← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

وإن سألتهم يا رسول الله: ها تناولتم الإسلام بسوء أو عيب في مجالسكم، فسوف يقولون: كان هذا قد حدث فهو مجرد خوض ولعب، وكلام مجالس لا قيمة له. والخوض أن تُدخِلَ نفسك في سائل، مثل الذي يخوض في الماء أو يخوض في الطينَ، وقد أطلق على كلِّ خوض، ثم اقتصر على الخوض في الباطل، أي: أن المسائلة لم تكن جدية بل كانت مجرد تسلية ولعب. ويقول الله لرسوله: ﴿قُلْ أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: إذا قالوا لك: إن هذا حديث تسلية ولعب؛ فاللعب هو أمر لا فائدة منه إلا قتل الوقت، أليس عندكم إلا الاستهزاء بآيات الله ورسوله وأحكام الإسلام تقتلون به الوقت؟ فهل هذه المسائل خوض ولعب؟ ثم يعطيهم الله الحكم: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... ﴾

стр. 6057

وهل سبق للمنافقين إيمان ثم جاء كفر؟ لا، ولكن قوله تعالى ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ يعني: أنكم أيها المنافقون قد فضحتم أنفسكم؛ لأنكم كنتم تعلنون الإيمان فقط، ثم أظهر الحق أن إيمانكم إيمان لسان لا إيمان وجدان.

стр. 6058

ثم يقول الحق : ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ انظر إلى رحمة الله، وكيف أنه - جَلَّ وعلا - لم يوصد باب التوبة أمامهم، بعد أن كشف ما في نفوسهم، هنا يعلن له الحق أن الطائفة التي ستتوب توبة صادقة، والتي لم تشترك في هذا الخوض سيغفر لهم الله. أما الذين بَقَوْا على نفاقهم وإجرامهم - والإجرام هو القطع، وجرمت الثمرة أي قطعتها، وسمي إجراماً لأنه قطع حقاً عن باطل - أي الذي قطعوا واقعهم بقلوبهم وسلوكهم عن الإيمان، فسوف يعذبهم الحق سبحانه.

стр. 6059

ثم يعود إلى الأحكام التكليفية، وعادة تكون الأحكام التكليفية من الله كلها على الذكورة، وليس فيها على الأنوثة إلا عدد قليل من الآيات مثل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ... ﴾ [الحجرات: ١١] وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ... ﴾ [النحل: ٩٧]

стр. 6060

أما باقي الأحكام فتنصبُّ على الذكورة، وتدخل الإناث في الأحكام لأن الأنوثة مبنية على السِّتْر في الذكورة. ولكنه لا بد هنا من ذكر المنافقين والمنافقات على كل حدة؛ لأن للرجال مجالس، وللنساء مجالس، ولكل منهما أفعال وأقوال تختلف عن الآخرين. . ولذلك كان لا بد من النص على المنافقات. وقوله الحق سبحانه: ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي: لا يتميز أحد من المنافقين والمنافقات عن الآخر في الخسة والقبح والفضائح، ويحدد الاله خصالهم في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ فهم إن فعل الناس معروفاً ينهونهم عنه، بل إنهم يشجعونهم على فعل المنكر، وهم لا ينفقون في سبيل الله إذا طُلِبَ منهم الإنفاق. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ وهل يُنْسَى الحق بالفطرة؟ لا، ولكن المقصود أنهم نسوا مطلوبات الله وتكاليفه فنساهم الله أي أهملهم، فمن يبعد عن الله يزده الله بُعْداً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً ... ﴾ [البقرة: ١٠] فإن كنت مسروراً من أنك نسيت الله فسيزيدك نسياناً، ويختم على قلبك فلا يخرج منه الكفر أبداً. ثم يعطي الحق سبحانه الحكم: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وكلمة «منافق» - كما نعرف - مأخوذة من نفقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر ويسكن في الصحراء ويحفر لنفسه نفقاً في الأرض؛ له بابان، وإنْ ترصَّد له الصائد عند أحدهما خرج من الثاني، وهكذا ترى أن المنافق له وجهان. والفسوق معناه الخروج عن منهج الطاعة؛ وهو مأخوذ من «فسق الرطب»

стр. 6061

أي: انفصلت القشرة عن الثمرة. والقشرة - كما نعلم - مخلوقة لصيانة الثمرة؛ فإذا فسقت عنها تلفت الثمرة. والإنسان إذا فسق خرج عن طاعة الله. ثم يأتي الله بما أعدَّه للمنافقين فيقول: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات ... ﴾

стр. 6062

والوعد للخير والوعيد للشر، ويقال: «أوعد» في الشر، وفي بعض الأحيان تستخدم كلمة «وَعَدَ» بدلاً من «أوعد» حتى إذا استمع السامع لها يتوقع خيراً. فإذا جاء الأمر بالعذاب كان ذلك أليماً على النفس. وهذا استهزاء بالمنافقين والكفار، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه ... ﴾ [الكهف: ٢٩] كأن الله أعطاهم وعداً أنهم إن يستغيثوا سيأتيهم الغوث ثم يقلبه عليهم ويجعله ماء يغلي ويشوي وجوههم - والعياذ بالله - ونلحظ أيضاً أن الحق سبحانه قد قدَّم المنافقين والمنافقات على الكفار، وهذا يؤيده قول الحق : ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [النساء: ١٤٥]

стр. 6063

وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ وهكذا نرى أن المنافقين موقعهم الدرك الأسفل من النار. والكفار موقعهم الدرك الأعلى، وقد يسأل سائل: كيف يكون ذلك؟ ونقول: إن الكافر بكفره قد أعطانا مناعة؛ فأنه أعلن الكفر فنحن نأخذ حذرنا دائماً منه، فلا يلحق بنا إلا ضرراً محدوداً، أما المنافق فهو قد تظاهر بالإيمان فآمناه، ويستطيع أن يلحق بنا شرّاً رهيباً؛ لأنه بحكم ما أخذه من أمان منا، يعرف أسرارنا ومواطن الضعف فينا، وقد تكون طعنته قاتلة. والعدو الخفي - كما نعلم - شر من العدو الظاهر؛ لأننا نكون على حذر من العدو الظاهر، لكننا لا نأخذ الحذر من العدو الخفي، وهو يعرف ما في نفسي، ويعرف كل تحركاتي، ويستطيع أن يغدر بي في أي وقت دون أن أكون منتبهاً لهذا الغدر. ولذلك إذا أراد قوم أن يكيدوا للإسلام دون أن يسلموا، فكيدهم يفشل؛ لأنهم وهم على الكفر سيجدون مناعة عند المسلمين من الاستماع إليهم. أما إن احتالوا ودخلوا على الإسلام من داخل المسلمين أنفسهم، فهم يجنِّدون عدداً من ضعاف الإيمان ليطعنوا في هذا الدين، وتكون طعنات هؤلاء المسلمين بالاسم، هي القاتلة وهي المؤثرة. هنا نلاحظ في قول الحق : ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ولم يقل الحق بالخلود أبداً في النار إلا في ثلاث آيات فقط في القرآن الكريم.

