Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
ولكن الملكين هاروت وماروت حينما عَلَّمَا الإنسان السحر حذَّراه اولاً من أن يأخذ من ذلك فرصة زائدة تطغيه على بني جنسه ويظلم بها، إنما الأمر كله اختبار، فإن تعلَّمته فذلك لتقيَ نفسك من الشر لا لتوقعه بغيرك، ثم إنك أيها الإنسان من الأغيار قد تضمن نفسك وقت التحمُّل، ولكن ماذا عن وقت الاداء؟
مثلما يأتي لك إنسان ليُودِعَ عندك ألفاً من الجنيهات كأمانة، ولكن أتظل على الأمانة، أم أنك قد تنكر المال أصلاً حين يطالبك به صاحبه، أو قد تمر بك أزمة مالية فتتصرف بهذا المال؟
ولذلك تجد الذكي هو مَنْ يقول لمودع هذا المال: «احفظْ عليك مالك، لأني من الأغيار» .
وتلك هي القضية الإيمانية الأصيلة في الكون كله؛ لأن الحق سبحانه هو القائل:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢]
والأمانة هي ما يكون في ذمة المؤتمن، ولا حجة للمؤتمن عنده إلا ذمته، ولا شهود عليه، ولا يوجد إيصال بتلك الأمانة، بل هي وديعة لا توثيق فيها؛ إلا ذمة المؤتمن، قد يقرُّ بها، وقد يُنكرها.
стр. 6757
وعلى ذلك فحقُّ المؤتمن عند المؤتمَن خاضعٌ لخيار المؤتمَن؛ ولذلك وجدنا السماء والأرض والجبال قالت: يا رب لا نريد أن نُدخِلَ أنفسنا في هذه التجربة، افعل بنا ما شئت واجعلنّا مقهورين ولا اختيار لنا، ولا نريد تحمُّل الأمانة.
أما الإنسان فقد ميَّزه الله بالعقل، وقدرة الاختيار بين البدائل؛ لذلك قَبلَ الإنسان حَمْل الامانة، وحين جاء وقت الأداء لم يجد نفسه أميناً على الأَشياء مثلما ظَنَّ في نفسه وقت التحمُّل.
وكذلك الذين يتعلمون السحر، يقول الواحد منهم لنفسه: سوف أتعلمه لأدفع الضُّرَّ عن نفسي، ونقول له: أنت لا تضمن نفسك؛ لأنك من الأغيار، فقد بغضبك أو يثير أعصابك إنسان؛ فتستخدم السحر فتصيب نفسك بالرَّهق.
إذن: فحين قال الله سبحانه: ﴿يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
أي: أخذتم من الإنس كثيراً بأن اعطيتموهم سلاحاً يحقق لهم فرصة وقوة على غيرهم من البشر.
وقد ذكر الحق لنا أن بعض البشر الذين استجابوا للجن قالوا: ﴿استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
واستمتاع الإنس بالجن مصدره أن الإنس يأخذ قوة فوق قوة غيره من البشر، واستمتاع الجن بالإنس مصدره أنه سوف يُعين هذا الإنسان على معصيته؛ تطبيقاً لِقَسَمِ إبليس اللعين: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .
стр. 6758
ولكن هذا الاستمتاع في النهاية لا يعطي أمراً زائداً عن المقدور لكل جنس؛ ولذلك تجد أن كل مَنْ يعمل بالسحر وتسخير الجن إنما يعاني؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦] .
وأنت تجد رزق الذي يقوم بالسحر أو تسخير الجن يأتي من يد مَنْ لا يعلم السحر، ولو كان في تعلُّم ذلك ميزة فوق البشر؛ لجعل رزقه من مصدر آخر غير من لا يعلمون السحر أو تسخير الجن.
وأنت حين ترى الواحد من هؤلاء، تجد على ملامحه غَبَرَةً، وفي ذريته آفة أو عيباً، فمنهم مَنْ هو أعور أو أكتع أو أعرج؛ لأنه أراد أن يأخذ فرصة في الحياة أكثر من غيره من البشر؛ بواسطة الجن، وهذه الفرصة تزيده رهقاً؛ ولذلك فليلزم كل إنسان أدبه وقدره الذي شاءه الله له؛ فلا يفكر في أخذ فرصة تزيد من رهقه.
