير متساوية؛ فعندما يكون هلالاً لا يظهر للعين في الأفق معدودة،
стр. 5855
ولكن الشمس تشرق كل يوم في وقت محدد، وتغيب كل يوم في وقت محدد، وهي بضوئها ظاهرة للناس كل الناس من الشروق إلى الغروب، فلا يجدون مشقة في رؤيتها. ولذلك فربْطُ الصلاة بالشمس فيه يُسْر التكليف ودوامه، وكما قال رسول الله ﷺ َ: «الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين» وهي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي لا يسقط أبداً؛ لأن الفقير تسقط عنه الزكاة، والمريض يسقط عنه الصوم، وغير المستطيع يسقط عنه الحج، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يكفي أن تقال مرة واحدة في العمر، ولكن إقامة الصلاة لا تسقط أبداً. إذن فهي عماد الدين، ولذلك تتكرر خمس مرات يومياً لكل أهل الأرض، فالصبح في دولة قد يكون ظهراً في دولة ثانية، وعصراً في دولة ثالثة ومغرباً في دولة رابعة وعشاء في دولة خامسة؛ وذلك بسبب فروق التوقيت بين دول العالم، وهكذا تكون في كل لحظة من الزمن جميع أوقات الصلاة قائمة على الأرض، فيظل الله معبوداً بالصلاة في كل الزمن في كل بقاع الأرض. وهكذا يرتفع الأذان: الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله في كل لحظة على الأرض.
قد نجد رجلاً أمياً لا يعرف القراءة أو الكتابة، لكن له إشراقات نورانية، أفاض الله عليه يقول: يا زمن وفيك كل الزمن، أي يا فجر وفيك كل أوقات الصلاة على سطح الأرض. ولذلك فظاهر الأمر أن الصلوات خمس، والحقيقة أن الصلاة دائمة على وجه الأرض في كل
стр. 5856
ثانية، ولا يوجد جزء من الزمن إلا والله معبود فيه بعبادات كل الزمن، أي أنه في كل لحظة تمر نجد الله معبوداً بالصلوات الخمس على ظهر الأرض. وهذا سبب ربط الصلاة بالشمس.
وإذا عرفنا هذه الحقيقة، وعلمنا أن الكون كله يصلي لله في كل لحظة من الزمن، فإننا نعلم أن القرآن يتسع لأشياء كثيرة، وأن كل جيل يأخذ من القرآن على قدر عقله، فإذا ارتقى العقل أعطى القرآن عطاءً جديداً. وهذا ما يؤكد أن آيات القرآن يتسع إدراكها في الذهن كلما مر الزمن، فنتنبه إلى معان جديدة لم نكن ندركها.
وعندما يأتي المستشرقون ليقولوا: إن في القرآن تناقضاً في الكونيات.
نقول لهم: مستحيل.
فيقولون: لقد جاء في القرآن: ﴿قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] .
ويقول: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ [الرحمن: ١٧] .
ويقول: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب ... ﴾ [المعارج: ٤٠] .
وبين هذه الآيات تناقض ظاهر.
ونرد: إن التقدم العلمي جعلنا نفهم بعمق معنى هذه الآيات، فكل مكان على الأرض له مشرق وله مغرب، هذه هي النظرة العامة، إذن فقوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ صحيح، ثم عرفنا أن الشمس
стр. 5857
حين تشرق عندي، تغرب عند قوم آخرين، وحين تغرب عندي تشرق عند قوم آخرين، إذن فمع كل مشرق مغرب ومع كل مغرب مشرق، فيكون هناك مشرقان ومغربان. ثم عرفنا أن الشمس لها مشرق كل يوم ومغرب كل يوم يختلف عن الآخر. وفي كل ثانية هناك شروق وغروب، إذن فالقسم هنا ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ ؛ لأن المشارق والمغارب مختلفة على مدار السنة.
فإذا سأل أحدهم: لماذا تخصون القمر لحساب الزمن وتخصون الشمس لحساب اليوم؟ نقول: إن الشمس مرتبطة بعلامة يومية ظاهرة وهي النهار، واختفاؤها عنك مرتبط بعلامة يومية ظاهرة وهي الليل. ولكن القمر غير مرتبط بعلامة يومية، صحيح أن القمر موجود دائماً، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يدركه أو يراه إلا في أوقات محددة.
بعض الناس يقول: إذا كان المقصود بهذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو بيان الأشهر الأربعة الحرم، فما فائدة باقي أشهر السنة؟
ونقول: إنك لن تستطيع أن تحدد الأشهر الحرم إلا من خلال بيان وتوضيح أمر السنة ومعرفة عدد أشهرها، وهذا أمر ضروري أيضاً حتى تستطيع أن تحدد الأشهر الأربعة الحرم في العام. وإلا كيف يمكن أن نميز هذه الأشهر وزمنها؟ لا بد لنا إذن من أن نعلم أن هناك عاماً، وأن العام فيه اثنا عشر شهراً لنستطيع أن نحدد الأشهر الحرم. والأشهر الحرم منها ثلاثة متتابعة وشهر فرد، والأشهر المتتابعة هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر رجب هو الشهر الفرد. وتحديد الحق لهذه الأشهر الأربعة يعني أنها تتميز بخصوصيات؛ لأن الحق لو أراد أن تكون هذه الشهور في أي وقت من السنة لتركها لنا لنحددها بمعرفتنا فنختار
стр. 5858
أي أربعة أشهر على هوانا، لنمتنع فيها عن القتال، ولكن كون الله ﵎ حددها فذلك لخصوصيات فيها. جاء البعض وقال: ما دام قد جعل الشهور اثني عشر شهراً وجعل منها أربعة حرماً، ونحن نريد أن نحارب في شهر المحرم فلنفعل ذلك ونمتنع عن القتال في شهر آخر غيره، وبذلك نكون قد حافظنا على عدد الأشهر الحرم وهي أربعة كما حددها الله.
ونقول: إنكم حافظتم على العدد ولم تحافظوا على المعدود. ولو أن رسول الله ﷺ َ لم يبين الأربعة الأشهر المقصودة بالآية الكريمة من الاثني عشر شهراً، لأصبح من حق كل جماعة أن تختار ما تريده من أشهر السنة، ولكنه ﷺ َ خصصها؛ لأننا علمنا بذلك كيف نحافظ على الفرق بين العدد والمعدود.
إن مسألة العدد والمعدود حَلَّتْ لنا إشكالات كثيرة، منها إشكالات أثارها المستشرقون الذين يريدون أن يسيئوا إلى رسول الله ﷺ َ فقالوا: إن الزواج كان مطلقاً عند العرب، ثم حدد الله عدد الزوجات بأربع، وأمر النبي ﵊ ُ الذين كانوا قد تزوجوا بأكثر من أربع زوجات أن يمسك الواحد منهم أربعاً ويفارق الباقيات، وأضاف المستشرقون تساؤلاً: إذا كان الرسول قد شرع للناس، فلماذا لم يطبق هذا الأمر على نفسه، ولماذا اتخذ تسع زوجات؟
ونقول: إننا إذا قمنا بعملية حسابية منصفة، لوجدنا أنه ليست توسعة لرسول الله ﷺ َ وإنما هي تضييق عليه، فأنت حين تأخذها من ناحية العدد فقط تقول: إن رسول الله ﷺ َ أخذ تسع زوجات وأمته أخذت أربعاً، ولكنك لم تلاحظ مع العدد المعدود، أي أنه إذا ماتت زوجاتك الأربع
стр. 5859
أحلت لك أربع أخريات، وإن ماتت واحدة أحلت لك أخرى، إذن فأنت - كمسلم - عندك عدد لا معدود، بحيث إذا طلَّقْتَ واحدة أو اثنتين حلَّت لك زوجة أو زوجتان أخريان، فأنت مُقيَّد بالعدد، ولكن المعدود أنت حُرٌّ فيه. أما رسول الله ﷺ َ فقد نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٢] .
