Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.
стр. 6721
بمعلوم؟ فما بال الله يقول في شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين﴾ [الصافات: ٦٤٦٥] .
ما بال الله سبحانه يبين شجرة الزقوم، وهي شجرة في النار لا نعرفها، فيعرِّفها للمؤمنين به بأن طلعها يشبه رءوس الشياطين، وبذلك يكون سبحانه قد مثَّل مجهولاً بمجهول. والذين قالوا ذلك فاتهم أن الذي يتكلم هو الله تعالى. وقد أراد الحق سبحانه أن يُمثِّل لنا شجرة الزقوم بشيء بشع معلوم لنا، والبشع المعلوم هو الشيطان.
وشاء الحق سبحانه ألا يحدد البشاعة؛ حتى لا ينقضي التشبيه؛ لأن الشيء قد يكون بشعاً في نظرك، وغير بشع في نظر غيرك. ويريد الله سبحانه أن يبشع طلع شجرة الزقوم؛ فاختار الشيء المتفق على بشاعته، وهو رءوس الشياطين، وليتصور كل إنسان صورة الشيطان، بما ينفر منه ويقبِّحه، وهكذا تتجلَّى عظمة الحق سبحانه في أن جعل شكل الشيطان مبهماً.
وأما المثل الذي نحن بصدده هنا وهو تشبيه الحياة الدنيا بأنها كالماء الذي أنزله الحق سبحانه من السماء فاختلط به نبات الأرض، والحياة الدنيا نحن ندرك بعضها، وكلٌّ منا يدرك فترة منها، ولم يدرك أولها، وقد لا يدرك آخرها، فجاء الحق سبحانه بمثل يراه كل واحد منا، وهو الزرع
стр. 6722
الذي يرتوي بالمطر، فأراد الحق سبحانه أن يجمع لنا صورة الدنيا في مثلٍ معروف لنا جميعاً، وندركه جميعاً؛ فندرك ما سبق، وما يلحق، فكل شيء يأخذ حظه في الازدهار، والجمال، ثم ينتهي، كذلك الدنيا.
يقول الحق سبحانه:
﴿كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس﴾ [يونس: ٢٤]
والزخرف: هو الشيء الجميل المستميل للنفس وتُسرُّ به حينما تراه، وتتزين الدنيا بالألوان المتنوعة في تنسيق بديع، ثم يصبح كل ذلك حصيداً وهذا ما نراه في حياتنا، وهكذا جمع الله مثل الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها بالصورة المرئية لكل إنسان، حتى لايخدع إنسان بزخرف الدنيا ولا بزينتها.
والحق سبحانه هو القائل:
﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا
стр. 6723
جَآءَتِ الصآخة يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٢٤٣٧] .
إذن: فالدنيا بكل جمالها الذي تراه إنما تذوي، وما تراه من بديع ألوانها إنما يذبل، ومهما ازدانت الدنيا فهي إلى زوال، فإياك أن تبغي؛ لأن البغي فيه متاع الدنيا، والدنيا كلها إلى زوال؛ كزوال الروض التي ينزل عليها المطر؛ فتنبت الأرض الأزهار، ثم يذوي كل ذلك.
وقد قال الحق سبحانه:
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ [القلم: ١٧٢٠] .
إذن: فالدنيا بهذا الشكل وعلى هذا الحال.
стр. 6724
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت﴾ [يونس: ٢٤] .
والأرض تتزين بأمر ربها، والحق سبحانه ينسب الإدراكات إلى ما لا نعرف أن له عقلاً أو إرادة. ألم يقل الحق سبحانه في قصة العبد الصالح: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] .
فهل يملك الجدار إرادة أن ينقضَّ؟ ولو حققنا الأمر جيداً؛ لوجدنا أن الحق سبحانه جعل لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، وله إرادة تناسبه، وله انفعال يناسبه. وقد ضرب الحق سبحانه لنا في ذلك صوراً شتّى، فنجد أن الشيء الذي يعزُّ على عقولنا أن تفهمه يبرز لنا ببيان من الله تعالى.
ومثال هذا: معرفة الهدهد في قصة سليمان ﵇ بالتوحيد، وكيف أخبر هذا الهدهد سيدنا سليمان ﵇ بحكاية مملكة سبأ حيث يسجد الناس هناك للشمس من دون الله، فكأن الهدهد قد علم مَنْ يستحق السجود له إذ قال: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض﴾ [النمل: ٢٥] .
ومن كان يظن أن الهدهد، وهو طائر، يكون على هذه البصيرة بالعقائد على أصفى ما تكون؟ لأن الحق سبحانه أراد أن يبيّن لنا أن هذا
стр. 6725
الطائر لا هوى له يفسد عقيدته، وأن أهواءنا هي التي تفسد العقائد، ومَنْ أعطاه الله سبحانه البدائل هو الذي يفسد الاختيار ما دام لا يحرس الاختيار بالإيمان، وأن يختار في ضوء منهج الله تعالى.
ونحن نرى أن ما دون الإنسان من طائر أو حيوان لا يفسد شيئاً؛ لأن غريزته تقوده، فلا نجد حيواناً يأكل فوق طاقته، لكننا نجد إنساناً يصيب نفسه بالتخمة، ولا نجد حماراً يقفز فوق قناة من الماء لا يقدر عليها، بل نراه وهو يتراجع عنها، وكلنا نجد إنساناً يشمر عن ساعديه؛ ليقفز فوق قناة مياه؛ فيقع فيها.
إذن: فنحن بأهوائنا التي تسيطر على غرائزنا نوقع أنفسنا فيما يضرنا، ما لم نحرس أنفسنا بمنهج الله . ونجد في مثال الهدهد صفاءً عقدياً في التوحيد كأصفى ما يكون المتصوِّفة، ويأتي بما يهمه ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض﴾ لأن الخبء هو رزق الهدهد، فهو لا يأكل من الشيء الظاهر على سطح الأرض، بل يضرب بمنقاره الأرض؛ ليأتي لنفسه بما يطعمه.