стр. 6064

في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ [النساء: ١٦٩] وقوله : ﴿إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥] وقوله ﷻ : ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ [الجن: ٢٣] ولكنه ذكر الخلود في الجنة أبداً مرات كثيرة. ونقول: إن الجنة هي بُشرى النعيم للمؤمنين. ويريد الحق أن يؤنس خلقه بالنعيم الذي ينتظرهم، ولكن بالنسبة للنار فهي دار عذاب، وتأبى رحمة الله وهو الخالق الرحيم بعباده ألا يُذكر الخلود في النار متبوعاً بكلمة أبداً في ثلاث آيات؛ حتى لا يظن الكفار أن الله بقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ دون ذكر الأبدية أنه خلود مؤقت في النار؛ لذلك يُذكِّرهم بأنه خلود أبدي. وفي نفس الوقت تأبى رحمته أن يكون ذلك في كل آية تُذكَر فيها النار؛ حتى يفتح طريق التوبة والرحمة لكل عاصٍ، عَلَّه يتوب ويرجع إلى الله. والحق سبحانه يقول: ﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٨]

стр. 6065

وثار الحديث بين المستشرقين: كيف يقول الحق عن النار والجنة خالدين فيها أبداً؟ ثم يأتي في هذه الآيات ويستثنى ويقول: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ والاستثناء وارد على المؤمن والكافر؟ ونقول: إن الذين يثيرون هذا الاعتراض لم يفهموا القرآن ولا المنهج، فالذين سيدخلون النار قسمان: قسم آمن ولكنه عصى وارتكب سيئات؛ فُيعذَّب في النار على قَدْر سيئاته، ثم يُخرجه الله من النار إلى الجنة لأنه مؤمن، وقسم آخر كافر أو منافق، الاثنان يدخلان النار، ولكن أولهما - وهو المؤمن - يُعذِّب على قَدْر سيئاته. والثاني يبقى خالداً فيها لأنه كفر أو نافق. إذن: فالمؤمن العاصي لا يخلد في النار؛ ولذلك قال الحق : ﴿إلا ما شاء ربك﴾ لأنه لن يبقى في النار إلا بقدر سيئاته، فكأن خلوده في النار من البداية مؤقت وهو لا يبقى خالداً فيها؛ لأن مشيئة الله تدركه، فتخرجه من النار إلى الجنة. أما الكافر والمنافق فهما خالدان في النار لا يخرجان منها، فكأن هناك من يدخل النار ولا يكون خلوده فيها أبديّاً، وهذا هو المؤمن العاصي. وهناك من يدخل النار ويخلد فيها أبداً، وهذا هو الكافر أو المنافق. وإذا جئنا إلى الجنة، فهناك من سيدخل فيها خالداً أبداً؛ أي منذ انتهاء الحساب إلى ما لا نهاية. وهذا هو المؤمن الذي غلبت حسناته سيئاته وأدخله الحق الجنة. ولكن هناك من سيدخل الجنة، ولكن خلوده فيها يكون ناقصاً وهو المؤمن العاصي؛ لأنه يدخل النار أولاً ليجازي بمعاصيه. إذن: فالمؤمن العاصي خلوده في النار ناقص؛ لأنه لن يبقى فيها أبداً. وكذلك يفتقد الخلود في الجنة فور انتهاء لحظة الحساب؛ لأنه لن يدخل

стр. 6066

فيها بعد الحساب مباشرة، بل سيدخل النار أولاً بقدر معاصيه. فقول الحق : ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ ينطبق على عصاة المؤمنين الذين سيأخذون حظهم من العذاب أولاً على قدر سيئاتهم، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة. وقول الحق عن خلود المنافقين في النار: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي تكفيهم، كأن يكون هناك إنسان شرير وأنت تريد أن تؤدبه، فيأتي إنسان قوي ويقول لك: اتركه لي، أنا وحدي كفيل أن أؤدبه، فتقول: هذا حسبه، أي يكفيه هذا؛ ليتم التأديب المطلوب. كذلك النار، فسبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنها تكفيهم، أي: أن ما سيعانونه فيها من ألم وعذاب كافٍ جدّاً لمجازاتهم على ما فعلوه من سيئات. ثم يقول الحق: ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ أي: طردهم من رحمته ومن طاعته فلا يقبل لهم توبة ولا عودة؛ لأن مكان التوبة هو الدنيا. وأما بعد الموت والآخرة، فلا محل فيهما لتوبة ولا رجوع عن معصية؛ لأن زمان ذلك قد انتهى. لذلك فالعذاب لمن لم يَتُبْ في الدنيا هو عذاب مقيم في الآخرة. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ وقد وصف الحق عذاب جهنم مرة بأنه عذاب أليم، ومرة بأنه عذاب مهين، ومرة بأنه عذاب مقيم؛ لأنه يريدنا أن نعلم أن كل أنواع العذاب ستصيب أهل جهنم، فإن كان الإنسان مُتجلِّداً له

стр. 6067

كبرياء يتحمل الألم الشديد ولا يُظْهِر ما يعاني، فالعذاب لن يكون أليماً فقط، ولكنه مهين أيضاً، والهوان هو إيلام النفس، وإن كان ذا كبرياء مُتجلِّد فإنه يُجَرُّ على وجهه ويُهَانُ. وبعض الناس قد يتحمل الألم، ولكن لا يتحمل الإهانة التي تصيبه بعذاب نفسي أكثر من العذاب البدني، فقد تأتي لكبير قوم وتهينه أمام أتباعه، أو لأب وتهينه أمام أولاده، ويكون هذا أكثر إيلاماً لنفسه من أن تضربه. وقول الحق : ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أي: عذاب دائم، فإن كان أليماً يبقى الألم على شدته ولا يخفَّف أبداً، وإن كان مهيناً تبقى الإهانة مستمرة ولا تزول أبداً. وفي كلتا الحالتين هو عذاب فيه إقامة وفيه دوام واستمرار. ثم يخاطب الحق الكفار والمنافقين، ويقول جل وعلا للخارجين عن منهجه: ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ ... ﴾

стр. 6068

وهنا يُذكِّرهم سبحانه بمواكب الكفر التي صاحبت الرسل السابقين، وقد كانت هذه المواكب فيها المنافقون وفيها الكفار، وسبحانه وتعالى عندما يرسل رسولاً يؤيده ضد أعداء منهج الخير.

стр. 6069

والحق سبحانه يريدنا أن نتذكر ما حدث للأمم السابقة الذين كانوا أكثر قوة وأكثر أموالاً وأولاداً من أولئك الكفار والمنافقين الذين يواجهون رسول الله ﷺ َ. ولنقرأ قول الحق ﷻ : ﴿والفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ والشفع والوتر والليل إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد الذين طَغَوْاْ فِي البلاد فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١ - ١٤] ونحن لم نشهد ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ التي وصفها الحق بقوله: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾ ، ولكن القرآن أكد لنا أنها وصلت إلى درجة من الحضارة التي لم يصل إليها أحد. وقد يتساءل بعض الناس: أين ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ من حضارات اليوم؟ . ونقول: إن هناك أسراراً لله في كونه قد أعطاها بعض خلقه ولم يُعْطِها لأحد حتى الآن. وإذا نظرنا إلى الفراعنة مثلاً نجد أن الحق قد وصفهم في القرآن بقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ . والأهرامات أوتاد، والمسلات أوتاد، وما زالت علوم حضارة الفراعنة تغيب عن البشر حتى الآن، فهناك من مظاهر هذه الحضارة ما نعجز عنه حتى الآن، مثل سير التحنيط وبناء الأهرام؛ فهذه الكتل الحجرية الضخمة التي ارتفعت ويمسك بعضها البعض، دون أية مواد مثبتة، وما زال العلم الحديث عاجزاً حتى اليوم عن أن يوجد هرماً مبنيّاً بنفس طريقة قدماء المصريين دون استخدام أي مواد

