Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
وأنت إذ أديت المفروض تكون قد التزمت بالمنهج، وقد سأل رجل رسول الله ﷺ َ عن فرائض الإسلام ثم قال: لا ازيد ولا أنقص، فقال الرسول الكريم: «أفلح إن صدق»
والزيادة على ما فرضه الله، ومن جنس ما فُرِضَ يكون له ملحظان: الأول: أن العبد يشهد لربه بالرحمة؛ لأنه كُلِّفَ دون ما يستحق. والملحظ الثاني: هو أن عمل الطاعة قد خفّف على المؤمن فاستراح بها. ألم يقل رسول الله ﷺ َ عن الصلاة: «أرحنا بها يا بلال»
إذن: فالمطوِّع هو الذي يزيد على ما فرض الله عليه من جنس ما فرض الله؛ وهؤلاء هم المحسنون؛ الذين قال الحق عنهم في سورة الذاريات: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]
فالمنهج لا يلزمني بأن أنام قليلاً من الليل وأقضي بقيته في الصلاة، ولم يلزمني أحد بالاستغفار في الأسحار. ولم يقل الله سبحانه في هذه الآية إن في المال حقاً معلوماً؛ لأن الإنسان المؤمن هنا يعطي بأكثر مما فُرِض. وعندما يتطوع مؤمن ويزيد على ما فرض الله، أيستحق أن يُذَمَّ ويُعَابَ ويُلْمز؟ أم أنه يستحق أن يُكرَّم ويُقدَّر؟ ولكنّه اختلال موازين المنافقين في
стр. 6162
الحكم على الأشياء. لذلك اعتبروا الحسنة نقيصة، تماماً كالذي يُخرج ماله للفقراء، ونجد من يسخر منه بالقول عنه «إنه أبله» ، مع أن المؤمن حين يتصدق كثيراً؛ فهو يشيع فائدة ماله في المجتمع، وهو الأكثر ذكاء منهم؛ لأنهم أنفقوا المال على أنفسهم فَأفْنَوْه، بينما تصدق هو به فأبقاه.
وقول الحق :
﴿الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ لها واقعة، فقد هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة، وترك أمواله وكل ما يملك في مكة، وآخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكل رجل من الأنصار رجلاً من المهاجرين يشاركه في ماله.
ولما جاء عبد الرحمن بن عوف قال له أخوه من الأنصار: أقاسمك مالي. قال: بارك الله لك في مالك، دُلَّني على السوق. وذهب إلى السوق. وبارك الله له في تجارته. فكان يقسم ربحه نصفين نصفاً للصدقة ونصفاً لأهله. وقد جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله ﷺ َ، وقال: يا رسول الله اكتسبت ثمانية آلاف درهم أقرض الله أربعة وأبقي لأهلي أربعة، فقال له رسول الله ﷺ َ: «بارك الله لك فيما أقرضت وفيما أبقيت» . وحينما مات عبد الرحمن بن عوف أحصوا ثروته، وحدث خلاف في تقديرها، وأراد الورثة أن يسترضوا زوجته الرابعة، وكان اسمها «تماضر» بأن يعطوها ثمانين ألف درهم، ولما كانت تماضر واحدة من أربع نساء، والنساء الأربع يرثن ثُمُنَ الثروة، أي: أن قيمة الثروة كلها على أقل تقدير بلغت مليونين وخمسمائة وستين درهماً. وكان عبد الرحمن لا يتاجر إلا في ماله.
стр. 6163
فلما بلغ المنافقين ما تصدق به عبد الرحمن بن عوف قالوا: ما تصدق عبد الرحمن إلا رياء وسمعة. وهل الرياء يطلع عليه الناس أم يعرفه الله وحده؟ وجاء عاصم بن عدي، وكان صاحب بستان أعطى ثمراً كثيراً، فجاء بمائة حمْل من التمر وتصدق بها، فقال المنافقون: والله ما فعل عاصم هذا إلا رياء. وجاء رجل يُدْعَى أبا عقيل الأنصاري إلى رسول الله ﷺ َ: يا رسول الله، لقد بِتُّ ليلتي أعمل، وأخذت أجري صاعين من التمر، احتفظت لأهلي بصاعٍ وجئتك بصاع لأتصدق به. قال المنافقون: تصدق بصاعٍ من التمر، الله ورسوله غني عن صاعك يا أبا عقيل.
هم إذن قد عابوا على عبد الرحمن بن عوف الذي تصدق بالكثير وقالوا هذا رياء، وعندما جاء عاصم بن عديّ قالوا: يرائي بالتصدق بنصف ثمار حديقته، وعندما جاء من لا يملك إلا صاع تمر يتصدق به قالوا: الله ورسوله غني عن تمرك، لقد سخروا ممن أعطى الكثير، وسخروا ممن أعطى القليل. وكان يجب أن يُمدَح المتصدقون ولا يُسخَر منهم؛ لأن كلاً منهم تصدق على قدر طاقته، وهم أعطوا منه فضل ما أعطاهم الله؛ قلَّ أو كثُر.
ولذلك فمَنْ يسخر من هؤلاء المؤمنين؛ لابد أن يُلاَمَ على الخُلق السيء الذي تمثل في مقابلة السلوك الإيماني بالسخرية والاستهزاء، ولذلك كان جزاء الساخرين أن سخر الله منهم، وجعل لهم عذاباً أليماً. والسخرية هي الاستهزاء بفعل شخص ما. وهؤلاء المنافقون حين يسخرون من المؤمنين، فسخريتهم لم تتجاوز عدم رضاهم عمَّنْ فعل الخير، وهم بسخريتهم لهم يستطيعوا إلا الإيذاء المعنوي للمؤمنين المتصدقين، ولكن حين يسخر الله؛
стр. 6164
فهذه أولاً عدالة الجزاء لأنها من جنس ما فعلوا، ولكن هل سخرية الحق تقتصر على عدم الرضا أم أن هناك جزاء؟
هناك جزاء من الله.
وإذا كان الجزاء يتفاوت بتفاوت قدرة الساخر. فهناك فارق شاسع بين قدرات الله وقدرات البشر. والذين سخروا من المؤمنين حين تصدقوا بالقليل الذي يملكونه؛ تصدى الله ليرد عليهم وعلى سخريتهم. ويريد الحق بذلك أن يعطينا صورة عن كيفية دفاعه عن المؤمنين المخلصين في إيمانهم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحق ﵎، هو الذي سيعاقب المنافقين، فالعقاب سيكون أليماً مهيناً.
وقلنا من قبل: إن الذي يخطئ في حق غيره، فهذا الغير يرد الخطأ بعقاب على حسب قدرته. ولكن إن عفا عنه، نقول لمن أخطأ: لا تعتبر هذا العفو لصالحك، بل هو عكس ذلك تماماً؛ لأن الذي يعفو إنما ترك الحكم لله، وسوف يكون عقابك لا قدر قوة وطاقة مَنْ عفا عنك، ولكنه ترك عقابك لله، وسيكون عقابك على قدر قدرات الله.
إذن: فالذي ينتقم ويرد على من أخطأ في حقه، إنما يأخذ على قدر قوَّته، وأما الذي يعفو فهو يأخذ على قدر قدرات الله، وهناك مرتبة أعلى من ذَلك جعلها الله للمذنب، والذي وقع الاعتداء عليه؛ لأن الحق رب الاثنين: فإن أساء إليك إنسان قد ترد عليه الإساءة بطاقتك، وقد تعفو فيرد الله عليه بقدرته وطاقته.
ولكن خير من ذلك أن تحس أن الذي أساء إليك في حقيقة الأمر قد أحسن إليك، مع أنه لم يقصد ذلك، كيف؟ إذا دخلت بيتك ووجدت أحد أبنائك قد ضرب أخاه وأساء إليه، مع من يكون قلبك وعطفك؟ إن قلبك يكون مع الذي اعتدى عليه وأسيء إليه فتحاول ان ترضيه، وتأتي إليه بهدية أو تعطيه مبلغاً من المال، أو غير ذلك من أنواع الإرضاء، وقيل: من آداب دينك - الإسلام - أن تحسن إلى مَنْ أساء إليك؛ لأنه
стр. 6165
يقدم معروفاً دون أن يقصد. ولذلك فالحق يطلب منك أن تعفو عمن أساء إليك. ويقول الحق : ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ وإذا سمعت فعلاً من البشر يقابله فعل من الله، إياك أن تفهم الفعل من الله كما فهمتَ فعل البشر، فحين يقول سبحانه: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله ... ﴾ [آل عمران: ٥٤]
وحين يقول: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ... ﴾ [النساء: ١٤٢]
هنا نجد فعلاً من صنع الله، وقد نرى من البشر من يفعل نفس الفعل، لكن نحن المسلمين نأخذ الفعل من الله على غير الفعل من البشر.