ويعطينا الحق سبحانه مثلاً آخر بالنملة التي قالت: ﴿ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] .
стр. 6726
وهذه دقة عدالة من هذه النملة، فإنها لم تقل: إن سليمان وجنوده سيحطمون أخواتها من النمل ظلماً لهم، بل قالت: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ لأنكم لا تظهرون تحت أرجلهم.
إذن: كل كائن في الوجود له حياة تناسبه، ولكن الآفة أننا نريد أن نتصور الحياة في كل كائن، كتصورها في الكائن الأعلى وهو الإنسان.
ولا بد لنا أن نعلم أن النبات له حياة تناسبه، والحيوان له حياة تناسبه، والجماد له حياة تناسبه، وكل شيء في الحياة له لون من الحياة المناسبة له.
وقد أوضحنا من قبل أن الحق سبحانه قد قال: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] .
والهلاك مقابل للحياة، والحياة مقابلة للموت، والهلاك يساوي الموت. والحق سبحانه يصور الحالة يوم القيامة فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .
إذن: فالجماد هالك، ولكنه يتمتع بلون من الحياة لا نعرفه، وكذلك كل كائن له حياة تناسبه، والآفة أن الإنسان يريد أن يعرِّف الحياة التي في الجماد كالحياة في الإنسان.
وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله الحق: ﴿حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً﴾ [يونس: ٢٤] .
وقد جاء هذا القول من قبل أن يتقدم العلم ويثبت أن الأرض تشبه الكرة، وأنها تدور، وأن كل ليل يقابله نهار، وكذلك جاء قول الحق سبحانه:
стр. 6727
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ [الأعراف: ٩٧٩٨] .
إذن: فأمر الله سبحانه يتحقق حين يشاء، وهو أمر واحد عند من يكونون في ضحى أو في ليل.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس﴾ [يونس: ٢٤] .
أي: كأنها لم يكن لها وجود.
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] .
فإذا كانت الدنيا كلها مثل عملية الزرع في الأرض الذي ينمو ويزدهر ويزدان، ثم ينتهي، ألا يجب أن ننتبه إلى أن كل زخرف إلى زوال؛ وعلينا ألا نفتتن بزينة الدنيا ومتاعها في شيء، وأن نحرص على ألا نبغي في الأرض؛ لأن البغي متاع الحياة الدنيا، وهي إلى زوال.
ونجد القرآن يأتي بذكر التفصيل للآيات، ويتبع ذلك بأن هذا التفصيل لقوم «يتفكرون» ، أو «يتذكرون» ، أو «يعقلون» ، أو «يتدبرون» .
وكل هذه عمليات تتناول المعلوم الواحد في مراحل متعددة، فالتعقُّل:
стр. 6728
هو أن تأتي بالمقدمات؛ لتستنبط ولترى إلى أي نتائج تصل. والتذكُّر يعني: ألا تنسى وألا تغفل عن الأمر الهام. والتفكُّر: هو أن تُعْمل الفكر. والفارق بين الفكر والعقل هو أن العقل أداة التفكُّر. والتدبُّر: هو ألا تنظر إلى ظواهر الأشياء، بل إلى المعطيات الخفية في أي أمر.
والحق سبحانه يقول: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ [النساء: ٨٢] .
أي: اجعل بصيرتك تمحِّص البدايات والنهايات؛ لتعرف أن المرجع والمصير إلى الله تعالى. والعاقل هو مَنْ يعدّ نفسه للقاء الله سبحانه، وقد يرهق نفسه في الدنيا الفانية؛ ليستريح في الآخرة.
وإذا نظرنا إلى الدنيا والآخرة من خلال معادلة تجارية، سنجد أن الآخرة لا بد وأن ترجح كفتها؛ لأن عمر الإنسان في الدنيا مظنون، ولا يعرف فرد هل يحيا في الدنيا عاماً أو عشرة أو سبعين أو مائة عام.
ومهما طالت الدنيا مع كل الخَلْق فهي منتهية، والنعيم فيها على قدر: إمكاناتك البشرية وعلى قدر تصورك للنعيم، أما الآخرة فهي بلا نهاية، وأمر الإنسان فيها متيقَّن، والنعيم فيها على قدر عطاءات الله تعالى ومراده سبحانه للنعيم. فإن قارنت هذا بذاك وقارنت الدنيا بالآخرة لرجحتْ كفّة الآخرة.
لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
стр. 6729
وفي قوله سبحانه: ﴿لَهِيَ الحيوان﴾ . مبالغة في كونها حياة لا فناء فيها. فاتبع منهج الله سبحانه؛ ليأخذك هذا المنهج إلى دار السلام والسلامة من الآفات. واضمن لنفسك الخروج من دار الفناء والأغيار، وَضَعْ يدك في يد من يدعوك إلى دار السلام.
ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿والله يدعوا إلى دَارِ السلام﴾
стр. 6730
ودار السلام: هي الآخرة التي تختلف عن دار الدنيا المليئة بالمتاعب، هذه الدنيا التي تزهو وتتزخرف، وتنتهي إلى حطيم؛ لذلك يدعو الله تعالى إلى دار أخرى، هي دار السلام؛ لأن من المنغِّصات على أهل الدنيا، أن الواحد منهم قد يأخذ حظه جاهاً، ومالاً، وصحة، وعافية، ولكن في ظل أرق من أمرين: الأول هو الخوف من أن يفوته هذا النعيم وهو حي، والثاني أن يفوت هو النعيم.
أما الآخرة فالإنسان يحيا فيها في نعيم مقيم؛ ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿والله يدعوا إلى دَارِ السلام﴾ .
وهذه الآخرة لن يشاغب فيها أحدٌ الآخر، ولن تجد من يأكل عرق غيره
стр. 6731
مثلما يحدث في الدنيا، وإذا كنا نعيش في الدنيا بأسباب الله، فنحن في الآخرة نعيش بالله ، فكل ما يخطر على بالك تجده.