وهكذا نجد أن التشريع ضَيَّق على رسول الله ﷺ َ في المعدود. وكان استثناؤه ﵊ ُ في العدد للتشريع، فقد كان الرسول ﷺ َ يتزوج بإرادة التشريع التي يشاؤها الله.
وسبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض﴾ وعرفنا أن قوله سبحانه: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ معناها اللوح المحفوظ أو القرآن، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض﴾ معناه: أنها مسألة لم تطرأ على الكون، ولكنها محسوبة من قبل أن يُخلقَ الإنسان. فهي إذن مسألة من النظام الكوني الذي خُلق عليه الكون. وهو سبحانه قد خلق الكون بدقة وإحكام، فكأن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن من مهام الشمس والقمر أن يكونا حساباً للزمن؛ لليوم والشهر والعام، ولذلك يقول سبحانه: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] .
стр. 5860
أي: أنهما خُلِقَا بحساب دقيق، ويقول سبحانه: ﴿فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الليل سَكَناً والشمس والقمر حُسْبَاناً﴾ [الأنعام: ٩٦] .
أي: أنه سبحانه يطالبنا بأن نستخدم الشمس والقمر حساباً لنا. وهذا يتفق مع منطق الأمور، فالشيء الذي تريد أن تتخذه حساباً لنا.
وهذا يتفق مع منطق الأمور، فالشيء الذي تريد أن تتخذه حسباً لك، لا بد أن يكون مصنوعاً بحساب دقيق. ولذلك فإن الساعة مثلاً إن لم تكن مصنوعة بدقة فإنها لا تصلح قياساً للوقت؛ لأنها تقدم أو تؤخر. ولكن إن كانت مصنوعة بحساب دقيق فهي تعطيك الزمن الدقيق. إذن: فدقة قياس الزمن تعتمد أساساً على دقة صناعة آلات القياس.
وقبل أن يُنزِلَ الحق هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، كان العرب يعترفون بالأشهر الأربعة الحرم، ولكنهم كانوا يغيِّرون في مواعيدها، فكانت الجماعة منهم تقاتل الأخرى، فإذا ما أحسوا بقرب انتصارهم وجاءت الأشهر الحرم قالوا: نستبدل شهراً بشهر، أي نقاتل في الشهر الحرام، ثم نأخذ شهراً آخر نمتنع عن القتال فيه، وحسبوا أنهم ما داموا قد حافظوا على العدد يكونون بذلك قد أدوا مطلوبات الله، ولكنهم نسوا أنهم لم يحافظوا على المعدود، ونسوا أن الدين مجموعة من القيم التي لا بد أن نؤمن بها ونطبقها.
والإيمان - كما نعلم - هو انقياد وتسليم لله ، فإذا أمر الله بأمر من الأمور فلا اختيار لنا فيه؛ لأنه يرى بحكمته وعلمه هدفاً أو أهدافاً أو حكمة، وهنا يجب أن يقف الاختيار البشري، بمعنى أنه لا أحد يملك تعديل مرادات الله بأي شكل من الأشكال؛ لأننا في حياتنا اليومية حين نرى واحداً من البشر قد اشتهر بحكمته وعلمه في أمر من الأمور أكثر منا، نقول له: وكَّلْناكَ في هذا الأمر، وسنسير وراءك فيما تقرره. ومعنى هذا أننا سنسلم اختيارنا لاختيارات هذا الحكيم.
стр. 5861
إننا لا نعطي أحداً هذه الصلاحية إلا إذا تأكدنا بالتجربة أنه عليم بهذه المسألة، وأنه حكيم في تصرفه.
وإن سألك أحد من الناس: لماذا تتصرف في ضوء ما يقوله لك فلان؟ فتقول: إنه حكيم وخبير في هذه المسائل، وهذا دليل منك على أنك واثق في علمه، وواثق في صدقه، وواثق في حكمته.
والمثال الحي المتجدد أمامنا هو سيدنا أبو بكر ﵁ عندما قيل له: إن رسول الله ﷺ َ أعلن أنه نبي الله، قال أبو بكر ﵁: إن كان قد قال فقد صدق. قال أبو بكر ﵁ هذا القول؛ لأنه عرف ولمس أن رسول الله ﷺ َ لم يكذب قط في كل الأحداث السابقة، فإذا كان ﵊ ُ لا يكذب على أهل الأرض أيكذب على السماء؟ طبعاً هذا غير معقول.
وأنت لا تسلم زمام أمرك للمساوي لك إذا كانت هناك مقدمات أثبتت أنه أعلى منك في ناحية معينة، صحيح أنه مساويك في الفردية وفي الذاتية، ولكنه أعلى منك علماً في المجال الذي يتفوق فيه.
فما يقوله تنفذه بلا نقاش لأنك وثقت في علمه. وأنت إذا مرضت - لا قدر الله - وكان هناك طبيب تثق في علمه وقال لك: خذ هذا الدواء؛ أتناقشه أو تجادله؟ طبعاً لا، بل تفعل ما يأمرك به بلا نقاش.
فإذا سألك أحدهم: لماذا تتناول هذا الدواء؟ تقول: لقد كتبه لي الطبيب الذي أثق فيه. وهذا يكفي كحيثية للتنفيذ.
стр. 5862
فإذا جئنا إلى الله سبحانه الذي أعدَّ لنا هذا الكون وأنزل إلينا منهجاً وطالبنا أن نُسلِمَ له وجوهنا، وأن نفعل ما يأمرنا به في كل أمور الحياة، فإن احتجنا إلى حكمة فهو الحكيم وحده، وإن احتجنا إلى قدرة فهو القادر دائماً، وإذا احتجنا إلى قهر فهو القاهر فوق عباده، وإن احتجنا إلى رزق فهو الرازق، وعنده كنوز السماوات والأرض. أيوجد من هو أحق من الحق سبحانه لنُسْلمَ زمامنا له ونفعل ما يأمرنا به؟ طبعاً لا يوجد، وإذا سألنا أحد: لماذا نتبع هذا المنهج؟ نقول: إنه سبحانه قد أمرنا باتباعه. وهذا هو الإسلام الحقيقي؛ أن تسلم اختيارك في الحياة لمرادات الخالق الأعلى، فالدين معناه الالتزام والانقياد لله، ولذلك يقول سبحانه: ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي قَيِّم على كل أمور حياتنا، والدليل على ذلك قائم فيما تحدثنا عنه، فما دام الله قد قال، فنحن نفعل. إذن: فالدين قَيِّم علينا. والدين قَيِّم أيضاً على غيره من الرسالات السماوية، أي مُهَيْمِنٌ عليها، وفي هذا يقول الحق: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ... ﴾ [المائدة: ٤٨] .