وعلى سبيل المثال: إذا جئنا لقول الله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ المكر هو التغلب بالحيلة على الخصم؛ بأن توهمه أنك تفعل له خيراً، بينما أنت تضمر له الشر، كأن تحفر حفرة كبيرة مثلاً وتغطيها ببعض الحشائش والزهور، ثم تطلب من خصمك أن يأتي لك بزهرة، فيسقط في الحفرة وتتكسر عظامه.
إذن: فأنت قد كِدْتَ له كَيْداً خَفِيّاً. والكيد والمكر لا يَدُلان على القوة؛ إنما يدلان على الضَعف؛ لأن الشجاع القوي هو الذي يجاهر بعدائه؛ لأنه قادر على عدوه، لكن الضعيف هو الذي يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه. ولذلك نجد الحق يقول في النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]
وما دام كيدهن عظيماً، فضعفهن عظيم؛ لأن الضعيف هو من يكيد، ولكن القوي لا يعجزه طلب خصمه ويقول له: اذهب حيثما شئت، وسآتي بك عندما أريد، لا يوجد مكان تهرب فيه مني، إنما الضعيف إذا تملك من خصمه فإنه يقضي عليه تماماً؛ لأنه يعرف أنها فرصة لن تتكرر.
стр. 6166
ولذلك قال الشاعر:
وَضَعِيفَةٌ فإذَا أصَابَتْ فُرْصة ... قتلت كذلِكَ فُرْصَةُ الضُّعفَاءِ
أما القوي فإنه يقدر ويعفو؛ لأنه يعرف أنه يستطيع الإتيان بخصمه وقتما يشاء.
والأصل في المكر هو الشجرة الملتفة الأغصان كأنها مجدولة؛ بحيث لا تستطيع أن تميز الورقة التي تراها من أي فرع نبتت، فيلتبس عليك الأمر، كذلك المكر تختلط عليك الأمور بحيث لا تعرف أين الحقيقة. وأنت تمكر بقدر تفكيرك وعقلك، ولكن الحق حين يجازيك بمكرك يكون الجزاء رهيباً؛ لأن مكرك مفضوح عند الله، ولكنك لا تعرف شيئاً مما أعدَّه الله لك.
ولقد نصر الحق رسوله ﷺ َ في الأمور العلنية في المعارك، ونصره أيضاً في كل أمر مكروا فيه وبيَّتوه له. وعلى سبيل المثال، حين وقف الكفار على باب بيت رسول الله ﷺ َ ليقتلوه في ليلة الهجرة. أوحى له ربه أن: اخرج ولا تَخْشَ مكرهم، فخرج ﷺ َ ليجدهم نياماً وهم واقفون، أعينهم مفتوحة ولكن لا تبصر. ويخرج ﷺ َ من وسطهم. ويأخذ التراب، ويلقيه عليهم وهو يقول: «شاهت الوجوه» .
وعندما يبتعد ﷺ َ عن المكان يستيقظون مرة أخرى، ويتعجبون كيف أفلت منهم. وقد أراد الحق سبحانه أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا النَّيْل من رسول الله ﷺ َ، لا بالمعارك المفتوحة ولا بالمكر الخفي.
وقوله ﵎: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ تعرف منه أن سخرية الله جاءت جزاءً لهم على سخريتهم، والساخر من البشر لا يتجاوز
стр. 6167
في فعله أكثر من العيب في غيره. ولكن سخرية الله تتجاوز إلى العذاب. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهذا هو التميُّز في فعل الله عن فعل البشر، فالذين سخروا من المؤمنين عابوا عليهم ما فعلوه، يسخر منهم الحق يوم القيامة أمام خلق جميعاً، ثم يزيد على ذلك بالعذاب الأليم.
لقد عرفنا من قبل أن هناك عذاباً أليماً، وهناك عذاب عظيم، وعذاب مهين، وكلها صفات للعذاب، فالعذاب هو الإيلام، ولكن هناك من يفزعه الألم فيصرخ. وهناك من يحاول أن يتجلد ويتحمل؛ لأن كبرياءه يمنعه أن يصرخ، وفي هذه الحالة يكون عذابه مهيناً؛ لأنه بكبريائه تحمَّل الألم؛ فيُهَانُ في كبريائه وبذلك يكون عذابه مهيناً.
والعذاب قد يأخذ زمناً طويلاً أو قصيراً، وهناك عذاب عظيم في الإيلام وعظيم في الإهانة. والعذاب العظيم في الإيلام؛ أي مبالغ فيه من ناحية الألم. والعذاب العظيم في الإهانة مبالغ فيه من ناحية الإهانة. والعذاب العظيم في الوقت مبالغ فيه من ناحية الزمن، ولذلك يقال عنه «عذاب مقيم» أي: يأخذ الزمن كله لا يتوقف ولا يقل.
ثم يعرض الحق صورة أخرى من صور تعامل رسول الله ﷺ َ مع المنافقين. ومع أن رسول الله ﷺ َ يعرف المنافقين، وقد أعلمه سبحانه بأمرهم حين قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ... ﴾ [محمد: ٣٠]
أي: بمجرد نظر رسول الله إليهم، وكأن على جبهة كل منهم توجد كلمة «منافق» وهو يعرفهم مصداقاً لقوله الحق: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول ... ﴾ [محمد: ٣٠]
стр. 6168
وبمجرد أن ينطقوا يعرفهم ﷺ َ من طريقة نطقهم. ولكن الله يريد أن يُخرج رسوله إلى المؤمنين به وبرسالته سليم الصدر، بدون انقباض عن أحد، حت يتجلى نوره على الجميع، ولعل شعاعاً من النور يمسُّ منافقاً؛ فيتوب إلى الله ويعود إلى الإيمان الصحيح، كما حدث لكثير من المنافقين، فقد أعلن بعضهم التوبة وحَسُنَ إسلامهم.
ونحن نعرف أن رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول، كان سيُتوَّج ملكاً على المدينة. وأثناء الإعداد لمهرجان التتويج؛ فوجئوا بوصول رسول الله ﷺ َ مهاجراً إلى المدينة. وكان هذا من أسباب حقد عبد الله بن أبيّ على رسول الله ﷺ َ فقد ضاع منه الملْك. وكان لعبد الله بن أبيّ ولد أسلم وحَسُن إسلامه اسمه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ. وكان من حُسْن إسلام هذا الابن أنه ذهب إلى رسول الله ﷺ َ؛ حين علم أنه ﷺ َ سيأمر بقتل أبيه؛ لأنه قال في غزوة من الغزوات. ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ [المنافقون: ٨]
وكان ابن أبيّ يعني ب «الأعز» المنافقين في المدينة؛ وب «الأذل» المسلمين من المهاجرين والأنصار. ورد الله سبحانه بأن صدَّق على قوله أن الأعز سيُخرج الأذل، فقال الحق : ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ [المنافقون: ٨]
стр. 6169
فكأن الحق قد أقر على أن الأعز هو الذي سيخرج الأذل من المدينة، ولكن العزة لله ولرسوله وللؤمنين، إذن: فسيخرج المنافقون من المدينة، وسيبقى فيها المؤمنون، وتكون لهم العزة.
ولما علم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أن رسول الله ﷺ َ سيأمر بقتل والده عبد الله بن أبيّ، ذهب إلى رسول الله ﷺ َ، وقال: يا رسول الله إن كنت ولابد آمراً بقتل أبي فأمرني أنا بقتله؛ لأني أخاف أن يقتله أخ مؤمن فأكرهه، وأنا لا أحب أن أكره مؤمناً.