стр. 6070

مثبتة، ومع ذلك فهؤلاء الفراعنة لم يستطيعوا أن يسودوا الكون رغم قوتهم وحضارتهم، بل أخذهم الله أخْذَ عزيز مقتدر. وجاءت الرمال فدفنت حضارتهم. ثم شاء الله لنا أن تكشف عن جزء بسيط منها؛ فإذا بهذا الجزء البسيط يبهر الدنيا كلها. وإذا بالعالم كله يأتي ليشاهد حضارة الفراعنة، ويتعجب من هذا الفن وهذا الرقي في العلم. فإذا كانت هذه هي حضارة آل فرعون، فما بالك بحضارة إرم ذات العماد التي لم يُخْلَق مثلها في البلاد؟ وهكذا نعلم أن بعض حضارة إرم ذات العماد ما زالت مخفية حتى الآن لا يعلم أحد عنها شيئاً. ومدفونة في باطن الأرض. ولعل الله قد أبقاها ليكشفها في زمن قادم يزداد فيه بُعْد الناس عن الدين؛ لأن الإنسان كلما تقدم في الحضارة ابتعد عن الإيمان؛ لإحساسه بأنه متمكن في الكون؛ مسيطر عليه؛ حينئذ ربما يكشف الحق عن حضارة ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ ليعرف الناس أن ما وصلوا إليه لا يساوي شيئاً مما كشفه الله لهؤلاء القوم. وإن سأل سائل: أين هي حضارة ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ ؟ نقول له: إنها في وادي الأحقاف والهبّة الواحدة من الرياح في هذا الوادي تستر قافلة بأكملها؛ أي إذا هبّت ريح، فإن الرمال لا تداري الطريق وحده؛ ولكنها تداري القافلة كلها، فكم عاصفة رملية هبّت على المكان الذي كانت تقطنه ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ فأخفتْ حضارتهم؟ لا بد إذن من حفريات على مستوى عميق جدّاً لنعثر على تلك الحضارة؛ لأننا نعلم ونرى أن كل الكشوف الأثرية تحتاج أن نحفر لها؛ لأن الرمال تتراكم فوق

стр. 6071

الآثار. بل إننا نرى البيوت القديمة في القرى، لا بد أن تنزل لها بدرجة أو درجتين لتدخل إليها من الباب؛ لأن العوامل الطبيعية والرصف وغير ذلك تزيد من علو الطريق. فإذا كان هذا هو عمل الرياح العادية في وقت قصير، فما بالك بالأعاصير في أزمان طويلة؟ وأنت إذا سافرت وأغلقت نوافذ مسكنك إغلاقاً مُحْكماً، وعُدْتَ بعد شهر واحد تجد الأثاث مغطى بطبقة من التراب، فإن غبْتَ عاماً وجدت كمية كثيفة من التراب، هذا بالنسبة لبيت محكم الإغْلاق، فما بالك بحضارة معرضة لكل هذه الظواهر الطبيعية، وتُسْتر كل شهر بطبقة جديدة كثيفة من التراب؟ ويقول سبحانه: ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ أي: أن حضارتهم أكبر من حضارتنا؛ لأن الحضارة كلما كانت متقدمة كانت الأمة قوية، وكلما تأخر شعب حضاريّاً كان ضعيفاً. إذن: فالذين من قبلنا كانوا أكثر حضارة وأكثر أموالاً وأولاداً. ولسائل أن يسأل: كيف تكون لهم كثرة أولاد والعالم يزداد عدداً كل عام، وكيف تكون لهم كثرة أموال ونحن نكشف كنوز الأرض جيلاً بعد جيل؟ نقول: لا تأخذ الكثرة على أنها كثرة عددية، بل خذها بنسبتها؛ لأنك إذا جئت بمائة شخص ووضعتهم في حجرة، يقال عنهم: «كثير» . فإذا أخذت كل واحد منهم ووضعتهم في مكان بعيد عن الآخر يكون العدد قليلاً. وكان العالم في الماضي مسكوناً بأماكن محدودة، بدليل أننا اكتشفنا قارات وأماكن لم يكن يعرفها أحد. إذن: فالكثرة هنا بالنسبة للحيز، وهم فس حيزهم الذي يعيشون فيه كانوا كثرة، وبالأموال التي كانت بين أيديهم بعددهم المحدود كانوا أكثر منكم أموالاً بعددكم الكبير، أي أن نصيب الفرد كان أكبر، وكذلك الأولاد.

стр. 6072

ثم يقول الحق : ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾ والخلاق هو النصيب الذي يصيب الإنسان من أي نعمة، ويقول سبحانه: ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي: ليس له في الآخرة نصيب من نعم الله، فالذين عملوا للدنيا وحدها ولك يكن في بالهم الله، يأبى عدل الحق أن يضيع عليهم نتيجة عملهم، ولذلك فهو يعطيه لهم في الدنيا، ولكم من يعمل وفي باله الله يعطيه الله من الدنيا ويُوفِّيه أجره في الآخرة. ولذلك نجد بعضاً من المؤمنين يسألون: كيف يكون الكفار أحسن حالاً من المؤمنين في الحضارة المادية، ولماذا يأخذ الكفار من خيرات الأرض ما يكفيهم ويزيد، لدرجة أنهم في بعض البلاد يُلْقون بالفائض في البحر، بينما تجد المسلمين يعيشون في حضارة مادية محدودة، ويستوردون ما يأكلون؟ ولنتذكر الحقيقة الواضحة التي أكررها دائماً لكل مسلم: إياك أن يغيب عنك أن هناك «عطاء للرب» و «عطاء للإله» . فعطاء الرب للجميع؛ لأن الرب هو الذي خلق وربَّى، وأمدنا بالأقوات، وسبحانه ليس رب المؤمن فقط. لكنه رب المؤمن والكافر. ولذلك إذا أخذ المؤمن أو الكافر بالأسباب أعطاه الله؛ فالأرض تعطى محصولاً وفيراً لمن يحسن زراعتها وينتقي لها التقاوي ويرعاها، لا تفرق في ذلك بين مؤمن وكافر، والكون يعطي كنوزه لمن يبحث عنها ويجتهد، لا فرق بين مؤمن وكافر، وهذا عطاء الربوبية. أما عطاء الألوهية فقد خصَّ الله به عباده المؤمنين الذين يتبعون منهجه، هذا عطاء العبادة يجزي به الإنسان في الآخرة، والذي

стр. 6073

يأخذ العطاءين هو السعيد، يأخذ عطاء الربوبية فيستغل أسباب الحياة فيعطيه الله خير الدنيا، ويأخذ عطاء الألوهية بأن يجعل حياته وفقاً لمنهج الله، فيعطيه الله النعيم في الآخرة. والأسباب في الدنيا لا تفرق بين مؤمن وكافر، فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، والمطر ينزل على الطائع والعاصي؛ لأن هذا عطاء ربوبية. من أحسن استخدامه أعطاه بصرف النظر عن الطاعة أو المعصية. ولذلك يقول الحق : ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] لماذا؟ لأنك عملت للدنيا وحدها. . وكنت تعمل ليقال إنك مخترع أو مكتشف. . أو لتحصل على الأموال والأوسمة. . أو النفوذ والجاه في الدنيا، ولكنك لم تكن تعمل وفي بالك الله. وبعض الناس يأتي ليقول لك: هل الذي اكتشف علاجاً لميكروب كان يفتك بالبشر، أو اكتشف الكهرباء أو اكتشف كذا مما أسعد البشرية كلها، أيكون هذا كافراً ويُعذَّب في النار؟ نقول له: نعم؛ لأنه فعل هذا وليس في باله الله. . وإنما فعله وفي باله الحصول على المجد أو المال أوالنفوذ في الأرض؛ ولذلك أعطاه الله، ما عمل من أجله، فأصبح له ثروة طائلة وتاريخ يدرس في المدارس، وأعطوه النياشين وأطلقوا اسمه على الشوارع والميادين. فما دام قد عمل للدنيا فإن الله يعطيه أجره في الدنيا، ولكن الذي عمل وفي باله الله يأخذ من الدنيا بالأسباب، ولكنه يأخذ في الآخرة من المسبب مباشرة؟ فالإنسان قد ارتقى حضاريّاً، حتى إنك الآن في بعض الدول المتقدمة تضغط زراً يعطي لك القهوة أو الشاي،