حددت الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنه - أشهراً حُرماً يحرم فيها القتال وحذرت من الظلم بالحرب أو غيرها، وقد يقال: إن معنى هذا أن تضعف حمية الحرب عند من يريد الحرب ضد الباطل، فنرى الباطل أمامنا خلال الأشهر الحرم ولا نحارب.
نقول: إن هذا غير صحيح، ففترة السلام هذه تكون شَحْذاً لِهمَمِ المقاتلين ضد الكفر والظلم؛ لأنك قد ترى الباطل أمامك لكنك تمتثل لأمر الله في وقف القتال، فإن ذلك يزيد الانفعال الذي يحدثه الباطل في تحديه
стр. 5863
للنفس المؤمنة، فإذا انتهت الأشهر الحرم كنت أكثر حماسة. تماماً كالإنسان الحليم الذي يرى إنساناً يضايقه باستمرار فيصبر عليه شهراً واثنين وثلاثة، فإذا نفذ صبره كان غضبه قوياً شديداً، وقتاله شرساً، ولذلك قيل: «اتقوا غضب الحليم» ؛ لأن غضبه أقوى من غضب أي إنسان آخر. وكذلك يكون حِلْم المؤمن على الكافر في الأشهر الحرم؛ شحذاً لهمته إذا استمر الباطل في التحدي، وفي هذا تحذير للمسلمين من أن تضعف في نفوسهم فكرة القتال وعزيمتهم فيه، ولذلك يقول الحق سبحانه:
﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾
وكلمة ﴿كَآفَّةً﴾ هنا سبقها أمران: ﴿وَقَاتِلُواْ﴾ فإلي أي طرف ترجع ﴿كَآفَّةً﴾ هنا؟ هل تُرجعها إلى المؤمنين المقاتلين، أم إلى المقاتلين من الكفار؟ وهذا إثراء في الأداء القرآني في إيجاد اللفظ الذي يمكن أن نضعه هنا ونضعه هناك فيعطيك المعنى.
ولكن هل يريدنا الحق أن نقاتل المشركين حالة كوننا - نحن المؤمنين - كافة؟ أم نقاتل المشركين حالة كونهم كافة؟ . إن ﴿كَآفَّةً﴾ كما نعرف لفظ لا يُجمَعُ ولا يُثنَّى، فالرجل كافة، والرجلان كافة، والقوم كافة، وهي مأخوذة من الكف. وتطلق أيضاً على حافة الشيء لأنها منعت امتداده إلى حيز غيره. وفي لغة من يقومون بحياكة الملابس يقال: «كافة الثوب» حين يكون الثوب حين يكون الثوب قد تنسل، فيقول الحائك بمنع التنسيل بتكفيف الثوب.
والحق سبحانه هنا يقول: ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً﴾ أي: ياأيها المؤمنون كونوا جميعاً في قتال المشركين. وهي تصلح للفرد، أي: للمقاتل الواحد، وللمقاتليْن، ولجماعة المقاتلين.
وقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ ذلك أن الباطل يتجمع مع الباطل دائماً، والمثال الواضح في السيرة أن يهود المدينة تحالفوا
стр. 5864
مع الكفار ضد المسلمين، فكما أن الباطل يجتمع مع بعضه البعض فاجمعوا أنتم أيها المؤمنون وأصحاب الحق قوتكم لتواجهوا باطل الكفر والشرك.
ويقول الإمام علي كرم الله وجهه: «أعجب كل العجب من تضافر الناس على باطلهم وفشلكم عن حقكم» ويتعجب الإمام علي ﵁ من أن أهل الحق يفرطون في حقهم رغم اجتماع أهل الباطل على باطلهم. ويعطينا القرآن صورة من تجمُّع أهل الباطل في قول اليهود لكفار مكة: ﴿هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً ... ﴾ [النساء: ٥١] .
أي أن اليهود قالوا: إن عبدة الأصنام أهدى من رسول الله ﷺ َ وأتباعه، قالوا ذلك رغم أن كتبهم قد ذكرت لهم أن رسول الله ﷺ َ سيأتي بالدين الخاتم حتى إنهم كانوا يقولون لأهل المدينة من المشركين: لقد أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. كذلك في كتب أهل الكتاب نبأ رسول الله وأوصافه وزمانه. وعندما تحقق ما في كتبهم كفروا به واجتمعوا مع أهل الباطل.
وهنا يوضح لنا الحق: ما دام الباطل قد اجتمع عليكم وأنتم على الحق فلا بد أن تجتمعوا على دحض الباطل وإزهاقه؛ ولذلك يقول :
стр. 5865
﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ إذن: فالله يأمر المؤمنين بأن يجتمعوا على قتال الكافرين، ولأن الله مع الذين آمنوا؛ لذلك فهو ينصر المؤمنين، وإذا وُجدَ الله مع قوم ولم يوجد مع آخرين، فأيُّ الكفتين أرجح؟ لا بد من رجحان كفة المؤمنين. ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾
والعلم - كما قلنا - حكم يقين عليه دليل، أي لا يحتاج إلى دليل؛ لأن العلم هو أن تأتي بقضية غير معلومة، م تقيم الدليل عليها لتصبح يقيناً.
وإذا قال الله : ﴿واعلموا﴾ فالعلم هنا ينتقل من علم يقين إلى عين يقين. والعلم - كما نعرف - قضية معلومة في النفس يؤيدها الواقع وتستطيع أن تقيم عليها الدليل. فإذا علمت بشيء أخبرت به، ويقينك بما علمت يكون على قدر ثقتك بمن أخبرك.
والمثال: حين قيل لأبي بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ َ قال: «إنه أُسْرِيَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعُرِجَ به إلى السماء السابعة، هنا قال الصدِّيق: إن كان قد قال فقد صدق» ، وكانت هذه هي ثقته في القائل، وهو يستمد منها الثقة فيما قال وروي.
وحينما أخبر رسول الله ﷺ َ سيدتنا خديجة ﵂ بخبر الوحي وأبدى خوفه مما يرى، قالت: «كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصِلُ الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكْسِبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» ، وهي بذلك قد أخذت من المقدمات حيثيات الحكم وكانت أول مجتهدة في الإسلام عملت بالقياس. فقد قاست الحاضر بالماضي.
стр. 5866
وعندما يقول الحق: ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ فيكفينا أن يكون هذا كلام الله سبحانه ليكون يقيناً في نفوسنا، وهناك علم يقين يأتيك ممن تثق في علمه وصدقه، وأنت إن رأيت الشيء الذي أخبرت به وشاهدته يصبح عين يقين، فإذا اختبرته وعِشْت فيه يصبح حقَّ يقين.
وحين قال الحق: ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ وجدنا بعض المؤمنين قد أخذوها على أنها علم عين يقين، أو حق يقين؛ لأنهم شاهدوا ذلك في المعارك حين كانوا قلة، فمن أخذ كلام الله دون مناقشة عقلية - لأن الله هو القائل - أخذه علم يقين. والذي أخذ الكلام على أنه يصل إلى درجة المشاهدة أخذه على أنه حق يقين، والذي أخذ الكلام كأنه عايشه فهذا عين يقين، ولكي نعرف هذه المنازل نقرأ قول الحق : ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر حتى زُرْتُمُ المقابر كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ [التكاثر: ١ - ٥] .
وهذه أولى الدرجات: علم يقين؛ لأنه صادر عن الحق : ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيم ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ [التكاثر: ٦ - ٧] .