وهكذا نرى قوة وصدق الإيمان، وأراد رسول الله ﷺ َ أن يكرم ذلك المنافق من أجل ابنه فلم يأمر بقتله، ومن بعد ذلك قال الابن: يا رسول الله استغفر لأبي، أي: اطلب له من الله المغفرة؛ ولأنه ﷺ َ يعلم أنه قد أرسل رحمة للعالمين؛ لذلك طلب المغفرة لعبد الله بن أبيّ. وحينئذ نزلت الآية الكريمة: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ ... ﴾
стр. 6170
ووقف العلماء في هذه الآية عند شيء اسمه مفهوم المخالفة؛ لأن الحق حدد مرات الاستغفار غير المقبول بسبعين مرة، وقد أوضح رسول الله ﷺ َ الذي أرسلَ رحمة للعالمين؛ أنه ما دامت مرات الاستغفار قد حُددت بسبعين مرة فلأزيد على السبعين قليلاً وبذلك غلّب الرسول الكريم جانب الرحمة، وجانب الإكرام لعبد الله بن عبد الله بن أبي الذي أسلم وحَسُنَ إسلامه.
وكانت السبعة دائماً هي نهاية العدد عند العرب، وعندما يأتي عدد آخر يكون زائداً، فالأصل في العدد هو مكررات الواحد، أي: أن الواحد أصل العدد، يضاف له واحد يكون اثنين، ويضاف لهما واحد فيكون المجموع ثلاثة، وتستمر الإضافة حتى يصير العدد سبعة، وإذا تركنا الواحد جانباً لأنه الأصل، نجد عندنا ثلاثة أعداد زوجية، هي: اثنان وأربعة وستة، وثلاثة أعداد فردية هي: ثلاثة وخمسة وسبعة، ويكون العدد سبعة جامعاً للمفرد والمثنى والجمع.
ولذلك كانوا إذا أرادوا الزيادة على سبعة فلابد أن يأتوا بحرف العطف. ونجد قول الحق في سورة الكهف: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيب وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ... ﴾ [الكهف: ٢٢]
ولم يقل: ثامنهم كلبهم، بل جاء بواو العطف؛ لأن الثمانية كانت من نوع آخر.
стр. 6171
وحين سمع رسول الله ﷺ َ «السبعين» ؛ قال: نزيد على السبعين، وبذلك يكون قد احترم قول الله، واحترم تكريمه لعبد الله بن عبد الله بن أبيّ؛ الذي طلب منه أن يستغفر لأبيه. وهنا قالوا: كيف يغيب عن رسول الله ﷺ َ وهو الذي يقول عن نفسه: «أنا أفصح العرب بيد أنِّي من قريش» ، أن عدد السبعين يُقصد به الكثرة مهما بلغت، والشاعر القديم يقول:
أسِيئي بِنَا أوْ أحْسِني لاَ مَلُومةَ ... أي: افعلي ما تشائين.
فكأن الحق في قوله: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ شاء أن ياتي بمضاعفات العدد النهائية وهي السبعون ليحسم الأمر.
وجاء قول الحق سبحانه: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... ﴾ [المنافقون: ٦]
أي: مهما استغفرت بأي عدد من الأعداد فلن يغفر الله لهم.
ونقول: إن الأمر هنا له شقان؛ الشق الأول: أن يغفر الله. والشق الثاني: هو مجاملة رسول الله ﷺ َ لعبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فهو ﷺ َ يعلم أن الله لن يغفر للمنافقين. وفي استغفار رسول الله ﷺ َ إنما هو لاحترام طلب الابن، وأيضاً فالاستغفار من رسول الله كان مجرد مجاملة لعلمه أن الله لن يغفر للمنافقين؛ لأنه ﷺ َ يعلم أن استغفاره من أجل منافق لن يقبله الله، وهناك استغفار تنشأ عنه المغفرة، واستغفار ينشأ عنه إرضاء عبد الله بن عبد الله بن أبيّ.
ولكن ألا توجد ذاتية للأب؟
стр. 6172
نقول: إن التاريخ يقول إن عبد الله بن أبيّ نال حظه من الدنيا، والحق سبحانه يقول: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠]
وجزاء العمل يُعطي للبعض في الدنيا، ويُعْطي للبعض في الآخرة؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]
ولقد حدثنا علماء السيرة أن رسول الله ﷺ َ قال: «إن أبا لهب يُخفَّفُ عنه العذاب يوم الاثنين» ، وأبو لهب نزل فيه قول الحق : ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١ - ٣]
ولماذا يُخفَّف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين؟ لأن هذا اليوم هو الذي ولد فيه رسول الله ﷺ َ، وقد سُرَّ أبو لهب بميلاد الرسول الكريم، فأعتق الجارية التي بشَّرته بميلاد الرسول؛ ومن هنا يُخفَّف العذابُ عن أبي لهب يوم الاثنين جزاء عمله.
كما أن عبد الله بن أبيّ كان له موقف يحسب له في واقعة الحديبية حين ذهب المسلمون لأداء العمرة، وصدهم الكفار عن بيت الله الحرام؛ وانتهت بصلح الحديبية وهي أول معاهدة بين الإيمان والكفر، ورغم أن رسول الله ﷺ َ وصحابته رُدُّوا عن بيت الله الحرام، فقد فطن أبو بكر لما في يوم الحديبية من عطاءات الله؛ من اعتراف كفار قريش بمحمد وبالمسلمين حين وقعوا معاهدة بينهم وبين رسول الله ﷺ َ، وتفرغ نبينا الكريم للدعوة في الجزيرة العربية، وهو آمن من قريش، وانتشر الإسلام إلى أن نقضت قريش العهد وتم فتح مكة.
стр. 6173
نعود إلى قصة عبد الله بن أبيّ يوم الحديبية: لقد كان الكفار يعلمون أن في نفسه شيئاً من رسول الله ﷺ َ؛ لأن مجيء الرسول ﷺ َ منع تتويج عبد الله بن أبيّ ملكاً على المدينة. وكانوا يعلمون أيضاً أنه أسلم نفاقاً؛ فأرادوا أن يُحدثوا ثغرة في نفوس المسلمين، فقالوا: محمد وأصحابه لا يدخلون، ولكننا نسمح لعبد الله بن أبيّ ومن معه بدخول مكة وأداء العمرة فرفض عبد الله بن أبيّ وقال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة، لا أريد أن أذهب للعمرة إلا إذا ذهب رسول الله ﷺ َ. وهذا موقف يُحمد له.
كذلك كان له موقف آخر في غزوة بدر، حينما أُسر العباس عم رسول الله ﷺ َ. وكان العباس طويل القامة وثيابه تمزقت في المعركة، فلم يجدوا طويلاً مثله إلا عبد الله بن أبيّ، فأعطاهم قميصه ليلبسه العباس، فلم يَنْسَ رسول الله ذلك له.
ومن أجل هذا استغفر له رسول الله، لكن الحكم الأعلى قد جاء ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ فليس المهم فقط هو استغفار رسول الله؛ لأن هناك ممحصات للذنب، فمن أذنب عليه أن يأتيك أولاً يا رسول الله، ليستغفر الله، ثم يسألك أن تستغفر له الله، حتى يجد الله تواباً رحيماً، فسبحانه القائل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٦٤]
فالذي يريد أن يتوب ويستغفر، لا يستغفر له رسول الله ﷺ َ، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولاً، فلا بد أن يستغفروا الله من الذنوب أولاً ثم يستغفر لهم الرسول. ولا يستغفر لهم الرسول وهو لا يستغفرون، وهكذا نعلم أن عبد الله بن أبيّ لم يفطن إلى كيفية الاستغفار، فقد كان عليه أن
стр. 6174
يأتي لرسول الله صاغراً ليستغفر الله أمامه، لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار.
ثم يأتي الحق موضحاً سبب عدم غفرانه، فيقول: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ وحين ينفي الحق الهداية عن إنسان، فليس معنى هذا أن يقول الفاسق: الله لم يَهْدِني فماذا أفعل؟ ويُحمِّل المسألة كلها لله. بل نسأل الفاسق: لماذا لم يَهْدِك؟ لأنك فسقت.