ونحن نرى في البشر مَنْ يستخدم صاحب القوة الجسدية أو قدرة تصويب السلاح؛ ليُرهِب غيره، وقد ينجح في ذلك مرة أو أكثر، ثم ينقلب هذا (الفتوَّة) أو ذلك القاتل المأجور على مَنْ استأجره.
إذن: فلا بد أن يحترم كل إنسان قَدَر الله في نفسه، وألاّ يأخذ فرصة من جنس آخر؛ يظن أنها تزيده في دنياه شيئاً، لكنها في الواقع ستزيده تعباً وتزيده رهقاً.
ولذلك نجد الحق يقول عنهم: ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النار مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
стр. 6759
وهكذا نرى أن مصير الاستمتاع بقوة الجن هو النار للإنس الذي استخدم الجن، وللجن الذي أغوى الإنس.
ثم يعرض لنا الحق قضية أخرى في هذه المسألة؛ فيقول سبحانه: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] .
والأخلاء: هم الجماعة التي يجمع أفرادها صحبة ومودَّة، ويتخلّل كل منهم حياة الآخر. وأنت تجد الناس صنفين:
أناساً اتخذوا الخُلَّة في الله تعالى، فيذهبون إلى المساجد، ويستذكرون العلم، ولا يأكلون إلا من حلال، ويقرأون القرآن، وإن همَّ واحد منهم بمعصية وجد من صديقه ما يردّه عن المعصية، ويحجّون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، وتدور حياتهم في إطار حديث المصطفى ﷺ َ: «رجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه» وهذا لون من الخُلَّة.
واللون الآخر يضم أناساً يساعد بعضهم البعض على المعصية، ويشربون الخمر، ويلعبون الميسر، ويفعلون كل المعاصي، فإذا جاء يوم القيامة يقابلون حكم الله تعالى: ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .
فلا خُلَّة إلا خُلَّة اللقاء في الله تعالى، فإذا التقى الأخلاء في الله تعالى فرحوا ببعضهم؛ لأن كلاّ منهم حمى أخاه من معصية، أما من كانوا
стр. 6760
يجتمعون في الدنيا على المعصية، فكل منهم يلعن الآخر، ويصدق حكم الله : ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] .
ولذلك نجد الحوار بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، ونجد الحق يأتي لنا بهذا الحوار في القرآن: ﴿فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] .
فيرد الآخرون: ﴿لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ٍ.
وبعد ذلك يأتي اعتراف الشيطان الذي يقول عنه الحق سبحانه:
﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
стр. 6761
وهذا الحوار هو الذي يكشف لنا ما سوف يحدث يوم القيامة، ونجد الحق سبحانه يقول:
﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ إني أَخَافُ الله ... ﴾ [الحشر: ١٦] .
هذه كلها لقطات من مشاهد يوم القيامة، جاءت في خواطرنا ونحن نتناول قول الحق سبحانه: ﴿فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩] .
هكذا يعلن كل مَنْ عُبد من الملائكة أو الرسل أو الأصنام، وبذلك تتم فضيحة الذين عبدوهم من دون الله سبحانه ويأخذون طريقهم إلى النار.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] .
ولننتبه هنا إلى أن الأزواج متقدمون في الإغواء والتوجيه إلى الشر، قبل الأعداء؛ لأن الزوج أو الزوجة قد يكون هو الشيطان الملازم الذي يُهيِّيء الانحراف إلى ما يريد.
ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] .
ومثلها مثل قوله سبحانه: ﴿مَكَانَكُمْ﴾ نفهم من ذلك أنهم كانوا معاً في الدنيا وهي دار الاختبار، وهم الآن في دار جبرية الاقتدار؛ لذلك يقول الحق سبحانه:
стр. 6762
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين﴾ [الصافات: ٢٤٢٨] .
أي: كنتم تستعملون قوتكم؛ لتجعلونا نتبعكم، فلا يظنن ظانٌّ أنها قوة البطش فقط، أو قوة التذليل، بل المقصود بذلك أيّ قوة، حتى وإن كانت قوة الإغواء.