أي: أنكم في الآخرة سوف ترونها بأعينكم بعد أن كنتم مؤمنين بها كعلم يقين، أما الآن فقد أصبحت عين يقين أي مشاهدة بالعين. وفي هذه السورة أعطانا الحق مرحلتين من مراحل اليقين هما: علم اليقين وعين اليقين، ففي الآخرة سوف يُضرب الصراط على جهنم، ويرى الناس - كل الناس، المؤمن منهم والكافر - نار جهنم، وهم يمرون فوق الصراط، ويرونها مشتعلة متأججة، وحين يمر المؤمن فوق الصراط ويرى جهنم وهولها، يعرف كيف نجاه الإيمان من هذا العذاب الرهيب فيفرح؛ فإذا دخل الجنة ورأى نعيمها يزداد فرحة؛ فله فرحة بأنه نجا من العذاب،
стр. 5867
وفرحة بالنعم وبالمنعم، ويقول المؤمن: الحمد لله الذي أنقذني من النار.
وهذه نعمة كبيرة وفوز عظيم، ولذلك يقول الحق: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ... ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
فالنجاة من النار وحدها فضل كبير، ودخول الجنة فضل أكبر، والحق هو القائل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ [مريم: ٧١] .
ويَرِدُ الشيء أي يصل إليه دون أن يدخل فيه، ويقال: ورد الماء أي وصل إلى مكانه دون أن يشرب منه. إذن فكل منا سوف يرى جهنم، ويعرف المؤمن نعمة الله عليه؛ لأنه أنجاه منها، ويندم الكافر؛ لأنه يُعذب فيها.
وقد ضربت من قبل مثلاً - ولله المثل الأعلى - بالقراءة عن مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعرف القارىء أنه مبنية على عدة جزر، وفيها ناطحات سحاب وأنها مزدحمة بالسكان، وهذه القراءة هي علم يقين، فإذا ركب الإنسان الطائرة ورآها من الجو
стр. 5868
يكون ذلك عين يقين، فإذا ما نزل وعاش على أرضها بين ناطحاتها وعايش ازدحامها بالسكان يكون ذلك حق اليقين.
وفي سورة التكاثر جاء الله بمرحلتين فقط من مراحل اليقين، وجاء بالمرحلة الثالثة في سورة الواقعة، فقال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٥] .
وحقُّ اليقين هو آخر مراحل العلم، والإنسان قد يكابر في حقيقة ما حين يقرؤها، وقد يجادل في حقيقة يشاهدها، ولكنه لا يستطيع أن يكابر في واقع يعيشه، وقد حدث ذلك وحملته لنا سطور الكتب عن سيدنا عمر وقد قال عن أحد المعارك: «وحينما شهرت سيفي لأقصف رأس فلان؛ وجدت شيئاً سبقني إليه وقصف رأسه» أي: هناك من شاهد ذلك بنفسه.
وبعد ذلك يعطي الله الحكم فيمن يُغيِّر الأشهر الحرم أو يُبدلها فيقدمها شهراً، أو يؤخرها شهراً، فيقول: ﴿إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ... ﴾
стр. 5869
والنسيء هو التأخير، فكأنهم إذا ما دخلوا في قتال وجاء شهر حرام قالوا: ننقله إلى شهر قادم، واستمروا في قتالهم؛ وهم بذلك قد أحلُّوا الشهر الذي كان محرماً وجعلوا الشهر الذي لم تكن له حرمة؛ شهراً حراماً، وهنا يوضح الحق سبحانه أن هذا العمل زيادة في الكفر؛ لأنه أدخل في المحلل ما ليس منه، وأدخل في المحرم ما ليس منه؛ لأن الكفر هو عدم الإيمان فإذا بدَّلْتَ وغيَّرْتَ في منهج الإيمان، فهذا زيادة في الكفر.
ثم يقول سبحانه: ﴿يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾ و ﴿يُضَلُّ﴾ هنا مبنية للمجهول؛ ومعنى ذلك أن هناك من يقوم بإضلال الذين كفروا، وهذه مهمة الشيطان؛ لأن هناك فرقاً بين الضلال والإضلال، فالضلال في الذات والنفس، أما الإضلال فيتعدى إلى الغير، فهناك ضال لا يكتفي بضلال نفسه، بل يأتي لغيره ويضله ويغويه على المعصية بأن يزينها له. ولذلك هناك جزاء على الضلال، وجزاء أشد على الإضلال، فإذا كان هناك إنسان ضال فهو في نفسه غير مؤمن، أي أن ضلاله لم يتجاوز ذاته، ولم ينتقل إلى غيره. ولكن إذا حاول أن يغري غيره بالضلال والمعصية يكون بذلك قد ضلَّ غيره. ويتخذ بعض المستشرقين هذه القضية مطعناً في القرآن - بلا وعي منهم أو فهم - فيقولون: إن القرآن يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [فاطر: ١٨] .
ثم يأتي في آية أخرى فيقول: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ... ﴾ [العنكبوت: ١٣] .
فكيف يقول القرآن: إن أحداً لا يتحمل إلا وزره، ثم يقول: إن هناك من سيتحمل وِزْره ووِزْر غيره؟
стр. 5870
ونقول لهم: أنتم لم تفهموا المعنى، فالأول: هو الضَّالُّ الذي يرتكب المعاصي ولكنه لم يُغْرِ بها غيره، أي: أنه عصى الله ولم يتجاوز المعصية. أما الثاني: فقد ضلَ وأضل غيره. . أي: أنه لم يكتف بارتكاب المعصية بل أخذ يغري الناس على معصية الله. وكلما أغرى واحداً على المعصية كان عليه نفس وِزْر مرتكب المعصية.
وهنا يقول الحق: ﴿ضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾ وطبعاً التحليل والتحريم هنا حدث منهم لظنهم أن هذه مصلحتهم، أي أنهم أخضعوا الأشهر الحرم لشهواتهم الخاصة، وخرجوا عن مرادات الله في كونه، يوم خلق السماوات والأرض.
ولكن لماذا يُحلُّونه عاماً ويُحرِّمونه عاماً؟ تأتي الإجابة من الحق: ﴿لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله﴾ أي: ليوافقوا عدة ما أحله الله حتى يبرروا ويقولوا لأنفسهم: نحن لسنا عاصين، فإن كان الله يريد أربعة أشهر حرم، فنحن قد التزمنا بذلك! ولكن تشريع الله ليس في العدد فقط ولكن في المعدود أيضاً، وقد حدد لنا رسول الله ﷺ َ الأشهر الحرم.
وكان عمرو بن لحي أو نعيم بن ثعلبة هما أول من قاما بعملية النسيء هذه، فأحلَّ شهر المحرم، وحرَّم غيره وهؤلاء الذين قاموا بهذا العمل كانوا يعرفون أن هناك أربعة أشهر حرم بدليل أنهم أحلوا وحرموا. ولو لم يعرفوها ما أحلوا ولا حرموا، ولكن هم أرادوا أن يُخضعُوا تشريع الله لأهوائهم. وهذا هو المغزى من تحليل
стр. 5871
شهر المحرم وتحريم شهر آخر، وأرادوا بذلك إخضاع مرادات الله لشهوات نفوسهم؛ لأن المحرم ثابت فيه التحريم، وهو شهر حرام سواء قام الإنسان بتأجيله أم لم يؤجله، فهو شهر حرام بمشيئة الله لا مشيئة الناس. ولذلك حكم الحق سبحانه على النسيء بأنه زيادة في الكفر؛ لأنك حين تؤخر حرمة شهر المحرم إلى شهر غيره، تكون قد قُمْتَ بعمليتين؛ أحللت شهراً حراماً وهذا كفر، وحرمت شهراً حلالاً وهذا كفر آخر. . أي: زيادة في الكفر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله﴾ وقد حكم الله عليهم بالكفر بأنهم أحلوا ما حرمه الله.