فإذا كانت الأسباب تتنوع في الدنيا وتختلف قدرات الناس فيها مع أخذهم بالأسباب، فإنهم في الآخرة يعيشون مع عطاء الله سبحانه دون جهد أو أسباب؛ لأن دار السلام هي دار الله تعالى، فالله تعالى هو السلام.
ولله المثل الأعلى، فأنت إذا دعاك ولي أمرك إلى داره، فهو يُعدّ لدعوتك على قدره هو، وبما يناسب مقامه، فما بالك حين يدعوك خالقك سبحانه وقد اتبعت منهجه. إنه سبحانه هو القائل:
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأرآئك مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥٥٨] .
وهذا السلام ليس من البشر؛ لأن من البشر من يعطيك السلام وهو يُكِنُّ لك غير السلام، أو قد يعطيك السلام وهو يريد بك السلام، ولكنه
стр. 6732
من الأغيار؛ فيتغير فلا يقدر أن يعطيك هذا السلام، لكن إذا ما جاء السلام من الله تعالى، فهو سلام من رب لا يعجزه شيء، ولا يُعوزه شيء، ولا تلحقه أغيار؛ لذلك يقول سبحانه: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣٢٤] .
والملائكة حين يقولون ذلك إنما أخذوا سلامهم من باطن سلام الله تعالى، وحتى أصحاب الأعراف الذين لم يدخلوا الجنة، ويرون أهل الجنة وأهل النار، هؤلاء يلقون السلام على أهل الجنة. وهكذا يحيا أهل الجنة في سلام شامل ومحيط ومطمئن؛ لأن الداعي هو الله سبحانه، ولا أحد يجبره على أن ينقض سلامه.
ودعوة الله سبحانه هي منهجه الذي أرسل به الرسل؛ ليحكم به حركة الحياة حركة إيمانية، يتعايش فيها الناس تعايشاً على وَفْق منهج الله تعالى، بما يجعل هذه الدنيا مثل الجنة، ولكن الذي يرهق الناس في الدنيا أن بعض الناس يعطلون جزئية أو جزئيات من منهج الله سبحانه.
وأنت إذا رأيت مجتمعاً فيه لون من الشقاء في أي جهة؛ فاعلمْ أن جزءاً من منهج الله تعالى قد عُطِّل.
стр. 6733
ولو أن الناس قد ساروا على منهج الله ؛ لما كان بالوجود عورة واحدة؛ فالذي يُظهر عورات الوجود غفلة بعض الناس عن منهج الله سبحانه.
وأنت إنْ رأيت فقراء لا يجدون ما يأكلونه؛ فاعلمْ أن هناك مَنْ عطَّل منهج الله تعالى، إما من الفقراء أنفسهم، الذين استمرأ بعضهم الكسل، وإما أن الأغنياء قد ضنوا برعاية حق الله تعالى في هؤلاء الفقراء؛ وبذلك يتعطل منهج الله سبحانه.
أما إذا سيطر منهج الله تعالى على الحياة؛ لصارت الحياة مثل الجنة.
ويقول الحق سبحانه: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ونعلم أن الهداية نوعان: هداية الدلالة بالمنهج، فمن أخذ المنهج سهَّل الله تعالى له طريق الصراط المستقيم؛ وبذلك انتقل العبد من مرحلة الهداية بالدلالة إلى الهداية بالمعونة، وحين تقوم القيامة يهديهم الله سبحانه بالنور إلى الجنة: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] .
إذن: فمن أخذ هداية الله بالدلالة وهي المنهج، واتبع هذا المنهج؛ فالحق سبحانه يجعل له نوراً يسعى بين يديه: ﴿نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] .
والحق سبحانه يقول: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [يونس: ٢٥] .
لأن كل شيء في هذا الكون لا يخرج عن مشيئته سبحانه، فالقوانين لا تحكمه، بل هو الذي يحكم كل شيء.
وإذا كان الله قد بيّن من شاء هدايته، فهو أيضاً قد بيّن لنا من شاء إضلاله بقوله سبحانه: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [التوبة: ٣٧] .
стр. 6734
وقوله سبحانه: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤] .
إذن: فقد بيّن الحق سبحانه لنا من الذين يهديهم إلى الجنة ومن الذين لا يهديهم، فلا يقولن أحد: وما ذنب الكافرين والفاسقين؟ لأن الحق سبحانه قد بين منهجه، فمن أخذ به؛ جعل له نوراً يسعى بين يديه، ويدخله الجنة.
وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ﴾
стр. 6735
وكلمة ﴿الحسنى﴾ مثلها مثل قولنا: «امرأة فُضْلى» ونقول أيضاً: امرأة كبرى، وهي أفعل تفضيل، أي: مبالغة في الفضل.
والمقصود بقوله سبحانه: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ أي: بالغوا في أداء الحسنات، والحسنة كما نعلم بعشرة أمثالها، وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ﴾ فما هذه الزيادة؟
نقول: هي عطاء زائد في الحسنات، فهناك «كادر» للجزاء بالحسنات، يبدأ بعشرة أمثال الحسنة ويصل إلى سبعمائة ضعف، أما السيئة
стр. 6736
فبواحدة. وهذا «الكادر» لا يحدد فضل الله تعالى، بل الحق سبحانه يزيد من فضله مَنْ يشاء.
ولذلك يجب ألا نفرق بين عدل الله سبحانه في أن الشيء يساوي الشيء، وفضل الله تعالى في أن يجزى على الشيء الحسن بأضعاف أضعاف ما نتصور.
والحق سبحانه يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] .
وقال قوم من العارفين بالله: إن الزيادة المقصودة هي في العشرة الأمثال والسبعمائة ضعف، والفضل هو ما فوق ذلك.
