← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

ونادى الحق إبراهيم: ﴿ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ ... ﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] ونادى الحق موسى: ﴿ياموسى إني أَنَاْ رَبُّكَ ... ﴾ [طه: ١١ - ١٢] وخاطب الحق سيدنا عيسى: ﴿ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ... ﴾ [المائدة: ١١٦] فكل رسول ناداه الحق باسمه، إلا رسول الله ﷺ َ فقد ناداه بقوله ﴿ياأيها النبي﴾ ، و ﴿ياأيها الرسول﴾ تكريماً للرسول ﵊ ُ، ورفعاً لمقامه عند ربه. وهنا يطلب الحق من رسوله ﷺ َ أن يجاهد الكفار والمنافقين. ونحن نعلم أن السماء لا تتدخل لإرسال رسول إلا فسد المجتمع فساداً عامّاً. ونعلم أن النفس الإنسانية فيها قد فُطِرتْ على محبة الخير، فإن لم يحكمها هواها فهي تفعل الخير وتحبه، فإن حكمها هواها ستر عنها الخير وفتح الهوى للنفس أبواب الشر. وقد يطيع الإنسان هواه في أمر من الأمور، ثم يفيق؛ فتلومه نفسه على ما فعل، هذه هي النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها على الشر، وتدفعه إلى الخير. ولكن هناك نفس تتوقف فيها ملكات الخير فتفعل الشر، ولا تندم عليه، ثم ترتقي النفس في الشر فتصبح أمَّارة بالسوء، وتأبى ألا نكتفي بفعل الشر، بل تأمر به الناس وتُحبِّبه لهم. إذن: فمراحل النفس البشرية كثيرة، فهناك النفس التي تطمئن لمنهج الله وتطيعه. وهذه هي النفس المطمئنة؛ التي يقول فيها الحق:

стр. 6127

﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فادخلي فِي عِبَادِي وادخلي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] وإذا وُجدت النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فاعلم أن المجتمع بخير؛ لأن النفس المطمئنة تطيع، وتأمر بالطاعة، والنفس اللوامة تلوم صاحبها على الشر، ولكل مؤمن نقطة ضعف، فإذا ضعف مؤمن، يسرع له أخوه المؤمن ليلومه على ضعفه، ويصحح له مساره؛ ولأن نقط الضعف مختلفة، نجد أن المجتمع يستقيم كلما وُجد من يلتفت النظر إلى المنكر وينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يقول الحق عنهم: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ [العصر: ٣] ولكن عندما تصدأ النفوس جميعاً، ولا يصبح هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل تجد من ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، حينئذ لا بد أن يتدخل الحق سبحانه ليعيد للحق مكانه في الدنيا. إذن: فرب العزة لا يتدخل في حالة وجود نفوس مطمئنة تطبق منهج الله وتأمر بطاعته، أو وجود نفوس لوامة، سواء في ذات النفس البشرية أو في المجتمع تراجع من يرتكب الإثم وتلومه، ولكن إذا عَمَّ الفساد في المجتمع، ولم يصبح هناك من ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، وأصبح أهل الخير فيه عاجزين عن أن يفعلوا شيئاً، جاءت الرسل لتعيد منهج الحق لينظم حياة هذا المجتمع. وحين يأتي الرسول فهو يعلم أنه ما أُرسل إلا بعد أن عَمَّ الشر في الكون، وأن أهل الفساد هم الأغلبية، وهم أصحاب النفوذ والسلطان، وينتفعون بالفساد والانحراف المستشري في المجتمع. وهؤلاء إذا سمعوا

стр. 6128

بصيحة الحق؛ فلن يقفوا متفرجين، بل سيحاربون كل من يحمل منهج الحق إليهم. ولا بد للرسول من أن يصمد أمامهم، وأن يجاهدهم. و «جاهد» من «فاعل» ، مثل «شارك» ، فأنت تشارك فلاناً، ومثل: «قاتل» فأنت تقاتل فلاناً، إذن: فلابد أن تحدث مفاعلة بين الرسول ومن ابتعوه، وبين أئمة الكفر والفساد في المجتمع. ولابد أن يستعد الرسول والمؤمنون بمنهجه لتحمُّل الإيذاء من غير المؤمنين بالمنهج؛ لأن الكفار منتفعون بالفساد، ولكي يستمر هذا الانتفاع، لابد أن يقف الكفار ضد حَمَلَة منهج الحق، وأن يقاوموهم ليضمنوا لأنفسهم استمرار الميزات التي يعطيها الباطل لهم. وينبه الله لرسوله إلى حقيقة هؤلاء الكفار المنتفعين بالفساد، وأنهم سيحاربونه. ولذلك لم يقل لرسوله ﷺ َ: اتحد معهم، ولكنه قال: ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ ، أي: اصمد أمامهم في المعركة، وجاءت الكثير من الآيات التي أمر فيها الله رسوله والمؤمنين بالصبر على الجهاد، والجهاد يقتضي المواجهة، لذلك قال سبحانه: ﴿اصبروا﴾ . ولكن لنفرض أن عدوِّي صبر أيضاً في الحرب، إن أنا صبرت وعدوي صبر تساوت الكفتان؛ ولذلك يقول الحق : ﴿اصبروا وَصَابِرُواْ ... ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] أي: إن واجهكم عدوكم بالصبر، فليكن صبركم أقوى منه، فتغلبوه بالصبر والتحمل، فقف صابراً في مواجهتهم ومعك المؤمنون برسالتك، فمعسكر الإيمان لا بد أن يواجه معسكر الكفر والنفاق، والكافر هو الذي جحد الإيمان بقلبه وأعلن الكفر بلسانه، أما المنافق فهو من كفر في باطنه ويعلن الإيمان في ظاهره. وهذا هو الذي يجب أن نحذر منه أشد الحذر؛

стр. 6129

لأننا لا نعرفه فنتقي شره مثل الكافر، فقد يطعنَّا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه، فتكون طعنته مؤثرة وأليمة. ويوضح الحق لرسوله ﷺ َ: إن العداوة التي سيواجهها وهو يبشِّر بمنهج الله ستأتيه من اثنين؛ من كافر أو منافق، أي من مجاهر بعدم الإيمان، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه. أما المنافق فإنه عدو صعب؛ لأنه يغشنا فلا نأمنه، رغم أن النفاق في حد ذاته بالنسبة لمنهج الله هو دليل قوة هذا المنهج؛ لأنه لا ينافَق إلا القوي، أما الضعيف فلا ينافقه أحد. ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده ﷺ َ في مكة قبل الهجرة؛ لأن المسلمين كانوا قلة ضعافاً، وكانوا مُعذَّبين مضطهدين. ولم يكن هناك ما يغري أحداً بنفاقهم؛ لأنه لا توجد استفادة من هذا النفاق، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد. والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية. واختلف الحال بعد أن هاجر رسول الله ﷺ َ إلى المدينة، وظهر المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة. والمنافق في هذه الحالة إنما يعلن إيمانه زَيْفاً، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه. إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية في المنافق، ولكنها دليل قوة للمؤمن الذي ينافقه. ونلحظ أنه قد قدَّم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين. وقدَّم في آيات أخرى المنافقين على الكفار. والصدام - كما نعلم - قد حدث أولاً مع الكفار، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق، بل كان هناك مؤمنون وكفار، وجهاد الكفار جاء على مراحل،

