Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
كما اقتضت حكمة الله أن ينقسك الأرزاق بيننا لتسير حركة الكون. وإلا لو أصبحنا كلنا ميسورين، فمن الذي يقوم بتنظيف الشارع؟ ومن الذي يقوم بتسليك البالوعات؟ ومن الذي يحمل الطوب والأسمنت على كتفيه للبناء؟ وإن كنا جميعاً نملك المال فلن يرضى أحد أن يقوم بالأعمال البسيطة والمزعجة والمرهقة، وشاء الله أن يربط هذه الأعمال بالرزق، بحيث يقوم بها بعضنا ليحصل على قوت أولاده، وإلا لما أمسك أحد بمكنسة لتنظيف الطريق، وما عمل أحد في إصلاح المجاري؛ لذلك قد ترى مَنْ يقومون بهذه الأعمال سعداء عندما تُسَدُّ المجاري، أو يحتاج الطريق إلى نظافة؛ لأن رزقهم يأتي من هذا العمل.
ولكن أيبقى هذا الحال على ما هو عليه؟ لا؛ لأن الأيام تُتداوَلُ بين الناس، وكل واحد له عُرْس وله مَأتم. وتأتي أيام تكون فيها هذه الأعمال اليدوية هي مصدر الرزق الوفير، وهي التي يملك أصحابها سعة الرزق، أكثر من الذين درسوا في الجامعات وأهِّلوا للمناصب، لكنهم أقل دخلاً وأقل رزقاً.
وهكذا نعلم أن الكون يحتاج إلى المواهب المتعددة التي تتكامل فيه، فأنت إذا أردت أن تبني بيتاً تحتاج إلى مهندس ومقاول ونجار وحداد وبنَّاء إلى غير ذلك، ولا يمكن لإنسان أن يملك هذه المواهب كلها في وقت واحد. فلا بد أن تتكامل وأن يرتبط هذا التكامل بالرزق ولقمة العيش. بل وتجد أن الإنسان قد يتخصص في عمل ويتقنه بينما يحتاج هو لبعض من وقته ليقوم بمثل هذا العمل لبيته فلا يجد، ولذلك يقال: «باب النجار مخلّع» ؛ لأن الأبواب الأخرى التي يصنعها مرتبطة برزقه وهو يحاول أن يحسن صناعتها، أما بابه هو فلا رزق له فيه، ولذلك قد يكسل عن صيانته.
стр. 6022
ولا بد أن يعرف الإنسان أنه ليس أصيلاً في الكون، بل مستخلف فيه؛ لأن الفساد ينشأ دائماً حين يعتبر الإنسان نفسه أصيلاً في الكون. وإياك أن تفهم أن المعْطى مُفضَّل على الآخذ، أو أن الآخذ مُفضَّل على المُعطي، بل هما متبادلان، فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر.
إما أنك في نعمة فتشكر. وإما أنك في محنة فتصبر. وعندما نتأمل الغني المستخلَف في النعمة تجد أنه قد أخذ النصف الذي يخصه كشاكر، وحُرِمَ من النصف الآخر الإيماني وهو الصبر؛ ولذلك يأتي الإسلام له بتشريع يأَخذ منه بعضاً من ماله الذي حصل عليه بعرقه وعمله ويعطيه لغير القادر على العمل، وبذلك يحصل على جزء من الصبر؛ لأنه يعطي بعضاً من فائدته عمله للعاجز عن العمل، ويكون الفقير قد أخذ نصف الشكر ونصف الصبر. فقد صبر على فقره، وجاء له المال بلا تعب فشكر الله على نعمته. وهكذا نجد أن الاثنين إذا طبَّقا منهج الله أخذا نصف الصبر ونصف الشكر.
وعلى العاجز عن الكسب ألا يغضب؛ لأن الله يعطيه الرزق بلا تعب. بل إنك قد تجد الغني وهو يبحث عن مصارف الزكاة ويسال عن الفقراء ليعطيهم.
وكثيراً ما نرى إنساناً عزيزاً في أزمة، ونجد من أصدقائه من يقترض ليعطيه. والله قال: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]
ومع أن المال مال الله فقد احترم سبحانه عمل الإنسان الذي يأتيه بالمال، وطلب منه أن يعطي بعضاً منه أخاه المحتاج؛ ابتغاء مرضاة الله، واعتبر
стр. 6023
سبحانه وتعالى هذا العمل إقراضاً له ﷻ ، وكأن الذي يعطي المال للمحتاج يقرض الله، ولله المثل الأعلى؛ كالأب الذي يعطي مصروفاً لأولاده، فيضعه كل منهم في حصالته، ثم تأتي للأب أزمة مالية، فيستأذن أولاده حتى يأخذ ما في حصالاتهم، رغم أن مال الأولاد هو من مال الأب، ورغم ذلك نجد الأب قد احترم ما وهبه من المال لأولاده؛ فاعتبره مالهم. كذلك الحق احترم عمل الإنسان، فاعتبر المال ماله، وطلب منه أن يقرضه.
وفي هذا مَيْزة للغني والفقير، فالغني يأخذ ميزة وشرف أنه أعطى لله، والفقير أخذ ميزة؛ لأن الله اقترض من أجله.
وجعل الله الزكاة من أركان الإسلام، وجعل هذا الركن لمصلحة الفقير. فالغني ليس له ركن في إيمان الفقير، ولكن الفقير له ركل من إيمان الغني. والغني حين يعطي جزءاً من ماله فهو يستغني عن هذا الجزء. وهناك فرق بين أن تستغني عن الشيء وتستغني بالشيء. والحق مستغن عن الكون وما فيه، فكأنه أعطى الغني صفة من صفات الحق؛ لأن الله مستغن عن مال الدنيا كله، والمال ليس سلعة مفيدة فائدة مباشرة للإنسان.
والمثال الذي أقوله دائماً، يوضح ذلك: لنفرض أن رجلاً عنده جبل من ذهب وتاه في صحراء لا يجد فيها لقمة خبز أو شربة ماء، فما هي فائدة جبل الذهب هذا؟ إنه لا يساوي شيئاً.
إذن: فالمال ليس غاية في حد ذاته، ولكنه وسيلة. وعندما يمنع الغني ماله عن الفقير يكون قد جعل المال غاية فلا ينفعه. أما إذا أعطى الغني بعضاً من المال للفقير؛ فهو قد أعاد إلى المال وظيفته في أنه وسيلة من وسائل الحياة. وأنت تشتري بالمال ما تعتقد أنه ينفعك؛ فعليك أن توظفه في أكمل ما ينفعك؛ وهو رضا الله وثوابه.
стр. 6024
واحترم الحق سبحانه حركة الحياة في العمل؛ حتى يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته؛ لأن الإنسان إذا عمل على قدر حاجته فقط لما وُجِد فائض من مال للزكاة.
ولذلك سمى الحق المال الذي يكسبه الإنسان في الدنيا مال الإنسان، حتى يعمل كل منا على قدر طاقته؛ لأن المال ماله. وعندما يزيد ما عندك من مال على حاجتك فأنت لا تحب أن يفارقك المال الزائد، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تنفقه فيما ينفعك، فيرشدك الحق إلى إنفاق بعض المال في خير ما ينفعك، وهو أن تعمل لآخرتك.
إذن: فأنت محتاج إلى التصدق ببعض من المال الزائد لِتحسُنَ آخرتك. والفقير محتاج إلى بعض من المال الزائد عن حاجتك ليَعيش. فكلاكما يحتاج الآخر، ولكن الله احترم عمل الإنسان، فجعل له النصيب الأكبر مما يكسب، وللفقير نصيب أقل.