إذن: فعدم الهداية من الله لك كان بسبب أنك أخذت طريق الفسق والبعد عن منهج الله، ومن هنا فالهداية المقصودة في هذه الآية؛ ليست هي الهداية بمعنى الدلالة على طريق الخير؛ لأن الدلالة إلى طريق الخير تأتي من الله للمؤمن والكافر فمنهج الله الذي يبلَّغ للناس كافة، يريهم طريق الخير ويدلهم عليه. ولكن المقصود هنا هو الهداية الأخرى التي يعطيها الحق لمن دخل في رحاب الإيمان وآمن وحَسُنَ عمله، وتتمثل في قوله الحق: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]
إذن: فكل مَنْ مشى في طريق الإيمان أعانه الله عليه. وفي المقابل نقرأ قول الحق : ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [الأحقاف: ١٠]
وكذلك قوله سبحانه: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [التوبة: ٣٧]
وأيضاً قوله الكريم: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [الصف: ٥]
لا نقول أبداً: إن هؤلاء معذورون؛ لأن الله لم يَهْدِهم؛ لأنه قد هداهم ودَلَّهم جميعاً على طريق الخير، ولكنهم هم الذين أخذوا طريق الكفر والظلم والفسوق.
стр. 6175
واقرأ إن شئت قول الله : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]
فماذا صنعوا في هدايته لهم: ﴿فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ ، أي: أن الحق سبحانه بيَّن لثمود طريق الخير، ولكنهم اختاروا الضلالة.
إذن: فهداية الدلالة للجميع، وهداية المعونة للمؤمنين.
ثم يعطينا الحق صورة أخرى للمنافقين فيقول: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ ... ﴾
стр. 6176
والفرح هو السرور من فعل تبتهج النفس به. والمخلَّفون هم الذين أخلفهم نفاقهم، وتركهم رسول الله ﷺ َ في المدينة وذهب إلى الجهاد. بعد أن جاءوه بالمعاذير الكاذبة التي قالوها، وقد تركهم رسول الله ﷺ َ؛ لأن الحق سبحانه قال: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ... ﴾ [التوبة: ٤٧]
ومن لا يريد أن يجاهد في سبيل الله إن أخذته معك كرهاً، يكون ضدك وليس معك. وسيشيع الأكاذيب بين المؤمنين، ويحاول أن يخيفهم من الحرب، وإذا بدأ القتال فهو أول من يهرب من المعركة. ويبحث عن مغارة أو حجر يختفي خلفه. إذن: فهو ليس معك ولكنه ضدك؛ لأنه لن يقاتل معك، بل ربما أعان عدوك عليك. وفي نفس الوقت هو يضر بالمسلمين، ويحاول أن يشيع بينهم الرعب بالإشاعات الكاذبة.
стр. 6177
ويُبيِّن الحق هنا فطرة رسول الله الإيمانية بأنه أذن لهؤلاء بعدم الخروج للجهاد مع أن عذرهم كاذب؛ فجاء قوله: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ والمقعد هو مكان القعود. والقعود رمز للبقاء في أي مكان. والقيام رمز لبداية ترك المكان إلى مكان آخر، والذين غزوا مع رسول الله ﷺ َ قاموا واستعدوا للقتال، أما الذين تخلفوا فقد قعدوا ولم يقوموا رغبة في البقاء في أماكنهم.
ويقول تعالى: ﴿خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ وحين نسمع كلمة ﴿خِلاَفَ﴾ نعرف أن مصدرها خالف خلافاً؛ ومخالفة؛ كما تقول: قاتل قتالاً ومقاتلة. وهي إما أن تكون مخالفة في الرأي، كأن تقول: فلان في خلاف مع فلان، أي: أن لكل منهما رأياً. وإما أن تكون في السير، كأن تقوم أنت لتغادر المكان؛ ويخالفك زميلك أو من معك فيقعد، أو تقعد أنت، فيخالفك هو ويمشي.
والخلاف من ناحية الرأي هون عملية قلبية، والخلاف من ناحية الحركة يشترك فيها القلب أو الجسد، وهم حين فرحوا بالقعود بعد قيام رسول الله ﷺ َ والمؤمنين للجهاد، فهذا دليل على أن مسألة القعود هذه صادفت هوى في نفوسهم وارتاحوا لها وبذلك خالفوا شرط الإيمان؛ لأن الذين يحق لهم أن يتخلفوا عن الجهاد قد حددهم القرآن الكريم في قول الحق : ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ [التوبة: ٩١]
وقوله: ﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ... ﴾ [التوبة: ٩٢]
стр. 6178
أي: أوضحت لهم أنك لا تملك ما يركبون عليه، ليصلوا معك إلى موقع القتال. وقد بيّن لنا الحق حال هؤلاء الذين لم يخرجوا مع رسول الله ﷺ َ بسبب هذه الأعذار فقال عنهم:
﴿تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]
إذن فهؤلاء الذين تخلفوا بأعذار يملؤهم الحزن، وتفيض أعينهم بالدمع؛ لأنهم حرموا ثواب الجهاد في سبيل الله. أما الذين يفرحون بالتخلف عن الجهاد فهم منافقون.
وقوله سبحانه: ﴿خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ نجد فيه أيضاً أن كلمة ﴿خِلاَفَ﴾ تستعمل أيضاً بمعنى «بعد» ، أي بعد رسول الله، فما أن ذهب رسول الله ﷺ َ للغزوة قعدوا هم بعده ولم يذهبوا. وجلسوا مع الضعيف والمريض وأصحاب الأعذار الحقيقية، وكذلك الذين لم يجد رسول الله ﷺ َ لهم دواب ليركبوها، هؤلاء هم مَنْ تخلفوا. وبيّن الحق سبحانه سبب تخلف المنافقين فيقول: ﴿وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ .
أي: انهم كرهوا أن يقاتلوا، وكرهوا الجهاد. وليت الأمر قد اقتصر على هذا، بل أرادوا أن يثبِّطوا المؤمنين ويُكرِّهوهم في القتال في سبيل الله ﴿وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر﴾ فهم لم يكتفوا بموقفهم المخزي، بل أخذوا في تحريض المؤمنين على عدم القتال. وقد كانت هذه الغزوة «غزوة تبوك» في أيام الحر. وكانت المدينة تمتلئ بظلال البساتين وثمارها، بينما الطريق إلى
стр. 6179
الحدود مع الروم طويلة. إذن: فهي غزوة كلها مشتقة.
وقال المنافقون للمؤمنين ﴿لاَ تَنفِرُواْ﴾ ، والنفور هو كراهية الوجود لشيء ما. ويقال: فلان نافر من فلان، أي: يكره وجوده معه في مكان واحد. ويقال: فلان بينه وبين فلان نفور، أي: يكرهان وجودهما في مكان واحد. والذي يخرج للحرب كأنه نفر من المكان الذي يجلس فيه ذاهباً إلى مكان القتال. ويكون القتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله أحب إليه من القعود والراحة.
إذن: فقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر﴾ أي: أنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم عذراً لعدم الخروج للجهاد؛ لأن الجو حار وفيه مشقة. ولكنهم أغبياء؛ لأنهم لو خافوا من الحر ومشقته؛ وجلسوا في الظل ومتعته، لأعطوا لأنفسهم متعة زمنها قصير ليدخلوا إلى مشقة زمانها طويل.
ولذلك يقول الحق لرسوله ﷺ َ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فإن كانوا قد اعتقدوا أنهم بهروبهم من الحر قد هربوا من مشقة، فإن مشقة نار جهنم والخلود فيها أكبر بكثير. والإنسان إن بُشِّر بأشياء تسره عاماً أو أعواماً، ثم يأتي بعدها أشياء تسوؤه وتعذبه، فهو بمعرفته بما هو قادم يعاني من الألم ولا يستطيع الاستمتاع بالحاضر؛ لأن الإنسان يحاول دائماً أن يتحمل؛ ليُؤمِّن مستقبله. ولذلك تجد من يعمل ليلاً ونهاراً وهو سعيد، فإذا سألته كيف تتحمل هذا الشقاء؟ يقول: لأؤمن مستقبلي. إذن: فسرور عام أو أعوام تفسده أيام أو أعوام قادمة
стр. 6180
فيها سوء وعذاب، فماذا عن خلودهم في النار؟
ولكن هل قالوا: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر﴾ في خواطرهم دون أن ينطقوا بهما، أم قالوها لبعضهم البعض سراً؟ ومن الذي أعلم رسول الله ﷺ َ ما قالوه؟ نقول: قد يكون ذلك هو ما دار في خواطرهم.