стр. 6130

وليس على مرحلة واحدة، وكانت أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة؛ لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار. وكان رسول الله ﷺ َ يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل؛ لعل عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق. فيسألهم مثلاً عمَّنْ خلق السموات والأرض؟ وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أن أحداً ادعى - أو يستطيع أن يدعي - أنه خلق السموات والأرض، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله ، لماذا؟ لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له، ولكنه لا ينفي أمراً هو صاحبه. فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر أنه صنع أو اخترع، بل يجب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع؛ ولهذا فأنت لا تجد شيئاً ينتفع به في الكون مهما كان تافهاً إلا وعرفنا تاريخه، ومن أين جاء، ومن الذي طوره. وكذلك اختراع الطائرة، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس؛ الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة، وهكذا كانت البداية. إذن: فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه. فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة، فما بالك بالنسبة للكون؟ وحين نسأل: من الذي أوجد الشمس؟ ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو، خصوصاً ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا؟ وإذا كنا نملأ الدنيا بالحديث عن مخترع مصباح الكهرباء الذي ينير حجرة محدودة لوقت، وقامت مصانع كبيرة لتنتج هذا الاختراع، أفلا نستحق أن

стр. 6131

نعرف من الذي أوجد الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية في نفس اللحظة؟ هذه الشمس التي تشرق منذ ملايين السنين، ولم تنطفئ مرة واحدة، ولا احتاجت قطعة غيار طوال هذ العمر الطويل، ولا بد أن يكون لها صانع؛ تتناسب قوته وقدرته مع ذلك الإعجاز الذي نراه سواء في الضوء، أو في خصائص هذا الضوء، أو في دقة الصنع؛ فهي لا تتأخر ثانية ولا تتقدم ثانية عن الظهور، ولا بد أن يكون صانعها له من القوة ما يتناسب مع عظمة هذا الخلق. فإذا جاء الرسول وأبلغنا أن الله هو الذي خلق الشمس، فإما أن يكون صادقاً؛ فنسلم جميعاً بأن الله هو الخالق والموجد. وإما أنه غير صادق، فنقول: لماذا لم يخرج إذن أحد يدعي أنه هو الذي خلقها. ولكن دقة وإعجاز الخلق الذي لا يمكن أن تصل إليه قوة بشرية مفردة، أو قوى بشرية متعددة متعاونة، جعل القضية محسومة له . وإلى أن يأتي من يدعي أنه خلق الشمس، ولن يأتي؛ فقضية الخلق محسومة لله ، ولا يوجد هناك منازع. ويأتي رسول ليقول: إن خالق الأرض والشمس والسموات والكون هو الحق ، فلم يَأتِ أحد ويدَّعي أنه قد خلق شيئاً من هذا، مما يؤكد صحة دعوى الرسول، مما يؤكد أن من أوجد هذا الكون هو قوة بلا حدود، وقدرة بلا قيود، وهو الأحق بالعبادة من هذه الأصنام والآلهة التي يدعونها. وتمضي الدعوة بالمنطق ليسألهم من الذي خلقهم؟ مصداقاً لقول الحق :

стр. 6132

﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون﴾ [الطور: ٣٥] فإذا كان الجواب: لا هذا ولا هذه، إذن: فلا بد أن هناك خالقاً وموجداً لنا، فإذا جاء لنا الرسول وأبلغنا: إن خالق هذا الكون وخالقنا هو الله، فلا بد أن نصدقه؛ لأنه لم يدَّعِ أحد ولا يستطيع أن يدعي أنه خلق هذا الكون أو خلق نفسه، تماماً كما نكون قد جلسنا في مكان. وبعد أن انصرفنا، وُجدَت حافظة نقود، فجاء صاحب المكان وسأل كل الذين كانوا حاضرين، فنفوا جميعاً ملكيتهم لحافظة النقود، عدا واحداً، حينئذ تكون حافظة النقود ملكه؛ لأنه هو وحده الذي ادعاها ولا يوجد معارض. وفي خلق السموات والأرض وخلق الإنسان لا يجرؤ بشر أن يعارض الحق ؛ ويدعي أنه خلق. إذن: فالقضية محسومة تماماً لله. هذا هو جهاد الحجة حيث يقتنع العقلاء بالمنطق، أو يقتنع من يستمع إليه فيفهمه، فإذا وصلنا إلى أن الحق هو الخالق والموجد، يمكننا أن نتساءل: من الذي يضع المنهج للإنسان على الأرض؟ لا بد أن نُقدِّر أن من يضع المنهج للإنسان على الأرض هو خالقه وموجده، تماماً كما نثق أن صانع أي آلة هو الأقدر على وضع أسلوب عملها، فهو يعلم ما يصلحها وما يفسدها. والمثال: أن الإنسان منا يعطي ساعة يده لمن تخصص في إصلاح الساعات، ويستدعي المتخصص في إصلاح الثلاجة إن أصابها عطب، ويستدعي الإنسان كل متخصص لإصلاح الآلة التي درس تفاصيلها، وكل متخصص يعود إلى كتاب التصميم الذي وضعه مَنْ اخترع الآلة، وبيّن فيه ما يصلحها وما يفسدها، ولذلك فأنت لن تستدعي نجاراً ليصلح التليفزيون.

стр. 6133

إذن: فما دام قد وضع منهجاً فلا بد أن نتبعه؛ لأنه هو موجد هذا الكون وموجدنا، ويعلم ما يصلحنا وما يفسدنا. فإن فشل جهاد الحجة، يقول الحق : ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ وبماذا يغلظ رسول الله ﷺ َ عليهم؟ إنه يغلظ لإيضاح المصير الذي ينتظرهم، وكل كافر هو عابد للدنيا ويخاف أن تضيع منه الدنيا لأنه لا يؤمن بالآخرة، فأنذره بالآخرة، وانذره بالعذاب الذي ينتظره، وقُلْ له: أنت لست خالداً في الدنيا، وما ينتظرك في الآخرة هول كبير. ولكن المؤمن يعرف أن الدنيا وراءها آخرة وجنة؛ ولذلك وجدنا المؤمن الذي يقول لرسول الله ﷺ َ في الحرب: ادع لي يا رسول الله لأستشهد. ويقول آخر: أليس بيني وبين دخول الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني؟ فيقول له رسول الله ﷺ َ: نعم، فيلقي الرجل بتمرة كان يأكلها وينطلق إلى المعركة ويستشهد. هذا هو معنى الإيمان، ولو لم يكن المؤمن واثقاً تمام الثقة أنه سيذهب إلى نعيم ليس بعده نعيم، لما انطلق إلى المعركة طالباً الشهادة. إذن: وهم يُقْدمون على الشهادة بهذه الشجاعة تمتلئ أعماقهم بالإيمان وبأحكام الله فيه، وتدفعهم القناعة التامة - بأن هناك جنة في الآخرة - إلى الاستشهاد، وفي المقابل نعرف أن الذي ينتظر الكفار هو النار. وهكذا نفهم قوله الحق: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنذرهم بالعذاب الرهيب الذي ينتظرهم عَلَّهُمْ يفيقون. والشاعر يقول: أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عقِّب وَعيداً ... فإنْ لَمْ يُغْنِ أغنَتْ عَزَائِمه وَمَا هُو إلاَّ السيف أو حَدُّ طَرْفِه ... يقيمُ زباه أخْدعَ كُلِّ مَائِلِ فَهذا دَوَاءُ الدَّاءِ منْ كُلِّ جَاهِل ... وذَاك دَواءُ الداءِ منْ كُلِّ عَاقِل

