Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
أما إن كنت تحب من جاء يعطيك هدية أكثر ممن جاء يسألك تكون من أهل الدنيا؛ لأنه معطي الهدية يزيدك في دنياك. وما دُمْتَ تفرح بذلك أكثر من فرحك بالذي يزيد آخرتك فأنت من أهل الدنيا.
ويقال: إن فلاناً أحسن الله خاتمته لأنهم دخلوا عليه لحظة الموت فوجدوا وجهه أبيض وملامحه سمحة مستريحة. نقول: إن هذا صحيح، فهذه لحظة لا يكذب الإنسان فيها على نفسه. ونحن نعلم أن الإنسان حين يشتد عليه المرض فهو يتشبث بالأمل في أن ينال الشفاء على يد طبيب بارع. لكن الأمر يختلف ساعة الاحتضار حين يعلم الإنسان أن الموت يتخلله وأنه ميت لا محالة، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: ٨٣]
ويرى ما كان محجوباً عنه في الدنيا. حينئذ يستعرض أعماله. فإنْ رأى شريط الحياة حُلْواً منيراً، ابتسم وانفرجتْ أساريره فيُقبَضُ على هذا الوضع. أما من امتلأت حياته بالسوء والمعاصي فوجهه يسوَدّ وتنقبض أساريره فيُقبض على هذا الوضع. وهذا ما نسميه الخاتمة، فلحظة الاحتضار فيها يقين بالموت، تماماً كساعة الامتحان حيث تجد التلميذ الخائب مصفر الوجه مرتعداً ومتشنجاً، أما التلميذ المجتهد فيكون مُبتسماً مُنْفرجَ الأسارير.
وفي ساعة الاحتضار يخلو الذهن من أي شيء إلا صحيفة عمله، فهي التي تبقى وفي بؤرة شعوره، وبؤرة الشعور هي المكان الذي إن استقر فيه شيء فإنه لا يُنسَى أبداً. فإذا عرف طالب قبل الامتحان بفترة قصيرة،
стр. 5987
أن هناك سؤالاً سيأتي في جزء معين من الكتاب وأمسك هذا الجزء وقرأه مرة واحدة تجد أنه وهو يقرؤه لا يفكر في شيء آخر غيره، ومجرد قراءته مرة تجعله يجيب الإجابة المتميزة؛ لأن بؤرة الشعور مثل آلة التصوير، تأخذ صورة ما ترى مرة واحدة.
إذن: فساعة الالتقاط هذه حيث لا شيء يشغل الذهن، تجد أن الشعور لا يتسع إلا لخاطر واحد، فلا يأتي خاطر إليها إلا إذا تزحزح الخاطر الأول عنها.
ولذلك إذا سمعتَ شيئاً وحفظتَهُ من أول مرة، فهذا دليل على أن بؤرة شعورك كانت خالية ومستعدة ساعة التقاط هذا الشيء. كذلك عند الموت ساعة الاحتضار لا يجد الميت في بؤرة شعوره خاطراً آخر يناقض أو يزاحم أمر الآخرة، فإن كانت حياته خيِّرة أشرق وجهه وانفرجت أساريره، وإن كانت حياته سيئة انقبضت أساريره واسودَّ وجهه والعياذ بالله.
وقوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ يعطينا معنيين: المعنى الأول: أن النعمة تظل معهم تلهيهم عن الله حتى تأتي ساعة الموت. والمعنى الثاني: أن ساعة الموت تكون شاقة وصعبة على الكافر والمنافق؛ لأنه يترك الأموال والأولاد ويذهب إلى العذاب.
ثم يقول الحق : ﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ ... ﴾
стр. 5988
لماذا أتى الله بهذه الآية بعد أن حذرنا من أن نُعجَبَ بأموال المنافقين وأولادهم؟ لأن هذه ليست نعمة لهم ولكنها نقمة عليهم، وأراد الحق
стр. 5989
سبحانه وتعالى أن يشحننا ضد المنافقين وأن يجعلنا نحذر منهم كل الحذر، ويضرب لنا المثل باليمين، واليمين لا ينطق بها الإنسان عادة إلا بعد شبهة إنكار. فإذا جئت لإنسان بخبر وصدَّقه فأنت لا تضطر لأن تحلف له. ولكن إذا أنكره فأنت تحلف لتزيل شبهة الإنكار من نفسه، ولذلك فأنت حين تروي الخبر لأول مرة لا تحلف، فإن أنكره سامعك حلفْتَ.
ولكن لماذا يحلف المنافقون دون سابق إنكار؟
إنهم يسمعون القرآن الذي ينزل من السماء مملوءاً بالغضب عليهم، وهم يشعرون في داخل صدورهم أن كل مسلم في قلبه شك من ناحية تصرفاتهم، فيبدأون كلامهم بالحلف حتى يصدِّقهم المؤمنون، والمؤمنون قد متَّعهم الله بمناعة إيمانية، في صدورهم؛ فلا يصدقون ما يقوله المنافقون، حتى يأخذوا حِذْرهم ويكونوا بمنجاة مما يدبره هؤلاء المنافقون من أذى، ولذلك حذر المؤمنين من تصديق كلام المنافقين حتى ولو حلفوا.
ولو لم يُعط الله المؤمنين هذه المناعة الإيمانية لصدَّقوا قول المنافقين بقداسة اليمين. وبماذا حلف المنافقون؟ لقد حلفوا بأنهم من المؤمنين والحقيقة أنهم في مظاهر التشريع يفعلون كما يفعل المؤمنون، ولكن قلوبهم ليس فيها يقين أو صدق.
وما داموا على غير يقين وغير صدق، فلماذا يحلفون؟ نقول: إن هذا هو تناقض الذات، وأنت تجد المؤمن غيرَ متناقض مع نفسه؛ لأنه مؤمن بقلبه ومؤمن بذاته، ومؤمن بجوارحه، ولا توجد مَلَكَاتٌ تتناقض فيه،
стр. 5990
والكافر أيضاً غير متناقض مع نفسه؛ لأنه يعلن صراحة أنه لا يؤمن بالله ولا برسوله، فليس هناك تناقض بين ظاهره وباطنه، صحيح أن فيه ملكة واحدة، ولكنها فاسدة، ولكن ليس فيه تناقض بين ما يفعله ظاهراً وما في قلبه.
أما المنافق فتتناقض ملكاته. فهو يقول بلسانه: «أنا مؤمن وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» . لكن قلبه يناقض ما يقوله، فلا يشهد بوحدانية الألوهية لله، ولا يصدق رسالة رسوله ﷺ َ.
ولذلك يقول الحق في سورة «المنافقون» : ﴿إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]
كيف يقول الحق ﴿إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ ، مع أنهم شهدوا بما شهد به الله، وهو أن محمداً ﷺ َ رسول الله؟ نقول: إن الحق أراد أن يفضحهم، فهم قد شهدوا بألسنتهم فقط ولكن قلوبهم منكرة. وفضح الله ما في قلوبهم وأوضح أن ألسنتهم تكذب؛ لأنها لا تنقل صدق ما في قلوبهم.