وشاء الله أن يعلموا أنه يعلم ما في نفوسهم. وشاء أن يفضح ما في سرائرهم، لعل هذا يُدخل الخوف في قلوبهم، من أنه سبحانه مطلع على كل شيء، فيؤمنوا خوفاً من عذاب النار.
ومثال هذا أن الحق حين أراد أن يمنع المشركين من حج بيته الحرام قال: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ... ﴾ [التوبة: ٢٨]
وكان المشركون حين يذهبون إلى الحج ينعشون اقتصاد مكة، وكان الخير يأتي من كل مكان إلى مكة في موسم الحج، بل إنهم كانوا يقولون: إياكم أن تطوفوا بالبيت في ثيابهم عصيتم الله فيها، وكأن التقوى تملأ نفوسهم! وحقيقة الأمر أنهم كانوا بعيدين عن التقوى لأنهم كانوا يعبدون الأوثان. وكانوا يقولون ذلك حتى يضطر الحجاج أن يخلعوا ثيابهم ويشتروا ثياباً جديدة ليطوفوا بها ومن لا يملك المال يطوف عارياً.
إذن: فقد كان الحج موسماً اقتصادياً مزدهراً لأهل مكة؛ يربحون خلاله ما يكفي معيشتهم طوال العام، فلما جاء البلاغ من الله : ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ . فالخاطر الذي يأتي في النفس البشرية؛ وكيف سنعيش؟ . هذا هو أول خاطر ياتي على البال؛ لأنه سؤال عن مقومات الحياة، والذي خلقهم عليم بما يدور في خواطرهم. وإن لم يجر على ألسنتهم، حينئذ جاء قول الحق سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ... ﴾ [التوبة: ٢٨]
стр. 6181
إذن: فالله قد علم ما يدور في خواطرهم، فرد عليه قبل أن ينطقوه.
كذلك قول الحق سبحانه: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ والفقه هو الفهم الدقيق. فأنت حين تعرف شيئاً بسطحياته تكون قد عرفته، ولكنك إن عرفته بكل معطياته الخلفية تكون قد فقهته. وأنت إذا ذهبت للجهاد في الحر قد تتعب، ولكن إذا قعدت عن الجهاد سوف تكون عقوبتك أكبر وتعبك أشد.
إذن: فعلمك بشيء وهو الحر الذي ستواجهه إن خرجت للجهاد، يجب ألا ينسيك ما غاب عنك، وهو أن نكوص الإنسان عن الجهاد يدخله ناراً أشد حرارة، يخلد فيها. ومعنى ذلك أنه لم يفقه؛ لأنه علم شيئاً وغاب عنه أشياء.
ومن هذا المنطق القرآني، رد الإمام علي كرم الله وجهه على القوم حينما دعاهم إلى الجهاد ضد الخوارج فقال: «أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه سيم الخسف» .
ثم يقول بعد ذلك: «إن قلت لكم: اغزوهم في الشتاء، قلتم: هذا أوان قر وصر. . أي برد شديد. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، قلتم: أنظرنا - أي أمهلنا - حتى ينصرف الحر عنا، فإذا كنتم في البرد والحر تفرون، فأنتم والله في النار. يا أشباه الرجال ولا رجال» .
стр. 6182
وقول الحق : ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: أنهم لو كانوا قد فرحوا وابتهجوا بأنهم لم يجاهدوا في الحر، فهم سوف يندمون كثيراً على ذلك، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ ... ﴾
стр. 6183
والضحك هو انفعال غريزي فطري، يحدث للإنسان عندما يقابل شيئاً يسره، أو أحداثاً يجد فيها مفارقة لم يكن يتوقعها. أما البكاء فهو انفعال غريزي أيضاً تجاه أحداث تدخل الحزن أو الشجن، وهو تذكر ما يحزن بالنسبة للإنسان. كلتاهما ظاهرتان فطريتان، أي أنهما تحدثان بفطرة بشرية واحدة بالنسبة للناس جميعاً، ولا دخل فيها للجنس أو اللون أو البيئة، فلا يوجد بكاء روسي وبكاء أمريكي، أو ضحك روسي وضحك إنجيلزي، أو ضحك شرقي وضحك غربي. ذلك أن الضحك والبكاء انفعال طبيعي موحد لا تؤثر فيه البيئة ولا الثقافة ولا الجنس. وقد أسنده الحق ﵎ لنفسه. فكما قلنا: إن الله وحده هو الذي يحيي، وهو سبحانه وحده الذي يميت. فهو سبحانه وحده الذي يضحك، وهو سبحانه وحده الذي يبكي. مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [النجم: ٤٣ - ٤٥]
стр. 6184
ولذلك فالضحك والبكاء يأتيان بل مقدمات، لا أقول لنفسي: سأضحك الآن فأضحك، ولا أقول: سأبكي الآن فأبكي؛ لأن هذا انفعال غريزي لا دخل للإرادة ولا للاختيار فيه. ولكننا أحياناً نلجأ إلى التضاحك أو إلى التباكي وهو مجرد ادعاء بلا حقيقة. ويكون ظاهراً فيه الافتعال. فحين يروي لك إنسان نكتة سخيفة، والمفروض أنه قالها لتضحك، ولكنها لا تضحك، وفي نفس الوقت أنت تريد أن تجامله فتفتعل الضحك، أي تضحك بافتعال. وكذلك البكاء فيه افتعال أيضاً مثل بكاء النادبة التي تجلس وسط أهل الميت وتبكي. وقد تضع بعض نقط الجلسرين في عينيها لتفتعل الدموع، وهذا كله افتعال. أما الضحك والبكاء الحقيقي، فأمران بالفطرة يملكهما الله وحده.
وقول الحق : ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ جاء بعد قوله: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ أي: أنهم فرحوا عندما بَقَوْا هم في المدينة، وخرج المؤمنون للجهاد. جلسوا في حدائق المدينة وهم فرحون في راحة وسرور يضحكون؛ لأنهم يعتقدون أنهم قد فازوا بعدم اشتراكهم في الجهاد. ولكن هذا الضحك هو لفترة قليلة. وسيأتي بعدها بكاء وندم لفترة طويلة وأبدية، عندما يدخلون جهنم والعياذ بالله.
ونلحظ أن الحق قال: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ ولم يقل: سيضحكون قليلاً وسيبكون كثيراً، لماذا؟
نقول: عندما يُسند الفعل إلى المخلوق الذي يعيش في عالم الأغيار، والمختار في عدد من أفعاله، يُحتمل أن يحدث أو يجوز ألا يحدث. ولكن الحق حين يقول: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ﴾ أي: أمر بالضحك، ثم يجيء في البكاء ويقول: ﴿وَلْيَبْكُواْ﴾ أي: ابكوا والأمر بالضحك والبكاء هو أمر اختياري من الله ، تجوز فيه الطاعة وتجوز فيه المعصية؟
стр. 6185
إذا كان كذلك، فهل سيطيع المنافقون أمراً اختيارياً لله؟ ونقول: إن ذلك أمر غير اختياري؛ لأن الحق سبحانه هو وحده الذي يضع في النفس البشرية انفعال الضحك أو انفعال البكاء للأحداث.
وكما بيَّنا فإن الإنسان لا يستطيع الانفعال بالضحك أو البكاء.
والحق حين يقول: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾ معناها: أن انفعال الضحك قضاء عليهم لا بد أن يحدث. وإذا قال الحق : ﴿وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ فلا بد أن يبكوا؛ لأن انفعال البكاء مكتوب عليهم من الله، وكما يقولون: إن الذي يضحك أخيراً يضحك كثيراً، وكذلك الذي يبكي أخيراً يبكي كثيراً.
إذن: فالأمور كلها مرهونة بالخاتمة. فقد يأتي للإنسان حادث يسرّه، ثم تأتيه ساعة بؤس تمحو هذا السرور كله، والعكس صحيح. وإذا كان هؤلاء المنافقون قد ضحكوا قليلاً في الدنيا. فعمر كل منهم في الدنيا قليل؛ لأنه حتى وإن عاش في الدنيا ضاحكاً طوال عمره فكم سيضحك؟ أربعين سنة؟ خمسين سنة؟
إن كلاّ منه له في الدنيا مدة محدودة، فأنت إذا نسبت الحدث إلى الدنيا على إطلاقها فهو قليل. وإذا نسبته إلى عمرك في الدنيا فهو أقل القليل، ثم تأتي الآخرة بالخلود الطويل الذي لا ينتهي، ويكون بكاء المنافق فيه طويلاً طويلاً.