وعلى سبيل المثال: إن عثر الإنسان على كنز فزكاته عشرون في المائة، وإذا زرع الإنسان وروى وحصد فزكاته هي عشرة في المائة، أما إذا كان رزق الإنسان من عمل يومي كالتجارة، فالزكاة هي اثنان ونصف في المائة؛ ذلك أنه كلما كثرت حركة الإنسان في عمله قلَّتْ الزكاة. وكلما قَلَّ عمل الإنسام فيما يكسب؛ زادت الزكاة؛ لأن الحق يريد أن يشجع العامل على العمل. والمجتمع هو المستفيد بالعمل وإن لم يقصد صاحبه ذلك.
стр. 6025
فالذي يبني عمارة - مثلاً - إنما يفتح باب العمل لمن يحضر الرمال، ولمن يحضر الطوب والأسمنت والحديد، وهو يدفع لوسائل نقل هذه المواد إلى موقع البناء، ويدفع أجوراً لمن قاموا بصناعة وتركيب الأدوات الصحية، والكهرباء، وغير ذلك وقد لا يستفيد صاحب العمارة منها لانتهاء أجله.
إذن: فالمجتمع كله يستفيد من بناء العمارة، حتى ولو لم يكن في بال صاحبها أن يفيد المجتمع، ويعتقد بعض الناس أن العمل وحده هو الذي يأتي بالمال، وينسون أن الله هو الذي ييسره لهم، ويُمَكّنُهم منه. ويلفتنا سبحانه إلى ذلك حين تأتي آفات تتلف الزرع وتُضَيّعُ تعب من قاموا بالحرث والبذر والسَّقْي؛ لعلنا نلتفت إلى أن كل شيء يتم بإرادة الله، وليس بالأسباب وحدها.
وسبحانه وتعالى حين يقضي بذلك، يلفتنا أيضاً لفتة فيبارك في زرع في بلد آخر أو مكان آخر، فإذا هلك محصول القمح في دولة، كانت هناك دولة أخرى يزيد فيها محصول القمح، فيشتري هؤلاء من هؤلاء، أو ترسل الدول التي جاءها محصول وفير إلى الدول التي هلك فيها الزرع كمعونة أو إغاثة، وبذلك تتعامل سبل الحياة.
ولا بد لنا أن نتذكر دائماً أن الله هو الذي أعطانا القدرة، ولا أحد يستطيع أن يعطي القدرة للإنسان غير الله ﵎. فالقدرة المطلقة هي لله ، وسبحانه يُمرِّر بعضاً من أثر قدرته إلى خلقه، فنجد إنساناً يستطيع بقدراته أن يُعِين إنساناً آخر في حَمْل شيء ثقيل لا يستطيع صاحبه أن يحمله.
وفَرْقٌ بين أن تتبرع أنت بأثر قوتك؛ وبين أن تهبَ الغير هذه القوة. فالبشر يعطي أثر القوة، ولكن الحق يهب القوة لمن يشاء.
стр. 6026
المال - إذن - لا ينفع بذاته، وإنما هو يُحضر الشيء النافع للإنسان، فإذا احتجت إلى طعام أو شراب أو ملابس أو سيارة أو غير ذلك اشتريتها بالمال. إذن: فالمال هو وسيلة البشر للحصول على احتياجاتهم. ولذلك يعتز به الإنسان. والمثال: أن الأبناء الذين يأخذون المصروف كل شهر من الأب، تجدهم يحرصون على لقاء الأب في أول الشهر، وقد لا يلتفتون إليه باقي الأيام. أما إذا كان المصروف في كل يوم فتجد الأولاد يحرصون على لقاء أبيهم في كل يوم.
والحق هو خالق النفس البشرية، يعلم ما في صدور الناس؛ ولذلك يُلفت القادر إلى ضرورة أن يُخرِجَ بعضاً من ماله للعاجز عن الكسب.
ونحن نعيش في عالم أغيار، ومن الممكن ان يصبح القادر اليوم عاجزاً غداً. ولذلك نجد القادر يمتلئ بالقلق إذا رأى عاجزاً. وهنا يتذكر نعمة الله عليه؛ فيسرع ليدفع بعضاً من ماله إلى العاجز؛ وهو راض، خوفاً من أن يحدث له مثل ما حدث لهذا العاجز. ويقول الحق: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ... ﴾ [التوبة: ١٠٣]
إذن: فالصدقة تطهر الإنسان من الغفلة التي قد تصيبه، وتُزكِّي الإنسان أيضاً، وشاء سبحانه أن تكون الزكاة نموّاً وزيادة وإن بدت في ظاهرها على أنها نقص. فالمائة جنيه تصبح سبعة وتسعين ونصفاً بعد إخراج الزكاة، وهي عكس الربا الذي قد تصبح فيه المائة مائتين، وظاهر الربا أنه زيادة،
стр. 6027
ولكنه يمحق كل خير، وظاهرة الزكاة أنها نقص، ولكنها في حقيقتها نماء. والنماء أن يترقى الشيء في مراتب الكمال؛ فينمو طهارة، وينمو تزكية، وينمو بالزيادة والبركة. والإنسان يحتاج إلى المال ليحصل على ضروريات الحياة وكمالياتها؛ فيطمئن إلى حاضره ومستقبله.
لكن لنفرض أن المال دام لك طول العمر، وأنت تعرف أن العمر مهما طال، قصير. ولا بد أن يأتي يوم تفارق فيه هذا المال بالموت. في هذه اللحظة يكون ما كنزت من المال قد صار إلى ورثتك، ولا يصحبك منه إلى آخرتك إلا ما أنفقت في سبيل الله، أي: أن ما أنفقت هو ما يبقى لك في عالم الخلود لا يفارقك ولا تفارقه.
وشاء الحق أن يضاعف لك الجزاء والثواب.
ويقول رسول الله ﷺ َ: «يقول ابن آدم: مالي مالي. . وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟»
إذن: فالذي يحب ماله عليه أن يصحب معه هذا المال لمدة أطول، وأن يتعدى به مجرد الوجود في الدنيا، وأن يصل به إلى دار الخلود. ومن يعشق المال - إذا أراد أن يبقيه - فلينفقه في الصدقة.
«ولنا الأسوة الحسنة في رسول الله ﷺ َ حين جاءته شاة كهدية، فقال للسيدة عائشة ﵂:» تصدقي بلحمها «. وكانت السيدة عائشة رضوان الله عليها تعرف أن رسول الله ﷺ َ يحب لحم الكتف، فتصدقت بلحم الشاة كلها، وأبقَتْ قطعة من لحم الكتف لرسول الله ﵊ ُ.
стр. 6028
وعندما عاد رسول الله ﷺ َ، سألها: ماذا فعلت بلحم الشاة؟ قالت: تصدقت بها كلها وأبقيت كتفها. فقال:» بل قولي أبقيتها كلها إلا كتفها «
وذلك لأن ما تصدقت به السيدة عائشة هو الباقي. وما أبقته لهما هو الذي سيفني. وهكذا سمي رسول الله ﷺ َ الأشياء بحقيقة مسمياتها.
فالذي يحب صحبة ماله في الدنيا والآخرة، عليه أن يقدم بعضاً منه صدقة للفقير والمحتاج، ليبارك الله له في الدنيا، ويجزيه خير الثواب في الآخرة. وقد سأل رجل الإمام عليا ﵁: أريد أن أعرف: هل أنا من أهل الآخرة؟ . قال الإمام علي كرم الله وجهه: الجواب عندك أنت، لا عندي، انظر إذا دخل عليك من يعطيك، ودخل عليك من يطلب منك، أيهما ترحب به وتقابله ببشاشة؛ أيهما تحب؟ إن كنت تحب من يأخذ منك فأنت من أهل الآخرة، وإن كنت تحب من يعطيك فأنت من أهل الدنيا؛ لأن من يأخذ منك يحمل حسناتك إلى الآخرة، وأما من يعطيك فيزيدك من الدنيا ولا يعطي آخرتك شيئاً.