إذن: فالمنافق يعيش في تناقض مع نفسه، وهو شر من الكافر؛ لأن الكافر يعلن عداءه للدين فهو عدو ظاهر لك فتأخذ حذرك منه. أما المنافق فهو يتظاهر بالإيمان، فتأمن له ويكون إيذاؤه أكبر، وقدرته على الغَدْرِ أشد. ولذلك قال الحق : ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار. .﴾ [النساء: ١٤٥]
стр. 5991
ونحن نعلم أن تناقض الذات هو الذي يتعب الدنيا كلها، ويبين لنا المتنبي هذه القضية، ويشرح كيف أنها أتعبُ شيء في الوجود، فيقول:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيا علَى الحرِّ أنْ يَرَى ... عَدوّا له مَا مِنْ صَداقتِه بُدُّ
هذا هو تناقض الملكَاتِ حين تجد عدواً لك، وتحكم عليك الظروف أن تصادقه. وفي ذلك يقول شاعر آخر:
عَلَى الذَّمِّ بِتْناَ مُجْمِعينَ وحالُنَا ... مِنَ الخوْفِ حَالُ المجْمِعين عَلىَ الحمْدِ
وشاعر ثالث يريد أن يصور التناقض في المجتمع الذي يجعل الناس يمجدون هذا وهم كارهون له، فيقول:
كَفَانَا هَواناً مِنْ تناقُضِ ذَاتِنا ... متى تَصْدُق الأقوالُ بالألسُنِ الخُوَّفِ
إذن: فالمنافقون يحلفون بألسنتهم بأنهم من المؤمنين، وهم كذلك في ظاهر التشريع، ولكنهم ليسوا منكم في حقيقتهم، فهم في قلوبهم ليسوا منكم.
ويكمل الحق الصورة بقوله:
﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ والفَرَق معناه: الخوف، أي أنهم في فزع دائم، ويخافون أن يُفتضَحَ أمرهم فيعزلهم مجتمع الإسلام ويحاربهم محاربته للكفار. ويشرِّدهم ويأخذ
стр. 5992
أموالهم ويَسْبي نساءهم وأولادهم. إذن: فالخوف هو الذي جعلهم يحلفون كذباً وخوفاً من افتضاح أمرهم؛ ولذلك قال الحق لرسوله ﷺ َ عنهم: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول ... ﴾ [محمد: ٣٠]
وفي هذا القول دعوة لفحص ما يقوله أهل النفاق، حتى وإنْ بَدا القول على ألسنتهم جميلاً.
ثم يقول الحق جل وعلا: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً. .﴾
стр. 5993
والملجأ: هو ما نلجأ إليه ليحمينا من الأذى مثل الحصون، وكذلك المغارة وهي الكهف في الجبل. والمدَّخَل: هو شيء يشبه النفق تحت الأرض تدخل فيه بمشقة والتواء، إذن: فهناك ثلاثة ملاجئ يفِرُّون إليها إنْ وُجدوا في المعركة؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وهم يتمنَّوْن الذهاب إلى مكان بعيد؛ ليسبُّوا الإسلام على ما هم فيه من مشقة القتال، وهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك أمام المسلمين؛ لذلك تجدهم في حالة بحث عن مكان لا يسمعهم فيه أحد.
стр. 5994
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مغارات أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ فالكلام إذن عن المنافقين الذين ذكر الحق أوصافهم، وعهودهم التي نقضوها، وحَلِفهم كذباً، وما يعيشه كل منهم من تناقض مَلَكاته، ذلك التناقض الذي يورثه الشقاء؛ لأن كل واحد منهم يُظْهِرُ غير ما يبطن ويخاف من انكشاف أمره. فيظل مضطرباً لأن ما بداخله يتناقض مع واقع حياته.
إن هذه الحالة هي عكس حالة المؤمن الذي يعيش حياة منسجمة؛ لأن ما في قلبه هو ما يحكيه لسانه، فضلاً عن انسجامه بالإيمان مع الكون الذي يعيش فيه، وكذلك فحالة المنافق تختلف عن حالة الكفر، فالكافر قد أعلن الكفر الذي في قلبه بلسانه. أما المنافق فله قلب يكفر ولسان ينطق كذباً بالإيمان. ولذلك فهو في تعب مستمر من أن ينكشف أمره، أو يعرف المؤمنون ما في قلبه؛ لأنه يُكِنّ الحقد لمنهج الله وإن كان يعلن الحب ظاهراً.
والإنسان إذا اضطر أن يمدح من يعاديه وأن يتظاهر له بالحب، فإن هذا السلوك يمثل ثقلاً نفسياً رهيباً يحمله على ظهره، وهكذا نرى أن المنافقين يُتعبون أنفسهم قبل أن يُتعبوا المجتمع، تماماً كالرجل البخيل الذي يتظاهر بأنه كريم، وكلما أنفق قرشاً ليؤكد هذا التظاهر فإن هذا القرش يذبحه في نفسه ويسبب له آلاماً رهيبة. وحتى يرتاح الإنسان مع الدنيا لا بد أن يرتاح مع نفسه أولاً ويتوافق مع نفسه.
ومن هنا نجد المنافقين حين يريدون أن يُنفِّثوا عما في صدورهم، فهم يَختَلُّون ببعضهم بعضاً بعيداً عن أعين وآذان المسلمين؛ ليُظهروا ما في نفوسهم من حقد وغِلّ وكراهية لهذا الدين، ويبحثون عن ملجأ يكونون آمنين فيه، أو مغارة في الجبل بعيداً عن الناس حتى لا يسمعهم أحد،
стр. 5995
أو مُدَّخلاً وهو المكان الضيق الذي لا تستطيع أن تدخل فيه إلا بصعوبة. هم إذن يبحثون عن مكان يغيبون فيه عن سمع المؤمنين وأنظارهم ليُخرِجوا الكراهية المحبوسة في صدورهم، ولذلك يقول الحق :
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مغارات أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ و ﴿وَلَّوْاْ﴾ أي: انطلقوا إليه وقد شغلهم الإسراع للذهاب إلى المكان عن أي شيء آخر، ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ والجماح هو أن تفقد السيطرة على الفرس الذي تركبه، فلا تقدر على كَبْح جماحه أو التحكم فيه، فينطلق بسرعة، وحين يقال هذا عن الإنسان فهو يعني الانطلاق بسرعة إلى المكان الذي يقصد إليه ولا يستطيع أحدٌ منعه، وإنْ تعرض له أحد دفعه بعيداً لينطلق في طريقه بسرعة.
والآية هنا تعطينا صورة دقيقة لحالة المنافقين في أي معركة. فبمجرد بَدْءِ القتال تجدهم لا يتجهون إلى الحرب، ولا إلى منازلة العدو، ولا يطلبون الاستشهاد، ولكنهم في هذه اللحظة التي يبدأ فيها القتال يبحثون عن مكان آمن يهربون إليه، أو مغارة يختبئون فيها، أو مُدَّخل في الأرض ينحشرون فيه بصعوبة ليحميهم من القتال. فإذا انتهت المعركة خرجوا لينضموا إلى صفوف المسلمين، ذلك أنهم لا يؤمنون. فكيف يقاتلون في سبيل دين لا يؤمنون به؟ ولذلك كنت تجدهم في المدينة إذا نودي للجهاد فهم أول من يحاول الهروب ويذهبون للقاء النبي ﷺ َ طالبين التخلف عن المعركة، ويقول الواحد منهم: ﴿ائذن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ... ﴾ [التوبة: ٤٩]
стр. 5996
وفي الصدقة يحاولون التشكيك في توزيع الصدقة وكيف يتم؛ فيقول الحق عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ... ﴾
стр. 5997
وإذا جلسوا مع بعضهم البعض تجدهم يحاولون النَّيْل من رسول الله ﷺ َ بغرض إيذائه ولمزه، ويقول الله عنهم: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١]
هذه بعض صفات المنافقين التي يفضحهم الله بها بكشفها للمؤمنين. وقد جاء الحق سبحانه لنا بمزيد من الكشف لقبائحهم وفضائحهم. فقال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]
كلنا أيضاً نقرأ قول الله سبحانه: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]
فما هي الهُمَزة وما هي اللُّمَزة؟
стр. 5998
«الهمزة» : هو من يعيب في الآخرين عيباً خفياً ويسخر منهم خفية، ويكون ذلك بإشارة من عينه أو بأي حركة من جوارحه، ومثال هذا: حين تكون هناك مجموعة من الناس جالسين، ويحاول أحدهم النَّيْل من أحد الحضور خفية، فيغمز بطرف عينه لإنسان آخر، أو يكون باللسان هَمْساً في أذن إنسان أو بأي طريقة أخرى، المهم أن يُشَار إلى العيب بطريقة خفية لا يلحظها معظم الحاضرين.