ثم يقول الحق: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سواء أَعْمَالِهِمْ﴾ والتزيين: هو أمر طارئ أو زائد على حقيقة الذات مما يجعله مقبولاً عند الناس، فالمرأة مثلاً لها جمال طبيعي، ولكنها تتزيين. إذن: فالتزيين تغيير في المظهر وليس في الجوهر. وهناك تزيين في أشياء كثيرة، تزيين في الفكر مثلاً، بأن يكون هناك استعداده للقتال فيأتي القائد فيزين للمقاتلين دخول المعركة، ويقول: أنتم ستنتصرون في ساعات، ولن يصاب منكم أحد وسيفِرّ عدوكم؛ هذا تزيين محمود.
ولذلك أراد الحق أن يكشف لنا حقيقة التزيين الذي قاموا به حين حللوا حرمة الأشهر الحرُم، وكشف لنا سبحانه أن هذا لون من التزيين غير المحمود فقال: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سواء أَعْمَالِهِمْ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ وما دام قد زُيِّن لهم السوء فهذا العمل قد خرج عن منطقة الهداية، وخرج عن نطاق التزيين المحمود إلى التزيين السيىء. وما داموا قد خرجوا عن هداية الله فلن يعينهم الله؛ لأنه سبحانه لا يعين من كفر، ولا يعين من ظلم، ولا يعين من فسق.
стр. 5872
ولذلك قال سبحانه: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ أي: أنهم بكفرهم قد أخرجوا أنفسهم عن هداية الله، فالحق سبحانه لم يمنع عنهم الهداية، بل هم الذين منعوها عن أنفسهم بأن كفروا فأخرجوا أنفسهم عن مشيئة هداية الله لهم، وهذا ينطبق فقط على هداية المعونة، ونحن نعلم أن لله سبحانه هداية دلالة وهداية معونة؛ هداية الدلالة هي للمؤمن وللكافر، ويدل الله الجميع على المنهج، ويريهم آياته، وتبلغ الرسل منهج السماء الذي يوضح الطريق إلى رضاء الله والطريق إلى سخطه وعذابه. فمن آمن بالله دخل في مشيئة هداية المعونة، فيعينه الله في الدنيا ويعطيه الجنة في الآخرة. أما من يرفض هداية الدلالة من الله، فالله لا يعطيه هداية المعونة؛ لأن الكفر قد سبق من العبد.
وكذلك الظلم والفسق، فيكون قد منع عن نفسه هداية المعونة بارتكابه لتلك الآثام.
ولذلك يقول الحق :
﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [التوبة: ٣٧] . ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [التوبة: ١٩] . ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤] .
إذن: هم الذين قدَّموا الكفر والظلم والفسوق، فمنعوا عن أنفسهم هداية المعونة التي قال الحق عنها: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] .
وبعد أن طلب الحق من المؤمنين أن يواجهوا الباطل جميعاً، كما يجتمع الباطل عليهم ويقاتلهم جميعاً. يقول سبحانه:
стр. 5873
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم ... ﴾
стр. 5874
وساعةَ تسمع ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ﴾ فهذا نداء خاص بمن آمن بالله؛ لأن الله لا يكلف من لم يؤمن به شيئاً، ولكنه كلف الذين آمنوا، فلا يوجد حكم من أحكام منهج الله فيه تكليف لكافر أو غير مؤمن. ولكن أحكام المنهج موجهة كلها للمؤمنين. ولذلك ساعةَ تسمع: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ﴾ تعرف أن الله يخاطب أو يأمر من آمن به؛ لأنك أنت الذي آمنت باختيارك، ودخلتَ على الإيمان برغبتك، فالحق سبحانه لم يأخذك إلى الإيمان قهراً، ولكنك جئت للإيمان اختياراً، ولذلك يقول لك: ما دُمْتُ قد آمنت بي إلهاً قادراً قيُّوماً، له مطلق صفات الكمال، فاسمع مني ما أريده لحركة حياتكَ.
ولا يحسب أحد أنه قادر على أن يدخل في الإيمان ولا ينفذ المنهج، ولا يحسب أحد أنه قادر أن يضر الله شيئاً، وسبق أن ضربنا المثل بالمريض الذي يختار أبرع الأطباء، ولم يجبره أحد على أن يذهب إليه، وأجرى الطبيب الكشف على المريض، وحدد الداء وكتب الدواء، ولكن المريض بعد أن خرج من العيادة أمسك بتذكرة الدواء ومزقها، أو أنه اشترى الدواء ولم يتناوله. أيكون بذلك قد عاقب الطبيب أم عاقب نفسه؟
стр. 5875
إن الطبيب لن يتأثر ولن يضره شيء مما فعله هذا المريض، ولكنه هو الذي سيزداد عليه المرض ويقود نفسه إلى الهلاك، وكذلك الإنسان إن لم يتبع منهج الله، فإنه يضيع نفسه ويُغرقها في الشقاء؛ لأن الحق سبحانه قد وضع هذا المنهج وفيه علاج لكل أمراض الإنسان، فإن عمل به الإنسان نجا من بلاء الدنيا، وإذا عمل به مجتمع لن يظهر فيه الشقاء. بل يمتلىء بالرخاء والأمن والطمأنينة، ومن لم يعمل به فلن يضر الله شيئاً، بل يحصل على الشقاء ويهلك نفسه.
وحين يخاطب الحق سبحانه الذين آمنوا يوضح: خذوا مني هذا التكليف ففيه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ولهذا نجد أن الحق لا يذكر أمراً من أوامره بأي تكليف أو نهياً من نواهيه، إلا مسبوقاً بقوله سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ... ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
وقوله سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ... ﴾ [البقرة: ١٧٨] .
وهذه التكليفات لمَ تأتِ مبنية للمعلوم، فمن الذين يكتب؟ إنه الحق سبحانه، كما أنها صيغة مبنية دائماً لما لم يُسَمَّ فاعله، أي: أن الكتابة أتت من كثير. ونقول: صحيح أن الله هو الذي كتب، فلماذا لم يقل: يأيها الذين آمنوا كتبتُ عليكم. ولماذا يقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ ؟ . ونقول: لأن الله وإن كان قد كتب، إلا أنه لم يكتبها على كل خلقه، بل كتبها على الذين
стр. 5876
آمنوا به، وأنت بإيمانك أصبحت ملتزماً بعناصر التكليف، فكأن الحق سبحانه لم يكتب ثم يلزمك، ولكن التزامك تم في نفس اللحظة التي دخلت فيها باختيارك في الإيمان.
وبذلك تكون كل هذه الأحكام قد كُتِبتْ علينا باختيار كل منا، فمن لم يَخْتَرْ الإيمان ليس مكتوباً عليه أن ينفذ أحكام الإيمان؛ لأنها لا تُنفذ إلا بالعقد الإيماني بيننا وبين الحق سبحانه؛ وقد احترم سبحانه دخولنا في هذا العقد، فلم ينسبه لذاته العلية فقط، بل شمل أيضاً كل مَنْ دخل في الإيمان.