ونقول للذي يحب المال: اجعل حبك للمال يبقيه لك فترة أطول من عمر الدنيا؛ فالدنيا ليست هي المقاس، ودنياك قدر عمرك فيها. أما الآخرة فأنت خالد فيها، فتصدق ببعض مالك يكن لك خيراً في الآخرة.
ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: أنه يضع الأشياء في موضعها عن علم وحكمة مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]
стр. 6029
وأما الحكمة فيدير بها الحق سبحانه حياة كل الناس، وكلهم عبيد لله، ولا فرق بين غني وفقير.
وشاء الحق أن يجعل التفرقة فقط في الدنيا؛ لأن العالم لا يحتاج إلى أفراد مكررين، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إن كنا كلنا أطباء أو كلنا مهندسين أو كلنا قضاة؛ لذلك شاء سبحانه أن تتوزع المواهب على قدر ضروريات الحياة، فنبغ كل واحد منا في شيء؛ أنا أتقن شيئاً ولا أعرف الباقي، وغيري يتقن شيئاً آخر ولا يعرف الباقي. فأكون في حاجة إلى عمل غيري، وغيري يحتاج عملي، وبذلك يصير الرباط بيننا رباط حاجة ورباط رزق، لا رباط تفضل وتطوع.
إذن: فالحكمة اقتضت أن يوزع المواهب على الخَلق بقدر ما تتطلب الخلافة في الأرض من حركات الحياة؛ فأعطى هذا زاوية من نبوغ، وأعطى الآخر زاوية أخرى من النبوغ، ومن مجموع هذه الزوايا يتكون المجتمع، وسبق أن قلنا: إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر، ولكن الناس لا تنظر إلا للمال، ولا يلتفتون إلى ما هو أهم من المال، كالصحة، والأخلاق، وراحة البال، وسعادة الأولاد وتوفيقهم، ثم البركة في الرزق وغير ذلك.
إنك لو وضعتَ لكل هذه الأشياء رقماً من عشرة مثلاً؛ تجد أن مجموع كل إنسان في النهاية يتساوى مع مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. وإن رأى إنسان عاجز غيره ممن يملكون المال ولا يخرجون منه زكاة أو صدقة، فماذا يكون موقفه؟ لابد أنه سيتمنى زوال النعمة عن هؤلاء. ولكن إن عادت نعمة القادر الغني على من لا نعمة عنده، فهذا يجعل العاجز الفقير مُحِبّاً لدوام النعمة عند صاحبها؛ لأنه إن حُرِم الغني
стр. 6030
القوة، حُرِم العاجز من آثارها؛ ولذلك فعندما يعطي الغني للفقير، فهو يدعو لَه بالبركة، وحين يبارك الله في تلك النعمة سيعود على الفقير بعض منها.
وإن لم يأخذ الفقير المحتاج صدقة من الغني، فقد يأخذها تلصُّصاً بأن يتحايل عليه ليسرقه أو ينهبه، أو ربما دفعه الحقد والحسد إلى ان يقتله أو يتآمر على قتله.
إذن: فالزكاة في المجتمع تدفع شروراً كثيرة عن صاحبها. وهي ضرورة من ضروريات الحياة. ولذلك رأيناه القادرين في المجتمعات التي لا ترمن بدين وهم يتطوعون لإقامات المؤسسات الاجتماعية لرعاية غير القادرين لدقع شرور العاجزين عن مجتمعاتهم؛ لذلك تجد في معظم دول العالم من يحاول تخصيص جزء من المال لكفالة العجزة والمتعطلين ليعيشوا حياة الكفاف، وبذلك يأمن المجتمع شرورهم.
على أن قول الحق : ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبُهُمْ وَفِي الرقاب والغارمين وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل﴾ معناه: أن الصدقات قد فرضت لهؤلاء، والذي فرضها هوالحق سبحانه بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ .
وقد تُفرَض الصدقات من البشر كضريبة اجتماعية، أو غير ذلك، لدفع الشرر عن المجتمع، ولكن هذا لا يحدث إلا بعد أن تقعأحداث جسام يشقى بها مجتمع القادرين من مجتمع العاجزين، ويخرج من يقول: لكي تأمنوا شرهم لابد أن نعطيهم حاجاتهم حتى يستقيم الأمر.
وهكذا نجد أن تشريعات البشر لا تأتي إلا بعد أن يشقى المجتمع لفترة طويلة من وضع موجود، ولكن الحق رحمة منه بخليفته
стр. 6031
في الأرض جاء بالتشريع من أول الخلق، بل من قبل الخلق؛ حتى يرتب للإنسان حياة سعيدة خالية من الشقاء. ولذلك شرع الدين ورتَّبَ أحكامه لينزل إلى البشر؛ فيكون منهجاً لهم يحميهم من شرور قاسية قبل أن تقع.
وشاء الحق سبحانه أن يجعل «سورة براءة» فاضحة كاشفة للمنافقين؛ لذلك كان من بين أسمائها: «السورة الحافرة» ؛ لأن المنافق ربما يستر كفره، ويفضح الله هذا الكفر بأن يحفر عليه ليخرجه - ولله المثل الأعلى - فالإنسان يحفر الأرض ليكشف المخبوء فيها، وهذه السورة ذكرت من صفات المنافقين الكثير.
فقد قال الحق: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لِّي ... ﴾ [التوبة: ٤٩]
وقال : ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله ... ﴾ [التوبة: ٧٥]
وقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ... ﴾ [التوبة: ٥٨]
ولذلك يسمونها «مَنَاهِم التوبة» . وهنا يبين الحق صورة جديدة للمنافقين وتصرفاتهم فيقول: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي ... ﴾
стр. 6032
ونعلم أن الإيذاء لرسول الله صلى الله جاء بعد النبوة، وكان بعض الكفار يقولون ما حكاه القرآن على ألسنتهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]
وهذا دعاء مَنْ لا عقل له، ولو كانوا يعقلون لقالوا: إن كان هذا الحق من عندك فَاهْدنا يا رب إليه، أو اجعلنا نؤمن به. ولكنهم من فَرْط حقدهم وضلالهم، تمنَّوا العذاب على الإيمان بالحق. وهذا يكشف لنا تفاهة عقول الكفار.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ والذين يؤذون رسول الله ﷺ َ هم السادة، وهم أصحاب النفوذ الذين يخافون ان يذهب منهج هذا النبي بنفوذهم؛ وثرواتهم؛ وما أخذوه ظلماً من الضعفاء. والضعفاء - كما نعلم - هم أول من دخل إلى دين الإسلام؛ لأنهم أحسوا أن هذا الدين يحميهم من بطش الأغنياء واستغلالهم ونفوذهم. وشاء الحق أن يبدل خوف الضعفاء قوة وأمناً، وشاء سبحانه أن يضم إلى الإيمان عدداً من الأغنياء؛ ومن رجال القمة مثل: أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب وغيرهم ﵃ أجمعين، حتى لا يقول أقوياء قريش مثلما قال قوم نوح لنبيهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا ... ﴾ [هود: ٢٧]
стр. 6033
وهكذا كان الإيذاء له ﷺ َ بعد الرسالة، أما قبل الرسالة فكان في نظر الجميع هو: الأمين والصادق والمؤتمن.