أما اللُّمَزة العيَّابون في غيرهم في حضورهم. فهناك القوي الذي يكشف العيوبَ بشجاعة وصراحة وهو اللَّماز، أما الضعيف فهو يعيب خفية وهو الهمَّاز. واللمزة تطلق على من يعيب كثيراً في الناس.
وهمزة لمزة، من صيغة المبالغة «فُعَلَة» وتدل على كثرة فعل الشيء. فتقول «فلان أكَلة» - بضمة على الألف - أي: يأكل كثيراً. وفلان ضُحَكة - بضمة على الضاد - أي: كثير الضحك.
إذن: فاللّمزة هي كثرة العيب في الغير، وهي تدل على ضعف من يقول بها، ولو لم يكن ضعيفاً لقال ما يريد بصراحة.
والحق يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ واللمز كما عرفنا هو البحث عن العيب، وهو هنا مظروف في شيء هو الصدقات. وكان بعض من المنافقين يغتابون تشريع الصدقة، وكانوا يعيبون أن يتعب الغني ويشقى في الحصول على المال ثم يأخذ الفقير المال بلا تعب، فهل يعيبون التشريع نفسه؟ أم يعيبون كمية الصدقات المفروضة عليهم ويرونها كثيرة؟ أم يعيبون حثَّ الله للناس على الصدقة؟ أم يعيبون الطريقة التي يتم
стр. 5999
بها صرف الصدقة للفقراء، وأن بعضهم يُعطَى كثيراً وبعضهم يُعْطى قليلاً؟ لقد كانوا يعيبون في كل الأمور أو بعضها.
إذن: فاللمز إما أن يكون في التشريع، وإما أن يكون في كمية الصدقات أو في طريقة الصرف، والحادثة التي وقعت ونزلت فيها هذه الآية الكريمة كانت في مصارف الصدقة، فقد قام حرقوص بن زهير، وهو رأس الخوارج، وهو ابن ذي الخويصرة، وقال: اعدل يا محمد.
فقال رسول الله ﷺ َ: ويلك! ومَنْ يعدل إنْ لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله إئذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ َ:
«دعه، فإنه له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. يُنظَر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنْظر إلى نَضيِّه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر في قُذَذِه فلا يوجد فيه شيء. سبق الفرْثَ والدم. آيتُهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة. أو مثل البضعة تَدرْدَرُ، يخرجون على حين فُرْقة من الناس»
стр. 6000
قال أبو سعيد الخدري: فأشهد أنِّي سمعت هذا من رسول الله ﷺ َ، وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل - أي الرجل الأسود - فالتُمس فوُجد فأتِي به، حتى نظرتُ إليه على نَعْتِ رسول الله ﷺ َ الذي نعت.
ويقول الحق سبحانه موضحاً حال هؤلاء ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي: أن هؤلاء الناس إن أعْطوا من الصدقة كانوا راضين مهلِّلين، وإن لم يُعْطَوْا منها ملأ قلوبهم السخط، وبدأوا باللَّمْز. إذن: فالكمية المعطاة لهم من الصدقة كانت هي أساس اللمز.
ومثل هذا قد حدث في غزوة حنين. فقد وزع رسول الله ﷺ َ الغنائم على قريش وأهل مكة، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً.
فلما لم يُدخل ﷺ َ الأنصار في هذه القسمة، استاء بعضهم من ذلك، فجمعهم رسول الله ﷺ َ وقال لهم:
«ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله؟ المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو سلك الناس شِعْباً وسلك الأنصار شِعْباً لسلكتُ شِعْبَ الأنصار» وهنا بكى الأنصار، وعرفوا أنهم سيعودون بما هو أكبر كثيراً من الغنائم؛ سيعودون بصحبة رسول الله ﷺ َ. وقد يعطي رسول الله صلى الله عليه حَديثَ عَهْدٍ بالإسلام شيئاً من الصدقة ليربطه بهذا الدين، وقد يعطى لتأليف القلوب، وقد يعطي لفقير تأبى عزة نفسه أن يعترف أمام الناس بحاجته.
стр. 6001
ولذلك كانت لرسول الله ﷺ َ ملاحظة في توزيع الصدقات والغنائم، قد لا يلحظها أحد. وكان الواجب على المسلمين أن يقبلوا عمل رسول الله ﷺ َ؛ لأن سلوكه هو الحكم، ولا بد أن نقبله.
ففي الحديبية مثلاً حيث حدث عهد بين رسول الله صلى الله عليه وبين كفار قريش بألا يتعرض أحد منهم للآخر مدة عشرة أعوام، هذا الصلح أثار غضب عدد من المؤمنين وقالوا لرسول الله ﷺ َ: أنرضى بالدنية في ديننا؟ أي: كيف نعطيهم هذه العهود وهي مجحفة بالنسبة لنا؟ حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ انفعل وأراد أن يقسو في الكلام وقال لرسول الله ﵊ ُ: ألستَ على حق يا رسول الله؟ فقال أبو بكر: الزم غرزك يا عمر - أي اعرف مكانك - إنه رسول الله. وبعد أن مرت فترة من الزمن وعرف المسلمون الحكمة من صلح الحديبية، وما أتاحه هذا الصلح للإسلام من انتشار وقوة أدت إلى فتح مكة، قال أبو بكر ﵁: ما كان نصر في الإسلام أعظم من نصر الحديبية.
стр. 6002
ولكن المسلمين في هذا الوقت لم يُحِطْ فكرهم بما بين محمد وربه؛ لأن العباد دائماً يعجَلُون، والله لا يعجل عجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.
وقد أراد الحق أن يُهدِّئ نفوس المؤمنين، وقبل أن يصلوا إلى المدينة عائدين بعد صلح الحديبية، نزل قوله تعالى: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]
وهكذا أطلع الله المؤمنين على عِلَّة قبول صلح الحديبية وعدم القتال مع المشركين في هذا الوقت وذلك المكان، فقد كان هناك مؤمنون في مكة يكتمون إيمانهم ويعيشون في مجتمع المشركين الذين يمكنهم البطش بهؤلاء المسلمين لو علموا بوجودهم. كما أن المسلمين القادمين مع رسول الله ﷺ َ لا يعرفون هؤلاء المؤمنين، فإذا قامت المعركة فقد يقتل المسلم مسلماً، لأن الذين قدموا من المدينة لو دخلوا مع أهل مكة في قتال فقد يقتلون بعضاً من إخوانهم في الإيمان الموجودين في مكة، فهم لا يعرفونهم. ولو كان المؤمنون في ناحية والكفار في ناحية لعذَّب الحقُّ الكفار بأيدي المؤمنين عذاباً أليماً.
إذن: فقد علم رسول الله من ربه سراً ولم يُعْلِنْه إلا لوقته، رغم تعجُّل من كانوا معه ﷺ َ.
стр. 6003
ومثل هذا يحدث في حياتنا، قد نجد مؤمناً يدعو الله ولا تجاب دعوته وعلى هذا المؤمن ألا يحزن، بل عليه أن يعلم أنه قد يكون في عدم الإجابة خير لا يعلمه. وأن من رحمة الله أنه يُجبْ هذه الدعوة، مثلما تحمي ابنك الشاب من أن يحمل سلاحاً؛ خوفاً من أن يتهور في أي مشاجرة ويقتل أحداً، رغم أن السلاح معه حمتية له، ولكنه أسلوب حماية قد يحمل الضرر، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
وحين تدعو الله ولا يجيب دعاءك، فَثِقْ أنه سبحانه يحميك من نفسك؛ لأنك لا تعلم والله يعلَم. فقد تدعو بشيء تحسبُه خيراً والله سبحانك يعلم أنه شر. إذن: فعدم إجابة هذه الدعوة هو عين الإجابة لها.