وهكذا تتعدد مراتب الجزاء: فهناك العشرة الأمثال، والسبعمائة ضعف، والحسنى، والزيادة عن الحسنى، وقد قال رسول الله ﷺ َ في ذلك: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم. فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتُنجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم » .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ أي: لا يغطي وجوههم غبار، وهو سبحانه القائل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢٢٣] .
стр. 6737
وهو سبحانه القائل: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠٤١] .
وترهقها: أي تغطيها، وقترة تعني: الغبار، وهي مأخوذة من القُتار وهو الهواء الذي يمتلىء بدخان الدُّهْن المحترق من اللحم المشوي، وقد تكون رائحته أخَّاذة ويسيل لها اللعاب، ولكن مَنْ يوضع على وجهه هذا القتار يصنع له طبقة سوداء.
ويقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] .
لأنهم اتقوا الله سبحانه وأحبوا منهجه.
ويقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
فليس المقصود هو لون الوجه في الدنيا؛ لأنك قد تجد إنساناً أسود اللون لكنه بالإيمان قد أشرق وجهه، وأحاطت ملامحه هالة من البهاء. وهناك من هو أبيض الوجه ولكنه من فرط معصية الله صار وجهه بلا نور.
ويقول الحق سبحانه: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦] .
أي: أنهم ملازمون للجنة ملازمة الصاحب لصاحبه، أو «أصحاب الجنة» أي: مَنْ يملكونها.
يقول الحق سبحانه بعد ذلك:
стр. 6738
﴿والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾
стр. 6739
وما دام الحق سبحانه قد جاء بمن دعاهم إلى دار السلام وأعطاهم الجنة جزاء للعمل الحسن، فذكر مقابل الشيء يجعله ألصق بالذّهن، والحق سبحانه هو القائل: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ [التوبة: ٨٢] .
وأيضاً من أمثلة المقابلة في القرآن قوله الحق: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣١٤] .
إذن: فمجيء المقابل للشيء إنما يرسِّخه في الذهن؛ ولأن الحق سبحانه قد تكلم عن الدعوة إلى دار السلام، ومن دخل هذه الدعوة؛ فله الجنة خالداً فيها، لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة، كان لا بد أن يأتي بالمقابل، وأن يبشِّع رفض الدعوة لدار السلام، ويحسِّن الأمر عند من يقبلون الدعوة.
ولا بد إذن أن يفرح المؤمن؛ لأنه لن يكون من أهل النار، ولا بد أيضاً أن يخرج بعض من الذين ضلّوا عن الغفلة؛ ليهربوا من مصير النار، ويتحولوا إلى الإيمان.
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ [يونس: ٢٧] .
стр. 6740
ونحن نعلم أن الكسب إنما يكون في الأمر الفطري ويناسب الطاعات؛ لأن الطاعة أمر مناسب وملائم للفطرة، فلا أحد يستحي أن يصلِّي، أو يتصدق، أو يصوم، أو يحج، لكن من الناس من يستحي أن يُعرف عنه أنه كاذب، أو مُرَابٍ، أو شارب خمر.
والإنسان حين يرتكب السيئة يمر بتفاعلات متضاربة؛ فالذي يسرق من دولاب والده وهو نائم، تجده يتسلل على أطراف أصابعه ويكون حذراً من أن يرتطم بشيء يفضح أمره، كذلك الذي ينظر إلى محارم غيره.
كل هذا يدل على أن ارتكاب الشيء المخالف فيه افتعال، أي: يحتاج إلى اكتساب، ولكن الكارثة أن يستمر الإنسان في ارتكاب المعاصي حتى تصير دُرْبة، ويسهل اعتياده عليها؛ فيمارس المعصية باحتراف؛ فتتحول من اكتساب إلى كسب.
أوأن يصل الفاسق من هؤلاء إلى مرتبة من الاستقرار على الانحلال؛ فيروي ما يفعله من معاصٍ وآثام بفخر، كأن يقول: «لقد سهرنا بالأمس سهرة تخلب العقل، وفعلنا كذا وكذا» ، ويروى ذلك، وكأنه قد كسب تلك السهرة بما فيها من معاص وآثام.
ومن رحمة الله سبحانه بالخلق أنه يجازي مرتكب السيئة بسيئة مثلها، فيقول سبحانه: ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ، وتتجلى أيضاً رحمة الحق حين يعطي من لا يرتكب السيئة مرتبة؛ فيصير ضمن من قال عنهم الحق سبحانه: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ لكن الذين لم يهتدوا منهم من يقول الحق سبحانه عنهم: ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: لن يجيرهم أحد عند الله تعالى، ولن يقول أحد لله سبحانه: لا تعذِّبْهم.
стр. 6741
أو أن (لا عاصم لهم) بمعنى: أن الله تعالى لن يأمر بعد ذلك بألاّ يُعذَّبوا.
ولا يقتصر أمرهم على ذلك فقط، بل يقول الحق سبحانه: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اليل مُظْلِماً﴾ أي: كأن قطعاً من الليل المظلم قد غطت وجوههم، ويكون مأواهم النار ﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
هذا هو حال الذين كذَّبوا بآيات الله تعالى وكذبوا الرسل، وتأبَّوا عن دعة الله إلى دار السلام واتبعوا أهواءهم واتخذوا شركاء من دون الله تعالى.
وشاء الحق سبحانه أن يُجلِّي لنا ذلك كله في الدنيا؛ حتى يكون الكون كله على بصيرة بما يحدث له في الآخرة؛ لأنه نتيجة حتمية لما حدث من هؤلاء في الدنيا.
يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾
стр. 6742
والحشر: هو أخذ الناس من أمكنة متعددة إلى مكان واحد، وستقذف هذه الأمكنة المتعددة مَنْ فيها مِنَ الكَفَرة؛ ليصيروا في المكان الذي شاءه الله سبحانه لهم.