ولذلك فلا بد لكل إنسان ان يضع مع المعصية عقوبتها، ومع الطاعة ثوابها؛ لأن الإنسان قد يرتكب المعصية لإرضاء شهوات نفسه، وساعة ارتكاب المعصية فهو لا يستحضر العقوبة عليها، ولو أنه استحضر العقوبة لامتنع عن المعصية. فالسارق لو استحضر ساعة قيامه بالسرقة، أنه قد
стр. 6186
يضبط، وقد يحاكم وتقطع يده، لو تأكد من هذا فلن يسرق أبداً. ولكنه يقوم بالسرقة لأنه يعتقد أنه سيفلت من العقاب. وما من لص خطط لسرقة وفي باله أنه سيضبط، بل يكون متأكداً أنه سيسرق ويفلت.
ولذلك قال رسول الله ﷺ َ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»
لأنه ساعة يزني لو تخيل أو تأكد أنه سيُلْقى في النار جزاء ما فعل، فلن يقدم على الزنا أبداً. وكذلك شارب الخمر لا يمكن أن يضع الكأس في فمه. إذا تخيل النار وهو يُعذَّب فيها. ولكن الغفلة عن الإيمان تحدث لحظة ارتكاب المعصية؛ لأن الإيمان يقتضي أن تستحضر العقوبة ساعة تُقدِم على المعصية، وأن تعلم يقيناً أن كل ما تفعله ستُحاسب عليه في الآخرة، وسيكون هناك جزاء.
فإذا ضحكت من مطلوبات الإيمان فلابد أن تبكي في الآخرة. فإن فرحت - مثلاً - بترك الصلاة أو الزكاة، واعتقدت أنك قد غنمت في الدنيا، فلا بد أن تندم ويصيبك الغمُّ في الآخرة. وإذا تنعمت بمال حرام فلا بد أن تُعذب به في الآخرة. والحق سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ﴾
[المطففين: ٢٩ - ٣١]
هكذا يعطينا الله عدة صور من السخرية التي يتعرض لها المؤمنون في الدنيا، وأولى هذه الصور هي ضحك المنافقين والكفار من المؤمنين، كأن يقول أحدهم لإنسان مؤمن يقوم إلى الصلاة: خذنا على جناحك في الآخرة. ثم بعد ذلك يأتي الغمز واللمز، ثم إذا ذهب المنافق إلى أهله
стр. 6187
أخذ يسخر من الطائعين ويقول: لقد فعلت كذا وكذا لإنسان متدين. وسخرت منه ولمن لم يستطع أن يرد. ويشعر بالسرور وهو يحكي القصة فرحاً بما عمل. وينسى أنه قد ارتكب ثلاثة جرائم: جريمة العمل، وجريمة الفرح بالعمل، وجريمة الإخبار بالعمل. فلو أنه سخر من المؤمن، ثم ندم بعد ذلك، ربما كانت عقوبته هيِّنة. ولكن ما دام قد فرح بذلك تكون له عقوبة أكبر، فإذا انقلب إلى أهله يروي لهم ما حدث، وهو فخور مسرور تكون له عقوبة ثالثة.
وليتهم توقفوا عند ذلك بل اتهموا المؤمنين بالضلال؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٢ - ٣٣]
أي: أنهم زادوا على كل هذا باتهام المؤمنين بالضلال. هذا ما صنعوه في الدنيا. وهي فانية وعمرها قليل. ثم يأتي بالمقابل في الآخرة؛ فيقول: ﴿فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٦]
فكما ضحك الكفار من المؤمنين في الدنيا؛ سيضحك المؤمنون من الكفار في الآخرة، وسيجلس المؤمنون على الأرائك في الجنة وهم ينظرون إلى الكفار وهو يُعذَّبون في النار، أي: أن الله جزاهم بمثل عملهم مع الفارق بين قدراتهم المحدودة وقدراته - سبحانه - التي لا حدود لها.
ولم يقل الحق : «سيضحكون» ككلام خبري، يجوز أن يحدث أو لا يحدث، بل جاء به مُؤكداً. وقوله هنا في المنافقين ﴿فَلْيَضْحَكُواْ﴾ . يعني: أن الضحك لابد أن يحدث؛ لأن هذا كلام من الله .
стр. 6188
فقول الحق : ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ يعطينا العلة أو السبب في أن ضحكهم سيكون قليلاً، وبكاءهم سيكون كثيراً؛ لأن هذا جزاء ما فعلوه في الدنيا. لقد فرحوا بالفرار من الجهاد. وسُرّوت بالراحة في المدينة، فلابد أن يُلاَقوا في الآخرة جزاءهم عن هذا العمل، كما سَيُثاب المؤمنون على ذهابهم للجهاد في الحرِّ.
إذن: فالحق سبحانه لم يظلمهم، بل أعطاهم جزاء ما عملوه. كما قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وكلمة ﴿يَكْسِبُونَ﴾ هنا لها ملحظ لا بد أن نُبيِّنه، فقد كان من الممكن أن يُقال «جزاء ما كانوا يعملون» أو «جزاء ما كانوا يفعلون» ، فلماذا جاء الحق ب ﴿يَكْسِبُونَ﴾ ، وما الفرق بينها وبين «ما يفعلون» و «ما يعملون» ؟
نعلم أن لكل جارحة من جوارح الإنسان مجالَ عمل؛ فالأذن تسمع، والعين ترى، واليد تمسك، والقدم تمشي، والأنف يشُمُّ، والأنامل تملس.
إذن: فكل عضو له مهمة. فإن كانت المهمة هي النطق باللسان نسميها القول. وإن كانت مهمة من مهام باقي الجوارح عدد اللسان نسميها الفعل. فاللسان وحده أخذ القول، وكل الجوارح أخذت الفعل. والقول والفعل معاً نسميهما عملاً.
فإذا قال الحق : «يفعلون» يكون ذلك مقابل يقولون؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه ولا يفعل بجوارحه. وتوضح ذلك الآية الكريمة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]
ولكن إذا اتحد القول والفعل يكون هناك عمل. وكل شيء لا يتسق منطقياً مع قيم المنهج يكون فيه افتعال، فالكسب عمل، والاكتساب افتعال الكسب؛ لأن الكسب عمل طبيعي، والاكتساب هو افتعال الكسب. وسبحانه يقول:
стр. 6189
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
لأن الاكتساب بالحرام فيه افتعال يتعب النفس، ولا يجعلها منسجمة مع جوارحها، فالرجل مع زوجته في البيت مستقر الجوارح لا يخشى شيئاً. لكنه مع زوجة غيره يهيج جوارحه؛ فيقفل النوافذ ويُطفئ الأنوار. وإنْ دقَّ جرس الباب يصاب بالذعر والهلع؛ لأن ملكات النفس ليست منسجمة مع العمل.
أما إذا اعتادت النفس الإثم مثل من اعتاد الإجرام، فلا يهيجها الحرام. وفي هذه الحالة تنقلب عملية الاكتساب إلى كسب، وتعتاد النفس على المعصية وعلى الإثم، ويصبح جزاؤها عند الله أليماً وعذابها عظيماً.
ويقول الحق سبحانه في هذه الآية: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وكان مقتضى الكلام أن يقال: «جزاء بما كانوا يكسبون» لأن هذه عملية فيها إثم وفيها معصية، فلا بد أن يكون فيها افتعال، ولكن الحق يلفتنا إلى أن هؤلاء المنافقين قد اعتادوا المعصية، وعاشوا في الكفر، فأصبحت العملية سهلة بالنسبة لهم، ولا تحتاج منهم أي افتعال.