الحق يقول:
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾
والسخط هو: عدم الرضا في القلب، ثم يتعدى ذلك إلى اللسان، مثلما قال حرقوص بن زهير لرسول الله ﷺ َ: اعدل يا محمد. أي: أنه سخط بقلبه أولاً، ثم أساء بلسانه ثانياً.
وساعة يعرض الحق سبحانه لنا الداء في المجتمع الإيماني فهو جل وعلا يعطي الدواء الذي يحمي المجتمع من هذا الداء، وهؤلاء الناس كانوا
стр. 6004
يعيبون تشريع الصدقة، رغم أنهم إنْ أعطوا منها رضوا، وإن لم يُعطوا سخطوا، إذن: فموازينهم مُختلة، وليست موازين حق ثابت، بل هي موازين هوى النفس، لكن موازين الحق لا تتبع ولا تتوقف على هوى النفس، بل هي موازين ثابتة يعدل فيها الإنسان حتى مع ألدِّ أعدائه.
ولكن هؤلاء الناس تختلف انفعالاتهم باختلاف مصلحتهم، إذا أَخَذُوا رضُوا، وإذا مُنِعُوا سخِطوا؛ لأن ميزانهم هو المصلحة الخاصة البعيدة عن كل عدل.
وهنا يأتي الحق بالعلاج فيقول ﷻ : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ الله ... ﴾
стр. 6005
كيف يقول الحق : ﴿مَآ آتَاهُمُ﴾ مع أنهم لم يأخذوا شيئاً، بل إنهم قد سخطوا؛ لأنهم لم يأخذوا شيئاً.
نقول: إن الله يريد أن يلفتهم إلى أن له عطاء في المنح وعطاء في المنع. فعطاء الحق سبحانه لمن أخذ، وحرمان الحق سبحانه للبعض، كل ذلك فيه عطاء من الحق جل وعلا، ولكن الناس لا يلتفتون إلى ذلك. ورسول الله ﷺ َ حين منع الغنائم عن الأنصار في حنين أخذوا المعية مع رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا أكبر وأسْمَى من الغنائم، وقال لهم رسول الله ﷺ َ:
стр. 6006
«المحيا محياكم، والممات مماتكم. لو سلك الناس شِعْباً وسلك الأنصار شِعْباً لَسلكْتُ شِعْب الأنصار»
وبذلك أخذوا ما هو أكبر وأهم وأعظم من الغنائم. إذن فقد يكون في المنع إيتاء.
الحق يقول: ﴿مَآ آتَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ وهو المشرِّع، والرسول ﵊ ُ هو المبلِّغ والمنفِّذ، فإذا ما رَضُوا بقسمة الله، فالرِّضاء عمل قلبي كان عليهم أن يترجموه بكلام نزوعي هو: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله﴾ فكأن الرضا عمل القلب، والتعبير عن الرضا عمل اللسان، وما داموا قد احتسبوا الأمر عند الله، فالله هو الذي يرعى، وفي عطائه خير وفي منعه خير. ولذلك نجد الطيبين من الناس إن غُلِبُوا على أمرهم يقولون: إن لنا رباً، أي: إياك أن تفهم أنك حينَ منعتني أو أخذت حقي بأن اعتديت عليّ ستمضي بهذا الفعل دون عقاب؛ لأن لي رباً يغار عليّ، وسبحانه سيعوِّضني أكثر مما أخذت، ويجعل ما أخذته مني قَسْراً؛ نقمة عليك.
ولذلك فأهم ما يجب أن يحرص عليه المؤمن ليس هو الصلة بالنعمة ولكن الصلة بالمنعم. وفي أن الله هو القادر على أن يعوِّض أي شيء يفوت.
ويوضح لنا سبحانه الصورة أكثر فيقول: ﴿سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ﴾ أي سيعوضنا عنها بخير منها. وعطاء الله دائماً فضل؛ لأنه يعطي الإنسان قبل أن يكون قادراً على عبادته، حتى وهو في بطن أمه لا يقدر على شيء، فإذا كنت في الدنيا قد فكرت بالعقل الذي خلقك لك الله، وعملت بالطاقة
стр. 6007
التي خلقها لك الله، وفي الأرض التي خلقها الله، فإنك في بطن أمك لم تكن قادراً على أي شيء. وحين تخرج وتنمو وتكبر فأنت تحيا في كون مليء بنعم الله، لم تخلق فيه شيئاً، ولم تُوجد فيه خيراً. وإنما جئت إلى الكون وهو كامل النعم، فلا أنت أوجدت الأرض ولا صنعتَ الشمس، بل إن نعمة واحدة من نعم الله، فلا أنت أوجدت الأرض ولا صنعتَ الشمس، بل إن نعمة واحدة من نعم الله، وهي المطر؛ إن توقفت هلك كل من في الأرض.
ونلمس أثر ذلك حين تأتي مواسم الجفاف في أي منطقة من العالم، ونرى كيف يهلك كل شيء؛ الزرع والإنسان والحيوان.
والحق قد خلقنا في عالم أغيار، فالقادر اليوم قد يصبح غير قادر غداً، والصحيح اليوم قد يصبح مريضاً معلولاً غداً، والقوي يضعف، حتى نعرف أن ما نملكه من قدرة وقوة ليست أموراً ذاتية فينا، ولكنها منحة من الله؛ يأخذها وقتما يشاء، ونرى القوى الذي كان يفتك بيده ويؤذي بها غيره ويُذِلُّ اناس بها. نراه وقد أصيبت يده، فلا تصل إليها الأوامر من المخ فتُشَل. إذن: فقدرة أي إنسان ليست ذاتية فيه، بل هي من فضل الله ، وكل شيء في الكون هو من فضل الله.
والحق يقول:
﴿سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى الله رَاغِبُونَ﴾ ويقال: رغب في كذا أي أراده، ويقال: رغب عن كذا، أي ترك هذا الأمر. ويقال: رغب إلى كذا أي سار في الطريق نحوه. وهنا قال الحق: ﴿إِنَّآ إِلَى الله رَاغِبُونَ﴾ وما دُمْنا إلى الله راغبين، كان يجب ألا نعزل عطاء الدنيا عن عطاء الآخرة، فالدنيا ليست كل شيء عندك؛ ما دُمْت راغباً إلى الله الذي سيعطيك نعيماً لا حدود له في الآخرة. ولذلك فرغبتنا في الله كان يجب ألا تجعلنا نسخط على نعيم فاتنا في الدنيا؛ لأن هناك نعيماً بلا حدود ينتظرنا في الآخرة.
стр. 6008
وأراد الحق بعد ذلك أن يبين مصارف الصدقة حتى يعرف هؤلاء الراغبون في متاع الدنيا هذه المصارف ويتعرفوا إلى حقيقة الأمر، وليتبينوا هل هم يستحقون الصدقة أم لا، فقال ﷻ : ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ ... .﴾
стр. 6009
وعندما تسمع كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ فافهم أنه يُرَادُ بها القصر، فإن قلتَ «إنما الرجل زيد، أي: أنك قصرت الرجولة على زيد. وإن قلتَ: إنما الكريم حاتم، تكون قد قصرت الكرم على حاتم. وقول الحق : ﴿إِنَّمَا الصدقات﴾ معناها: أن الصدقات محصورة في هؤلاء ولا تتعداهم.