стр. 6134

فمن آمن بالمنطق آمن، ومن لا يؤمن نقول له: دع كلمة الحق تُعلَنُ على الناس جميعاً، وأنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، وإنْ أردتَ الحياة في كنف الأمة الإسلامية فأهلاً بك، ولا يهم أن تؤمن أو لا تؤمن؛ لأن الحق قال: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ... ﴾ [الكهف: ٢٩] واعلم أنه يشترط في كل من يدخل الإسلام أن يكون مقتنعاً بهذا الدين، ومقتنعاً أيضاً بأنه الدين الحق. والذي لا يؤمن، يعيش في كنف الأمة الإسلامية وله حريته الكاملة في اتباع عقيدته، ولكن منهج الحياة وحركتها لابد أن تسير وفقاً لمنهج الله، وما دام الإيمان هو الذي يسيطر على حركة الحياة ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ؛ فذلك لا يؤثر في حركة المجتمع المؤمن؛ ما دام المجتمع كله سائراً بالمنهج، وتسير الحياة كما أرادها الحق . والله هو خالق الإنسان، وهو الذي جعله خليفة في الأرض، وهو يغار على خلقه، تماماً كما تأتي لشيء جميل صنعه فنان أو عامل، وتحطم أنت هذا الشيء أمام صانعه. إن قلب الصانع - في هذه الحالة - يمتلئ بالغضب، ويسرع بعقابك. والحق عندما يرى إنساناً يفسد صنعته في الكون، ويحاول أن يحطمها، فسبحانه يغار على صنعته؛ لأن الله خلقنا مختارين، ولكي يكون الحساب عَدْلاً، لا بد من البلاغ أولاً، وأن تصل الدعوة إلى آذان الناس، فمتى وصلت الدعوة فهذا إتمام لرسالة أمة محمد ﷺ َ، ثم يختار الإنسان من بعد ذلك أن يؤمن أو لا يؤمن، لذلك طلب الحق من رسوله ﷺ َ أن يجاهد الكفار والمنافقين، وأن تكون الدعوة أولاً بالبرهان والإقناع. فإن لم يَأْتِ البرهان بنتيجة، وحاول أحدهم أن يقاوم

стр. 6135

الدعوة بالسلاح فَليُردع بالسلاح. لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ ولا تأخذك بهم رأفة؛ لأن الرأفة قد تغرى بالذنب؛ والمثال: حين يسرق الإنسان ثم تتركه بلا عقاب فقد يغريه ذلك ويغري غيره على السرقة. ولكن تنفيذ العقوبة ولو مرة واحدة، إنما يمثل رادعاً وحماية للمجتمع كله، ولذلك نجد أن عقاب القاتل بالقتل أنفى للقتل، وأنت حين تأتي بالقاتل وتقتله أمام عدد من الناس، فهذا العمل يمنع أي إنسان أن يفكر في القتل، أو أن يقتل. إذن: فنحن بالعقوبة نحمي المجتمع من أن تنتشر فيه الجرائم. وبعض السطحيين يقول لك: هل مَنْ يسرق تُقطع يده؟ نقول لهم: نعم؛ لأنني لو قطعت يد فرد لمنعت جريمة السرقة في المجتمع، فليس الهدف أن أقطع يداً. ولكن الهدف هو ألا يسرق أحد، وأنت حين تأتي بالعقوبة وتتأكد من الجريمة؛ إياك أن تأخذ الرحمة في تنفيذ العقاب. فلو أخذتك الرحمة في هذه اللحظة فأنت تشجع الجريمة. وفي ذلك يقول الحق : ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: ٢]

стр. 6136

ولكن الحوار حول العقوبات في الإسلام لا يتوقف، ونقول لهؤلاء: هل هناك مجتمع ليس فيه تجريم أو عقوبات؟ وانظر إلى المجتمعات غير الدينية، ألا توجد بها جرائم وعقوبات؟ إن كل مجتمع إنما يحمي نفسه بتوصيف الأفعال التي تعتبر جرائم، ويضع لها عقوبات، ولا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. إذن: فكل دولة وكل مجتمع لا بد أن تكون فيه عقوبات، وإلا أصبحت الحياة فوضى يستحيل معها العيش في أمان. فإذا كان حاكم أي دولة بسيطة قد وضع تجريماً وعقوبات، وهو يحكم فيما لا يملك، أفليس لله أن يضع التوصيف لما يرى أنه جرائم، وأن يُشرِّع العقوبة الملائمة لكل جريمة، وهو سبحانه يحكم فيما يملك؟ وإذا كان سبحانه قد حكم بقطع يد هو خالقها؛ فهو أراد ذلك ليمنع ملايين الأيدي من أن تمتد إلى مال الغير. ولذلك يجب ألا تطول الفترة بين تنفيذ العقوبة ووقت وقوع الجريمة؛ لأن الذي يتعب الناس في الدنيا، هو طول الإجراءات والأخذ والرد، فينسى النساس الجريمة، وتأخذهم الشفقة والرحمة بالمجرم، مع أنه لو وُقِّعتْ العقوبة فور حدوث الجريمة؛ لما طلب أحد الرأفة بالمجرم. والحق ﵎ يقول: ﴿ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ وقد عرفنا كيف يكون الجهاد مع الكافرين، فماذا يكون الجهاد مع المنافقين وهم الذين يتظاهرون بالإيمان؟

стр. 6137

نقول: إن الجهاد معهم هو توقيع العقاب عليهم، وقد كان المنافقون يرتكبون الإثم، ويسألهم رسول الله ﷺ َ، فينكرونه، فيصفح عنهم، ويوضح الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ: اغلظ عليهم إذا ارتكبوا إثماً، وقد وجدنا في سورة التوبة أن المنافقين يحلفون كذباً في كثير من الأمور، فيذكر الحق سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ ... ﴾ [التوبة: ٥٦] ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر ... ﴾ [التوبة: ٧٤] ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ... ﴾ [التوبة: ٦٢] وفي سورة المجادلة يقول سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فكأنما كلما حلفوا صدَّقهم رسول الله ﷺ َ وعفا عنهم، ففضحهم الله بأنهم كاذبون، وطلب من رسوله ﷺ َ أن يُغلظ عليهم في العقوبة. ولكن هل غلظة الرسول ﷺ َ معهم تعفيهم من عقاب الآخرة؟ نقول: لا لأن الغلظة عليهم في الدنيا لضمان سلامة حركة الحياة، وليعلم كل منافق أنه مفضوح من الله. ولكن هذا لا يعفي من عذاب الآخرة. ولذلك يقول الحق : ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ والمصير هو المرجع الأخير لأي شيء، وكل عقوبة يكون لها مظنة ألا تمتد إلى الفترة المقررة لها، فالذي عاقب قد يعفو، وقد يخرج الإنسان قبل انتهاء مدة العقوبة؛ كأن يكون هناك إفراج صحي، أو بقضاء ثلاثة أرباع

стр. 6138

المدة أو غير ذلك. ولكن العقوبة للمنافقين تكون بلا خروج، وفي هذا ترهيب منها؛ لأنك لو علمت يقيناً أن العقوبة أبدية، فسوف تخشى الإقدام على الجريمة. ثم يعطينا الحق صورة أخرى عن الحلف والكذب الذي كان يفعله المنافقون؛ فيقول سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ ... ﴾

стр. 6139

وفي هذه الآية الكريمة يبين لنا الحق حلقات الحلف بالكذب للمنافقين؛ فهم يحلفون أنهم ما قالوا، ويجعلون الله عرضة لأيمانهم؛ مع أنهم قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد أن أعلنوا الإسلام بلسانهم، وإسلامهم إسلامٌ مُدَّعًى. ولهذه الآية الكريمة قصة وقعت أحداثها في غزوة تبوك التي حارب المسلمون فيها الروم، وكانت أول قتال بين المسلمين وغير العرب، حيث دعا رسول الله ﷺ َ إلى هذه الغزوة في فترة شديدة الحرارة، وكان كل واحد في هذه الفترة يفضل الجلوس في الأخياف، أي الحدائق