وكلما اقترب الناس من هذا المكان؛ ازدحموا، وذلك شأن الدائرة
стр. 6743
بمحيطها، والمحيطات الداخلة فيها إلى أن تلتقي في المركز، فأنت إذا نظرت إلى محيط واسع في دائرة، وأخذت بعد ذلك الأفراد من هذا المحيط الواسع؛ لتلقي بهم في المركز؛ فلا شك أنك كلما اقتربت من المركز؛ فالدوائر تضيق، ويحدث الحشر.
فكأننا سنكون مزدحمين ازدحاماً شديداً، ولهذا الازدحام متاعب، ولكن الناس سيكونون في شغل عنه بما هم فيه من أهوال يوم القيامة.
وقوله الحق: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ تفيد الجمع المؤكد لحالات الذين لم يستجيبوا لمنهج الله تعالى، ولا لدعوة الله سبحانه لهم لدار السلام، وكذبوا رسلهم، واتخذوا من دون الله تعالى أنداداً، فيجمع الله سبحانه المُتَّخذَ أنداداً، والمُتَّخَذَ ندّاً، ويواجههم؛ لتكون الفضيحة تامة وعامَة، بين عابد عبد باطلاً، ومعبودٍ لم يطلب من عابده أن يعبده، أو معبود طلب من عابده أن يعبده.
لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨]
وهكذا يتلاقى من عَبَدَ الملائكة مع الملائكة، ويتلاقى من عَبَدَ رسولاً وجعله إلهاً، ومن عبد صنماً، أو عبد شمساً، أو عبد قمراً، أو جِنّاً
стр. 6744
أو شيطاناً من شياطين الإنس او شياطين الجن.
إذن: فالمعبودون متعددون، وكل معبود من هؤلاء له حكم في ذلك الحشر، وستكون المواجهة علنية مكشوفة.
فإذا نظرنا إلى العابد الذي اتخذ إلهاً باطلاً سواء أكان من الملائكة أو رسولاً أرسل إليهم؛ ليأخذهم إلى عبادة إله واحد هو الله ففتنوا في الرسول وعبدوه، أو عبدوا أشياء لا علم لها بمن يعبدها: كالأصنام، والشمس، والقمر، والأشجار.
أما المعبود الذي له علْم، وله دعوة إلى أن يعبده غيره، فهو يتركز في شياطين الإنس، وشياطين الجن، وإبليس.
أما الملائكة فإن الله يواجههم بمن عبدهم، فيسألهم: أأنتم وعدتم هؤلاء؛ ليتخذوكم آلهة، فيقولون: سبحانك أنت وليُّنا، ويتبرأون من هؤلاء الناس، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦] .
والملائكة لا علم لهم بمن اتخذهم آلهة، وإذا انتقلنا إلى البشر وعلى قمَّتهم الرسل ﵈، فيأتي سيدنا عيسى ابن مريم ﵇، ويَقول الحق سبحانه له: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] .
فيقول سيدنا عيسى ﵇ ما جاء على لسانه في القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] .
فكأن هؤلاء قد عبدوا من لا علم له بهذا التأليه، ولم يَدْعُ إليه.
стр. 6745
والأصنام كذلك ليس لها علم بمن ادَّعى ألوهيتها، ولكن الذي له علم بتلك الدعوة هو إبليس، ذلك أنه حينما عز عليه أنه عاص لله، أغوى آدم، ثم تاب آدم ﵇ وقَبِل الله توبته، أما إبليس فلم يتب عليه الحق سبحانه؛ لأنه رد حكم المولى بالسجود لآدم، واستكبر، وظن نفسه أعلى مكانة. أما آدم ﵇ فلم يرد الحكم على الله تعالى.
يقول الحق سبحانه:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١١٢] .
ومن ذلك نأخذ مبدأ إيمانياً موجزه أن الذين لا يقدرون على أنفسهم في أخضاعها لمنهج الله تعالى، فمن الخير لهم أن يقولوا: إن منهج الله سبحانه هو الصدق، وحكمه سبحانه هو الحق، ولكننا لم نستطع أن نُخضِعَ أنفسنا للحكم؛ وبذلك يخرجون من دائرة رد الأمر على الآمر، وبإمكانهم أن يتوبوا بنية عدم العودة إلى المعصية.
إذن: فالمخاصمة والمحاجّة موجهة من إبليس لذرية آدم، فقد أقسم
стр. 6746
إبليس بعزة الله سبحانه أن يُغوِي كل أبناء آدم إلا الذين استخلصهم الله لعابدته ؛ فقد علم إبليس أنه غير قادر على إغوائهم.
وهكذا تكون عزة الله سبحانه هي التي تمكِّن إبليس وذريته من الشياطين من غواية أو عدم غواية خلق الله .
والشياطين هم الجن العُصَاة؛ لأننا نعلم أن الجن جنس يقابل جنس البشر، ومن الجن من هو صالح طائع، ومنهم من هو عاصٍ، ويُسمّى شيطاناً، ويخدم إبليس في إغواء البشر، فيتسلَّط على الإنسان فيما يعلم أنها نقطة ضعف فيه.
فمن يحب المال يدخل الشيطان إليه من ناحية المال، ومن يحب الجمال يدخل له الشيطان من ناحية الجمال، ومن يجب الجاه يجد الشيطان وهو يزيِّن له الوصول إلى الجاه بأية وسيلة تتنافى مع الأخلاق الكريمة ومنهج الله .
وكل إنسان له نقطة ضعف في حياته يعرفها الشيطان ويتسلل منها إليه، وقد يُجنِّد إبليس وذريته أناساً من البشر يعملون بهدف إغواء الإنسان لإفساده.
فهناك إذن ثلاثة يطلبون أن ينصرف الناس عن منهج الله تعالى ودعوة الحق؛ وهؤلاء الثلاثة هم: إبليس، والعاصون من الجن (أي: الشياطين) ، ثم البشر الذين يشاركون إبليس في الإغواء، وهم شياطين الإنس الذين يعملون أعمالاً تناهض منهج الرسل.