ولذلك فإن سأل أحد عن حكمة التكليف من الله، نقول له: إن الحكمة تنبع من أنه سبحانه هو الذي كَلَّف. ثم إن معرفة الحكمة لا تكون إلا من المساوي للمساوي، فإن ذهب المريض إلى الطبيب وكتب له الدواء، وظل المريض يناقش الطبيب في الدواء وفوائده؛ فالطبيب يرفض المناقشة، ويقول للمريض: ادخل كلية الطب واقْضِ فيها سبع سنوات، واحصل على الدرجات العلمية، ثم تَعَالَ وناقشني.
إذن: فأنت تربط علة التكليف بأمر المكلف، مع أن المكلف من البشر قد يخطئ. أما إذا جئنا بمجموعة من الأطباء ليكشفوا على مريض احتار الطب فيه، ثم جلسوا بعد الكشف يتناقشون، فكل منهم يقبل مناقشة الآخر؛ لأنه مُسَاوٍ له في الفكر والثقافة والعلم إلى آخره، لكن إنْ أردتَ أن تسأل عن الحكمة في تكليف من الله فلن تجد مساويًا لله ، وبذلك تكون المناقشة مرفوضة.
стр. 5877
إذن: فالمكلف لا بد أن تكون له منزلة سابقة على التكليف، ومنزلة الحق أنك آمنت به، ولهذا أرى أن البحث عن أسباب التكليف هو أمر مرفوض إيمانياً، فإذا قيل: إن الله فرض الصوم حتى يشعر الغني بألم الجوع؛ ليعطف على الفقير، نقول: لا، وإلا سقط الصوم عن الفقير؛ لأنه يعرف ألم الجوع جيداً. وإذا قيل لنا: إن الصوم يعالج أمراض كذا وكذا وكذا. نقول: إن هذا غير صحيح، وإلا لما أسقط الله فريضة الصوم عن المريض في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
فإذا كان الله قد أباح للمريض أن يفطر، فكيف يأتي إنسان ويقول: إن علة فرض الصوم هي شفاء الأمراض؟ كما أن هناك بعض الأمراض لا يُسْمَح معها بالصوم.
إذن: فنحن نصوم لأن الله فرض علينا الصوم، وما دام الله قد قال فسبب التنفيذ هو أن القول صادر من الله سبحانه، ولا شيء غير ذلك، فإذا ظهرت حكمة التكليف فإنها تزيدنا إيماناً، مثلما ثبت ضرر لحم الخنزير بالنسبة للإنسان؛ لأن لحم الخنزير مليء بالميكروبات والجراثيم التي يأكلها مع القمامة، ونحن لا نمتنع عن أكل لحم الخنزير لهذا السبب، بل نمتنع عن أكله لأن الله قد أمرنا بذلك، ولو أن هذه الحكمة لم يكشف عنها الطب ما قَلَّلَ هذا من اقتناعنا بعدم أكل لحم الخنزير؛ لأننا نأخذ التكليف من الله، وليس من أي مصدر آخر.
ونعود إلى خواطرنا حول الآية الكريمة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ ، ونجد كلمة: ﴿مَا لَكُمْ﴾ تأتي حين نتعجب من حال لا يتفق مع حال، وكأن حرب المؤمنين للكفار
стр. 5878
أمر متوقع وتقتضيه الحال؛ لأن المؤمنين حين يقاتلون الكفار إنما يدخلون شيئاً من اليقين على أهل الاستقامة، فأهل الاستقامة إن لم يجدوا من يضرب على أيدي الكافرين فقد ينحرف على أيدي الكفار، فإنه بفعله هذا يربب في المؤمن إيمانه؛ لأنه يرى عدوه وهو يتلقى النكال. كأن تقول للتلميذ: ما لك تهمل في مذاكرتك وقد قَرُبَ الامتحان؟ أي: أن المفروض أنه إذا قرب الامتحان لا بد أن يجتهد الطالب في المذاكرة. فإن أهمل التلميذ عمله فنحن نتعجب من سلوكه؛ لأنه لا يتفق مع ما كان يجب أن يحدث. وبذلك نستنكر أن يحدث مثل هذا الإهمال، مثلما نستنكر ونتعجب من مريض يترك الدواء بينما هو يتألم.
ويتعجب الحق سبحانه هنا من تثاقل المؤمنين حين يُدْعَوْنَ إلى القتال؛ لأن قوة الإيمان تدعو دائماً إلى أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال، وهذا الاستعداد يخيف الكفار ويمنع عدوانهم واستهتارهم بالمؤمنين أولاً، كما أنه ثانياً يجعل المؤمنين قادرين على الرد والردع في أي وقت. ويعطي ثالثاً شيئاً من اليقين للمجتمع المؤمن عندما يرى أن هناك من يضرب على يد الكافرين إذا استهانوا بمجتمع الإيمان وحاولوا أن يستذلوا المؤمنين.
إذن: فَلِكَيْ يبقى المجتمع المؤمن قوياً وآمناً؛ لا بد أن يوجد استعداد دائم للقتال في سبيل الله ورغبة في الشهادة، وهنا يقول الحق: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله﴾ فكأن الاستعداد المستمر للقتال في سبيل الله أمر لا بد أن يوجد بالفطرة وبالعقل، فإذا ضَعُفَ هذا الاستعداد أو قَلَّ صار هذا
стр. 5879
الأمر موطناً للتعجب؛ لأن المؤمنين يعرفون أن مجتمع الكفر يتربص بهم دائماً، وعليهم أن يكونوا على استعداد دائم مستمر للمواجهة، ويستنكر الحق أن يتثاقل المؤمنون إذا دُعُوا للقتال في سبيل الله أو أن يتكاسلوا.
وقوله سبحانه: ﴿انفروا﴾ من «النفرة» وهي الخروج إلى أمر يهيج استقرار الإنسان، فحين يكون الإنسان جالساً في مكانه، قد يأتي أمر يهيجه فيقوم ليفعل ما يتناسب مع الأمر المهيج، فأنت مثلاً إذا رأيت إنساناً سيسقط في بئر، فهذا الأمر يهيجك، فتنطلق من مكانك لتجذبه بعيداً، ومنه النُّفْره التي تحدث بين الأحباب الذين يعيشون في وُدٍّ دائم، وقد يحدث بينهم أمر يُحوِّل هذا الود إلى جَفْوة.
إذن: فكلمة ﴿انفروا﴾ تدل على الخروج إلى أمر مهيج، وهو المنطق الطبيعي الذي يجب أن يكون؛ لأن عمل الكفار يهيج المؤمنين على مواجهتهم.
وقول الحق سبحانه: ﴿انفروا﴾ يدل على الاستفزاز المستمر من الكفار للمؤمنين. ويقول الحق تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم﴾ .
والثقل معناه: أن كتلة الشيء تكون زائدة على قدرة من يحمله، فإن قلت: إن هذا الشيء ثقيل فهذا يعني أن وزنه مثلاً أكبر من قوة عضلاتك فلا تستطيع أن تحمله. أما التثاقل فهو عدم موافقة الشيء لطبيعة التكوين. كأن تقول: فلان ثقيل أي أن وزنه ضخم ولا يستطيع أن يقوم من مكانه إلا بصعوبة، ولا أن يتحرك إلا بمشقة.