стр. 6140

الصغيرة، ويجلسون تحت النخيل والشجر في جو رطب ولا يرغبون في القيام من الظل. وعندما دعا رسول الله للجهاد في سبيل الله، والذهاب إلى قتال الروم، تلمَّس المنافقون الأعذار الكاذبة حتى لا يذهبوا للجهاد؛ فظلَّ القرآن ينزل في هؤلاء الذين تخلفوا عن هذه الغزوة شهرين كاملين، فقال رجل اسمه الجلاس بن سويد: والله إن كان ما يقوله محمد عن الذين تخلفوا عن القتال صِدْقاً فنحن شرٌّ من الحمير. وهنا قال عامر بن قيس الأنصاري: لقد صدق رسول الله ﷺ َ وأنتم شر من الحمير. وأنت يا جلاس شر من الحمار. وهنا قام عدد من المنافقين ليفتكوا بعامر بن قيس الأنصاري؛ لأن الجلاس بن سويد كان من سادة قومه. وذهب عامر بن قيس إلى رسول الله ﷺ َ وأخبره بما حدث، فاستدعى رسول الله ﷺ َ ابن سويد وسأله عن الخبر، فحلف بالله أن كل ما قاله عامر بن قيس لم يحدث. وتركه رسول الله ﷺ َ بعد أن حلف بالله. وهنا رفع عامر بن قيس يده إلى السماء، وقال: اللهم إني أسألك أن تنزل على عبدك ونبيك محمد ﷺ َ تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. فقال رسول الله ﷺ َ «آمين» . ولم ينتهوا من الدعاء حتى نزل الوحي بقول الحق ﷻ : ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ . وهكذا حسمت هذه الآية الكريمة الموقف. وأظهرت من هو الصادق ومن هو الكاذب؛ فيما رواه عامر بن قيس وأنكره الجلاس. ولكن الآية الكريمة تجاوزت ما عُرف من الحادثة إلى ما لم يبلغ رسول الله ﷺ َ، فقال سبحانه ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ ذلك أن الله تبارك وتعالى

стр. 6141

أراد أن يُعلم المنافقين أن سبحانه يخبر نبيه بما يخفيه المنافقون عنه، ولو نزلت الآية فقط في حادثة الحلف الكذب، لقال المنافقون: ما عرف محمد ﵊ ُ - إلا ما قاله عامر، ولكن هناك أشياء لم يسمعها عامر؛ وهم قالوها، ذلك أن المنافقين كانوا قد تآمروا على حياة النبي ﷺ َ واتفقوا على قتله عند عبوره العقبة، والعقبة هذه هي مجموعة من الصخور العالية التي تعترض الطريق، فيتحايلون على اجتياز هذه العقبة بأن يعبروها أحياناً من أنفاق منخفضة، وأحياناً يعبرونها بأن يصعدوا فوقها ثم ينزلوا. ودبر المنافقون أن يدفعوا رسول الله ﷺ َ من أعلى الصخور، فيسقط في الوادي، ولكن حذيفة بن اليمان الذي كان يسير خلف ناقة رسول الله ﷺ َ تنبه للمؤامرة، فهرب المنافقون، وهكذا لم ينالوا ما يريدون، مثلما لم ينالوا ما أرادوه عندما أتى رسول الله صلى الله مهاجراً إلى المدينة، فقد كانوا يعدِّون العُدَّة ليجعلوا عبد الله بن أبيّ ملكاً عليهم، ولكن مجيء رسول الله ﷺ َ لم يُمكنهم من ذلك. وقيل: إنهم تآمروا على قتل عامر بن قيس؛ لأنه أبلغ رسول الله ﷺ َ ما قاله الجلاس بن سويد، ولكنهم لم يتمكنوا.

стр. 6142

وقول الحق : ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ و ﴿نقموا﴾ تعني: كرهوا، والغنى - كما نعلم - أمر لا يُكره، ولكن وروده هنا دليل على فساد طبعهم وعدم الإنصاف في حكمهم؛ لأن الغنى والأمن الذي أصابهم ليس عيباً ولا يولد كراهية. بل كان من الطبيعي أن يولد حباً وتفانياً في الإيمان. والحق يوضح لهم: ماذا تعيبون على محمد؟ وماذا تكرهون فيه؟ هل تكرهونه وقد جاءكم بالعزة والغنى؟ وقبل أن يأتي رسول الله ﷺ َ، كان الذين كرهوا مجيء الرسول إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئاً، ولكنهم لما نافقوا ودخلوا في الإسلام، أخذوا من الغنائم، وأغناهم الله؛ بل إن الجلاس بن سويد لما قُتِل له غلام دفع له رسول الله ﷺ َ اثني عشر ألف درهم ديّة. إذن: فقد جاء على يد الرسول ﷺ َ الغنى للجميع، فهل هذا أمر تكرهونه؟ طبعاً لا. ولكنه دليل على فساد طباعكم وعدم إنصافكم في الحكم، وما دام الله قد أغناكم بمجيء رسوله؛ ما كان يصح أن يُعاب ذلك على رسول الله ﷺ َ، بل كان يجب أن يُمدح به، وأن تتفانوا في الإيمان به ونصرته. وقول الحق : ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يلفتنا إلى أسلوب القرآن الكريم. ولقد قال الحق : ﴿الله وَرَسُولُهُ﴾ وكان قياس كلام البشر أن يقال «الله ورسوله من فضلهما» ، ولكنه قال: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ لأن الله لا يُثنَّى مع أحد، ولو كان محمد بن عبد الله. ولذلك عندما سمع رسول الله ﷺ َ خطيباً يخطب ويقول: من أطاع الله ورسوله فقد نجا، ومن عصاهما فقد هلك، فقال رسول الله ﷺ َ: بئس خطيب القوم أنت؛ لأن الخطيب جمع جَمْعَ تثنية بين الله ورسوله.

стр. 6143

وهنا توقف الخطيب وقال: فماذا أقول يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ َ: قل ومَنْ يعْص الله ورسوله فقد هلك، ولا تقل: عصاهما، لا تجمع مع الله أحداً ولا تُثنِّ مع الله أحداً؛ ولذلك نجد القرآن الكريم لم يَقُلْ «أغناهما الله ورسوله من فضلهما» ، ولكنه قال: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ لأن الفضل واحد. فإن كان لرسول الله ﷺ َ فضل؛ فهو من فضل الله. وعلى أية حال فالله لا يُثنَّى معه أحد؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم: ﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] وهنا نرى أيضاً أن الحق سبحانه قد استخدم صيغة المفرد في الرضا؛ لأن رضا الله ورضا رسوله ﷺ َ يتحدان، ولأنه إذا جاء اسم الله فلا يُثنَّى معه أحد. وبعد أن فضح الحق المنافقين وبيّن ما في قلوبهم؛ لم تتخلَّ رحمته عنهم؛ لأنه رحيم بعباده، ولذلك فتح لهم باب التوبة فقال: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، وفَتْحُ باب التوبة رحمة لحركة الحياة كلها؛ فلو أغلق الله باب التوبة لأصبح كل من ارتكب ذنباً مصيره للنار. وإذا علم الإنسان أن مصيره للعذاب مهما فعل، فلا بد أن يستشري في الذنب، ويزداد في الإثم، ما دام لا فرق بين ذنب واحد وذنوب متعددة. ولكن حين يعلم أن أي إنسان يخطئ أن باب التوبة مفتوح؛ فهو لا يستشري في الإثم، ثم إن الذي يعاني من الشرور والآثام حقيقة هو المجتمع ككل، فإذا وُجد لص خطير مثلاً؛ فالذي يعاني من سرقاته هو المجتمع. وإذا وُجد قاتل محترف فالذي يعاني من جرائمه هم الذين سيقتلهم من أفراد المجتمع.