فمن هم هؤلاء الذين حصر الحق فيهم الصدقة؟ وما المراد هنا بالصدقة؟ هل هي صدقة التطوع أو الزكاة؟
نقول: ما دام الحق قد حدد لها مصارف فهي الزكاة، ولسائل أن يسأل: لماذا لم يَقُل الحق الزكاة وقال الصدقة؟
ونقول: ألا ترى - في المجتمعات غير الإيمانية الملحدة - أن من الناس مَنْ يكفرون في إنشاء مؤسسات اجتماعية لرعاية الفقراء؟ إن عطف الإنسان على أخيه الإنسان هو أمر غريزي خلقه الله فينا جميعاً، ولذلك
стр. 6010
كان يجب أن نفهم أن الزكاة صدقة، ولو لم يشرعها الله لكان يجب أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. وحوادث الكون كلها تدل على صدق وصف الحق للزكاة بأنها صدقة؛ لأنها تأتي تطوعاً من غير المؤمن وغير الملتزم بالتشريع، ويحس القادر بالسعادة وهو يعطي لغير القادر، وعي غريزة وضعها الله في خلقه ليخفف من الشقاء في الكون.
وهنا يقول الحق: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ وقد احتار العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الفقير هو الذي لا يجد شيئاً فهو مُعدم. والمسكين هو من يملك شيئاً ولكنه لا يكفيه، وعلى هذا يكون المسكين أحسن حالاً من الفقير، واستندوا في ذلك إلى نص قرآني في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر ... ﴾ [الكهف: ٧٩]
وما دام هؤلاء المساكين يملكون سفينة إذن فعندهم شيء يملكونه. ولكن العائد الذي تأتي به السفينة لا يكفيهم.
ولكن بعض العلماء قالوا عكس ذلك، ورأوا أن المسكين هو مَنْ لا يملك شيئاً مطلقاً، والفقير هو الذي يجد الكفاف. وعلى هذا يكون الفقير أحسن حالاً من المسكين، ولا أعتقد أن الدخول في هذا الجدل له فائدة؛ لأن الله أعطى الاثنين. . الفقير والمسكين. وكلمة» فقير «معناها الذي أتعبت الحياة فَقَار ظهره أي فقرات ظهره، وحاله يغني للتعبير عنه، والمسكين هو الذي أذهلته المسكنة.
ثم يأتي بعد ذلك: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ أي: الذين يقومون بجمع الصدقات ويأخذونها ممن يعطيها ويضعونها في بيت المال، ونلاحظ هنا أن ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ جاءت مطلقة؛ فلم تحدد هل يستحق الصدقة مَنْ كان
стр. 6011
يجمعها وهو فقير، أو مَنْ كان يجمعها وهو غير محتاج. ونقول: إن جمع الصدقة عمل، ولو قلنا: إن غير المحتاج ويعمل في جمع الصدقة لا يجب أن يأخذ أجراً، هنا يصبح عمله لوناً من التفضل، وما دام العمل تفضُّلاً فلن يكون بنفس الكفاءة التي يعمل بها، إذا كان العمل بالأجر.
وأيضاً حتى لا يُحرَم المجتمع من جامع صدقة ذكي نشيط؛ لأنه غير محتاج، ولكن نعطيه أجراً ليكون مسئولاً عن عمله، والمسئولية لا تأتي إلا إذا ارتبطت بالأجر.
والعامل على جمع الصدقة إنما يعمل لصالح الدولة الإيمانية، فهو يجمع الصدقات ويعطيها للحاكم أو الوالي الذي يوزعها. وفي هذا مصلحة لمجتمع المسلمين كله. خصوصاً إن كانت الصدقة توزع من بيت المال فلا يتعالى أحد على أحد، ولا يذلك أحد أمام أحد، وفي هذا حفظ لكرتمة المؤمنين؛ لأن من يأخذ من غير بيت المال سيعاني من انكساره يده السُّفْلى.
ومن يعطي لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالى صاحب اليد العليا، وكذلك فإن أولاد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غني ليأخذ منه الصدقة ويُصَاب بالذلة والانكسار. ولا يرى أولاد الغني هذا الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة؛ فَيتعالَوْنَ على أبناء الفقير. فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال، كان ذلك صيانة لكرامة الجميع، وإن حدث خلال بين غني وفقير فلن يقول الغني للفقير: أنا أعطيك كذا وكذا، أو يقول أولاد الغني لأولاد الفقير: لولا أبونا لَمُتُمْ جوعاً.
إذن: فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطي، ويمنع - أيضاً - ذلة السؤال، فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطي. وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من الوالي فلا غضاضة؛ لأن كل المحكومين تحت ولايته مسؤولون منه.
стр. 6012
ثم يأتي الحق إلى فئة أخرى فيقول: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ وهم من يريد الإسلام أن يستميلهم، أو على الأقل أن يكفوا آذاهم عن المسلمين. وكان المسلمون في الزمن الأول للإسلام ضعافاً لا يقدرون على حماية أنفسهم. وعندما أعز الله دولة المسلمين بالقوة والعزة والمكانة، منع الخليفة عمر بن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة؛ لأنه لم يجد أن قوة الإسلام تحتاج أحداً غير صحيحي الإيمان؛ لذلك لم يدخلهم عمر بن الخطاب في فئات الزكاة.
وقول الحق سبحانه: ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ يثير سؤالاً: هل يُؤلَّف القلب؟ . نقول: نعم، فالإحسان يؤلف قلب الإنسان السَّوي، وكذلك يؤلف جوارح الإنسان غير السوي، فلا يعتدى على من أحسن إليه باللسان أو باليد.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَفِي الرقاب﴾ ومعناها العبيد الذين أُسروا في حرب مشروعة. وكانت تصفية الرق من أهداف الإسلام؛ لذلك جعل من مصارف الزكاة تحرير العبيد. وبعض من الناس يدَّعون أن الإسلام جاء بالرق وأقره. ونقول: لم يأت الإسلام بالرق؛ لأن الرق كان موجوداً قبيل البعثة المحمدية، وجاء الإسلام بالعتق ليصفى الرق، فجعل من فَكِّ الرقبة كفارة لبعض الذنوب.
وجعل من مصارف الزكاة عتق العبيد. وقد نزل القرآن وقت أن كانت منابع الرق متعددة.
стр. 6013
وكان من المعتاد في تلك الأيام أن المدين الذي يعجز عن سداد ما عليه من دَيْن، فالدائن يأخذه أو يأخذ أحد أبنائه كعبد له.
وإذا فُعلَتْ جناية، فالجاني يأخذ العفو من المجني عليه مقابل أن يعطيه أحد أولاده عبداً. وإذا سُرِق شيء فإن السارق لا يعاقب، بل يعطي أحد أولاده عبداً للمسروق منه. وكان الأقوياء يستعبدون الضعفاء؛ فيخطفون نساءهم وأولادهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق، وهكذا كانت منابع الرق في العالم متعددة، ولا يوجد إلا مصرف واحد هو إرادة السيد؛ إن شاء حرر وإن شاء لم يحرر.
وقد كان الرق موجوداً في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ووُجِد أيضاً في أمريكا. إذن: كانت هناك منابع متعددة للرق؛ ومصرف واحد هو إرادة السيد، وقد كان الرق يتزايد، وجاء الإسلام والعالمُ غارق في الرق، لماذا؟
لأن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضاً تصب فيه صنابير متعددة، وليس له إلا بالوعة واحدة. ولم يعالج الإسلام المسألة طفرة واحدة، شأن معظم تشريعات الله، ولكنه عالجها على مراحل، تماماً كتحريم الخمر حين بدأ التحريم بالمنع عند الصلاة، فقال الحق : ﴿تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ... ﴾ [النساء: ٤٣]
ثم حرمها تحرمياً قاطعاً.