стр. 6074

وآخر يعطيك الطعام. نقول: إن هذا كله متاع الأسباب، فقبل أن تضغط أنت هذا الزر، كان هناك بشر أعدّوا لك القهوة أو الطعام، والآلة أوصلته إليك. ولكن مهما ارتقى الإنسان تكنولوجيّاً فلن ياتي اليوم الذي يجعل الشيء يخطر ببالك فتجده أمامك. . ولكن في الجنة بمجرد أن يخطر الشيء على بال تجده أمامك؛ لأن عطاء الدنيا عطاء أسباب، وعطاء الآخرة عطاء مسبب. فالله أعطانا الاختيار والأسباب في الدنيا، ولكن في الآخرة يأتي لك الشيء بلا عمل، مختلفاً في مذاقه ورائحته عن الدنيا. إذن: فالذي يعمل وفي باله الأسباب فقط يعطي في الدنيا، والذي يعمل وفي باله خالق الأسباب يعطي في الحياتين؛ ولذلك قال الحق : ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ. .﴾ [النور: ٣٩] والسراب الذي تمشي له متخيلاً أنه ماء فإنك حين تصل إليه لا تجده شيئاً، هكذا الكافر يوم القيامة، يفاجأ بأن الله موجود، وجد الله سبحانه الذي لم يؤمن به، ويطلب من الله الأجر فيقال له: أجرك مما عملت له. وما دمت لم تعمل لله فلا يوجد لك أجر في الآخرة؛ لأن الله هو الذي يجزي في الآخرة.

стр. 6075

وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ أي: أنهم أخذوا نصيبهم من الدنيا، ولكن الآخرة ليس لهم فيها نصيب؛ لأن النصيب في الآخرة يأتي ب «افعل» و «لاتفعل» في التكليف، فإذا فعلت الاثنين ترتقي، بدليل أن حضارة المسلمين استمرت ألف سنة حين أخذوا بالأسباب، ولم ينسوا المسبب. . بل حرسوا الأسباب بقيم المسبب في «افعل» و «لا تفعل» ؛ فملكوا الدنيا ألف سنة. ولا توجد حضارة مكثت مثل هذه المدة، ولئن زالت الحضارة من أمم الإسلام سياسيّاً، فقد بقي دينهم في نفوسهم، ولا توجد حضارة عاشت مبادئها بعد زوال الحضارة إلا الإسلام. فقد بقي منارة هادية، رغم ضعف المسلمين سياسيّاً. وقول الحق سبحانه: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ أي: خذوا نصيبكم من الدنيا بالأسباب، ولكن تذكروا أنه استمتاع موقوت بزمن لا يملكه الإنسان؛ لأن عمر الفرد في الدنيا هو بعمر حياته فيها لا بعمر الدنيا نفسها؛ لأن الدنيا لك ولمن يأتي من بعدك. وعمرك فيها له حدود لا تعرف طوله. هل هو شهر أم سنة أم عشر سنين أم مائة عام؟ إذن: عمرك في الدنيا مظنون موقوت، فعملك لأسباب الدنيا محدودة المدة، بمقدار عمرك في الدنيا. وهَبْ أن عمرك طال وصرت من المعمرين فسوف ينتهي حتماً. ويقول الحق سبحانه: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ أي: أنتم تبعتموه ومشيتم على أثرهم، وكلما فعلوا إثماً فعلتم إثماً، وهم خاضوا في الأنبياء، وأنتم خضتم أيضاً في الأنبياء، فأنتم شركاء الذين ذهبوا من

стр. 6076

قبلكم في أنكم أخذتم نصيبكم وحظكم في الدنيا، ولم تدعوا للآخرة شيئاً. فلكم نصيب فيما فعلوا؛ هذه واحدة. أما الثانية: فقد بدلتم الحق بالباطل. إذن: فأنتم أخذتم المقدمات مثلهم فقادتكم إلى نفس النتائج. ﴿أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة﴾ أي: فشلت وضاعت أعمالكم في الدنيا، كما حبطت أعمال من سبقوكم في الدنيا وكانوا قسمين: قسماً وقف يحارب دعوة الخير حتى قتل ولم يأخذ شيئاً لآخرته فلم يأخذ شيئاً في الآخرة. فالذين حبطت أعمالهم في الدنيا هم الذين قُتلوا وأسروا وشُردوا وغنمت أموالهم بأيدي المؤمنين، فكأنهم خسروا الدنيا فلم يأخذوا من متاعها شيئاً، وأيضاً خسروا الآخرة، وهذا هو الخسران المبين، أي الخسران الحيط بطرفي الزمن؛ الدنيا والآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن ... ﴾

стр. 6077

وبعد أن ذكر الحق في الآية السابقة القضية العامة في قوله: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ﴾ جاء في هذه الآية بالأعلام والأشخاص وهم الرسل ومن عاداهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ وساعة يقول: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ فهنا همزة الاستفهام، ولا النفي. والهمزة تنفي هذا النفي، أي أتاهم نبأ هؤلاء. وحين ينفى النفي في أمر فالمراد إثبات الأمر، وأنت لا تستفهم الاستفهام الإنكاري، إلا وأنت واثق من أن الجواب عند من تسأله هو: «نعم» ، فحين تقول لإنسان: أنت تخليت عني في محنتي. فيقول: ألم أزرك في يوم كذا؟ ألم أعطك كذا؟ ألم أصنع مع ابنك كذا؟ فهو واثق أنك لا تستطيع إنكار شيء من هذا لأنه ثابت ثبوتاً حقيقيّاً. ونلحظ هنا أن الحق جاء بالخطاب للغيبة فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ ولم يقل: «أَلَمْ يَأْتِكمْ» ، فسبحانه يخاطبهم ترقيقاً لهم، ثم يتكلم عنهم مرة ثانية وكأنهم غائبون. وكأن هذا أيضاً مزيد من حرص رسول الله ﷺ َ في غيبتهم، فهو ﷺ َ حريص على هدايتهم. ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ والنبأ: هو الخبر الهام. ونحن لا نقول عن كل خبر: نبأ، بل نقول عن الخبر الهام فقط إنه نبأ، والنبأ أصله من النبوة، والنبوة واضحة ظاهرة وليست مطموسة؛ ولذلك فكل شيء هام ظاهر قد حدث يقال عنه نبأ. وفي ذلك يقول الحق : ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ١ - ٣] ولا يوجد نبأ أعظم من نبأ يوم القيامة.