стр. 6144

إذن: ففتح باب التوبة رحمة للمجتمع؛ لأنها لا تدفع المجرم إلى الاستشراء في إجرامه. وإذا نظرت إلى الآية الكريمة، فالله بعد أن أظهر الحق، وبيّن للرسول ﷺ َ وللمؤمنين أشياء كان المنافقون يخفونها؛ فتح للمنافقين باب التوبة، وحينئذ قال الجلاس بن سويد زعيم المنافقين: يا رسول الله. لقد عرض الله عليّ التوبة. والله قد قلت ما قاله عامر، وإن عامراً لَصَادقٌ فيما قاله عني. وتاب الجلاس وحسُن إسلامه. أما الذين تُعرَض عليهم التوبة ولا يتوبون إلى الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَاباً أَلِيماً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ . إذن: فجزاء من يرفض التوبة ولا يعترف بخطئه هو العذاب الأليم، لا في الآخرة فقط، ولكن في الدنيا والآخرة. وعذاب الدنيا إما بالقتل وإما بالفضيحة، وعذاب الآخرة في الدرك الأسفل من النار. ولكن قول الحق : ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ قد يفهمه بعض الناس فهماً خاطئاً، بأن العذاب في الدنيا فقط، ولكن هناك أرض في الدنيا؛ وأرض في الآخرة هي أرض المعاد؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات ... ﴾ [إبراهيم: ٤٨] إذن: فكلمة ﴿الأرض﴾ تعطينا صورتين في الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ يوضح لنا أن الوليّ هو القريب منك الذي تفزع إليه عند الشدائد، ولا تفزع عند الشدائد

стр. 6145

إلا لمن تطمع أن ينصرك، أو لمن هو أقوى منك، أما النصير فهو من تطلب منه النصرة. وقد يكون من البعيدين عنك ولا ترتبط به ولاية، إذن: فلا الوليّ القريب منك، ولا الغريب الذي قد تفزع إليه لينصرك يستطيعان أن يفعلا لك شيئاً، فلا نجاة من عذاب الله لمن كفر أو نافق. ثم يعرض الحق صورة أخرى من صور المنافقين؛ فيقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ ... ﴾

стр. 6146

﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين الذين عرض الله صوراً كثيرة لهم في هذه السورة الكريمة، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ ، و ﴿وَمِنْهُمْ﴾ و ﴿وَمِنْهُمْ﴾ ، واختلفت روايات المفسرين والرواة في مدلول قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ . فقال بعضهم: إنه ثعلبة بن حاطب، وقال آخرون: إنه مُعتِّب بن قشير، وقال رأى ثالث: إنه الجد بن قيس، وقال قائل رابع: إنه حاطب بن أبي بلتعة. كل هذه خلافات تحتملها الآية الكريمة؛ لأن الحق قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ ولم يقل الحق: «فلما آتيناه من فضلنا بخل به» بحيث ينطبق على حالة واحدة، ولكن الحق ﵎ جاء بها بصيغة الجمع فقال سبحانه: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ ... ﴾ [التوبة: ٧٦]

стр. 6147

إّن: فهناك جمع. والروايات كلها يمكن أن تكون صحيحة في أن الآية الكريمة نزلت في أفراد متعددين، وسبحانه يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله﴾ فكيف يكون للمنافقين عهد مع الله؟ نقول: لقد عُومل هؤلاء المنافقون بظواهر ألسنتهم، فهم قد أعلنوا إٍسلامهم، وكان الواحد منهم يقول: أعاهد الله على كذا وكذا؛ تماماً كما يأتي الواحد منهم للصلاة ويحرص بعضهم على التواجد في الصف الأول للمصلين، فهل منعه النفاق من الصلاة ظاهراً؟ لم يمنعه أحد، كذلك عندما يعاهد الله فهو يعاهده بظاهر لسانه. وقصة الآية: أن رجلاً فقيراً من الأنصار ذهب إلى رسول الله ﷺ َ وقال: إني فقير مملق - أي شديد الفقر - فادع لي الله يا رسول الله أن يوسع عليّ دنياي. وبفطنة النبوة قال ﷺ َ: إن قليلاً تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاوده وقال: ادع الله لي أن يوسّع عليّ. فدعا له فوسّع الله عليه. ولسائل أن يسأل: كيف يستجيب الرسول ويدعو لمنافق؟ وإذا كان الرسول قد دعا ترضية له وتأليفاً لقلبه؛ فكيف يجيب الله رسوله في طلب منافق منه؟ ونقول: ربما كان ذلك؛ لأن المنافق أراد أن يجرب: أرسول الله رسول حق، بحيث إن دعا الله أجيب؟ فلما دعا رسول الله؛ أراد الحق أن يُعلم هذا المنافق أنه: نعم هو رسول الله؛ وإن دعا لأي أحد يُجِبْه الله، فتكون هذه للنبي ﷺ َ. فلما دعا رسول الله لثعلبة، أو للجد بن قيس، أو لحاطب بن أبي بلتعة؛ استجاب الله لدعاء رسوله؛ وأعطى مَنْ سأل الدعاء مالاً وفيراً، وقالوا: ولقد تكاثر مال ثعلبة، وكانت ثروته من الأغنام قد تناسلت

стр. 6148

حتى ضاقت بها شعَاب المدينة؛ فهرب بها إلى شعاب الجبال، وإلى الصحراء الواسعة، فامتلأت، فشغلته أمواله أول ما شغلته عن صلاة الجماعة، وأصبح لا يذهب للصلاة إلا في يوم الجمعة؛ فلما كثرت كثرة فاحشة؛ شغلته أيضاً عن صلاة الجمعة. وفي ذلك دليل صدق لتنبؤ رسول الله له. إذن: فكل الأمر إنما جاء تأييداً لمنطق الرسول معهم؛ حتى يُسفِّههم في أنهم نافقوا في الإسلام. وبعد ذلك سأل عنه رسول الله ﷺ َ، فقالوا: إنه في الشعاب شغله ماله. فقال: يا ويح ثعلبة. وأرسل إليه عامل الصدقة؛ لأن ثعلبة قد عاهد الله وقال: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ فذهب عامل الصدقة إليه، فلما قال له: هات ما كتب الله عليك من الصدقة من مالك. قال: أهي أخت الجزية؟ وذكَّره عامل الصدقة: أنت الذي عاهدت، ومن ضمن عهدك أنك إن أوتيت تصدقت وكنت من الصالحين، فما لك لا توفي بالعهد. ورد ثعلبة على عامل الصدقة: اذهب حتى أرى رأيي. إذن: هو قد عاهد الله، ودعا رسول الله، واستجاب الله له، وكثرت أمواله، وبعد ذلك صدَّقَ الله نبيه في قوله: «قليل تؤدي شكره، خير من

стр. 6149

كثير لا تطيقه» ، فلما عاد عامل الصدقة إلى رسول الله بردِّ ثعلبة. قال ﷺ َ: ويح ثعلبة. فلما علم ثعلبة أن قرآناً قد نزل فيه، انزعج انزعاجاً شديداً، وأسرع إلى رسول الله ﷺ َ، وعرض عليه الزكاة. فلم يقبلها رسول الله منه، فأخذ يتردد عليه للقبول، فلم يقبلها رسول الله منه. لقد أراد ﷺ َ بذلك أن يثبت أن الله وفقراء الله في غنى عن مالك يا ثعلبة. فلما انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى جاء ثعلبة بالصدقات المؤخرة عليه كلها إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: ما كان لرسول الله أن يمتنع عنها ثم يأخذها أبو بكر. لما توفي أبو بكر جاء إلى عمر، فقال عمر مقالة أبي بكر. وجاء لعثمان، إلا أنه قبل أن يصل إليه كان قد هلك في عهد عثمان. ﴿لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ ، وكلمة ﴿لَئِنْ﴾ قَسَم، والقَسَم هو صورة العهد، فكأنه قال: أقسم بالله إن أتاني الله مالاً لأفعلنَّ كذا. وقد فهمنا أنها قَسَم من وجود اللام في جواب القَسَم ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ و «الصدقة» هي الصدقة الواجبة أي الزكاة، و ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ أي: نزيد في التطوعات، والمروءة، والأريحية، وكل ما يدل على الصلاح. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ ... ﴾