стр. 6747
وهل يكون الحوار يوم القيامة بين الملائكة ومَنْ عَبَدُوهم مِنَ البشر؟ وهل يكون الحوار بين الأصنام والذين عبدوها دون علمها؟ وهل يكون الحوار بين عيسى ﵇ ومن اتخذوه إلهاً دون علمه؟
ها نحن نجد عارفاً بالله يقول على لسان الأصنام:
«عَبَدُونا ونحن أعْبَدُ للهِ ... مِنَ القائمينَ بالأسْحَارِ»
لأن الحق سبحانه هو القائل: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
ويكمل العارف بالله:
«اتَّخَذُوا صَمْتَنَا علينا دليلاً ... فَغَدوْنا لَهُم وَقُودَ النارِ»
والحق سبحانه هو القائل: ﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] .
ويتابع العارف بالله:
«قَدْ تَجَنَّوا جهلاً كما تَجَنَّوا ... على ابنِ مَرْيم والحَوَارِي»
فما موقف الله سبحانه من هؤلاء وأولئك؟ فنقول:
إن للمُغَالِي جَزَاءهُ، والمُغَالَى ... فيه تُنْجِيه رحمةُ الغَفَّارِ «.
وهكذا وَضُحَ موقف كل من يعبد غير الله سبحانه أو يشرك به، هؤلاء
стр. 6748
الذين يشملهم قول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٢٨]
وهكذا يُحشَر مَنْ عبدوا الأصنام أو الكواكب أو أشركوا بالله، وكذلك شياطين الجن والإنس، الجميع سيحشرون في الموقف يوم الحشر، وليتذكر الجميع في الدنيا أن في الحشر ستُكشَفُ الأمور ويُفصح فيه كل إنسان أشرك مع الله غيره، سبحانه، وستحدث المواجهة مع مَنْ أشركه بالعبادة مع الله سبحانه دون عِلْم من الملائكة أو الرسل أو الكواكب أو الحجار بأمر هؤلاء، ويأتيهم جميعاً أمر الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] .
وحين تسمع الأمر:» مكانك «فهو يعني:» الزمْ مكانك «وهي لا تُقال للتحية، بل تحمل التهديد والوعيد، وانتظار نتيجة موقف لن يكون في صالح من تُقال له، ونعرف أن الملائكة، والرسل، والكواكب، والحجارة ليس لها علم بأمر هؤلاء الذين عبدوهم.
إذن: فالذين ينطبق عليهم هذا الأمر هم هؤلاء المشركون الذين ظنوا أن بإمكانهم الإفلاتَ من الحساب، لكنهم يسمعون الأمر ﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ ، فهل يعني ذلك أنهم سوف يأتون مع الملائكة ومَنْ عُبد من الرسل والكواكب والحجارة في موكب واحد؟ لا؛ لأن هؤلاء العبيد اتفقوا على موقف باطل، ويشاء الحق سبحانه أن يفصل بين الحق والباطل.
لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]
стр. 6749
أي: جعل من المشركين فريقاً، وجعل من الذين عُبدُوا دون علمهم فريقاً آخر، وأعلن فريقُ مَنْ عُبِدوا دون علمهم: ﴿مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]
أي: ما كنتم تعبدوننا بعلمنا.
وانظروا إلى الموقف المُخْزِي لمن عبدوا غير الله سبحانه، أو أشركوا به، إن الواحد منهم قد عبد معبوداً دون أن يدري به المعبود، مع أن الأصل في العبادة هو التزام العابد بأمر المعبود، وهذا المسألة تَصْدُق على الملائكة وسيدنا عيسى ﵇، وتصدق أيضاً على الكواكب والأحجار؛ لأن الحق سبحانه الذي يُنطق أبعاض الإنسان يوم القيامة؛ لتشهد على صاحبها، قادر على أن يُنْطِق الأحجار.
والحق سبحانه هو القائل:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار فَهُمْ يُوزَعُونَ حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[فصلت: ١٩٢١] .
ونجد الصنم يوم القيامة وهو يلعن مَنْ عبده، تماماً مثلما يتبرأ الجلد من صاحبه إنْ عصى الله تعالى، فالحق سبحانه يقول: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] .
ولكن لا تترك عقلك يتخيل كيفية تكلُّم الصنم، فأنت آمنت أن جوارح الإنسان من يد ورجل وجلد ستنطق يوم القيامة، فهل تعقَّلت كيف تنطق اليد، وكيف ينطق الجلد، وكيف تنطق الرِّجْل في الآخرة، أنت تؤمن بخبر الآخرة فلا تنظر إلى معطيات أمور الآخرة بقوانين الدنيا؛ لأن كل
стр. 6750
شيء يتبدَّل في الآخرة، ألم تخبرك السنة أنك ستأكل في الجنة، ولا تُخْرِج فضلات؟
وهذا أمر غير منطقيّ بقوانين الدنيا ولكننا نؤمن به، وإذا كان الحق يخبرنا بأشياء سوف تحدث في الجنة، لو قسْناها بعقولنا على ما نعرف في الدنيا لوقفت أمامها عاجزة، لكن القلب المؤمن يعقل أمور القيامة والآخرة على أساس أنها غيب، والمقاييس تختلف فيها؛ لأن الإنسان مظروف بين السماء والأرض. وللدنيا أرض وسماء، وللآخرة أيضاً أرض وسماء؟
والحق سبحانه يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
إذن: فكل شيء يتبدّل يوم القيامة، فإذا حُدِّثْتَ أن الأصنام تنطق مستنكرة أن تُعبَد من دون الله تعالى، وأن الملائكة تلعن من عبدوها من دون الله سبحانه، فلا تتعجب.
ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فكفى بالله شَهِيداً﴾
стр. 6751
إذن: فالكائنات التي عُبِدتْ من دون الله تعالى تعلن رفضها لمسألة عبادتها، فإذا كان الطير ممثلاً في الهدهد قد أعلن من قبل اندهاشه
стр. 6752
من أن بعضاً من البشر قد عبد غير الله تعالى.