ومن العجيب أنهم، بعد أن نزل الوحي، كانوا لا يستأمنون أحداً مثلما يستأمنون محمداً ﷺ َ. فإذا كان هناك شيء ثمين عند الكافرين المعارضين، ذهبوا إلى رسول الله ليحفظوا هذه الأشياء الثمينة عنده. وهذا التناقض لا يفسره إلا وثوقهم في أخلاقه ﷺ َ. ورغم ذلك كانوا في غيظ وكَمَدٍ؛ لأن القرآن قد نزل عليه. والحق هو القائل ما جاء على ألسنتهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
وهم بذلك قد اعترفوا بألسنتهم بعظمة القرآن، بعد أن اعترفوا بسلوكهم بأمانة محمد ﷺ َ، ولكنهم اعترضوا على اختيار الحق سبحانه له، وتمنوا لو كان هذا القرآن قد نزل على أحدهم عظمائهم. ورد الحق سبحانه عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياوة الدنيا ... ﴾ [الزخرف: ٣٢]
وفي هذا دعوة لأن يتأدبوا مع الله سبحانه، فهو لم يوكلهم في اختيار من ينزل عليه رحمته، ورسالته، ولكنه سبحانه هو الذي يختار. وهو الذي قسم بين العباد معيشتهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وإذا كان لأحد نعمة من مال أو جاه أو مجد، أو غير ذلك، فهذا ليس من قدرات البشر أو من ذواتهم، ولكنه نعمة من الله.
стр. 6034
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾ إذن: فالإيذاء سببه أنه ﷺ َ جاء بدعوة الخير، ولا يجيء رسول بدعوة الخير إلا إذا كان الشر قد عم المجتمع. وحين يعم الشر في المجتمع فهناك مستفيدون منه، فإذا أتى رسول الله بالخير أسرع جنود الشر ليؤذوا صاحب رسالة الخير، إذن: فمن الطبيعي أن يكون للنبي أعداء.
والحق يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ... ﴾ [الأنعام: ١١٢]
بل إن كل من يحمل من العلماء رسالة رسول الله ليبلغها إلى الأجيال التالية، إن لم يكن له أعداء، أنقض ذلك من حظه في ميراث النبوة، وكل من له أعداء ويقوم بهداية الناس إلى منهج الله، نقول له: لا تنزعج، واطمئن؛ لأن معنى وجود من يعاديك، أن فيك أثراً من آثار النبوة.
وتمثَّل إيذاء المنافقين له ﷺ َ في عدة صور؛ منها قولهم: ﴿وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ .
وللإنسان - كما نعلم - وسائل إدراك متعددة: فالأذن وسيلة إدراك، والعين وسيلة إدراك، والجوارح كلها وسائل إدراك. وكل إنسان له ملكات متعددة، منها ملكات إدراكية وملكات نفسية، ولملكات الإدراكية هي التي يدرك بها الأشياء مثل: السمع والبصر والشم والذوق. أما الملكات النفسية فهذه يوصف بها الناس. وعلى سبيل المثال: نحن نسمي الجاسوس عيناً؛ لأنه يتجسس وينقل ما يراه إلى غيره. ونسمي الرجل
стр. 6035
الذي يسمع كل حدث «أُذُن» ، ونسمي اللص الذي يتعدَّى على ماله غيره صاحب اليد الطويلة وهكذا.
إذن: كل جارحة لها حاسة، والنظر والسمع والشم واللمس والذوق كلها من وسائل الإدراك الحسية التي تتكون منهالخمائر المعنوية، ثم تصبح عقائد، فوسائل الإدراك هذه تتلقى من العالم الحسي ما يعطيه لها من معلومات، وتخزنها لتتصرف بعد ذلك على أساسها، وتكون في مجموعها هي ما يعلمه الإنسان؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يمتنُّ على خَلقه، فيقول: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]
والشكر لا يكون إلا على النعمة، فكأن وسائل الإدراك هذه مما تسمعه أو تراه ببصرك، أو تدركه بفؤادك هي من نعم الله التي يجب أن نشكره عليها؛ لأنها أعطتنا العلم الحسي بعد أن كنا لا نعلم شيئاً.
وإذا أطلقَ على الإنسان اسم جارحة من جوارحه، فاعلم أن هذه الجارحة هي العمدة فيه، فكأن قول المنافقين وصفاً للرسول ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ هو سَبٌّ للرسول، وكان الواحد منهم يقول: احذروا أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ َ فيكشف نفاقهم ويؤذيكم؛ لأن محمداً ﵊ ُ في رأيهم يُصدِّق كل شي. أرادوا أن يتهموه ﷺ َ أنه لا يمحص القول الذي يُنقل إليه ويصدق كل ما يقال له، كما نقول نحن في العامية «فلان وِدَني» أي: يعطي أذنه لكل ما يقال له.
فيرد عليهم الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ ؛ لأنه ﷺ َ يستمع لمنهج السماء ويبلغه للبشر ليهدي أهل الأرض، إذن: فهو خير للناس كلهم. وحتى إذا
стр. 6036
أخذنا كلامهم في أن رسول الله ﷺ َ يصدقهم إن كذبوا عليه، فهذا خير لهم؛ لأنه ﷺ َ لا يؤذيهم، وهو ﷺ َ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ لأنه لا يسمع إلا من الله بالوحي. ولذلك قلنا: إن الحكمة من أمية رسول الله ﵊ ُ، أنه لم يستمع من مُسَاو له، وإنما كان علمه من الله. فإذا كانت الأمية فينا نحن نقيصة؛ فإنها الكمال كله في حق رسول الله ﵊ ُ؛ لأنه لم يأخذ إلا من خالقه، وهو اذن خير؛ لأنه الأذن التي استمعت إلى آخر إرسال ينزل من السماء لهداية الأرض.
فإذا كان المنافقون قد قالوا: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فقد قال سبحانه: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ ، وهو خير يعود نفسه على البشرية كلها، ولكن ليس بالمعنى الذي تعيبونه عليه، فهو قد يسمع إساءاتكم، ثم يسمع اعتذاركم فلا يؤذيكم ويعفو عنكم.
وما دام هذا هو سلوك رسول الله ﷺ َ فلماذا تؤذونه وترهقونه؟
وفي اللغة ما يسمونه «القول بالموجب» ، فإن قال لك واحد شيئاً تصدقه وتقول له: نعم، ولكن قد تأخذها على مَحْمَل آخر، فإن كان هناك إنسان يُكثِر الزيارة لإنسان ويقول له: أنا أثقلتُ عليك، ويرد عليه: أنت أثقلتَ كَاهلي بأياديك، أي أن أفضالك عليَّ كثيرة. وإن قال لك واحد: «أنا طولت عليك» ، يرد عليه صديقه: لا، أنت تطولت عليَّ، أي: أعطيتني نعمة بأنك أسعدتني بمجلسك. إذن: فهو قد وافقه على وما قال، ولكنه رد عليه بعكس ما قال.
وهم قد عابوا على الرسول أنه أذن، فكأن أذنه تتحكم في كل تصرفاته، وإن سمع شيئاً تأثر به. وإن سمع شيئاً ينغصه ينقلب موقفه من
стр. 6037
النقيض إلى النقيض. وحاولوا أن يدَّعوا أنه يصدق كل ما يسمعه ولا يحتاط تجاه من يبلغه، وقالوا: إنه ﷺ َ ﴿أُذُنٌ﴾ ، وردَّ الحق سبحانه ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ وبطبيعة الحال لم يكن قول الحق موافقاً لما قالوه؛ لأن «أُذُن» عندهم غير ﴿أُذُن﴾ التي أقرها الله .