стр. 6078

وقد جاء الحق بالقضية الأولى التي كان الخطاب فيها مباشراً كقضية عامة، وجاء بالقضية الثانية التي تكلم فيها عنهم غَيْباً كقضية خاصة. ثم حدد الحق سبحانه المقصود بالذين من قبلهم، وهم قوم نوح الذين أغرقهم الله بالطوفان. وكان قوم نوح كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه، وفي ذلك يقول الحق ردّاً على من سخروا من نوح: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] أي أنتم يا من تسخرون من نوح ﵇ جاهلون بالغيب، ولكن الله أعلم نوحاً وقومه بما يكون، ولذلك فالسخرية الحقيقية هي من أولئك الذين رفضوا الإيمان، ولم يعلموا بما أعده الله لهم. ثم ذكر الحق بعد ذلك عاداً وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وهم قوم شعيب، والمؤتفكات أي قوم لوط. ومعنى المؤتفك أي المنقلب. وقد جعل لله عاليها سافلها. ويقول الحق سبحانه: ﴿والمؤتفكة أهوى فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ [النجم: ٥٣ - ٥٤] أي: كانت عالية فأنزلها للهاوية. والإفك هو الصرف عن الحقيقة، كما قالوا لإبراهيم: ﴿قالوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الأحقاف: ٢٢] أي: لتصرفنا عنهم.

стр. 6079

ما قصة هؤلاء الأنبياء وأقوامهم؟ يقول الحق : ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي أن قوم نوح وقوم إبراهيم وغيرهم أتتهم رسالات السماء ولم تأتهم الرسالة كمنهج فقط، بل جاءتهم معجزات تثبت صدق بلاغ الرسل عن ربهم، فكأنه لا حجة لهم أن ينصرفوا عن منهج السماء أو أن يكذبوا به؛ لأن كل منهج مُؤيَّد بمعجزة تثبت صدق الرسول في رسالته. وقد تتابع هؤلاء الرسل على البشر ليهدوهم إلى منهج السماء، ويبينوا لهم طريق الحق. وكان تعدد الرسالات في أول الخلق؛ لأن العالم كان منعزلاً عن بعضه البعض، حتى إن أقواماً عاشوا على الأرض في زمن واحد وأماكن متفرقة؛ ولم يعلم أحد منهم عن الآخر شيئاً، ولكن العالم الآن اتصل ببعضه البعض، بحيث إذا وقعت الحادثة في مكان، نراها عن طريق الأقمار الصناعية في ثوان، وربما في نفس الوقت الذي تحدث فيه؛ إن كان الحادث مُعدًّا له مسبقاً، وقد رأى العالم كله أول إنسان ينزل فوق سطح القمر في نفس اللحظة التي نزل فيها. وعندما كان العالم يعيش في انعزال، كانت كل بيئة لها لون من المعصية والفساد، فكان الرسول يأتي ليحارب هذا اللون من المعصية والفساد الموجود في في بيئة معينة، ولا يوجد هذا اللون من المعصية والفساد في بيئة أخرى. ولكن عندما توحد العالم توحدت الداءات؛ فالداء يظهر في أمريكا مثلاً، وبعد فترة قصيرة جدّاً يظهر في أوروبا أو في مصر. ولذلك كان لا بد أن يأتي رسول واحد؛ لأن الداءات أصبحت واحدة، واقتضى الأمر وحدة المعالجة؛ لذلك كانت رسالة رسول الله ﷺ َ رسالة عامة لكل الأزمان وكل الأمكنة.

стр. 6080

وحين يقول سبحانه: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات﴾ فالبينات هي الشيء الذي يبين لك ما هو الحق، والمعجزات التي صاحبت الرسالات السماوية بيَّنت وأكَّدتْ أن الرسول مُبلِّغ عن ربه، وكانت المعجزة واضحة تماماً ليراها كل قوم رؤية تسمح باستيعابها. ولذلك كان كل رسول يأتي بآية يُجمع الكل على أنها معجزة. فأنت قد تأتي بشيء عجيب، ولكن لا يُجمع الناس على أنها معجزة، فعندما اختُرع الفانوس السحري، قال بعض الناس: إنه شيء عجيب. وبعضهم قال: إنه خداع نظر. ولكن معجزات الرسل لا بد أن تستوعبها كل مستويات العقول، يستوعبها المتعلم والذي لم يقرأ حرفاً في حياته؛ لأن الدين دين فطرة يخاطب أكبر العقول وأكثرها علماً كما يخاطب عقل البدوي الذي يقضي حياته كلها في الصحراء؛ لا يعرف شيئاً ولم يَعِش حضارة ولم يدرس علماً. إذن: فالمعجزات لا بد أن تكون واضحة لكل المستويات؛ حتى لا يكون هناك عذر لأحد. ولذلك يقول الحق : ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ، وهذا دليل على أن الحق يحاسبهم على قدر استيعابهم للمعجزة، فكأن كل العقول قد فهمت وأيقنت أن هناك معجزة. والذين استقبلوا المعجزة بالكفر ظلموا أنفسهم؛ لأنهم بعد أن استوعبوا المعجزة، وتحققوا أنها خَرْقٌ لقوانين الكون ولا يمكن أن يأتي به إلا الله ، ولكنهم رغم ذلك رفضوا الإيمان. ويقول الحق عنهم: ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ والظلم أنك تأخذ حقّاً وتنقله إلى الباطل. ولكن الحقوق مختلفة، فأيُّ حق ذلك الذي نقلته إلى الباطل؟ إنه حق الوجود الأعلى الإيمان به وعبادته.

стр. 6081

وكيف يظلم الإنسان نفسه؟ يظلم الإنسان نفسه حين تُزيِّن له النفس شهوة فيرتكبها؛ ليأخذ لذة عاجلة ويحرمها من نعيم دائم. وهناك من يظلم نفسه بظلم غيره، مثل شاهد الزور؛ هذا الذي ينصر صاحب باطل على صاحب حق. ومن يشهد الزور يسقط حتى في عين ذلك الذي شهد له. فإن جاء ليشهد أمامه في قضية، فهو لا يقبل شهادته وينظر إليه باحتقار، وكان يجب على من يطلب من إنسان شهادة زور أن يضربه؛ لأنه يريد أن يسقطه في نظر الناس، وفي نظر هذا الذي شهد من أجله؛ لأن شاهد الزور حين أعان إنساناً على خَصْمِه، فالكل ينظر إلى مثل الشاهد بالاحتقار. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿والمؤمنون والمؤمنات. .﴾

стр. 6082

جاءت هذه الآية بعد آية سابقة وُصِفَ فيها المنافقون في قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ... ﴾ [التوبة: ٦٧] فناسب أن يقابلهم بالمؤمنين والمؤمنات، وتلك مناسبة الضد بالضد؛ لأن قياس الضد إلى ضده يُظهر الأمرين معاً. والمثال قول الشاعر حين