ولكن التثاقل معناه تكلف المشقة، أي: لك قدرة على الفعل، ولكنك تتصنع أنك غير قادر، كأن يكون هناك - على سبيل المثال - شيء وزنه رطل، ثم تدَّعي أنه ثقيل عليك ولا تستطيع أن تحمله.
стр. 5880
إذن: فقوله تعالى: ﴿اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ أي: تكلفتم الثقل بدون حقيقة، فأنتم عندكم قدرة على القتال ولكنكم تظاهرتم بأن لا قدرة لكم.
وهكذا نعرف أن الموقف يقتضي النفرة ليواجهوا الكفر؛ لأن المنهج الذي ارتضوه لأنفسهم والتزموا به يحقق السلامة والأمن والاطمئنان لهم ولغيرهم، وكأن التثاقل إلى الأرض له مقابل، فالنفرة تكون في سبيل الله، والمقابل في سبيل الشيطان أو في سبيل شهوات النفس.
لقد تحدث العلماء في المسائل التي تجعل الإنسان يُقبِلُ على المعصية، وهي النفس التي تُحدِّث الإنسان بشيء، فالإنسان يقبل على المعصية بهذين العاملين فقط. فما الفرق بين الاثنين؟ وكيف يتعرف الإنسان على ذلك؟ قال العلماء: إذا كانت النفس تُلحُّ عليك أن تفعل معصية بعينها بحيث إذا صرفتها عنها عادت تُلِحُّ عليك لاقتراف نفس المعصية لتحقق متعة عاجلة، فهذا إلحاح من النفس الأمَّارة بالسوء.
ولكن الشيطان لا يريد منك ذلك، إنه يريدك مخالفاً لمنهج الله على أي لون، فإذا استعصى عليه أن يجذبك إلى المال الحرام، فهو يزين لك شهوة النساء، فإذا فشل جاء من ناحية الخمر. إذن: فهو يريدك عاصياً بأي معصية، ولكن النفس تريدك عاصياً بنفس المعصية التي تشتهيها. وهذا هو الفرق.
وهكذا نعرف أن هناك واقعين، واقعاً يدعو المؤمنين إلى قتال الكفار الذين يفسدون منهج الله في الأرض، وواقعاً يدعوهم إلى أن يتثاقلوا عن هذا القتال، وذلك إما بسبب حب الدنيا لتحقيق شهوة النفس أو إغراء الشيطان، ولذلك يقول الحق : ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياوة الدنيا مِنَ الآخرة﴾ والرضا هو حب القلب، فيقال: فلان رَاضٍ لأنه مسرور بالحال الذي هو فيه.
стр. 5881
ومعنى تثاقل المؤمنين عن القتال في سبيل الله، أن هناك شيئاً قد غلب شيئاً آخر في داخل نفوسهم، فالرضا بالحياة الدنيا قد تغلَّبَ على حب الآخرة. ولكن المنطق الإيماني يقول: إنه إذا كان هناك أمر آخر غير الدنيا، أو حياة أخرى غير حياتنا الدنيوية، فلا بد أن نقارن بين ما تعطيه الدنيا وبين ما تعطيه الآخرة، فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية، يكون المؤمن بلا طموح وبلا ذكاء؛ لأنه رضي بمتاع قليل زائل وترك متاعاً أبدياً ممتداً بقدرة الله.
وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة، تجد أنها متغيرة متبدلة، فالصحيح يصبح مريضاً، والغني يصبح فقيراً، والقوي يصبح ضعيفاً.
إذن: فمتاع الدنيا متغير ولا عصمة لك فيه، وأنت لا تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من الضعف أو من الفقر؛ لأن هذه كلها أغيار تحكمك ولا تحكمها أنت؛ تقهرك ولا تستطيع أنت أن تقهرها. فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت لا تضمن استمراره إلى غد.
ولهذا ينبغي ألا تؤخر تنفيذ ما يكلفك به الله؛ لأنك الآن تستطيع أن تؤديه، لكن أنت لا تضمن إن كنت قادراً غداً أم لا. كذلك لا تأخذ التكليف على أنه قد يسلبك حريتك أو مالك، بل هو يسلبك ويعطيك في نفس الوقت. فإذا أمر الله سبحانه بأن تُخرِجَ الزكاة، قد تعتقد أن هذا يُنقصُ مالك، أو تقول: هذه غرامة. نقول: إن هذا في ظاهر الأمر قد
стр. 5882
يكون صحيحاً، ولكنه سبحانه يأخذ منك هذا المال فيزيده لك ويُنميه فإذا بالجنيه الواحد قد تضاعف إلى سبعمائة مِثْل، ثم تضاعف إلى ما شاء الله، كما أن هذا الحكم الذي يأخذ منك الآن وأنت غني، هو بذاته الذي سوف يعطيك إن افتقرتَ ولجأت إلى الناس. فإذا كان الحكم الذي سيأخذ هو الذي سيعطي تكون هذه عدالة وتأميناً ضد الأغيار، وعليك أن تقارن الصفقة النفعية بمقابلها، وساعةَ تعطي أنت الذي لا يملك، لا بد أن تتذكر أنه قد يأتي عليك يَوْمٌ لا تملك فيه.
وكلمة دنيا بالنسبة لحياتنا أعطتنا الوصف الطبيعي الذي ينطبق عليها؛ لأن «الدنيا» مقابلها «العليا» . والحياة العليا تكون في الآخرة. فإذا كانت هذه هي الحياة الدنيا. فلماذا تربط نفسك بالأدنى إلا أن يكون ذلك خَوَراً في العزيمة؟
والمثال للقوة الإيمانية هو: سيدنا عمر بن عبد العزيز ﵁، وكان قبل أن يصبح خليفة المؤمنين يرتدي أفخر الثياب ويتعطر بأجمل العطور، وكان الناس يدفعون أموالاً لمن يغسل ثياب عمر بن عبد العزيز ليدخلوا ثيابهم مع ثيابه حتى تمتلئ عطراً. وذلك من غزارة وجود العطر الذي كان يضعه عمر بن عبد العزيز على ثيابه فتخرج كل الثياب مليئة بالعطر. وعندما أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة، كانوا يأتونه بالثوب الخشن الذي كان يرفض ارتداءه قبل الخلافة، فيرفضه ويقول: هاتوا أخشن منه، وامتنع عن العطر، أي: أن معاييره قد تغيرت وليس في هذا أدنى تناقض، بل هو علو في الحياة، ولذلك قال: اشتاقت نفسي إلى الإمارة فقلت لها: اقعدي يا نفْسُ، فلما نلْتُهَا اشتاقت نفسي إلى الخلافة فنهيتها عن ذلك، فلما نلْتُها؛ أي نال الخلاَفة، اشتاقت نفسي إلى الجنة فسلكتُ كل طريق يؤدي إليها.
стр. 5883
وهكذا نعرف أن سلوكه ﵁ لم يكن في تناقض بل تعلية للصفقة الإيمانية. كان دائماً في علو يريد أن يواصله، فقد اشتاق أولاً إلى الإمارة، فلما تحققت أراد أن يعلو فاشتاق للخلافة، فلما تحققتْ أراد أن يعلوَ فاشتاق إلى الجنة، إذن: فهو دائماً في عُلُوٍّ.