وقد يقول بعض السطحيين: إن المنافقين قالوا عن رسول الله ﷺ َ ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ وهم يقصدون بذلك أنه يسمع ويصدق كل ما يقال له، وليس من حكمة التمحيص والاختيار. لكن لنلتفت إلى أن الحق قد قال: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ ؛ لأن رسول الله ﷺ َ لا يسمع إلا من الله، وما يسمعه من الله أطاعه وطبَّقه، وما سمعه من الناس؛ عرضه على منهج الله؛ فإن وافق المنهج نفذه، وإن تعارض مع المنهج رفضه.
إذن: فهو أذن للخير لا يسمع إلا من الله، ولا يأتي من رسالته إلا الخير لمن اتبعه.
ولكن لماذا لم يقل الحق : أذن خير للمؤمنين، وقال: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ ؟؛ لأن خيرية رسول الله قد شملت الجميع، وتعدَّتْ المؤمنين إلى المنافقين وإلى الكفار. فكان رسول الله صلى الله عليه لا يفضح منافقاً، إلا إذا فضح الله المنافق بقرآن نزل من السماء.
وعلى سبيل المثال: كان المنافقون يأتون إلى الرسول ﷺ َ، ويعتذرون عن الجهاد في سبيل الله؛ ويطلبون الإذن بالقعود. وكان رسول الله ﷺ َ يعطيهم الإذن. وحين كان المنافقون يأتون إلى الرسول الكريم ويحلفون له كذباً، كان يصدقهم، أو على الأرجح لا يفضح كذبهم أمام الناس.
إذن: فالخيرية فيه ﵊ ُ شملت المنافقين؛ لأن خُلُقَه الكريم أبى أن يفضحهم أمام الناس. أما الكفار فد شملتهم الخيرية أيضاً؛
стр. 6038
لأن دعوته لهم إلى الإسلام، وإصراره ﷺ َ على هذه الدعوة، جعل عدداً من الكفار يسلم ويؤمن، وأصابهم خير عميم من اعتدائهم لدين الحق. إذن: فقول الحق : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ أي: للبشرية كلها.
وهكذا فرق الحق بين ما يريدونه، وما يقصده الله ﷻ . هم قصدوا وصف الرسول أنه أذن سَمَّاعة. والله يقول: إنها أذن خير؛ وهذا ما يسمونه في اللغة - كما قلنا -: «بالقول الموجب» ، أي: أن تتفق مع خصمك فيما قاله، إلا أنك تحول ما قاله من الشر إلى الخير. والمثال أيضاً فيما يقوله الحق على ألسنة المنافقين حين قالوا: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل ... ﴾ [المنافقون: ٨]
كانوا يقصدون أنهم هم الأعز، أما الأذل فهم المؤمنون. ووافقهم الحق على ما قالوا؛ نعم سيُخرِج منها الأعزُّ الأذلَّ. ولكنه أراد أن يبين لهم من هو العزيز ومن هو الذليل؛ فقال: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ [المنافقون: ٨]
فكأن الحق يؤكد لهم أن الأعز سيُخرج الأذل، ولكنهم يحسبون أنفسهم هم الأعزاء؛ فيقول لهم: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . وهذا ما يسمونه بالقول الموجب، أي: أن تتفق مع من يقول، ويقصد أن يوجه كلامه وجهة الشر؛ فتقلب المقصود من الكلام وتوجهه وجهة الخير. وهذا مقصود به هنا أن تزيد من ذلة المخاطب، فأنت تجعله يعتقد أنك توافقه، فتنفرج أساريره ويشعر بالسعادة؛ ثم بعد ذلك تنقض ما قاله؛ فيصاب بالذل. تماماً كما يأتي الحارس لسجين يشعر
стр. 6039
بظمأ شديد ويُلِحُّ في طلب كوب ماء.
فيقول له الحارس: سأحضر لك كوب الماء. وفعلاً يحضر الكوب مليئاً بالماء المثلج، ويفرح السجين ويظن أنه سينال منه ما يريده، ولكن ما إن يقرب الحارس الكوب من فم السجين، حتى يفرغه على الأرض، فيكون تعذيبه أكبر مما لو رفض منذ البداية إحضار كوب الماء.
وهكذا شاء الحق أن يزيد ذلة المنافقين، فوافقهم على أن رسول الله ﷺ َ «أُذُن» ثم جاء بنقيض ما كانوا يقصدونه فقال:
﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ وما دام ﷺ َ يؤمن بالله فهو يأخذ منهجه من الله ، ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم.
إذن: فهناك ثلاثة أدلة على خيرية رسول الله ﷺ َ: أنه يؤمن بالله وينفذ منهجه. ثم يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا. ونلاحظ أن هناك اختلافاً بين قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ وبين قوله : ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . فبالنسبة للإيمان بالله جاء بالباء في قوله: ﴿بالله﴾ وبالنسبة للمؤمنين جاء باللام في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
بعض الناس يقولون: إن هذه مترادفات؛ لأن معنى ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ أي: يصدق بوجوده. والمنافقون كفرة بالله، ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ معناها أنه ﷺ َ يصدق المؤمنين. أما المنافقون فهو ﷺ َ يعرف أنهم كاذبون فلا يصدقهم. ولكنه لا يفضحهم أمام المؤمنين؛ حتى لا يقطع عليهم خط الرجعة إن كانوا ينوون الإيمان فعلاً.
ولو فضحهم ﷺ َ أمام المؤمنين لضاعت هيبتهم تماماً. وإن فكر أحدهم في ترك النفاق إلى الإيمان، لوجد صعوبة شديدة في ذلك؛ لأن أحداً لن
стр. 6040
يصدقه. ولكن أراد ﷺ َ أن يسترهم أمام المؤمنين؛ فجعل باب الإيمان مفتوحاً على مصراعيه؛ لأن ﷺ َ إنما جاء رحمة للعالمين، ولذلك فهو يحرص على أن يبقي باب التوبة وباب الإيمان أمامهم مفتوحاً دائماً مع حفظ كرامتهم.
قول الحق : ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يصدقهم، وكلمة الإيمان بالنسبة للناس جاءت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى حين أعلن السحرة إيمانهم برب موسى وسجدوا؛ قال لهم فرعون: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر ... ﴾ [طه: ٧١]
ومعنى ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ أي: صدَّقتموه، ولكن ما هو الفرق بين الباء واللام؟ أنت حين تقول: آمنا بالله. فأنت تعلن أنك قد آمنت بالذات بكل صفات الكمال فيها، وحين تقول: آمنت للمؤمنين فيما قالوه، أي صدقتهم لأنهم مؤمنون.