стр. 6083

يمدح محبوبته فيقول: فالوَجْهُ مثْلُ الصبح مُبيضٌ ... والشَّعْر مثل الليل مُسْودُّ ضِدَّان لما استجمعا حَسُنَا ... والضِّدُّ يُظهِر حُسْن الضِّدُّ وبعد أن ذكر الحق فضائح المنافقين ومعايبهم، وحنثهم فيما يحلفون، وخلفهم فيها يعاهدون، أراد أن يجعل تقابلاً بينهم وبين المؤمنين والمؤمنات. لكن التقابل هنا اختلف في شيء؛ لأنه سبحانه قال في المنافقين: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ، وحين تكلم عن المؤمنين قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فالمنافقون والمنافقات وصفهم الحق ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي أنهم كلهم متشابهون وسلوكهم مبني على التقليد والاتباع، فهم يقلدون بعضهم بعضاً. وبما أنهم قد أقاموا عقيدتهم على الشر، فكلهم شر، ولا يوجد بينهم من ينصحهم بالخير أو يحاول رَدَّهم عن النفاق، بل هم يمضون في تيار الشر إلى آخر مدى. أما المؤمن فعقيدته مبنية على الاقتناع وعلى الخير. فإن وُجد في مؤمن شر؛ فَوليُّه من المؤمنين يبعده عن الشر ويعيده إلى طريق الخير؛ ذلك لأن النفس البشرية لها أغيار متعددة، ولا يسلك كل مؤمن السلوك الملتزم تمام الالتزام بمنهج الله في كل شيء. بل هناك خصلة ضعف في كل نفس بشرية. فإن وُجِدَ في المؤمن ضعف فأولياؤه من المؤمنين يُبيِّنون له نقطة ضعفه ويُبصِّرونه وينصحون له، ويُرد في نقطة ضعفه، والمؤمن أيضاً يُنبِّه غيره ويبصِّرونه وينصحون له، ويُرد في نقطة ضعفه، والمؤمن أيضاً يُنبِّه غيره ويبصِّره، وهكذا نجد أنه في المجتمع المؤمن، كل واحد يرد الآخر في نقطة ضعفه، والمؤمن أيضاً يُنبِّه غيره ويبصِّره، وهكذا نجد أنه في المجمتع المؤمن، كل واحد يرد الآخر في نقطة ضعفه، وكل منهم ينصح الآخر ويعظه، ليكتمل إيمان الجميع، ومَنْ يقصر في شيء يجد القريب منه؛ وهو يسد الثغرة الطارئة في سلوكه.

стр. 6084

أما المنافقون فيصفهم الحق ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي: أنهم جميعاً من بعض، فلا يتناهَوْنَ عن منكر فعلوه، ولا يوجد بينهم ناصح. وقول الحق : ﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ لم يبين لنا من المولى ومن الموَالي، فكل مؤمن وهو ولي وهو موال؛ لأن الولاية مأخوذة من «يليه» ، أي صار قريباً، وضدها عاداهُ أي بَعُدَ عنه وتركه. إذن: فالموالاة ضدها العداوة. وفائدة القرب أن يكون الولي نصير أخيه المؤمن في الأمر الذي هو ضعيف فيه. فإذا كنت ضعيفاً في أمر ما، فأخي المؤمن ينصرني فيه. وما دام أخي المؤمن ينصرني في أمر ما، فإن صار هو ضعيفاً في شيء أنصره أنا فيه، فنتفاعل ونتكامل ويصبح كل منا ولياً ومُوَالَى. ولذلك يقول الحق : ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ [العصر: ١ - ٣] ولو قيل: «وصَّوْا» لكان هناك أناس يوصون وأناس يتواصون، لكن الحق قال: ﴿وَتَوَاصَوْاْ﴾ ومعناها أن كل مؤمن عليه أن يوصي أخاه المؤمن. فإن كان عندي نقطة ضعف فأنت توصيني وتقول: اعدل عن هذا ولا تفعله فأنت مؤمن. وإن كانت فيك نقطة ضعف أقول لك: لا تفعل هذا فأنت مؤمن. إذن: فكل واحد منا مُوص ومُوصىً. كذلك الولاية فأنت وليي، أي قريب مني تنصرني في ضعفي، وأنا وليُّك، أي قريب منك، أنصرك في ضعفك لأننا أبناء أغيار؟ وكل واحد منا فيه نقطة ضعف تختلف عن نقطة ضعف الآخر.

стр. 6085

والوَلاية تكون أيضاً في الحق، فقد أميل إلى الباطل في نقطة فيقول لي أخي المؤمن: اعدل. وقد يميل هو إلى الباطل فأقول له: اعدل. وهكذا يتكامل الإيمان، ولذلك تجد كلمة الوَلاية بمعنى القرب والنصرة في قول الحق في ذاته: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق ... ﴾ [الكهف: ٤٤] أي: أن النصر الحقيقي والقرب الحقيقي لله؛ لأننا نعيش في عالم أغيار، فقد تطلب النصر عندي فتكون قوتي قد ذهبت، أو يكون مالي قد فنى، أو يكون نفوذي قد انتهى، ولكن الحق هو وحده القوي دائماً، والغني دائماً، الذي يُغيِّر ولا يتغير، وعندما ينصرك الله فهذا هو النصر الحقيقي الدائم الذي لا نصر الأغيار. وتجد الحق يقول: ﴿ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] أي: أن الحق جعل أولياء لله. وكذلك يقول ﵎: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٧] إذن: فالحق مرة يكون موالياً. ومرة يكون مُوَالىً، فإن واليت الله بطاعتك يواليك سبحانه بنصره. ويقول تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] أي: إذا تقربت إلى الطاعة بطاعته ونصرة منهجه، فهو يقرب منك في أزماتك وينصرك ويُثبِّت أقدامك. إذن: فالولاية في الأصل هي القرب والتناصر، وما دام هناك تناصر فلا بد أن تكون هناك نقطة ضعف في مؤمن، ونقطة قوة في مؤمن آخر،

стр. 6086

ولكن مَن الذي سيكون في ضعف دائماً، أو في قوة دائماً؟ لا أحد. إذن: فكل واحد يَنصر، وكل واحد يُنصر. وما دام الحق قد قال: ﴿أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ ولم يعين البعض؛ فكل واحد صالح لأن يكون ناصراً ومنصوراً. ولكي يتضح المعنى اقرأ قول الحق : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياوة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ... ﴾ [الزخرف: ٣٢] وشاء الحق أن يجعل منكم السادة والعبيد، ويجعل منكم الأغنياء والفقراء، وذلك في أمور الدنيا، فإن كنتم تريدون أن تُقسموا أمور الدين، فاقسموا أولاً معايشكم؛ لأن الحق هو الذي قسمها بينكم، وحياتكم في الدنيا تتبع قوانين الأسباب، ومن السهل عليكم أن تقسموها بدلاً من أن تأتوا لتقسموا رحمة الله التي هي حق لله وحده. ونلاحظ في قول الحق : ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أن البعض مرفوع والبعض الآخر مرفوع عليه، وما دامت كلمة ﴿بَعْضٍ﴾

стр. 6087

مبهمة، فإن كلاً منا مرفوع عليه. ولا يوجد واحد من البشر مرفوع على الجميع، بحيث يكون وحده مجموعة متكاملة من المواهب. ولكن كلاّ منا متميز في ناحية أخرى، حتى يكون التلاحم في الكون تلاحم ضرورة حياة وليس تفضلاً؛ ولذلك فإن الإنسان المؤمن إذا كان فاعلاً مرفوعاً عليه في شيء فلا بد أن يسأل نفسه: في أي الأشياء أنا مرفوع فيه؟ وفي أي الأشياء الناس أحسن مني؟ ونقول له: أنت تتقن عملاً معيناً ولذلك أنت مرفوع فيه، ولكن في باقي الأشياء لا تعلم شيئاً، فأنت مرفوع عليك. إذن: فأنا في الشيء الذي لا أجيده مرفوع عليّ، وفي الشيء الذي أجيده مرفوع على الناس؛ ولذلك تجد كل واحد في كون الله مرفوعاً مرة ومرفوعاً عليه مرة، وهذا هو معنى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . ولكن الآفة أننا لا ننظر في الرفعة إلا في مجال واحد؛ هذا غني وهذا فقير، ولكننا لا ننظر إلى الصحة، أو العلم، أو الأولاد، أو صلاح الزوجة أو البركة في الحياة، وزوايا كثيرة، وبعضنا إذا أخذ درجة عالية في زاوية، فإنه قد يأخذ صفراً في زاوية أخرى. ومجموع كل إنسان في نهاية الأمر يساوي مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. فإن رأيت واحداً متفوقاً عليك في شيء. فإياك أن تحسده ولكن اسأل نفسك في أي مجال أنت تتفوق عليه، وستجد هناك مجالات وزوايا أخرى تكون فيها أفضل من غيرك. إذن: فكل منا مرفوع ومرفوع عليه، ولا بد أن نفهم أن كل صاحب موهبة يفيد المجتمع بموهبته، وربما كان نفعه للمجتمع خيراً من نفعه