وأقول: ليس في سلوكه أدنى تناقض؛ لأن علماء النفس يفسرون التناقض في السلوك البشري على أنه اختلاف في المقارنة، فالإنسان يقارن بشيء ثم يقارن بشيء آخر وهكذا؛ لأن كل شيء في الدنيا نسبي. ومعنى النسبية أن ينسب الشيء لما حوله، فإذا قلت: إنني أسكن فوق فلان، فأنت في نفس الوقت تسكن تحت فلان الذي يعيش في الطابق الذي يعلوك.
إذن: فأنت فوق فلان وتحت فلان في نفس الوقت، فلا تأخذ نقطة وتغفل عن الأخرى، وهذا اسمه «معنى إضافي» أي: أن المعاني لا تتحقق بذاتها، ولكن بالنسبة إلى شيء تقاس به، وكذلك المقاييس بين الأشياء يجب أن نقيسها بالأمور التي تُصعد لك القيمة. فأنت إذا نظرت إلى الدنيا؛ تجد أن الحق سبحانه أسماها: دُنْيا ولم يجد اسماً أقلَّ من هذا ليسميها به، لماذا؟ لأنك تتنعم في الدنيا على قدر وجودك فيها، أي على قدر عمرك، وهو مهما زاد وطال فهو سنوات معدودة، وقد يكون متاعك منها حتى سنِّ الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين. أو أكثر من ذلك أو أقل. ومتاعك فيها بما تحققه قدراتك، فالذي عنده ألف جنيه يتمتع على قدرها، والذي عنده عدة ألوف متاعه على قدرها، وصاحب الملايين متاعه أكبر.
إذن: فكل واحد يتمتع بقدر ما عنده من مال. وحتى إن وصل الإنسان إلى أعلى متاع في الدنيا؛ متاع صاحب الملايين، فهذه الملايين إما أن تزول عن صاحبها، وإما أن يترك هو هذه الملايين بالموت. وهذه تتحقق وهذه تتحقق. إذن: فنعمة الدنيا إما أن تنخلع منك أو تنخلع أنت منها.
стр. 5884
فإذا جئتَ إلى المقابل وهو الآخرة تجد أن النعيم فيها دائم لا يزول عنك، وأنت خالد لا تزول عن النعمة بالفناء أو الموت، وأنت لا تتمتع في الآخرة بقدراتك أنت، بل بقدرة الله سبحانه. فكأن المتاع أكبر كثيراً من قدرتك، وأعلى كثيراً من كل ما تستطيع أن تحققه. فمثلاً: إن كان معك ريال وجاءك رجل فقير فأعطيته له ليأكل به، تكون في ظاهر الأمر قد آثرتَ الفقير على نفسك؛ لأنك أعطيته كل ما تملك ليأكل به وحرمت نفسك منه، ولكنك في الحقيقة فضَّلْتَ نفسك على الفقير؛ لأنك أعطيته هذا الريال ليكون عند الله عشرة إلى سبعمائة ضعف، فمَنْ منكما الذي استفاد؟ ومَنْ منكما الذي انتفع؟ إنه أنت.
ولذلك نجد أن الدين الصحيح ضد الأنانية الحمقاء، ويُعْلي فيك الأنانية العاقلة بأن يجعلك تحب نفسك حباً أعلى. فأنت حين تتصدق تحب نفسك، ولذلك تريد أن تعطيها الأعلى والأنفع. فظاهر الأمر أنك أعطيت، وفي حقيقته أنك قد أخذت. وأنت حين تعطي إنساناً مساوياً لك كأن تقدم له هدية في مناسبة معينة، تنتظر أن يرد إليك الهدية بمثلها في مناسبة أخرى. إذن: فالعطاء مُتَساوٍ، وقد يرد هذا الإنسان الهدية، وقد لا يردها. وقد ينوي ردها ولكن تصادفه ظروف لا تُمكِّنه من أن يردها لك. لكن الحق سبحانه يقول: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ... ﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
إذن: فحينما تعطي ابتغاء وجه الله فأنت لا تحصل على عطاء مُسَاوٍ لما أعطيت. لكنك تحصل على عطاء مضاعف أضعافاً مضاعفة. والذي يعطيك الثواب هو الله دائم الوجود، ولن ينفد عطاؤه لك؛ لأنه دائم القدرة، ولن يأتي عليه وقت يكون غير قادر على أن يرد
стр. 5885
لك ما أعطيت؛ لأن عنده كنوز السماوات والأرض؛ وهو سبحانه قادر على أن يضاعف لك مهما كانت قيمة عطائك. فإن فضَّلْتَ الحياة الدنيا على الآخرة، فأنت تقيس بمقاييس الكمال عندك وهي مقاييس ساقطة وهابطة، ولو كنت تملك المقياس الصحيح لعرفتَ أن الذي يحقق لك النفع الأكبر هو أن تعطي وتعمل طلباً للآخرة وليس للدنيا. ولذلك فالحق سبحانه يقول هنا: ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياوة الدنيا مِنَ الآخرة﴾ أي: أنكم أردتم الحياة الدنيا بدل الآخرة. وهذه مقارنة غير عاقلة وغير حكيمة.
وكلمة ﴿مِنَ﴾ تدل على البدل في قوله: ﴿بالحياوة الدنيا﴾ ومادة البدل والاستبدال البيع والشراء، ونعرف أن الباء تدخل على المتروك، فأنت تقول: اشتريت الشيء بكذا درهم، أي: تركت الدراهم مقابل شرائك الشيء، كأن هؤلاء الراضين بالحياة الدنيا قد أخذوا الدنيا بدلاً من الآخرة، وهذه صفقة تخلو من العقل والحكمة.
وبعد أن استنكر الله على المؤمنين أن يرضوا بالحياة الدنيا ويتركوا الآخرة يقول سبحانه: ﴿فَمَا مَتَاعُ الحياوة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ والمتاع: هو ما يستمتع به. والإنسان لا يستطيع أن يوقن أنه سيستمتع بالحياة، وهذا أمر مطعون فيه، فليس كل كائن حي مستمتعاً بالحياة، هناك أشقياء وهناك تعساء، وهناك مَنْ يُدريهم ماذا يحمل المستقبل لهم؟ ألا يمكن أن يكون استمتاعهم هذا وقتياً؟ ألا يمكن أن يأتيهم ظرف من الظروف؛ أو قدر من الأقدار يملأ حياتهم بالشقاء؟
إننا نجد العقلاء - حين يرون في نعمة الله عليهم ما يكدر حياتهم - يشكرون الله، بينما نجد الإنسان السطحي التفكير والفهم يستاء وينفعل ويزيد الموقف معاناة.
العاقل - إذن - يعرف أن الإنسان يعيش في دنيا أغيار، ومعنى أننا نعيش في دنيا أغيار أنه تأتي أحداث تنقلنا من حال إلى حال، أي من الغنى إلى الفقر. أو من الصحة إلى المرض إلى غير ذلك من أحوال الدنيا المتقلبة المتغيرة، ففي الدنيا لا يدوم حال، وما دامت الدنيا أغياراً؛ فأحوال الناس تتغير فيها دائماً.
وهَبْ أن إنساناً وصل إلى القمة التي لا يوجد أعلى منها. نقول له: لا داعي أن يأخذك الفرح والكبر والخيلاء، ولا تنس أنك تعيش في دنيا
следующие страницы →