واقرأ قول الحق: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله ... ﴾ [المائدة: ٣٨]
والسرقة ليست أمراً طبيعياً، لذلك يقوم بها السارق وخفية ويُبيِّت لها ويفتعل؛ ولذلك كان من المنطقي أن يقال «اكتسبوا» لكن شاء الحق أن نعرف أن السرقة قد أصبحت في دم هؤلاء، ومن كثرة ما ارتكبوها فهي بالنسبة لهم عملية آلية سهلة. وقد وضع التشريع لها نطاقاً وهو ربع دينار مثلاً. والذي يسرق دون هذا النطاق لا يُطبق عليه حَدُّ قطع اليد. لماذا؟ لأن ربع الدينار في ذلك الوقت كان يكفي لقوت أسرة متوسطة العدد لمدة
стр. 6190
يوم واحد. فإذا سرق أي إنسان ما يكفي قوت أسرة لمدة يوم واحد، يقال: ربما فعلها لأن أسرته لا تجد ما تأكله، فإذا أخذ أكثر من الضرورة، يكون قد أخذ أكثر مما يحتاج إليه، وتكون السرقة قد حدثت ويثقام عليه الحد.
ونحن نعلم أن العقل البشري وظيفته الاختيار بين البدائل، ومفروض أن يُقَدِّر الإنسان العقوبة ويستحضرها ساعة وقوع المعصية، وأن يستحضر الثواب ساعة القيام بالطاعات ترغيباً للإنسان في الطاعة. ونحن نأتي للطالب المجتهد ونطلب منه أن يُخفِّف من المذاكرة، لكنه لا يترك الكتاب لأنه استحضر النجاح؛ وما سيحدث بعد النجاح من دخوله الكلية التي يريدها، أو بعد تخرجه من الجامعة إن كان قد وصل إلى مرحلة التخرج، وكذلك استحضر نظرة أهله وأساتذته وزملائه إليه، وهو يستحضر كل ذلك؛ مما يدفعه لقضاء ساعات طويلة في المذاكرة دون أن يشعر بالتعب.
إذن: فالذي يُحبِّبك في الطاعة هو استحضار لذة الثواب القادم. والذي يُكرِّهك في المعصية هو استحضار ألم العقاب الذي لابد أن يحدث.
ولكن هؤلاء المنافقين والكفار قد اعتادوا المعصية والكفر؛ حتى أصبح سلوكهم المخالف للإيمان إنما يحدث منهم دون أن يستحضروا عقوبة المعصية، فهم يرتكبون المعاصي بغير فعل. ولو قال: «يفعلون» لكان فعلاً
стр. 6191
لا يشترك فيه اللسان بالقول. ولو قال «يعملون» لكان فعلاً وقولاً فقط. ولو قال «يكتسبون» لفهمنا أن المعصية تثير انفعالاً وتهيجاً في داخلهم؛ لأنهم لم يعتادوها. ولكن جاء قوله تعالى: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ ليعطينا المعنى الصحيح في أنهم قد اعتادوا المعصية؛ حتى أصبحوا يفعلونها بلا افتعال.
ويأتي الحق لِيُرينا حكمه في الدنيا على هؤلاء المنافقين الذي فرحوا بتخلفهم عن الجهاد في سبيل الله، فيقول: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ ... ﴾
стр. 6192
والله يوضح لرسوله ﷺ َ: عندما تنتهي الغزوة وتعود إلى المدينة، فهناك حكم لابد أن تطبقه مع هؤلاء المنافقين، الذي تخلفوا وفرحوا بعدم الجهاد.
وقوله: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ﴾ كلمة «رجع» من الأفعال، وكل فعل يجب أن يكون له فاعل ومفعول، فلا يمكن أن تقول: «ضرب محمد» ثم تسكت؛ لأنه عليك أن تبين من المضروب. ولا يمكن أن تقول «قطف محمد» ، بل لابد أن تقول ماذا قطف؟ وهكذا تحتاج إلى مفعول يقع عليه الفعل. ولكن هناك أفعالاً لا تحتاج إلى مفعول. كأن تقول: «جلس فلان» والفعل الذي يحتاج إلى مفعول اسمه «فعل مُتعَدٍّ» أما الفعل الذي لا يحتاج إلى مفعول فاسمه «فعل لازم» . إذن: فناك فعل متعد وفعل لازم.
стр. 6193
وهنا في هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ والحق سبحانه هو الفاعل، والكاف في ﴿رَّجَعَكَ﴾ هي المفعول به. ولكن لأنها ضمير ملتصق بالفعل يتقدم المفعول على الفاعل. إذن: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ رجع فعل متعد، والفاعل لفظ الجلالة. والمفعول هو الضمير العائد على رسول الله ﷺ َ؛ أي: أن الله رجعك يا محمد.
ولكن هناك آية في القرآن الكريم تقول: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً ... ﴾ [الأعراف: ١٥٠]
في الآية التي نحن بصددها ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ الفاعل هو الله، أما في قوله الحق: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى﴾ نجد أن موسى هو الفاعل ولا يوجد مفعول به، إذن ف «رجع» يمكن أن يكون فعلاً لازماً، كأن تقول: «رجع محمد من الغزوة» . ويمكن أن يكون فعلاً متعدياً كقوله سبحانه: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ أي: يا محمد من الغزوة. إذن: فرجع تستعمل لازمة وتستعمل متعدية. ولكن في قصة سيدنا موسى ﵇؛ عندما ألقته أمه في البحر والتقطه آل فرعون؛ ومشت أخته تتبعه؛ ثم حرَّم الله عليه المراضع ليعيده إلى أمه كي يزيل حزنهان يقل الحق سبحانه: ﴿إِذْ تمشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ... ﴾ [طه: ٤٠]
ما هو الفرق بين الآيات الثلاث؟ ولماذا استعمل فعل «رجع» لازماً ومتعدياً؟
стр. 6194
نقول: إنه في قول الحق : ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ﴾ هنا هيئ لموسى من ذاته أن يرجع، أي: انه قرار اختياري من موسى، أما قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ﴾ ، فموسى في هذه المرحلة؛ كان طفلاً رضيعاً لا يستطيع أن يرجع بذاته، ولا بد أن يهيئ له الحق طريقة لإرجاعه، أي: من يحمله ويرجعه.
أما قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ فقد كان من الممكن أن يقال: «وإذا رجع إلى طائفة منهم» مثلما قال في موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى﴾ ولكن الحق استخدم ﴿رَّجَعَكَ﴾ ليدل على أن زمام محمد ﵊ ُ في الفعل والترك ليس بيده.
وكأنه يوضح: إياكم أن تنسبوا الأحداث إلى بشرية محمد ﷺ َ، فإن محمداً إذا ذهب إلى مكان فالله هو الذي أذهب إليه. وإن عاد من مكان فهو لا يعود إلا إذا أرجعه الله منه. كما كانت هجرة رسول الله ﷺ َ إلى المدينة بإذن من الله، فقبل أن يأذن الله له بالهجرة، لم يكن رسول الله ﷺ َ ببشريته يستطيع أن يهاجر. إذن: فالحق يريد أن يعرف دائماً: أن ذهاب محمد ﷺ َ ورجوعه من أي مكان، ليس ببشرية رسول الله ﷺ َ، بل بإرادة الحق سبحانه.
ولكن لماذا قال الحق : ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ وكان من الممكن أن يقول «فإن رجعك الله إليهم» أة: «فإن رجعك الله إلى المدينة» ؟ نقول: إن الحق يريد الحديث هنا عن الطائفة التي حدثت منها المخالفة، فهناك من بقوا في المدينة رغماً عنهم ولم يكن لديهم ما ينفقونه أو لم يكن لدى رسول الله ﷺ َ ما يحملهم عليه. كذلك المرضى وكبار السن الذين لا يستطيعون قتالاً. وهؤلاء حَسُنَ إسلامهم وقَبِل الله ورسوله أعذارهم.
стр. 6195
ولكن الحق سبحانه يتحدث هنا عن الطائفة التي تخلفت عن الجهاد وهي قادرة، والتي امتنعت عن الخروج، وهي تملك المال والسلاح وكل مقومات الجهاد، هذه الطائفة هي التي فرحت بالتخلف عن القتال. أما الطوائف الأخرى؛ فكانت عيونها تفيض بالدمع من الحزن على عدم اشتراكهم في الجهاد.