стр. 6088

لنفسه. انظر إلى النجار مثلاً يجده يتقن عمل الأبواب والنوافذ للناس، أما لنفسه فلا يتقنها، لماذا؟ لأن الباب الذي يصنعه لنفسه هو الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجراً. ولقد ضربنا مثلاً باليد اليمنى واليد اليسرى، فعند غالبية الناس تجد أن اليد اليمنى تؤدي الأعمال بسهولة، واليسرى تزاولها ببطء وتعثر، فإذا أردت أن تقص أظافر يديك مثلاً، فأنت تمسك المقص بيمينك وتقص أظافر اليد اليسرى بسهولة، ثم تمسك المقص بشمالك وتتعثر في قَصِّ أظافر اليد اليمنى. وهكذا نرى أنه لا يوجد إنسان يستمتع بالمواهب المكتملة. بل هو يتقن شيئاً ولا يتقن أشياء، ولكن مجموع مواهب كل إنسان، تساوي مجموع مواهب كل إنسان آخر. والعدل الإلهي يتدخل هنا، فنجد - على سبيل المثال - الرجل الغني الذي يأكل خبزاً من الدقيق الأبيض الفاخر، يم يأتي عليه وقت من الأوقات لا يستطيع أن يأكل إلا الدقيق الأسود أو السّن. وتجد من يسرف في الطعام؛ لا بد أن يأتي عليه وقت ويحرمه الأطباء من الطعام؛ لأنه أخذ منه أكثر من حقه. وتكون صحته في أن يُحرم. والحق وضع نظاماً كونياً يتساند فيه الجميع؛ لكي يلتحم الجميع. فأنت تحتاج لي فيما أتقنه وأنا أحتاج إليك فيما تتقنه، وهكذا يتساند الناس ويتكون المجتمع السليم. ولذلك يقال: الناس بخير ما تباينوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا وأصبحوا أصحاب موهبة واحدة أو عمل واحد لفسد الكون، كأن نكون كلنا قضاة مثلاً، فمن الذي يعالج المريض؟ ومن الذي يحفر الأرض؟ ومن الذي يحمل الطوب؟ ومن الذي ينظف الطريق؟ إننا لو تشابهنا في الموهبة

стр. 6089

أو الثراء أو العمل فلن نجد أحداً يقوم بهذه الأعمال؛ لأننا لو كنا كلنا أطباء أو مهندسين أو صيادلة أو قضاة أو مشرعين لما استطعنا أن نعيش، بل لا بد أن نختلف لأكون أنا محتاجاً لك وأنت محتاج لي. وبذلك يتماسك المجتمع، وتُقضَى مصالح الكون بسبب الحاجة، وليس بالتفضل بين الناس. ويصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم: ﴿يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ فإذا فعل مؤمن منكراً؛ جاء أخوه المؤمن فنهاه عنه، وإذا لم يفعل معروفاً جاء أخوه المؤمن وأمره بالمعروف وكل واحد منا ناهٍ عن منكر، ومنهي عن منكر. وأنت لا يمكن أن تأمر بمعروف وأنت تفعل عكسه، أو أنت بعيد عنه، فلا يمكن أن تكون في يدك كأس من الخمر؛ ثم تطلب من إنسان آخر يمسك كأس خمر أن يحطم الكأس التي في يده، لا يمكن إذن أن تنهي عن منكر وأنت تفعله؛ والذي يأمر بمعروف لا بد أن يكون فاعله، والذي ينهى عن المنكر لا بد أن يكون بعيداً عنه. فكل مؤمن آمر ومأمور بالمعروف. وناهٍ عن المنكر. ويضيف الحق وصفاً للمؤمنين: ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاوة وَيُؤْتُونَ الزكاوة﴾ وإقامة الصلاة هي إعلان الولاء للخالق الأعلى، ومن له ديمومة لا نهاية لها. والمؤمنون أولياء بعض، ولكن مَنْ وليُّهم جميعاً؟ إنه الله ، ولا بد أن يلتحموا بمنهج الولي الأعلى الذي لا نستغني عنه يوماً.

стр. 6090

والله حين وصف المؤمنين أولياء بعض، قال لنا: ﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ ... ﴾ [محمد: ٧] إذن: فلا بد أن نتجه جميعاً إلى الوالي الكبير. فهو سبحانه فوق أسبابنا، وفوق قوتنا وهو الذي ينصرنا إنْ عزَّتْ ولاية الأفراد المؤمنين لبعضهم البعض، فنلجأ للولي الكبير. وما دامت الولاية لله الحق، فلا بد أن نستديم في ولائنا له . واستدامة الولاء لا تكون إلا بالصلاة. وساعة تسمع المؤذن يقول: «الله أكبر» تسرع إلى الصلاة. لماذا؟ لأن الله وهو ربك وصانعك ووليك - قد دعاك إلى الصلاة، فلا بد أن تجيب الدعوة. فإذا أحببت أن تزيد على الصلوات الخمس وتكون في معية الله دائماً فافعل، بعد أن تكون قد أدَّيْتَ ما فرضه سبحانه عليك من خمس صلوات في اليوم الواحد، وحين تُعْرَض الصنعة على صانعها خمس مرات كل يوم ففي هذا صلاح الإنسان. وأنت إنْ جئتَ بأي آلة وجعلتَ المهندس الذي صنعها يراها كل يوم خمس مرات فلن تعطب أبداً. كذلك الإنسان وهو صنعة الله، إذا عرض نفسه على الله خمس مرات كل يوم فإن العطب لا يدخل إلى نفسه. والصانع من البشر حين تعرض عليه الآلة فيصلحها بماديات، سواء كان باكتشاف نقص في الوصلات الكهربية أو كسر في أي شيء، فالمادة تصلح بالمادة، ولكن الله سبحانه

стр. 6091

غيب، ولذلك فهو يصلحنا بالغيب، فلا تعرف ماذا فعل بك وأنت واقف أمامه تصلي. لكنك تشعر بلا شك أن شيئاً فيك قد انصلح. ولهذا كان رسول الله ﷺ َ إذا حزبه أمر - أي كان هذا الأمر فوق طاقته - قام إلى الصلاة؛ لأن أسبابه لم تستطع أن تفعل شيئاً فيتجه إلى المسبب، ويقف بين يديه؛ لأنه هو الذي يملك الحل. ولذلك كان ﷺ َ يقول لبلال: أرحنا بها يا بلال كأن الراحة بها، أي اجعل ملكاتنا تعتدل بالصلاة. لذلك كان لا بد أن يقول الحق : ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاوة﴾ لأن الصلاة استدامة الولاء لله، والحق ﵎ يريدنا أن نكون موصولين به سبحانه، وهذه الصلة تتم بالصلاة فرضاً خمس مرات في اليوم، وترك سبحانه الباب مفتوحاً لتطوعك، فلا تترك ساعة تستطيع أن تكون فيها بين يدي الله إلا فعلت. ولكي تعرف الفرق بين سيادة الله وسيادة البشر، فإنك إذا ضعفت أٍسبابك أمام شيء، فإنك تطلب أن تقابل من هو أعلى منك مركزاً، فهو يملك أسباباً لقضاء حاجتك، فإذا طلبت مقابلته قد يقول نعم، وقد يقول لا. . فإذا قال نعم، يسألك عم ستتكلم فيه. . فإذا قلت: إنك ستتكلم في كذا، حدد لك الساعة واليوم والمكان ومدة المقابلة. ولكن الحق لا يفعل هذا. أنت تذهب له في أي وقت تشاء، وفي أي مكان تشاء، وتتكلم فيما تريد، وهو سبحانه لا ينهي المقابلة أبداً، أنت الذي تنهي المقابلة مع ربك.