стр. 6150

ولله عطاءان: عطاء الأسباب، وعطاء التفضل. و «عطاء الأسباب» يتمثل في أن يَجدَّ الإنسان في أي عمل من الأعمال؛ فيعطيه الله ثمرة عمله؛ مؤمناً كان أو كافراً؛ طائعاً أو عاصياً؛ لأن الإنسان قد أخذ

стр. 6151

الأسباب وأتقنها، ولذلك تجد بعضاً من الكافرين بالله وهم يعيشون في سعة؛ لأنهم يحسنون الأسباب، وما داموا قد أحسنوا الأسباب، وهم عبيد الله أيضاً، وسبحانه هو الذي استدعاهم للوجود، فضمن لهم أن تستجيب لهم الأسباب، ولا تضِنّ عليهم؛ فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، وعلى الطائع والعاصي، والمطر ينزل على الأرض. وكذلك كل شيء في الأرض تستجيب عناصره لما يزرعون أو لما يفعلون، إذن فهذا عطاء الأسباب. ولكن الحق سبحانه يستر عطاء الفضل في عطاء الأسباب، كمن يسير في طريق مجهول فيجد كنزاً، أو أن ثمار محصوله لا يأتي عليها ريح أو إعصار يقلل من ناتج المحصول. ويبارك له الحق سبحانه في بيع محصوله، ويبارك له في رزقه منه، فلا يصرفه فيما يضيع ويذهب ماله. وهذا كله اسمه عطاء الفضل. وعطاء الأسباب عَامٌّ للناس جميعاً. أما عطاء الفضل فهو خاص بأولياء الله الذين أخلصوا عملهم لله طاعة وامتثالاً. وقول الحق : ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ دليل على أن الرزق الذي جاءهم لم يخضع للأسباب وحدها. بل زاد عما تعطيه الأسباب بفضل من الله. فالتكاثر الذي حدث في أغنام ثعلبة لم يكن تكاثراً بالأسباب فقط، بل فيه بركة جعلت البطن الواحدة من الشاة تأتي بأكثر من وليد، والعشب الذي ترعاه يُدِرّ كمية كبيرة من اللبن. ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾ ما هو البخل؟ هناك في اللغة أسماء للامتناع عن العطاء، فهناك بُخْل، وشُح، وكزازة، وكلها أسماء للامتناع عن عطاء شيء، لكن منازل العطاء والبخل تختلف؛ بمعنى أن هناك إنساناً لا يعطي إلا من سأله؛ تلك منزلة، وإنساناً آخر لا يعطي كل

стр. 6152

من سأله، بل يعطي من سأله بأسباب تثير عواطفه نحوه، كأن يقول: ولدي مريض، أو احترق بيتي، فالسائل هنا لا يسأل فقط، ولكنه يجيء بعلة السؤال مثيرة للعواطف. وهناك من يعطي بغير سؤال. هي إذن: ثلاث مراحل للعطاء؛ واحد يعطي من يراه هكذا؛ مظنة أن حالته رقيقة من غير أن يسأل، وهذه منزلة من منازل القرب من الله، ينير الله بها بصائر قوم لتكون يدهم هي يد الله عند خلق الله. بل إن هناك أناساً يعاتبون أنفسهم إذا جاء إنسان فسألهم صدقة أو معونة؛ كالرجل الذي ذهب فطرق الباب، فخرج إليه صاحب البيت فسأله عما يريد، فطلب السائل منه مالاً فدخل صاحب البيت بيته وأخذ شيئاً من مال وأعطاه للسائل، فعلمت امرأته أنه جاء يسأله مالاً فأعطاه، ولكن الزوج الذي أعطى مالاً رجع يبكي. فقالت له: وما يبكيك وقد أجبْتَهُ إلى مطلبه؟ فقال: يبكيني أنني تركته ليسألني، أي: أنه يبكي لأنه لم يملك فِطْنَةً تجعله يستشفُّ مسائل الناس من حوله ليعطي المحتاجين بغير سؤال. إذن: فواحد يعطي عن مسألة؛ تلك مرتبة، وهناك من يعطي من غير مسألة، بل يعطي عن فضل عنده، أي: يملك الكثير ويعطي منه. وثالث: يعطي نصف ما عنده؛ يقاسمه فيما يملك، أو يعطي أكثر ما عنده حسب ما ينقدح في ذهنه من حاجة الإنسان المعطي. هي إذن ثلاث مراحل: رجل يعطي من غير سؤال، ورجل يعطي بسؤال فيه أسباب مثيرة ومُهيِّجة للعاطفة، ورجل يعطي بمجرد السؤال. فمن هو البخيل؟ أفظع درجة للبخل؛ أن يبخل الرجل على من يسأله مسألة مُسبِّبة بأحداث تهيج العواطف، ومع ذلك لا يرق قلبه، هذا هو البخيل. ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ واحد من هؤلاء

стр. 6153

لم يبخل فقط، بل انصرف عن الذي يسأله، مثل الذي انصرف عن العامل الذي جاء يأخذ الصدقة، وقد كان عليه - مثلاً - أن يُجلس العامل، ويقدم له التحية الواجبة؛ ثم يقول له سنرى رأينا، ولكنه تولَّى وأعرض عنه. ويأتي الحق هنا بعقاب من يسلك مثل هذا السلوك فيقول: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى ... ﴾

стр. 6154

وقوله سبحانه: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ أي: جعل العاقبة لهذا التصرف؛ أن جعل في قلوبهم النفاق ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي: إلى يوم القيامة. وما دام الله قد قال هذا فمعناه أن الذي عمل مثل هذا العمل، وسئل الصدقة فمنعها وبخل وتولى وأعرض، فهذا إعلام من الله أن هذا الإنسان لا يموت على إيمان أبداً. ولم يمت واحد من هؤلاء على الإيمان، وقد كان هذا العقاب بسبب أنهم أخلفوا الله ما وعدوه فقال سبحانه: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ﴾ وكذلك جاءهم العقاب بسبب أنهم: ﴿كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ فكأن الواحد منهم قد كذب كلمة العهد أولاً، وكذب ثانياً في أنه قال: أهي أخت الجزية؟ مع أنه يعرف أن الزكاة عن المال هي ركن من أركان الإسلام. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ ... ﴾

стр. 6155

والعلم هنا مقصود به معرفة الخبر الذي لم يكن معروفاً قبل ذلك،

стр. 6156

وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ فيه همزة الاستفهام؛ ولم النافية مثل قول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: ١] ونحن نعرف أن الإخبار بين المتكلم والمخاطب له عدة صور: الصورة الأولى؛ ان يخبر المتكلم المخاطب بما عنده، وهذا «خبر» . والصورة الثانية: أن لا يخبر المتكلم مخاطبة بالخبر، بل يجعل المتكلم نفسه يقو الخبر، مثل قول أحد المحسنين: ألم أحسن إليك؟ وكان في استطاعته أن يقول «أنا أحسنت إليك» ، فيكون خبراً من جهته، لكنه يريد أن يعطي للخبر قوة، فجعل الكلام من المسْتَفهَم منه، وكأن عرض الأمر مَعْرِض السؤال في معرض النفي؛ ثقة في أن المخاطَب لن يجد إلا جواباً واحداً هو: نعم أحسنت إليّ. إذن: فالخبر إما أن يكون خبراً مجرداً عن النفي، أو خبراً معه النفي، أو خبراً معه الاستفهام. وأقوى أنواع الإخبار: الخبر الموجود معه النفي، والموجود مع النفي الاستفهام؛ لأن الخبر على الصورة الأولى يكون من المتكلم، والخبر من المتكلم قابل لأن يكون صادقاً وأن يكون كاذباً. ولكن الاستفهام يقتضي جواباً من المخاطَب، ولا يجيب المخاطَب إلا بما كان في نفس المتكلم؛ ولو كان المتكلم يعلم أن المخاطَب قد ينكر فلن يسأله. أو يقول لإنسان: أنا راضي ذمتك، وهذا القول يعني أن قائله علم أنه لا حق غير هذا، ومن يدير الكلام في عقله لن يجد إلا أن ما يسمعه هو الحق. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وما هو السر؟ وما هي النحوى؟ السر: هو ما تكتمه في نفسك ولا تطلع عليه أحداً، فليس السر هو ما تُسِرُّ به للغير؛ لأن هذه هي النجوى، وأصل النجوى البُعْد.