ومادة «آمن» تدور كلها حول الأمن والطمأنينة، ولكنها تأتي مرة لازمة ومرة متعدية. مثلما تقول: «آمنت الطريق» أي: اطمأننت إلى أنه لن يصيبني فيه شر. ومنها قول يعقوب ﵇ لبنيه:
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ ... ﴾ [يوسف: ٦٤]
أي: أن السابقة هنا أنه آمنهم على يوسف فلم يرعوا الأمانة، فصار لا يأمنهم على أخي يوسف، وهذه آمن اللازمة. أما المتعدية فهي التي يتعدد فيها الأمن، مثل قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ... ﴾ [قريش: ٤]
стр. 6041
والخوف متعدد في أشكاله، فهناك مثلاً خوف من الظلام، وخوف من العدو، وخوف من مخاطر الطريق، إذن: فالأمن هنا شمل أشياء متعددة وقد أدخلهم الحق سبحانه في الأمان والطمأنينة من أشياء متعددة.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ هو إيمان بالذات، وإيمان بالصفات، وإيمان بالمنهج، وإيمات يسع أمة رسول الله ﷺ َ كلها، فكأن الإيمان هنا قد تعددت جوانبه. أما الإيمان للمؤمنين فهو تصديق لهم وهذا هو الخير الثاني. وقوله سبحانه ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ لأنه ﷺ َ شفيع لهم يوم القيامة، وقال: «أمتي أمتي» . وهو رحمة لهم في الدنيا؛ لأنه يقودهم إلى الخير الذي يقودهم إلى سعادة الدنيا ثم إلى جنة الآخرة، ويبعدهم عن الشر والنار؛ فهو ﷺ َ رحمة تدفع الضرر وتأتي بالخير، والرحمة إنما تأتي باتقاء الضرر.
والله يقول: ﴿شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ ... ﴾ [الإسراء: ٨٢]
الشفاء يعني أن يكون هناك مرض ويشفى الإنسان منه، والرحمة ألا ياتي المرض، فكأن رسول الله ﷺ َ يبشر بمنهج إذا اتبعه الناس وآمنوا به؛ كان لهم وقاية فلا يصيبهم شر في الدنيا ولا نار في الآخرة.
ويتساءل بعض الناس: لقد قال الحق : ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ والمنافقون قد آمنوا بألسنتهم فقط فما موقفهم؟ نقول: إن الرسول ﵊ ُ؛ لأنه رحمة فقد احترم كلمة اللسان وصدقهم أمام الناس، أما الحق سبحانه فينزلهم في جهنم.
стр. 6042
ثم يقول :
﴿والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
وإيذاء المنافقين لرسول الله ﷺ َ لم يكن بالمواجهة؛ لأنهم أعلنوا كلمة الإيمان، وكان الإيذاء لرسول الله ﷺ َ من المنافقين في قلوبهم وفيما بينهم في مجالسهم، ولذلك لم يكن الإيذاء منهم مباشرة قط، ولكن الآيات بينت أنواع الإيذاء بأنهم يلمزون في الصدقات، ويقولون: إنه أُذُنُ، ويحلفون له كذباً ليضللوه، إلى آخر ما كانوا يفعلون.
ثم يأتي الحق بصورة أخرى من صور المنافقين فيقول سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ... ﴾
стр. 6043
ومن العجيب أن سورة التوبة فيها أكبر عدد من لفظ «يحلفون» ، ولم ترد مادة «يحلف» في سورة المائدة إلا مرة واحدة، وفي سورة النساء مرة، وفي سورة المجادلة ثلاث مرات، أما في سورة التوبة فقد جاءت سبع مرات، وفي سورة القلم جاءت «حلاف» ، حتى إن سورة التوبة سميت «سورة يحلف» ؛ لأن فيها أكبر عدد من ﴿يَحْلِفُونَ﴾ في القرآن الكريم.
ويقول الحق سبحانه:
﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ وفي هذا إصرار من المنافقين على الحلف كذباً، وهو ما يوضح غباءهم وعدم فطنتهم.
стр. 6044
وأيضاً يقول الحق: ﴿سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٩٥]
واستخدام الحق حرف السين معناه أنهم لم يحلفوا بعد، ولكنهم سيحلفون بعد فترة، أي في المستقبل، أي: أن الآية الكريمة نزلت ولم يحلفوا بعد، إنما هم سيحلفون بعد نزول الآية الكريمة، ولو كان عندهم ذرة من ذكاء ما حلفوا، ولقالوا: إن القرآن قال سنحلف ولكننا لم نحلف. ولكنهم ورغم نزول الآية جاءوا مصدقين للقرآن مثبتين للإيمان وحلفوا. وكلمة «حلف» هي القسم أو اليمين. وحين نتمعن في القرآن نجد أن الحلف لا يطلق إلا على اليمين الكاذبة، أما القسم فإنه يطلق على اليمين الصادقة واليمين الكاذبة. فمثلاً عندما نقرأ في سورة المائدة: ﴿ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ... ﴾ [المائدة: ٨٩]
وما دامت هناك كفارة يمين؛ يكون الحلف كذباً؛ لأن الذي يستوجب الكفارة هو الكذب. وإذا استعرضنا بعد ذلك كل «حلف» في القرآن نجد أنه يقصد بها اليمين الكاذبة؛ ولذلك قال الحق : ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]
فالحلف هنا مقصود به القسم الكاذب. ولكن إذا قال الحق ﴿أَقْسَمُواْ﴾ فقد يكون اليمين صادقاً؛ وقد يكون كاذباً.
والحق يقول: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ أي: أن هدف الحلف كذباً هو ‘رضاء المؤمنين حتى يطمئنوا للمنافقين ولا يتوقعوا منهم الشر، ثم يأتي الحق بالحقيقة: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ إذن: فهم يحلفون لترضَوْا أنتم عنهم، أما المؤمن الحق فهو
стр. 6045
لا يقسم إلا ليرضى الله؛ لأن الإنسان قد يخدع البشر، وقد يفلت من عدالة الأرض، ولكنك لا تخدع الله ولا تلفت من عدالته أبداً.
ومن مهام الإيمان أن الإنسان يرعى الله في كل معاملة له مع البشر؛ ويبتغي رضاه ويخاف من غضبه، ذلك هو المؤمن الحق.
وهنا نلاحظ أن الحق قال: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ وكان القياس اللغوي على حسب كلام البشر أن يقول: والله ورسوله أحق أن ترضوهما. وشاء الحق أن يأتى بها ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ ؛ لأن رضا الله ورضا رسوله هو رضا واحد؛ لأن الرسول ﷺ َ لا يأتي بالقرآن من عنده، ولكنه وحي من عند الله.
وإرضاء الرسول هو اتباع المنهج الذي فيه رضا الله لذلك يقول الحق : ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ... ﴾ [الفتح: ١٠]
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله ... ﴾ [آل عمران: ٣١]
ويقول سبحانه: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ... ﴾ [النساء: ٨٠]
إذن: فلا توجد طاعة لله وطاعة للرسول، ولا رضا لله ورضا للرسول؛ لأن الرضا منهما رضا واحد.
إذن: فقول الحق : ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ دليل على اتحاد الرضا من الله ومن رسوله، فما يُرضي الله يُرضي الرسول ﷺ َ، وما يُغضب الله يُغضب الرسول.
стр. 6046
أو: أن الحق يريدنا أن نتأدب مع ذاته، في أنه إذا اجتمع أمران لله ولرسوله لا نجعل أحداً مع الله، وإنما نجعله له سبحانه وهو الواحد. ولذلك فعندما ارتكب رجل ذنباً، وقالوا له: أعلن توبتك أمام رسول الله، قال الرجل: إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد. فقال له رسول الله: «وقعت على الخير» . انظر إلى عظمة الرسول الكريم الذي يثني على رجل يقول أمامه: إني لا أتوب إلى محمد، وإنما أتوب إلى الله.
وقول الحق سبحانه: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كان إيمانهم حقيقة، وليس نفاقاً.
إذن: فنحن لا نطلب الرضا من خلق الله، ولكن نطلبه من الله. ورضا الله ورضا المبلِّغ عنه رسوله ﷺ َ رضا واحد. ولذلك وحَّد الضمير ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل يرضوهما.
ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ... ﴾
стр. 6047
إذا سمعت ﴿أَلَمْ﴾ ، فافهم أن هذا استنكار، كأن وسائل العلم قد تقدمت، وكان من الواجب أن تعلم. فإذا قلت لإنسان: ألم تعلم أنه حدث كذا وكذا؟ فمعنى ذلك أنه قد أعلن عن هذا الحدث عدة مرات، ومع ذلك لم يعلمه. وهذا استنكار لتخلُّف هذا الإنسان عن العلم.
وهنا يستنكر الحق عدم علم المنافقين بقضية أعلنها الله مرات ومرات، وكان يجب أن يعلموها وألا تزول عن خواطرهم أبداً. وسبق أن قلنا: إن الاستفهام فيه نفي، والهمزة همزة استفهام. ولم تأت للنفي، وإذا دخلت همزة الاستفهام على النفي يكون استنكاراً. فإن قلت لإنسان: ألم أكرمك؟ كأنك أكرمته عدة مرات وهو مُنكر لذلك.
وقول الحق : ﴿أَلَمْ يعلموا﴾ هو إقامة للحجة على أن الحكم قد بلغهم؛ لأنه من الجائز أن يقولوا: إن الحكم لم يبلغنا، فيوضح لهم الحق: بل بلغكم الحكم وقد أعلمتكم به عدة مرات.
﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله﴾ ما معنى يحادد؟ نجد في الريف أن أهل الريف يضعون علامات من الحديد تفصل بين قطعة أرض وأخرى مجاورة لها، كعلامة على الشيء الذي يفصل بين حق وحق ويسمونها حدّاً، والذين يحادون الله هم الذين يجعلون الله في جانب وهم في جانب، وبذلك لا يعيشون في معية الله ولا ينعمون بنعمة الإيمان به سبحانه ولا يطبقون منهجه. بل يجعلون حدّاً بينهم وبين ما أمر به الله.
وعندما أراد العلماء تفسير هذه الآية قالوا: ﴿يُحَادِدِ﴾ تعني: يعادي، وقالوا: بمعنى يشاقق؛ أي: يجعل نفسه في شق والله ورسوله ودينه في شق آخر. أو: يحارب دين الله فيكون هو في وجهة ودين الله
стр. 6048
في وجهة أخرى. وهناك علاقة بين كلمة «يحارب» وكلمة «حد» ، فحدُّ السيف هو الجزء القاطع منه الذي يفصل أي شيء يقطعه إلى جزءين، فكأن الذي يحادد هو من يحارب منهج الله ورسوله. فهو لا يكفر بالله فقط، ولكنه يحمل السلاح ليجعل خلق الله يكفرون أيضاً.
والحق يريد من المؤمنين أن يكونوا دائماً في جانب الإيمان، وألا يقيموا حدّاً بينهم وبين الإيمان به. والأحكام الشرعية تسمى حدوداً، أي: أن كل حكم قد وضع ليحدد حدّاً من حدود الله، تحفظ به الحقوق والأوامر.
ومنهج الله إما أن يكون أوامر، وإما أن يكون نواهي؛ لأن منهج الدين كلمة في «افعل» و «لاتفعل» ، ويضع الحق عقاباً لمن يتعدى حدوده سبحانه، فيقول سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ... ﴾ [البقرة: ١٨٧]
ويقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
ويسأل بعض الناس: ما الفرق بين اللفظين ﴿تَعْتَدُوهَا﴾ و ﴿تَقْرَبُوهَا﴾ .
ونقول إذا كانت هناك أوامر فلا تتعد الأمر، وإذا كانت هناك نواهٍ فلا تقترب من المنهي عنه.
ونلحظ أن الحق حين نهى آدم وحواء عن الأكل من الشجرة المحرمة لم يقل: لا تأكلا من الشجرة، بل قال: ﴿فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة ... ﴾ [الأعراف: ١٩]
стр. 6049
وبذلك أباح سبحانه الأكل من كل ثمار الجن، ولكنه أمر ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ لأن القرب من هذه الشجرة إغراء بالمعصية؛ فقد يعجبهما منظر الثمرة. وقد تغريهما رائحتها، وقد يفتنهما لونها. ولكن عندما لا يقتربان من هذه المغريات كلها فهما يحميان نفسيهما من المعصية.
وعندما تكلم الحق عن الخمر قال: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ... ﴾ [المائدة: ٩٠]
والحق لم يقل: لا تشربوا الخمر، ولكن أمر باجتناب الخمر، أي: لا تقرب أي مكان فيه خمر؛ لأن وجود الإنسان في مكان فيه خمر قد يوحي إليه بتناولها. وقد يجد من الجالسين من يحاول إغراء من لا يشرب بأن يتناول ولو جرعة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يبقي النفس المؤمن أن تغرى بالمعصية فتقع فيها.
ويقول سبحانه في أدب الاعتكاف: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد تِلْكَ حُدُودُ الله ... ﴾ [البقرة: ١٨٧]
المنهي عنه هو المباشرة، أي: إن تواجدت الزوجة مع زوجها في المسجد، فليس في هذا الأمر معصية شرط ألا يباشرها الزوج، ثم
стр. 6050
يقول الحق : ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ ولم يقل: فلا تفعلوها، ولكنه قال: ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا ... ﴾ [البقرة: ١٨٧]
إذن: ففيهما نهى الله عنه؛ مطلوب من المسلم ألا يقرب منه، أي: لا تكن انت والشيء الذي نهى عنه في مكان واحد، بل عليك أن تبتعد عن المكان؛ لأن المعصية لها إغراءات، وما دمت بعيداً عن الإغراءات؛ فأنت تعصم نفسك، أما إن اقتربت منها فقد تقع فيها.
أما في الأوامر؛ فيقول الحق : ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ . وعلى سبيل المثال: إن نشأ خلاف بين الزوجين وفشلت كل محاولات الصلح بينهما، يقول الحق سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
إذن: ففي الأوامر يقول الحق: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ، وفي النواهي يقول سبحانه: ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ينذر الحق الذين يحادون الله ورسوله فيقول:
﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذلك الخزي العظيم﴾ والإنذار هنا يتمثل في أنه يوضح لهم أن ما ينتظرهم ليس هو العذاب الجسدي فقط، ولكنه عذاب فيه خزي وهوان، فمثلاً بعض الناس قد يتحمل ويتجلد أمام الألم حتى لا يشمت فيه عدوه؛ لذلك
стр. 6051
فالعذاب الذي يعدهم الله به في الآخرة ليس أليماً فقط، ولكن فيه خزي وهوان. ويتمثل الخزي في أن المتكبر في الدنيا يأتي إلى الآخرة ويهان أمام الخلق جميعاً، ويكفي خزياً أن يكون في النار. والمؤمنون الذين تكبَّر عليهم في الدنيا يعيشون في نعيم الجنة، وتلك حسرة تصيبه ليس بعدها حسرة.
ثم يفضح الحق المنافقين فيقول: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ ... ﴾
стр. 6052
والحذر معناه الاستعداد لدفع خطر أو ضرر متوقع، وعلى سبيل المثال؛ يقال لمن يسافر في طريق محفوف بالأخطار: خذ حذرك وأنت تسير في هذا الطريق. وهنا قد يصحب المسافر معه رفيقاً، أو يأخذ معه سلاحاً يدافع به عن نفسه إن قابلته عصابة من قطاع الطرق. إذن: فالحذر هو الإعداد لدفع خطر أو ضرر متوقع.
ولكن إذا كانت السورة تتنزل من عند الله على رسوله فكيف يحذرون ويستعدون لنزول هذه السورة؟
نقول: إن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، ولأن آيات سابقة نزلت تفضح ما يخبئونه في نفوسهم. فهم دائماً خائفون من أن تنزل آية جديدة تفضحهم أمام المسلمين.