واستدل الهدهد على قدرة الحق سبحانه بما يخصُّه هو من الرزق، حيث يعلم أن الحق سبحانه قد عَلِمَ الخبء في السموات والأرض، إذا كان الهدهد قد عرف ذلك فالاستنكَار أمر منطقي من غيره من المخلوقات، سواء أكانت من الملائكة، أو من عيسى ﵇، أو من الأصنام والأشجار والكواكب.
ولذلك نجد الحق سبحانه يضرب المثال بسؤاله للملائكة: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] .
فيجيب الملائكةُ بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن﴾ [سبأ: ٤١] .
والحق يعرض هذه المواقف في سُوَر القرآن الكريم عرضاً منثوراً مكرراً بما لا يدع للغفلة أن تصيب الإنسان، فمثلاً يقول الحق سبحانه:
﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
ويقول على ألسنة من اتخذوا الشياطين أولياء:
﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
стр. 6753
وقولهم هذا يتضمن الحديث عن ذواتهم والحديث عن الجن.
ولسائل أن يسأل: وكيف يأخذ الجن كثيراً من الإنس؟
ونقول: إن الحق سبحانه قد خلق الجن على هيئة تختلف عن هيئة الإنس، فجعل للجن خواصّاً تختلف عن خواص الإنس، ومن هذه الخواص ما قال عنه الحق سبحانه: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
وأعطى الحق سبحانه للجن قوة أكثر مما أعطى للإنس، وأعطاهم القدرة على النفاذ من السواتر الحديدية والجدران وغيرها، وهذا أمر منطقي مع أصل تكوين الجن، فالجن مخلوق من النار، والإنسان مخلوق من الطين. وهناك اختلاف بين طبيعة كل من النار والطين، فما يخرج من الطين قارٌّ، أي: لا يشع، وما يخرج من النار له إشعاع وحرارة.
بمعنى: أنك لو كنت تجلس في حجرة، وخلف ظهرك في الحجرة الأخرى نار موقدة؛ فالساتر أيا كان سوف يحمل لك بعضاً من حرارة النار، إلا لو كان عازلاً للحرارة.
أما لو كانت هناك تفاحة وهي مخلوقة من الطين موجودة في الحجرة الأخرى، فلن ينفذ طعمها أو رائحتها إليك.
إذن: فالنار لها قانونها، والطين له قانونه. وقانون المادة المخلوقة من الطين لا ينتقل إلا إذا نَقلْتَ الجِرْم إلى المكان الذي توجد فيه.
стр. 6754
ونلمح هذه المسألة التقنينية في قصة سيدنا سليمان ﵇ حين علم أن ملكة سبأ تسير في الطريق إليه لتعلن إسلامها، وأراد سيدنا سليمان ﵇ أن يأتي لها بعرشها من مكانه قبل أن تصل.
فقال لمن هو في مجلسه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] ؟
وهذا يدل علىأنه كان في مجلسه أجناس مختلفة، ولكل جنس منهم قدرات مختلفة عن قدرات الجنس الآخر، ونقل العرش من اليمن إلى مكان سيدنا سليمان ﵇ يحتاج إلى زمن وإلى قوة، فلو أنهم كانوا متساوين في قدرتهم ما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي﴾ [النمل: ٣٨] .
فكان أول من تقدم لتنفيذ ما أراده سليمان عفريت من الجن لا جِنّاً عاديّاً، فمن الجن من هو خائب قليل الذكاء، ومنهم من هو ذكي، فهم وأن كانوا من جنس واحد فهم متفاوتون أيضاً، وكان عفريت الجن هو أول من تكلم، وقال: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] .
ولكن مقام سليمان قد يستمر ساعة أو بضع ساعات، والمتكلم هو عفريت من الجن الذي يعلم أن له صفات أقوى من صفات الإنس. أما الإنس العادي ممن كان حاضراً مجلس سليمان فلم يتكلم؛ لأن المطلوب ليس في قدرته، أما الذي تكلم من الإنس فهو مَنْ عنده علم من الكتاب، فقال: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] .
ولم يأخذ الأمر شيئاً من الزمن؛ لذلك عبَّر القرآن التعبير السريع بعد ذلك، فقال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] .
стр. 6755
إذن: فللجن قوة على أشياء لا يقوى عليها الإنس، ولم يأخذ الجنِّي خواصَّه في الخفة والقدرة ومهارة اختزال الزمن بذات تكوينه، ولكن بإرادة المكوِّن سبحانه؛ ولذلك شاء الحق أن يُذكِّر الجن أنهم قد أخذوا تلك الخصوصيات بمشيئته سبحانه، والحق هو القادر على أن يجعل الإنس وهو الأدنى قدرة، قادراً على تسخير الجن؛ ولذلك يحاول الإنس أن يأخذ من تسخير الجن قوة له فيقوى على نظيره من الإنس.
ولكن الحق سبحانه أصدر الحكم على مَنْ يحاول ذلك بأن تسخير الجن يزيد رَهَقاً.
واقرأوا قول الحق سبحانه:
﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
إذن: فتعليم الجن السحر للإنس دليل على تفوق قدرات الجن وتميزها عن قدرات الإنس.
стр. 6756
ولكن الملكين هاروت وماروت حينما عَلَّمَا الإنسان السحر حذَّراه اولاً من أن يأخذ من ذلك فرصة زائدة تطغيه على بني جنسه ويظلم بها، إنما الأمر كله اختبار، فإن تعلَّمته فذلك لتقيَ نفسك من الشر لا لتوقعه بغيرك، ثم إنك أيها الإنسان من الأغيار قد تضمن نفسك وقت التحمُّل، ولكن ماذا عن وقت الاداء؟
مثلما يأتي لك إنسان ليُودِعَ عندك ألفاً من الجنيهات كأمانة، ولكن أتظل على الأمانة، أم أنك قد تنكر المال أصلاً حين يطالبك به صاحبه، أو قد تمر بك أزمة مالية فتتصرف بهذا المال؟
ولذلك تجد الذكي هو مَنْ يقول لمودع هذا المال: «احفظْ عليك مالك، لأني من الأغيار» .