стр. 6157

ويقال: فلان بنجوة عن كذا، أي: بعيد عن كذا. وأصل النجوى أيضاً المكان المرتفع في الجبل، فكأن المرتفع بالجبل بعيد عن مستوى سطح الأرض. وحين يرغب إنسان أن يكلم أحداً بكلام لا يسمعه غيرهما؛ فهو يستأذنه في الابتعاد عن بقية الجلوس ليتكلم معه كما يريد، أو يُخفض من صوته فلا يسمعه سوى الإنسان الذي يريد أن يهمس له بكلمة، ولا يسمعها أحد آخر، ولذلك سموها المناجاة؛ وهي كلام لا يسمعه القريب؛ لأنك خفضت صوتك خَفْضاً يخفي على القريب، فكأنه صار بعيداً. إذن: فالسر: هو ما احتفظت به في نفسك، والنجوى: هو ما أسررت به للغير بحيث لا يعلمه من يجالسك. والذين منعوا الصدقة، لا بد أنهم اتفقوا على ذلك فيما بينهم، وأنهم تكلموا في هذا الأمر - منع الصدقة - بعد أن صاروا أغنياء ولهم أموال كثيرة، وتمردوا على منطق الإسلام مع أنهم كانوا حريصين دائماً أن يظهروا في إسلامهم مظهراً يفوق المسلمين الحقيقيين، فكانوا دائماً في الصفوف الأولى للصلاة كي يستروا نفاقهم. وحين يوضح الحق أنهم أسرّوا في نفوسهم كلاماً؛ فهذا الإسرار في النفس حين يُخبر به الله؛ هو هتك لحجاب المكان والزمان معاً، وأعلم سبحانه رسوله ﷺ َ بما دار في هذا الإسرار، كما هتك له من قبل حجب الزمان الماضي. وذلك في الأمور التي لم يشهدها، ولم يسمعها من معلم، ولم يقرأها في كتاب لأنه أمّي، فأخبر رسول الله عن أكثر من أمر لم يشهده ولم يسمعه ولم يقرأه.

стр. 6158

إذن: من أين جاء بذلك؟ أعلمه به الحق سبحانه الذي يعلم خُبْأة السموات والأرض، وهتك له أيضاً حجاب الزمن المستقبل؛ فعلم ﷺ َ الأحداث قبل أن تقع، وأعلمه إياها مَنْ ملكَ ناصية الزمان، وملك ناصية المكان، وملك ناصية الأحداث. وهذا هو هَتْكُ حجاب الزمن المستقبل، وهتك سبحانه لرسوله حجاب المكان، فكان ﷺ َ يخبرهم عن شيء في نفوسهم، فقد أوحى له الحق: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ... ﴾ [المجادلة: ٨] بالله عندما يسمع الرجل من هؤلاء لما قاله في نفسه، ويخبره رسول الله بما قال، فمن اذلي هتك الحجاب لرسول الله ﷺ َ؟ إن الذي هتك الحجاب لرسول الله هو من يعلم السرّ وأخفى؛ فلا توجد حجب غائبة عن الله؛ لأن حجب الغيب إنما تكون على البشر؛ حجاب ماضٍ، وحجاب مستقبل، وحجاب مكان، وحجاب زمان. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ أي: أن علم الله ليس مقصوراً على معرفة أمورهم هم، بل علم الله سرّهم ونجواهم؛ لأن صفته القيومية، وأنه علام الغيوب؛ يعلم غيب هذا، وغيب هذا، وغيب هذا، وغيب هذا، وجاءت المبالغة من تكرار علم غيب كل أحد. إذن: ﴿عَلاَّمُ الغيوب﴾ تعني أنه يعلم حتى ما حاولْتَ كتمه وستره، فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله ... ﴾ [لقمان: ١٦]

стр. 6159

إذن: فعلم الحق ﷻ لا يغيب عنه شيء. ثم ينقلنا الحق إلى صورة أخرى من صور المنافقين وما يفعلونه بالمؤمنين. . فقال ﷻ : ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين ... ﴾

стр. 6160

واللمز: معناه العيب، ولكن بطريق خفي، كإشارة بالعين أو باليد أو بالفم أو بغير ذلك. إذن: فهناك مجموعة من المنافقين يعيبون في المطوِّعين لجمع الزكاة من المؤمنين، ومن هؤلاء المنافقين من يعيب بالقول، ومن يعيب بالفعل، ومن يعيب بالإشارة، والمطوِّعون هم الذين يتطوعون بشيء زائد من جنس ما فرض الله. فالله فرض مثلاً خمس صلوات، وهناك من يصلي خمس صلوات أخرى تطوعاً، وفرض الحق الزكاة اثنين ونصفاً بالمائة، وهناك من يصرف عشرة بالمائة تطوعاً، وفرض الحق صيام شهر رمضان، وهناك من يصوم فوق كل ذلك اثنين وخميس. وهذا ما نسميه دخول المؤمن في مقام الإحسان؛ بان تتقرب إلى الله بما يزيد على ما فرضه الله عليك، من جنس ما فرضه الله.

стр. 6161

وأنت إذ أديت المفروض تكون قد التزمت بالمنهج، وقد سأل رجل رسول الله ﷺ َ عن فرائض الإسلام ثم قال: لا ازيد ولا أنقص، فقال الرسول الكريم: «أفلح إن صدق» والزيادة على ما فرضه الله، ومن جنس ما فُرِضَ يكون له ملحظان: الأول: أن العبد يشهد لربه بالرحمة؛ لأنه كُلِّفَ دون ما يستحق. والملحظ الثاني: هو أن عمل الطاعة قد خفّف على المؤمن فاستراح بها. ألم يقل رسول الله ﷺ َ عن الصلاة: «أرحنا بها يا بلال» إذن: فالمطوِّع هو الذي يزيد على ما فرض الله عليه من جنس ما فرض الله؛ وهؤلاء هم المحسنون؛ الذين قال الحق عنهم في سورة الذاريات: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩] فالمنهج لا يلزمني بأن أنام قليلاً من الليل وأقضي بقيته في الصلاة، ولم يلزمني أحد بالاستغفار في الأسحار. ولم يقل الله سبحانه في هذه الآية إن في المال حقاً معلوماً؛ لأن الإنسان المؤمن هنا يعطي بأكثر مما فُرِض. وعندما يتطوع مؤمن ويزيد على ما فرض الله، أيستحق أن يُذَمَّ ويُعَابَ ويُلْمز؟ أم أنه يستحق أن يُكرَّم ويُقدَّر؟ ولكنّه اختلال موازين المنافقين في

стр. 6162

الحكم على الأشياء. لذلك اعتبروا الحسنة نقيصة، تماماً كالذي يُخرج ماله للفقراء، ونجد من يسخر منه بالقول عنه «إنه أبله» ، مع أن المؤمن حين يتصدق كثيراً؛ فهو يشيع فائدة ماله في المجتمع، وهو الأكثر ذكاء منهم؛ لأنهم أنفقوا المال على أنفسهم فَأفْنَوْه، بينما تصدق هو به فأبقاه. وقول الحق : ﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ لها واقعة، فقد هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة، وترك أمواله وكل ما يملك في مكة، وآخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكل رجل من الأنصار رجلاً من المهاجرين يشاركه في ماله. ولما جاء عبد الرحمن بن عوف قال له أخوه من الأنصار: أقاسمك مالي. قال: بارك الله لك في مالك، دُلَّني على السوق. وذهب إلى السوق. وبارك الله له في تجارته. فكان يقسم ربحه نصفين نصفاً للصدقة ونصفاً لأهله. وقد جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله ﷺ َ، وقال: يا رسول الله اكتسبت ثمانية آلاف درهم أقرض الله أربعة وأبقي لأهلي أربعة، فقال له رسول الله ﷺ َ: «بارك الله لك فيما أقرضت وفيما أبقيت» . وحينما مات عبد الرحمن بن عوف أحصوا ثروته، وحدث خلاف في تقديرها، وأراد الورثة أن يسترضوا زوجته الرابعة، وكان اسمها «تماضر» بأن يعطوها ثمانين ألف درهم، ولما كانت تماضر واحدة من أربع نساء، والنساء الأربع يرثن ثُمُنَ الثروة، أي: أن قيمة الثروة كلها على أقل تقدير بلغت مليونين وخمسمائة وستين درهماً. وكان عبد الرحمن لا يتاجر إلا في ماله.