стр. 6014
وحين جاء الإسلام ليعالج قضية الرق ويحرر الإنسان من العبودية، بدأ بإغلاق مصادر الرق. وجعل المصدر الوحيد هو الحرب الإيمانية المشروعة من ولي الأمر. أما كل الوسائل والألوان الأخرى من أبواب الرق، كأن يتم استعباد أحد كعقوبة جنائية أو لعجزه عن تسديد دَيْن أو غير ذلك، فقد أغلقها الإسلام بالتحريم. أما ناحية المصرف فلم يجعله مصرفاً واحداً هو إرادة السيد، بل جعله مصارف متعددة؛ فالذي يرتكب ذنباً يعرف أن الله لن يغفر له إلا إذا أعتق رقبة، ومن حلف يميناً ويريد أن يتحلل منها؛ يعتق رقبة. فإذا لم يفعل هذا كله وأراد أن يحسن إحساناً يزيد من أجره عند الله؛ أعتق رقبة.
وفي ذلك يقول الحق : ﴿فَلاَ اقتحم العقبة وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣]
وهكذا جعل الإسلام مصارف كثيرة لتصفية الرق حتى ينتهي في سنوات قليلة، ثم وضع بعد ذلك ما يُنْهي الرق فعلاً، وإن لم يُنْهِه شكلاً.
فإذا كان عند أي سيد لون من الإصرار على أن يستبقى عبده، فلا بد أن يُلبسه مما يلبس، ويُطعمه مما يَطْعم، فإن كلَّفه بعينه. وهكذا أصبح الفارق متلاشياً بين السيد وعبده.
وحين ألغتْ بعض الدول الإسلامية الرقَّ بالقانون، ذهب الرقيق إلى أسيادهم وقالوا: دعونا نعش معكم كما كنا. وهم قد فعلوا ذلك لأن
стр. 6015
حياتهم مع أسيادهم كانت طيبة. وهكذا ألغى الإسلام فوارق الرق كلها، وأصبحت مسألة شكلية لا تساوي شيئاً.
ولكن بعض الناس يتساءل: وماذا عن قول الحق : ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... ﴾ [النساء: ٣٦]
نقول: افهم عن الله، فهذا أمر لا يسري إلا إذا كانت المرأة المملوكة مشتركة في الحرب، أي: كانت تحارب مع الرجل ثم وقعت في الأسْر، والذي يسري على الرجل في الأسر يسري عليها، ثم من أي مصدر ستعيش وهي في بلد عدوة لها؛ إنَّ تركها في المجتمع فيه خطورة على المجتمع وعليها. كما أن لهذه المرأة عاطفة سوف تُكْبتُ، فأوصى الإسلام السيد بأنه إذا أحب هذه الأمةَ فلها أن تستمتع كما تستمتع زوجة السيد، وإن أنجبت أصبحت زوجة حرة وأولادها أحراراً، وفي هذا تصفية للرق.
ويقول الحق عن لون آخر من مستحقي الزكاة: ﴿والغارمين﴾ والغارم: هو من استدان في غير معصية، ثم عجز عن الوفاء بِدَيْنه. ولم يمهله صاحب الدَّيْن كما أمر الله في قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
ولم يسامحه ولم يتنازل عن دَيْنه، وفي هذه الحالة يقوم بيت المال بسداد هذا الدَّيْن. لكن لماذا هذا التشريع؟
لقد شاء الحق إعطاء الغارم الذي لا يجد ما يسد به دَيْنه حتى لا يجعل الناس ينقلبون عن الكرم وعن أقراض الذي يمر بعسر، وبذلك يبقى اليُسْر
стр. 6016
في المجتمع، وتبقى نجدة الناس للناس في ساعة العسرة، فلا يمتنع أحد عن إعطاء إنسان في عسرة؛ لأنه يعلم أنه إن لم يدفع فسيقوم بيت المال بالسداد من الزكاة. أو: أن الغارم هو الذي أراد أن يصلح بين طرفين، كأن يكون هناك شخصان مختلفان على مبلغ من المال، فيقوم هو بفضِّ الخلاف ودَفْع المبلغ، ثم تسوء حالته؛ لأنه غرم هذا المال بنخوة إيمانية، فنقول له: خذ من بيت المال حتى يشيع في النفوس تصفية الخلافات وإشاعة الحب بين الناس. إذن: فالغارم هو المستدين في غير معصية ولا يقدر على سداد الدين، أو المتحمِّل لتكلفة إصلاح ذات البَيْن بين طرفين، وهو مستحق لهذا اللون من المال.
ويقول الحق سبحانه: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ . يقول جمهور الفقهاء: إنها تنطبق على الجهاد؛ لأن الذي يضحي بماله مجاهداً في سبيل الله، لو لم يعلم أن الجهاد باب يدخله الجنة لما ضَحَّى بماله، وعندما تضحي بالمال أو النفس في سبيل الله يكون هذا من يقين الإيمان. فلو لم تكن على ثقة أنك إذا استشهدت دخلت الجنة ما حاربت. ولو لم تكن على ثقة بأنك إذا أنفقتَ المال جهاداً في سبيل الله دخلتَ الجنة ما ما أنفقت.
والإسلام يهدف إلى أمرين: دين يبلَّغ ومنهج يُحقَّق، والمجاهد في سبيل الله أسوة لغيره من المؤمنين. والأسوة في الإسلام هي التي تُقوِّيه وتُثبِّته في النفوس؛ لأنها الإعلام الحقيقي بأن ما تعطيه من نفسك أو مالك لله ستجازى عنه بأضعاف أضعاف ما أعطيت.
стр. 6017
﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ أيضاً كل ما يتعلق بمصارف البر مثل: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات.
ثم يقول سبحانه موضحاً لمصرف جديد من مصارف الصدقة والزكاة: ﴿وابن السبيل﴾ ، ونحن نعلم أن كل إنسان ينسب إلى بلده. فهذا دمنهوري وهذا طنطاوي، إلى آخره حسب البلد الذي هو منه. ولكن لنفرض أن إنساناً مشى في الطريق في غير بلده فإلى من تنسبه وأنت لا تعرف بلده؟ تنسبه إلى الطريق فيصبح: ابْن السَّبِيلِ؛ لأن السبيل هو الطريق. وهذا الإنسان الغريب عن بلده لا بد أن تعينه حتى يصل إلى بلده، وإنْ وجد الإنسان مَنْ يعينه في هذه الحالة، فسوف يشجع ذلك سفر الشباب إلى الدول الأخرى لطلب الرزق، وأيضاً هناك من يسافر ليزداد خبرة أو يسافر للسياحة، وهناك من يسافر للتجارة، وقد يكون غنياً ولكنه قد يفقد ماله في الطريق. ويريد الحق سبحانه أن يكفل عباده وهم غرباء من أي مفاجأة قد تجعلهم في عسر، فالذين سافروا للسياحة مثلاً ثم أصيبوا بكارثة أوجب الحق مساعدتهم، والذين سافروا طلباً للرزق ولم يُوفَّقوا أوجب الله مساعدتهم؛ لأن الحق يريد من عباده أن يسيروا في الأرض ليروا آياته، وليبتغوا الرزق، إذن: فابن السبيل هو كل غريب صادفته ظروف صعبة، ولا يجد ما يعود به إلى بلده.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ أي: أن كل من حدد الله استحقاقه للصدقة إنما يستحقها بفرض من الله، فالصدقة فريضة للفقراء، فريضة للمساكين، فريضة للعاملين عليها، والمؤلََّفة قلوبهم وفي الرِّقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
стр. 6018
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، والله هو واجب الوجود وخالقه، خلق الإنسان وكرَّمه فجعله خليفة في الأرض. وقبل أن يخلق سبحانه الإنسان أعدَّ له الكون الذي يعيش فيه؛ الأرض والشمس والقمر والسماء والكواكب والنجوم. ثم جاء الإنسان إلى الكون؛ ليجد كل شيء قد أعدَّ لخدمته خاضعاً له، فلا يوجد جنس من الأجناس يتأبى عن خدمة الإنسان، فلا الأرض إذا زُرعَتْ رفضت إنبات الزرع، ولا الحيوان الذي سخره الله ﷻ لخدمة الإنسان يتأبى عليه؛ فالحمار تُحمِّله السباخ والقاذورات فلا يرفض، وتنظفه وتجعله مَطيَّة تنقلك من مكان إلى آخر فلا يتأبى عليك.