стр. 6092

ويقول رسول الله ﷺ َ: «لا يمل الله حتى تملوا» . والحق ﷻ لا يشغله شيء عن شيء؛ ولذلك فهو يقابل كل عباده في وقت واحد، ويستمع إليهم في وقت واحد، ويُجيبهم إلى ما يطلبون في وقت واحد. ويقول سبحانه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاوة وَيُؤْتُونَ الزكاوة﴾ والصلاة تأتي مع الزكاة باستمرار؛ لأن في الصلاة استدامة ولاء لله المعطي، وفي الزكاة استبقاء حياة من يستحق أن تعطيه، فأنت تعطيه لتستبقي له حياته فيواصل الولاء لله معك؛ لأنه لا ولاء إلا بحياة، وأنت تساعده على استبقاء هذه الحياة؛ ولأن الزكاة إعطاء مال للفقير، والمال يأتي بالعمل، والعمل يحتاج إلى وقت، إذن: فأنت ضحيت بجزء من وقتك لتتصدق به، وفي الصلاة ضحيت بوقتك في أوقات محددة. وفي الأوقات التي تعمل فيها هناك استدامة الولاء، بأن تخصص جزءاً من أثر هذا الوقت للزكاة، فلا يكون كل وقتك للعمل، وإنما يكون وقتك فيه عمل وفيه عبادة، فحين تخصص جزءاً من مالك الذي سيأتيك من العمل للزكاة تكون قد زكَّيت الوقت بالصلان، وزكيت المال بالعطاء. ويقول الحق: ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاوة وَيُؤْتُونَ الزكاوة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ . وقد ذكر الحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذه كلها طاعة لله بإقامة أركان الإسلام، فلماذا يقول سبحانه: ﴿وَيُطِيعُونَ الله﴾ ؟ نقول: الله سبحانه ينبهنا إلى أن أركان الإسلام الخمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم

стр. 6093

رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليع سبيلاً، هذه الأركان ليست هي كل الإسلام. بل هي القواعد التي بُني عليها الإسلام؛ لأن رسول الله ﷺ َ قال: «بني الإسلام على خمس» . إذن: فهذه هي الأعمدة أو الأسس التي بُني عليها الإسلام. ولكن الإسلام هو كل حركة في الحياة تصلح ولا تفسد، وتسعد ولا تشقي، ولذلك أراد الحق أن نفهم أن الإسلام ليس فقط بالأسس التي وضعت، ولكن لا بد من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ َ فيما أمرنا به في كل حركة الحياة. وحركات الحياة كلها متكاملة، وإذا نظرت للشيء الذي تستفيد به تجده وليد حركات متعاقبة ممن سبقوك حتى آدم ﵇، فإذا أخذنا أبسط الأشياء وهي وضع خميرة في عجينة الخبز؛ وكيف عرفنا هذا؟ نجد أننا أخذناها جيلاً عن جيل. والذي بدأها ألهمه الله بحادث يقع أو بخطأ يتم إلى أن وصل إلى قيمة وضع الخميرة في العجين ليكسب الخبز طعماً، ومعظم مبتكرات الحياة قد أتت بالصدفة أو نتيجة أخطاء. فالبنسلين - على سبيل المثال - اكتُشِف نتيجة خطأ. وقاعدة أرشميدس التي بنيت عليها نظريات الغواصات اكتشفت نتيجة ملاحظة ألهمها الله لأرشميدس. وحين يأتي ميلاد كشف جديد للبشرية، فسبحانه يهدي خلقه إلى هذا الكشف ولو كان بخطأ يقع منهم. ومثال آخر: ما الذي جعلك تفهم أن اللحم حين ينضج على النار أو يُشوى يكون طعمه أحلى؟ ما الذي جعلك تطهو بعض أنواع الخضراوات ولا تطهو أنواعاً أخرى. كل هذا هدانا إليه الله.

стр. 6094

﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣] إذن: فكل ما ننتفع به في حركة الحياة، قد أتانا من أجيال مضت؛ ولذلك من يأتي ليقول: سأنقطع للعبادة صلاة وصوماً؛ لأن الحق قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] نقول: سنوافقك على انقطاعك للصلاة والصوم فقط. ولكنك لكي تصلي؛ أنت تحتاج إلى طعام يعطيك القوة والقدرة لتصلي وإلا فسيستحيل عيلك أداء الصلاة. هَبْ أنك ستأكل رغيفاً من الخبز فقط، من أين تأتي بهذا الرغيف؟ من البقال. ومن أين أتى به البقال؟ من المخبز. ومن أين جاء المخبز بالدقيق؟ من المطحن. ومن أين جاء المطحن بالقمح؟ من مخزن الغلال. ومن أين جاء المخزن بالقمح؟ من المزارع. والمزارع أتى بمحاريث وآلات من المصانع لكي يحرث الأرض، وجاء بآلات لكي يسقي. إذن: فأنت لا تستطيع الانقطاع للعبادة إلا إذا استنفدْتَ بحركة غيرك، وكل عمل ذكرت فيه الله هو عبادة، وكل حركة في الحياة تعينك على أداء العبادة هي عبادة. ومثال آخر: لكي تصلي لا بد أن تستر عورتك في الصلاة، إذن: فأنت تحتاج إلى قماش تأتي به من التاجر، والتاجر أتى به من مصنع النسيج، ومصنع النسيج أتى به من مصنع الغزل، ومصنع الغزل أتى بالقطن من المحلج، والمحلج جاء به من الحقل، والحقل جُنِّدَتْ له معامل الدنيا ليعطيك أوفر محصول، ويقي القطن مكن الآفات. كل هذه من حركات الحياة التي مكَّنتْكَ أن تستر عورتك في الصلاة، وكل منها عبادة.

стр. 6095

إذن: كان من الضروري أن يقول ﴿وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ . بعد ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاوة وَيُؤْتُونَ الزكاوة﴾ ... فبعد أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة عليهم أن يطيعوا الله في الإسلام الذي بني على هذه الأركان. ثم يقول الحق: ﴿أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ وأولئك إشارة إلى كل المؤمنين والمؤمنات الذين هم أولياء بعض، والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، والذين يؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، هؤلاء سيرحمهم الله. وأيهما أبلغ: أن يقال أولئك يرحمهم الله، أو يقال سيرحمهم الله؟ الأبلغ أن يقال: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ لأن السين تهتك ستار الزمن؛ وبذلك يحيا المؤمن دائماً في رحمة الله التي لا تنقطع. ولذلك حكى الحق عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات فقال: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ [مريم: ٩٦] أي أن الود سيكون مستمرّاً، حتى لمن استمع إلى هذه الآية ثم مات، إنه أيضاً ينتفع بود الله. وأيضاً قال سبحانه لرسوله ﷺ َ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٥] ولم يقل: يعطيك ربك، بل جاء ب ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ لترى عطاء الحق مستمرّاً. وأنت حين تهدد أحداً لا تقل له: أنا أنتقم منك، بل تقول: سأنتقم منك، أي: أن الانتقام سيستمر مع الزمن.
следующие страницы →