وتلك هي القضية الإيمانية الأصيلة في الكون كله؛ لأن الحق سبحانه هو القائل:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢]
والأمانة هي ما يكون في ذمة المؤتمن، ولا حجة للمؤتمن عنده إلا ذمته، ولا شهود عليه، ولا يوجد إيصال بتلك الأمانة، بل هي وديعة لا توثيق فيها؛ إلا ذمة المؤتمن، قد يقرُّ بها، وقد يُنكرها.
стр. 6757
وعلى ذلك فحقُّ المؤتمن عند المؤتمَن خاضعٌ لخيار المؤتمَن؛ ولذلك وجدنا السماء والأرض والجبال قالت: يا رب لا نريد أن نُدخِلَ أنفسنا في هذه التجربة، افعل بنا ما شئت واجعلنّا مقهورين ولا اختيار لنا، ولا نريد تحمُّل الأمانة.
أما الإنسان فقد ميَّزه الله بالعقل، وقدرة الاختيار بين البدائل؛ لذلك قَبلَ الإنسان حَمْل الامانة، وحين جاء وقت الأداء لم يجد نفسه أميناً على الأَشياء مثلما ظَنَّ في نفسه وقت التحمُّل.
وكذلك الذين يتعلمون السحر، يقول الواحد منهم لنفسه: سوف أتعلمه لأدفع الضُّرَّ عن نفسي، ونقول له: أنت لا تضمن نفسك؛ لأنك من الأغيار، فقد بغضبك أو يثير أعصابك إنسان؛ فتستخدم السحر فتصيب نفسك بالرَّهق.
إذن: فحين قال الله سبحانه: ﴿يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
أي: أخذتم من الإنس كثيراً بأن اعطيتموهم سلاحاً يحقق لهم فرصة وقوة على غيرهم من البشر.
وقد ذكر الحق لنا أن بعض البشر الذين استجابوا للجن قالوا: ﴿استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
واستمتاع الإنس بالجن مصدره أن الإنس يأخذ قوة فوق قوة غيره من البشر، واستمتاع الجن بالإنس مصدره أنه سوف يُعين هذا الإنسان على معصيته؛ تطبيقاً لِقَسَمِ إبليس اللعين: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .
стр. 6758
ولكن هذا الاستمتاع في النهاية لا يعطي أمراً زائداً عن المقدور لكل جنس؛ ولذلك تجد أن كل مَنْ يعمل بالسحر وتسخير الجن إنما يعاني؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦] .
وأنت تجد رزق الذي يقوم بالسحر أو تسخير الجن يأتي من يد مَنْ لا يعلم السحر، ولو كان في تعلُّم ذلك ميزة فوق البشر؛ لجعل رزقه من مصدر آخر غير من لا يعلمون السحر أو تسخير الجن.
وأنت حين ترى الواحد من هؤلاء، تجد على ملامحه غَبَرَةً، وفي ذريته آفة أو عيباً، فمنهم مَنْ هو أعور أو أكتع أو أعرج؛ لأنه أراد أن يأخذ فرصة في الحياة أكثر من غيره من البشر؛ بواسطة الجن، وهذه الفرصة تزيده رهقاً؛ ولذلك فليلزم كل إنسان أدبه وقدره الذي شاءه الله له؛ فلا يفكر في أخذ فرصة تزيد من رهقه.
ونحن نرى في البشر مَنْ يستخدم صاحب القوة الجسدية أو قدرة تصويب السلاح؛ ليُرهِب غيره، وقد ينجح في ذلك مرة أو أكثر، ثم ينقلب هذا (الفتوَّة) أو ذلك القاتل المأجور على مَنْ استأجره.
إذن: فلا بد أن يحترم كل إنسان قَدَر الله في نفسه، وألاّ يأخذ فرصة من جنس آخر؛ يظن أنها تزيده في دنياه شيئاً، لكنها في الواقع ستزيده تعباً وتزيده رهقاً.
ولذلك نجد الحق يقول عنهم: ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النار مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
стр. 6759
وهكذا نرى أن مصير الاستمتاع بقوة الجن هو النار للإنس الذي استخدم الجن، وللجن الذي أغوى الإنس.
ثم يعرض لنا الحق قضية أخرى في هذه المسألة؛ فيقول سبحانه: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] .
والأخلاء: هم الجماعة التي يجمع أفرادها صحبة ومودَّة، ويتخلّل كل منهم حياة الآخر. وأنت تجد الناس صنفين:
أناساً اتخذوا الخُلَّة في الله تعالى، فيذهبون إلى المساجد، ويستذكرون العلم، ولا يأكلون إلا من حلال، ويقرأون القرآن، وإن همَّ واحد منهم بمعصية وجد من صديقه ما يردّه عن المعصية، ويحجّون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، وتدور حياتهم في إطار حديث المصطفى ﷺ َ: «رجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه» وهذا لون من الخُلَّة.
واللون الآخر يضم أناساً يساعد بعضهم البعض على المعصية، ويشربون الخمر، ويلعبون الميسر، ويفعلون كل المعاصي، فإذا جاء يوم القيامة يقابلون حكم الله تعالى: ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
فلا خُلَّة إلا خُلَّة اللقاء في الله تعالى، فإذا التقى الأخلاء في الله تعالى فرحوا ببعضهم؛ لأن كلاّ منهم حمى أخاه من معصية، أما من كانوا
стр. 6760
يجتمعون في الدنيا على المعصية، فكل منهم يلعن الآخر، ويصدق حكم الله : ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] .
ولذلك نجد الحوار بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، ونجد الحق يأتي لنا بهذا الحوار في القرآن: ﴿فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] .
فيرد الآخرون: ﴿لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ٍ.
وبعد ذلك يأتي اعتراف الشيطان الذي يقول عنه الحق سبحانه:
﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
следующие страницы →