وما دام سبحانه الذي خلق، فهو أدرى بمن خلق، وبما يصلحه وما يفسده - ولله المثل الأعلى - نحن نعرف أن المهندس الذي يصمم آلة إنما يضع لها قانون صيانتها. فما بالنا بخالق الإنسان المتعدد المشاعر والأطوار؟ إن خلق الإنسان لا يقتضي علماً فقط، ولكنه يقتضي أيضاً حكمة؛ لأنك قد تعلم، ولكنك لا تستخدم العلم فيما تفعل، كأن تعلم قانون صيانة آلة معينة ثم لا تطبقه وتحاول أن تأتي بقانون من عندك؛ لذلك فلا بد مع العلم من حكمة لتضع الشيء في موضعه السليم.
ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
ونحن نعلم أن الصدقات تقتضي مُتصدِّقاً وهو المعطي، ومُتصدِّقاً عليه وهو مستحق الصدقة أو بالذي يأخذها، ومُتصدَّقاً به وهو الشيء الذي تتصدق به، إذن فهناك ثلاثة عناصر: المتصدِّق، والمتصدَّق عليه، والمتصدَّق به.
قد يتساءل بعض الناس: لماذا خلق الله الإنسان الخليفة في الأرض وجعل بعضهم قادراً وبعضهم عاجزاً، وهذا يعطي وهذا يأخذ، ولماذا لم يجعل الكل قادرين؟
стр. 6019
نقول: إن مفارقات التقابل في الأشياء تجعلها تتكامل، فهناك ليل وهناك نهار، فهل الليل ضد النهار؟ لا؛ لأن الليل مُكمِّل للنهار، والنهار مُكمِّل لليل. ولو لم يُخْلقَا معاً متكاملين؛ لاختلَّ التوازن في الكون.
والحق يقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢]
إذن: فالإنسان يحتاج إلى ضوء النهار للحركة والعمل، ويحتاج إلى ظُلْمة وسكون الليل للنوم، وإن لم يَنَمِ الإنسان ويسترِحْ فهو لا يستطيع مواصلة العمل. وهكذا نرى الليل والنهار متكاملين وليسا متضادين. كذلك الرجل والمرأة. وقد لا يفهم بعض الناس أن الرجل والمرأة متكاملان، ويقولون: لا بد أن تساوي المرأةُ الرجلَ، ونقول: إنكم تعتقدون أن المرأة والرجل جنسان مختلفان، ولكنهما جنس واحد مخلوق من نوعين، وكل نوع له مهمة وله خاصية. وللإنسان المكوَّن من الرجال والنساء مهمة وخصائص يشتركون فيها، ويتضح لنا ذلك عندما نقرأ قول الحق في سورة الليل: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ١ - ٣]
كأن الذكر والأنثى، مثل الليل والنهار متساندان متكاملان، فلا تجعلهما أعداء بل انظر إلى التكامل بينهما، ثم يقول الحق : ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ٤]
стр. 6020
أي: كُلٌّ له مهمة في الحياة، واقتضتْ حكمته سبحانه في خلق الكون أن يجعل كل شيء يخدم الإنسان؛ الجماد يخدم الإنسان، وكذلك النبات، وكذلك الحيوان، حتى يكون الإنسان مستنجياً لمنهج الله ولعبادته. وكذلك اقتضتْ الحكمة أيضاً أن يخلق الله أشياء لا تستجيب للإنسان؛ حتى يعرف الناس أن هذا الكون ليس مُذلَّلاً بقدراتهم هم، بل بقدرة الله ؛ لأن الحق يقول: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: ٦ - ٧]
فتجد مثلاً الجمل بضخامته ينقاد لطفل صغير، بينما الثعبان الصغير على دِقَّة حجمه لا يجرؤ الإنسان أن يقترب منه.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه الحكمة تقتضي أن يحس الإنسان أن قدراته وقوته موهوبة له من الله ، وأنها ليست من ذات الإنسان.
ولذلك يخلق الله أناساً ضعافاً لا يقدرون على الكسب، ليلفت أنظارنا إلى أن قوة القوى هي هبة من الله، وليست في ذاتية الإنسان، وإلا لو كانت ذاتية في الإنسان ما وُجد عاجز. ولا بد أن يفهم كل قوي أن قوته هبة من الله يمكن أن تسلب منه فيصبح ضعيفاً مثل من يراهم أمامه من ضعاف البشر.
والضعيف غير القادر على العمل، والأعمى غير القادر على الكسب، والكسيح غير القادر على السير، كل هؤلاء موجودون في الكون ليلفتوا الأصحاء والأقوياء إلى أن الصحة والقوة من الله، فلا يغتر الأصحاء والأقوياء بأنفسهم ويرتكبوا المعاصي، بل عليهم أن يخافوا الله، فسبحانه الذي أعطى يستطيع أن يأخذ.
стр. 6021
كما اقتضت حكمة الله أن ينقسك الأرزاق بيننا لتسير حركة الكون. وإلا لو أصبحنا كلنا ميسورين، فمن الذي يقوم بتنظيف الشارع؟ ومن الذي يقوم بتسليك البالوعات؟ ومن الذي يحمل الطوب والأسمنت على كتفيه للبناء؟ وإن كنا جميعاً نملك المال فلن يرضى أحد أن يقوم بالأعمال البسيطة والمزعجة والمرهقة، وشاء الله أن يربط هذه الأعمال بالرزق، بحيث يقوم بها بعضنا ليحصل على قوت أولاده، وإلا لما أمسك أحد بمكنسة لتنظيف الطريق، وما عمل أحد في إصلاح المجاري؛ لذلك قد ترى مَنْ يقومون بهذه الأعمال سعداء عندما تُسَدُّ المجاري، أو يحتاج الطريق إلى نظافة؛ لأن رزقهم يأتي من هذا العمل.
ولكن أيبقى هذا الحال على ما هو عليه؟ لا؛ لأن الأيام تُتداوَلُ بين الناس، وكل واحد له عُرْس وله مَأتم. وتأتي أيام تكون فيها هذه الأعمال اليدوية هي مصدر الرزق الوفير، وهي التي يملك أصحابها سعة الرزق، أكثر من الذين درسوا في الجامعات وأهِّلوا للمناصب، لكنهم أقل دخلاً وأقل رزقاً.
وهكذا نعلم أن الكون يحتاج إلى المواهب المتعددة التي تتكامل فيه، فأنت إذا أردت أن تبني بيتاً تحتاج إلى مهندس ومقاول ونجار وحداد وبنَّاء إلى غير ذلك، ولا يمكن لإنسان أن يملك هذه المواهب كلها في وقت واحد. فلا بد أن تتكامل وأن يرتبط هذا التكامل بالرزق ولقمة العيش. بل وتجد أن الإنسان قد يتخصص في عمل ويتقنه بينما يحتاج هو لبعض من وقته ليقوم بمثل هذا العمل لبيته فلا يجد، ولذلك يقال: «باب النجار مخلّع» ؛ لأن الأبواب الأخرى التي يصنعها مرتبطة برزقه وهو يحاول أن يحسن صناعتها، أما بابه هو فلا رزق له فيه، ولذلك قد يكسل عن صيانته.
стр. 6022
ولا بد أن يعرف الإنسان أنه ليس أصيلاً في الكون، بل مستخلف فيه؛ لأن الفساد ينشأ دائماً حين يعتبر الإنسان نفسه أصيلاً في الكون. وإياك أن تفهم أن المعْطى مُفضَّل على الآخذ، أو أن الآخذ مُفضَّل على المُعطي، بل هما متبادلان، فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر.