إذن: فالحق يقصد هنا طائفة المنافقين الذين استمروا على نفاقهم، فمن تاب منهم قبل نزول هذه الآية قبلت توبته، ومن مات منهم قبل نزول هذه الآية فإنما حسابه على الله. وبقيت طائفة المنافقين الذي فرحوا وضحكوا عندما بقوا في المدينة، وكان عقاب الله لهم بأن مسح أسماءهم من ديوان المجاهدين في سبيل الله، ومنعهم الثواب الكبير للجهاد.
ويقول سبحانه: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ فكيف استأذنوا أول الأمر للقعود وتحايلوا عليه، وكيف يستأذنون الآن للخروج؟ نقول: إنهم عندما رأوا المؤمنين وقد عادوا بالغنائم، كان ذلك حسرة في قلوبهم؛ لأنهم أهل دنيا. وحينئذ طلبوا الخروج حتى يحصلوا على الغنائم والمغانم الدنيوية. ولكن الحق طلب من رسوله ﵊ ُ ألا يأذن لهم بالجهاد مع المسلمين، فقال: ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً﴾ أي: أن أسماءكم قد شطبت من ديوان المجاهدين والغزاة، ولما قرر الحق ألا يعطيهم شرف الجهاد وثواب الخروج مع رسول الله ﷺ َ؟ يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
ولكن الحق يقول أيضاً هنا: ﴿فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ وهذا أمر لا يحدث إلا في الغزوات، فما هو موقفهم إذا حدث اعتداء على المدينة؟ ويبين الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ ألا يقبل قتالاً حتى في هذه الحالة، فطلب
стр. 6196
من رسوله ﵊ ُ أن يعلمهم بذلك، ويقول لهم: ﴿وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ إذن: فقد حسمت المسألة، فلا هم مسموح لهم بالخروج في الغزوات، ولا بقتال الأعداء إذا هاجموا المدينة؛ لأنهم أُسقطوا تماماً من ديوان المجاهدين، ولا جهاد لهم داخل المدينة أو خارجها؛ ما داموا قد فرحوا بالقعود، ورفضوا أن يشتركوا في الجهاد وهم قادرون؛ لذلك حكم الحق أن يبقوا مع الخالفين.
وما معنى خالفين؟ المادة هي «خاء» و «لام» و «فاء» ، فيها «خلف» و «خلاف» و «خلوف» وغير ذلك. و «خالفين» إما أن يكونوا قد تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ َ، وإما أن يكونوا خالفوا الرسول بأنهم رفضوا الخروج، وإما أن يكونوا خلوفاً. ويقول: ﷺ َ في حديث عن الصيام: «الخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك»
والخلوف هو تغير الرائحة، وتغير الرائحة يدل على فساد الشيء، فكأنهم أصبحوا فاسدين. ومخالفين تعني فاسدين لأنهم قد خالفوا أمر رسول الله ﷺ َ، ول يقتصر جزاء هؤلاء المتخلفين فقط أن تشطب أسماؤهم من سجلات المجاهدين، بل هناك جزاء آخر يبينه قول الحق : ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ ... ﴾
стр. 6197
وصلاة رسول الله ﷺ َ على ميت هي رحمة له، وغفران لذنوبه؛ لأن الصلاة على الميت أن تطلب له الرحمة والمغفرة، وأن تطلب له من الله أن
стр. 6198
يُلحقَه بالصالحين. وإذا قال رسول الله ﷺ َ هذا الكلام، ودعا بهذا الدعاء، فإن دعوة رسول الله مستجابة من الله. وهكذا حرمهم الله من رحمة يكون الإنسان في أشد الحاجة إليها حين ينتقل من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ.
وقول الحق لرسوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ معناها نهي عن فعل لم يأت زمنه. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ أي: لا تذهب إلى قبره وتطلب له الرحمة، ولكن الحق قال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ مع أن النهي عن المستقبل، أي: من مات بعد نزول هذه الآيات، فلماذا لم يقل الحق «يميت» أو «يموتوا» واستخدم الفعل الماضي ﴿مَّاتَ﴾ ؟ . ونقول: لأن الموت عملية حتمية مقررة عند الله ومُقدَّرة، فموعد الموت مكتوب ومعروف عند الله، وهو شيء لا يقرره الله مستقبلاً، بمعنى أن موعد الموت لا يحدد قبل حدوث بليلة أو ليلتين، ولكن الموعد قد حُدِّد وانتهى الأمر.
أما قوله الحق: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ فهو يدلنا على أن هذا الأمر ليس خاصّاً بسبب، ولكنه عموم حكم، فهناك: سبب للحكم، وهناك عموم حكم. وسبب الحكم مثل الآية التي نزلت في زعيم المنافقين عبد الله ابن أبيّ، فعندما مرض عبد الله بن أبيّ مرض الموت؛ جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ َ، وطلب منه أن يعطيه قميصه يُكفِّن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه ليصلي عليه ويستغفر له. وذهب رسول الله ﷺ َ مجاملة لابنه عبد الله بن أبيّ الذي أسلم وحَسُن إسلامه.
стр. 6199
وعندما وقف رسول الله ﷺ َ بجوار عبد الله بن أبيّ، قال له: «أهلك حب يهود» ؛ لأن ابن أبيّ كان يجامل اليهود ويعاونهم، ونفاقه في الإسلام كان مجاملة لليهود وكان يُظهِر أمام اليهود الكفر، ويُظهِر أمام المسلمين الإيمان. وهنا قال ابن أبيّ: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني.
فاستغفر له الرسول صلى الله علهي وسلم، وهنا نزلت الآية الكريمة: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
وطلب عبد الله بن أبيّ من رسول الله ﷺ َ أن يهبه ثوبه لكي يُكفَّن به، فلما ذهب رسول الله ﷺ َ إلى بيته، أرسل له الثوب الأعلى.
وقد كان ﷺ َ يلبس ثوبين؛ ثوباً يلي جسده وثوباً فوقه. فلما جاء ابن أبيّ الثوب الأعلى، قال: أنا أريد الثوب الذي لامس جسد رسول الله ﷺ َ.
انظر إلى زعيم المنافقين والذي كان يملؤه الكبرياء في حياته، كبرياء على المؤمنين؛ ها هو ذا يطلب كل هذه الطلبات ساعة احتضاره. فماذا صنع رسول الله ﷺ َ؟ أرسل له القميص الذي لامس جسده الشريف. وكان كل هذا إرضاء لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ.
ولم يتقبل هذا الفعل عدد المؤمنين ولم يشعروا بالارتياح، فعندما مات ابن أبيّ جاء ابنه عبد الله، وطلب من رسول الله ﷺ َ أن يصلي عليه.
стр. 6200
وعندما هَمَّ النبي أن يصلي عليه، وقف عمر بن الخطاب ﵁ بين الرسول وبين القبلة. وهنا حسم الحق الموقف ونزلت الاية الكريمة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ فقد أراد رسول الله ﷺ َ أن يصلي على أبيّ؛ لأنه رسول رحمة للعالمين. ولكن عمر بن الخطاب ﵁ وقف بينه وبين القبلة حتى لا يصلي، فأنزل الحق قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ وقالوا: تلك من الأمور التي وافق الوحي فيها عمر بن الخطاب ﵁.
ومن المسائل التي وافق الوحي فيها عمر بن الخطاب ﵁ تغيير القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام. فقد كان عمر يرجوها، وكان يقول لرسول الله ﷺ َ: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلّى.
ومن هذه الأمور أيضاً رأى في أسرى بدر، وأن من الواجب قتلهم، وكان رأي أبي بكر أن يقوم الأسرى بتعليم المسلمين القراءة والكتابة؛ أو يؤخذ فيهم الفداء، فنزلت الآية الكريمة: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾ [الأنفال: ٦٧]
بعض الناس يتساءل: كيف يستدرك عمر على رسول الله ﷺ َ؟ نقول: لأن الرسول ﷺ َ لن يُخلَّد في أمته؛ لذلك أراد أن يعطيهم الأُسْوة بأنه ﷺ َ متى رأى رأياً حسناً نزل عليه. وبعض المستشرقين يقولون: إنكم تقولون دائماً عمر فعل كذا، ولماذا لا تقولون لنا محمد فعل كذا؟ ونقول: إذا فعل محمد فهو رسول الله، أما غير الرسول عندما يفعل فهو دليل على أن الفطرة الإسلامية من الممكن أن ترى شيئاً يتفق مع ما يريده الله.
следующие страницы →