стр. 6053
الحق يريدهم أن يعرفوا أنه عليم بما في نفوسهم، ويخوفهم من أن تنزل آيات تكشفهم، فهم يخشون أن يخرج ما في بطونهم من كفر يخفونه، وهو غيب عن المؤمنين. والغيب - كما نعلم - محجوب بزمان ومكان، وغيب الزمان محجوب بالماضي أو بالمستقبل، فإن كان هناك حدث قد مضى ولم تشهده، فهو غيب عنك ما لم تعلمه من كتب التاريخ، وكذلك إن كان هناك حدث سوف يأتي في المستقبل، فهو لم يقع بعد، فهو إذن محجوب بالمستقبل، أما حجاب المكان فهو حجاب الحاضر، وعلى سبيل المثال: إن كنا الآن في القاهرة فنحن لا نعلم ما يحدث في الإسكندرية. والله هتك كل هذه الحجب في القرآن الكريم، فهتك الحق سبحانه حجاب الماضي في أمثلة كثيرة أخبر بها رسوله ﷺ َ، مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ [القصص: ٤٤]
وأيضاً يقول سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥]
فكأن الحق قد كشف لرسوله من حجب الزمن الماضي، ما لم يكن يعلمه أحد، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]
стр. 6054
وكشف الله أيضاً - لرسوله ﷺ َ والمؤمنين حجاب الزمن المستقبل؛ فقال: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ... ﴾ [البقرة: ١٤٢]
وهؤلاء السفهاء سمعوا الآية قبل أن يتساءلوا عن تحويل القبلة، ورغم ذلك تساءلوا عن تحويل قبلة الصلاة. وأيضاً قالوا الحق من أمثلة كشف حجب المستقبل: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥]
وقد نزلت هذه الآية والمسلمون يلاقون عذاباً شديداً من الكفار، حتى إن عمر بن الخطاب قال: أي جمع هذا؟
وعندما حدثت غزوة بدر قال عمر: صدقت ربي: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ .
وكذلك كشف الحق حجاب المستقبل حين قال:
﴿غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الروم: ٢ - ٥]
أي: أن الله ﵎ أعطى نتيجة المعركة بين الروم والفرس قبل أن تحدث بسنوات طويلة، وحدد الجانب المنتصر وهو الروم، وكذلك أنبأ
стр. 6055
سبحانه وتعالى رسوله بما يحدث في أعماق النفس. وما يدور في صدور الخلق، وساعة ما ينتهك حجاب النفس، كأنه يوضح لكل إنسان: إن سِرَّك الذاتي مفضوح عند الله، والمثال على هذا قول الحق سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ... ﴾ [المجادلة: ٨]
هم قالوا في أنفسهم، ولو لم يقولوا لعارضوا ما أخبرهم به محمد ﷺ َ عمَّا قالوه في أنفسهم وأعلنوا أنه كذب. ولكنهم لم يكذِّبوا رسول الله فيما أبلغ على ظنهم صدق رسول الله.
والمثال هو قول الحق هنا: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤]
وإن كان البعض منهم قد استهزأ قائلاً: لا داعي أن نتكلم حتى لا يُنزِل فينا قرآناً، فالحق يُبلِّغ رسوله أن يرد عليهم: ﴿قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] .
وما تحذرون منه أيها المنافقون سيكشفه الله لرسوله وللمؤمنين.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا ... ﴾
стр. 6056
وإن سألتهم يا رسول الله: ها تناولتم الإسلام بسوء أو عيب في مجالسكم، فسوف يقولون: كان هذا قد حدث فهو مجرد خوض ولعب، وكلام مجالس لا قيمة له.
والخوض أن تُدخِلَ نفسك في سائل، مثل الذي يخوض في الماء أو يخوض في الطينَ، وقد أطلق على كلِّ خوض، ثم اقتصر على الخوض في الباطل، أي: أن المسائلة لم تكن جدية بل كانت مجرد تسلية ولعب.
ويقول الله لرسوله: ﴿قُلْ أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: إذا قالوا لك: إن هذا حديث تسلية ولعب؛ فاللعب هو أمر لا فائدة منه إلا قتل الوقت، أليس عندكم إلا الاستهزاء بآيات الله ورسوله وأحكام الإسلام تقتلون به الوقت؟ فهل هذه المسائل خوض ولعب؟
ثم يعطيهم الله الحكم: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... ﴾
стр. 6057
وهل سبق للمنافقين إيمان ثم جاء كفر؟ لا، ولكن قوله تعالى ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ يعني: أنكم أيها المنافقون قد فضحتم أنفسكم؛ لأنكم كنتم تعلنون الإيمان فقط، ثم أظهر الحق أن إيمانكم إيمان لسان لا إيمان وجدان.
стр. 6058
ثم يقول الحق : ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ انظر إلى رحمة الله، وكيف أنه - جَلَّ وعلا - لم يوصد باب التوبة أمامهم، بعد أن كشف ما في نفوسهم، هنا يعلن له الحق أن الطائفة التي ستتوب توبة صادقة، والتي لم تشترك في هذا الخوض سيغفر لهم الله. أما الذين بَقَوْا على نفاقهم وإجرامهم - والإجرام هو القطع، وجرمت الثمرة أي قطعتها، وسمي إجراماً لأنه قطع حقاً عن باطل - أي الذي قطعوا واقعهم بقلوبهم وسلوكهم عن الإيمان، فسوف يعذبهم الحق سبحانه.
стр. 6059
ثم يعود إلى الأحكام التكليفية، وعادة تكون الأحكام التكليفية من الله كلها على الذكورة، وليس فيها على الأنوثة إلا عدد قليل من الآيات مثل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ... ﴾ [الحجرات: ١١]
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ... ﴾ [النحل: ٩٧]
стр. 6060
أما باقي الأحكام فتنصبُّ على الذكورة، وتدخل الإناث في الأحكام لأن الأنوثة مبنية على السِّتْر في الذكورة. ولكنه لا بد هنا من ذكر المنافقين والمنافقات على كل حدة؛ لأن للرجال مجالس، وللنساء مجالس، ولكل منهما أفعال وأقوال تختلف عن الآخرين. . ولذلك كان لا بد من النص على المنافقات.
وقوله الحق سبحانه: ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي: لا يتميز أحد من المنافقين والمنافقات عن الآخر في الخسة والقبح والفضائح، ويحدد الاله خصالهم في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ فهم إن فعل الناس معروفاً ينهونهم عنه، بل إنهم يشجعونهم على فعل المنكر، وهم لا ينفقون في سبيل الله إذا طُلِبَ منهم الإنفاق.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ وهل يُنْسَى الحق بالفطرة؟ لا، ولكن المقصود أنهم نسوا مطلوبات الله وتكاليفه فنساهم الله أي أهملهم، فمن يبعد عن الله يزده الله بُعْداً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً ... ﴾ [البقرة: ١٠]
فإن كنت مسروراً من أنك نسيت الله فسيزيدك نسياناً، ويختم على قلبك فلا يخرج منه الكفر أبداً.
ثم يعطي الحق سبحانه الحكم: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وكلمة «منافق» - كما نعرف - مأخوذة من نفقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر ويسكن في الصحراء ويحفر لنفسه نفقاً في الأرض؛ له بابان، وإنْ ترصَّد له الصائد عند أحدهما خرج من الثاني، وهكذا ترى أن المنافق له وجهان. والفسوق معناه الخروج عن منهج الطاعة؛ وهو مأخوذ من «فسق الرطب»
следующие страницы →