إما أنك في نعمة فتشكر. وإما أنك في محنة فتصبر. وعندما نتأمل الغني المستخلَف في النعمة تجد أنه قد أخذ النصف الذي يخصه كشاكر، وحُرِمَ من النصف الآخر الإيماني وهو الصبر؛ ولذلك يأتي الإسلام له بتشريع يأَخذ منه بعضاً من ماله الذي حصل عليه بعرقه وعمله ويعطيه لغير القادر على العمل، وبذلك يحصل على جزء من الصبر؛ لأنه يعطي بعضاً من فائدته عمله للعاجز عن العمل، ويكون الفقير قد أخذ نصف الشكر ونصف الصبر. فقد صبر على فقره، وجاء له المال بلا تعب فشكر الله على نعمته. وهكذا نجد أن الاثنين إذا طبَّقا منهج الله أخذا نصف الصبر ونصف الشكر.
وعلى العاجز عن الكسب ألا يغضب؛ لأن الله يعطيه الرزق بلا تعب. بل إنك قد تجد الغني وهو يبحث عن مصارف الزكاة ويسال عن الفقراء ليعطيهم.
وكثيراً ما نرى إنساناً عزيزاً في أزمة، ونجد من أصدقائه من يقترض ليعطيه. والله قال: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]
ومع أن المال مال الله فقد احترم سبحانه عمل الإنسان الذي يأتيه بالمال، وطلب منه أن يعطي بعضاً منه أخاه المحتاج؛ ابتغاء مرضاة الله، واعتبر
стр. 6023
سبحانه وتعالى هذا العمل إقراضاً له ﷻ ، وكأن الذي يعطي المال للمحتاج يقرض الله، ولله المثل الأعلى؛ كالأب الذي يعطي مصروفاً لأولاده، فيضعه كل منهم في حصالته، ثم تأتي للأب أزمة مالية، فيستأذن أولاده حتى يأخذ ما في حصالاتهم، رغم أن مال الأولاد هو من مال الأب، ورغم ذلك نجد الأب قد احترم ما وهبه من المال لأولاده؛ فاعتبره مالهم. كذلك الحق احترم عمل الإنسان، فاعتبر المال ماله، وطلب منه أن يقرضه.
وفي هذا مَيْزة للغني والفقير، فالغني يأخذ ميزة وشرف أنه أعطى لله، والفقير أخذ ميزة؛ لأن الله اقترض من أجله.
وجعل الله الزكاة من أركان الإسلام، وجعل هذا الركن لمصلحة الفقير. فالغني ليس له ركن في إيمان الفقير، ولكن الفقير له ركل من إيمان الغني. والغني حين يعطي جزءاً من ماله فهو يستغني عن هذا الجزء. وهناك فرق بين أن تستغني عن الشيء وتستغني بالشيء. والحق مستغن عن الكون وما فيه، فكأنه أعطى الغني صفة من صفات الحق؛ لأن الله مستغن عن مال الدنيا كله، والمال ليس سلعة مفيدة فائدة مباشرة للإنسان.
والمثال الذي أقوله دائماً، يوضح ذلك: لنفرض أن رجلاً عنده جبل من ذهب وتاه في صحراء لا يجد فيها لقمة خبز أو شربة ماء، فما هي فائدة جبل الذهب هذا؟ إنه لا يساوي شيئاً.
إذن: فالمال ليس غاية في حد ذاته، ولكنه وسيلة. وعندما يمنع الغني ماله عن الفقير يكون قد جعل المال غاية فلا ينفعه. أما إذا أعطى الغني بعضاً من المال للفقير؛ فهو قد أعاد إلى المال وظيفته في أنه وسيلة من وسائل الحياة. وأنت تشتري بالمال ما تعتقد أنه ينفعك؛ فعليك أن توظفه في أكمل ما ينفعك؛ وهو رضا الله وثوابه.
стр. 6024
واحترم الحق سبحانه حركة الحياة في العمل؛ حتى يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته؛ لأن الإنسان إذا عمل على قدر حاجته فقط لما وُجِد فائض من مال للزكاة.
ولذلك سمى الحق المال الذي يكسبه الإنسان في الدنيا مال الإنسان، حتى يعمل كل منا على قدر طاقته؛ لأن المال ماله. وعندما يزيد ما عندك من مال على حاجتك فأنت لا تحب أن يفارقك المال الزائد، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تنفقه فيما ينفعك، فيرشدك الحق إلى إنفاق بعض المال في خير ما ينفعك، وهو أن تعمل لآخرتك.
إذن: فأنت محتاج إلى التصدق ببعض من المال الزائد لِتحسُنَ آخرتك. والفقير محتاج إلى بعض من المال الزائد عن حاجتك ليَعيش. فكلاكما يحتاج الآخر، ولكن الله احترم عمل الإنسان، فجعل له النصيب الأكبر مما يكسب، وللفقير نصيب أقل.
وعلى سبيل المثال: إن عثر الإنسان على كنز فزكاته عشرون في المائة، وإذا زرع الإنسان وروى وحصد فزكاته هي عشرة في المائة، أما إذا كان رزق الإنسان من عمل يومي كالتجارة، فالزكاة هي اثنان ونصف في المائة؛ ذلك أنه كلما كثرت حركة الإنسان في عمله قلَّتْ الزكاة. وكلما قَلَّ عمل الإنسام فيما يكسب؛ زادت الزكاة؛ لأن الحق يريد أن يشجع العامل على العمل. والمجتمع هو المستفيد بالعمل وإن لم يقصد صاحبه ذلك.
стр. 6025
فالذي يبني عمارة - مثلاً - إنما يفتح باب العمل لمن يحضر الرمال، ولمن يحضر الطوب والأسمنت والحديد، وهو يدفع لوسائل نقل هذه المواد إلى موقع البناء، ويدفع أجوراً لمن قاموا بصناعة وتركيب الأدوات الصحية، والكهرباء، وغير ذلك وقد لا يستفيد صاحب العمارة منها لانتهاء أجله.
إذن: فالمجتمع كله يستفيد من بناء العمارة، حتى ولو لم يكن في بال صاحبها أن يفيد المجتمع، ويعتقد بعض الناس أن العمل وحده هو الذي يأتي بالمال، وينسون أن الله هو الذي ييسره لهم، ويُمَكّنُهم منه. ويلفتنا سبحانه إلى ذلك حين تأتي آفات تتلف الزرع وتُضَيّعُ تعب من قاموا بالحرث والبذر والسَّقْي؛ لعلنا نلتفت إلى أن كل شيء يتم بإرادة الله، وليس بالأسباب وحدها.
وسبحانه وتعالى حين يقضي بذلك، يلفتنا أيضاً لفتة فيبارك في زرع في بلد آخر أو مكان آخر، فإذا هلك محصول القمح في دولة، كانت هناك دولة أخرى يزيد فيها محصول القمح، فيشتري هؤلاء من هؤلاء، أو ترسل الدول التي جاءها محصول وفير إلى الدول التي هلك فيها الزرع كمعونة أو إغاثة، وبذلك تتعامل سبل الحياة.
ولا بد لنا أن نتذكر دائماً أن الله هو الذي أعطانا القدرة، ولا أحد يستطيع أن يعطي القدرة للإنسان غير الله ﵎. فالقدرة المطلقة هي لله ، وسبحانه يُمرِّر بعضاً من أثر قدرته إلى خلقه، فنجد إنساناً يستطيع بقدراته أن يُعِين إنساناً آخر في حَمْل شيء ثقيل لا يستطيع صاحبه أن يحمله.
وفَرْقٌ بين أن تتبرع أنت بأثر قوتك؛ وبين أن تهبَ الغير هذه القوة. فالبشر يعطي أثر القوة، ولكن الحق يهب القوة لمن يشاء.
следующие страницы →