стр. 6163

فلما بلغ المنافقين ما تصدق به عبد الرحمن بن عوف قالوا: ما تصدق عبد الرحمن إلا رياء وسمعة. وهل الرياء يطلع عليه الناس أم يعرفه الله وحده؟ وجاء عاصم بن عدي، وكان صاحب بستان أعطى ثمراً كثيراً، فجاء بمائة حمْل من التمر وتصدق بها، فقال المنافقون: والله ما فعل عاصم هذا إلا رياء. وجاء رجل يُدْعَى أبا عقيل الأنصاري إلى رسول الله ﷺ َ: يا رسول الله، لقد بِتُّ ليلتي أعمل، وأخذت أجري صاعين من التمر، احتفظت لأهلي بصاعٍ وجئتك بصاع لأتصدق به. قال المنافقون: تصدق بصاعٍ من التمر، الله ورسوله غني عن صاعك يا أبا عقيل. هم إذن قد عابوا على عبد الرحمن بن عوف الذي تصدق بالكثير وقالوا هذا رياء، وعندما جاء عاصم بن عديّ قالوا: يرائي بالتصدق بنصف ثمار حديقته، وعندما جاء من لا يملك إلا صاع تمر يتصدق به قالوا: الله ورسوله غني عن تمرك، لقد سخروا ممن أعطى الكثير، وسخروا ممن أعطى القليل. وكان يجب أن يُمدَح المتصدقون ولا يُسخَر منهم؛ لأن كلاً منهم تصدق على قدر طاقته، وهم أعطوا منه فضل ما أعطاهم الله؛ قلَّ أو كثُر. ولذلك فمَنْ يسخر من هؤلاء المؤمنين؛ لابد أن يُلاَمَ على الخُلق السيء الذي تمثل في مقابلة السلوك الإيماني بالسخرية والاستهزاء، ولذلك كان جزاء الساخرين أن سخر الله منهم، وجعل لهم عذاباً أليماً. والسخرية هي الاستهزاء بفعل شخص ما. وهؤلاء المنافقون حين يسخرون من المؤمنين، فسخريتهم لم تتجاوز عدم رضاهم عمَّنْ فعل الخير، وهم بسخريتهم لهم يستطيعوا إلا الإيذاء المعنوي للمؤمنين المتصدقين، ولكن حين يسخر الله؛

стр. 6164

فهذه أولاً عدالة الجزاء لأنها من جنس ما فعلوا، ولكن هل سخرية الحق تقتصر على عدم الرضا أم أن هناك جزاء؟ هناك جزاء من الله. وإذا كان الجزاء يتفاوت بتفاوت قدرة الساخر. فهناك فارق شاسع بين قدرات الله وقدرات البشر. والذين سخروا من المؤمنين حين تصدقوا بالقليل الذي يملكونه؛ تصدى الله ليرد عليهم وعلى سخريتهم. ويريد الحق بذلك أن يعطينا صورة عن كيفية دفاعه عن المؤمنين المخلصين في إيمانهم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحق ﵎، هو الذي سيعاقب المنافقين، فالعقاب سيكون أليماً مهيناً. وقلنا من قبل: إن الذي يخطئ في حق غيره، فهذا الغير يرد الخطأ بعقاب على حسب قدرته. ولكن إن عفا عنه، نقول لمن أخطأ: لا تعتبر هذا العفو لصالحك، بل هو عكس ذلك تماماً؛ لأن الذي يعفو إنما ترك الحكم لله، وسوف يكون عقابك لا قدر قوة وطاقة مَنْ عفا عنك، ولكنه ترك عقابك لله، وسيكون عقابك على قدر قدرات الله. إذن: فالذي ينتقم ويرد على من أخطأ في حقه، إنما يأخذ على قدر قوَّته، وأما الذي يعفو فهو يأخذ على قدر قدرات الله، وهناك مرتبة أعلى من ذَلك جعلها الله للمذنب، والذي وقع الاعتداء عليه؛ لأن الحق رب الاثنين: فإن أساء إليك إنسان قد ترد عليه الإساءة بطاقتك، وقد تعفو فيرد الله عليه بقدرته وطاقته. ولكن خير من ذلك أن تحس أن الذي أساء إليك في حقيقة الأمر قد أحسن إليك، مع أنه لم يقصد ذلك، كيف؟ إذا دخلت بيتك ووجدت أحد أبنائك قد ضرب أخاه وأساء إليه، مع من يكون قلبك وعطفك؟ إن قلبك يكون مع الذي اعتدى عليه وأسيء إليه فتحاول ان ترضيه، وتأتي إليه بهدية أو تعطيه مبلغاً من المال، أو غير ذلك من أنواع الإرضاء، وقيل: من آداب دينك - الإسلام - أن تحسن إلى مَنْ أساء إليك؛ لأنه

стр. 6165

يقدم معروفاً دون أن يقصد. ولذلك فالحق يطلب منك أن تعفو عمن أساء إليك. ويقول الحق : ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ وإذا سمعت فعلاً من البشر يقابله فعل من الله، إياك أن تفهم الفعل من الله كما فهمتَ فعل البشر، فحين يقول سبحانه: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله ... ﴾ [آل عمران: ٥٤] وحين يقول: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ... ﴾ [النساء: ١٤٢] هنا نجد فعلاً من صنع الله، وقد نرى من البشر من يفعل نفس الفعل، لكن نحن المسلمين نأخذ الفعل من الله على غير الفعل من البشر. وعلى سبيل المثال: إذا جئنا لقول الله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ المكر هو التغلب بالحيلة على الخصم؛ بأن توهمه أنك تفعل له خيراً، بينما أنت تضمر له الشر، كأن تحفر حفرة كبيرة مثلاً وتغطيها ببعض الحشائش والزهور، ثم تطلب من خصمك أن يأتي لك بزهرة، فيسقط في الحفرة وتتكسر عظامه. إذن: فأنت قد كِدْتَ له كَيْداً خَفِيّاً. والكيد والمكر لا يَدُلان على القوة؛ إنما يدلان على الضَعف؛ لأن الشجاع القوي هو الذي يجاهر بعدائه؛ لأنه قادر على عدوه، لكن الضعيف هو الذي يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه. ولذلك نجد الحق يقول في النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] وما دام كيدهن عظيماً، فضعفهن عظيم؛ لأن الضعيف هو من يكيد، ولكن القوي لا يعجزه طلب خصمه ويقول له: اذهب حيثما شئت، وسآتي بك عندما أريد، لا يوجد مكان تهرب فيه مني، إنما الضعيف إذا تملك من خصمه فإنه يقضي عليه تماماً؛ لأنه يعرف أنها فرصة لن تتكرر.
следующие страницы →