إذن: فالمواقف مفضوحة، وهذا لون ومقدمة من ألوان العذاب؛ ليبين الله صدقه في قوله: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] .
وشاء الحق سبحانه ذلك؛ ليبين لنا كيف يختار الإنسان خليله في الدنيا، فلا يختار الخليل الذي يزيِّن الخطأ والمعصية، بل يختار الذي يعينه على الطاعة.
ويذكر الحق سبحانه موقفاً من مواقف يوم القيامة فيقول سبحانه:
﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين﴾ [فصلت: ٢٩] .
هكذا يكون حال الذين ضلُّوا يوم القيامة، يتبرأون ممن أوقفهم هذا الموقف بل يطلبون من أضلهم لإيقاع العذاب بهم بأنفسهم؛ لذلك يقول الحق
стр. 6763
سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩] .
هكذا يتبرَّأ الملائكة والرسول الذي عُبِدَ، وحتى الأصنام، من الذين عَبَدُوهم في الدنيا.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾
стр. 6764
وقول الحق سبحانه: ﴿هُنَالِكَ﴾ يعني: في هذا الوقت، أو في هذا المكان. والزمان والمكان هما ظَرْفَا الحدث؛ لأن كل فعل يلزم له زمان ومكان، فإن كان الزمان هو الغالب، فيأتي ظرف الزمان، وإذا كان المكان هو الغالب فيأتي ظرف المكان.
وجاءت ﴿هُنَالِكَ﴾ أيضاً في قصة سيدنا زكريا ﵇، إذ يقول الحق سبحانه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] .
أي: في ذلك الوقت الذي قالت فيه مريم ﵂ قولةً أدَّت بها قضية اعتقادية إيمانية لكفيلها، وهو سيدنا زكريا ﵇ وهو الذي يأتي لها بالطعام، وشاء لها الحق أن تعلِّمه هي. يقول
стр. 6765
سبحانه: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران: ٣٧] .
والرزق ما به انتفع، وكان زكريا ﵇ يكفلها بكل شيء تحتاجه، لكنه فوجىء بوجود رزق لم يَأت هو به؛ بدليل أنه قال: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧] .
وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم يأتِ به. وهذه هي قضية «من أين لك هذا» ؟ ، وهي قضية الكفيل العام للمجتمع حين يرى واحداً يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة، وبذلك يُكشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يَعرف كافله، ولو أن كافله أصرَّ على معرفة من أين تأتي مصادر دخله؛ لَحَمى المجتمع من الفساد.
وانظر إلى جواب مريم ﵍ على قول زكريا ﵇ الذي ذكره رب العزة سبحانه: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧] .
قالت مريم: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ٣٧] .
ثم تعلَّل الجواب: ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] .
قالت ذلك، لأنه وجد عندها أشياء لا توجد في مثل هذا الوقت من
стр. 6766
السنة، فعجَبُ سيدنا زكريا ﵇ إذن كان من أمرين اثنين: شيء لم يأت هو به، وشيء مخالف للفترة التي هو فيها، كأنْ وجد عندها عنباً في زمن غير أوانه، أو وجد برتقالاً في غير أوانه، وسؤاله كان دليل يقظة الكفيل، وإجابتها كانت قضية إيمانية عقدية ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] .
وما دام ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ ما طرح حسابك أنت للأشياء في ضوء هذه القضية.
ولكن هل غفل سيدنا زكريا ﵇ عن قضية الإيمان بأن الله تعالى يرزق مَنْ يشاء بغير حساب؟
فنقول: لا، لم يغفل عنها، ولكنها لم تكن في بؤرة شعوره حينئذ؛ فجاءت بها قولة السيدة مريم لتذكر بهذه القضية، وهنا تذكَّر زكريا نفسه، كرجل بلغ من الكبر عتياً، وامرأته عاقر، وما دام الله سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، فليس من الضروري أن يكون شاباً أو تكون زوجته صغيرة لينجب، فجاء الحق معبراً عن خاطر زكريا في قوله:
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] .
أي: في هذا الوقت أو ذلك المكان، أو في الاثنين معاً زماناً ومكاناً، وهنا جاءته الإجابة من ربه : ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٩] .
стр. 6767
وقد جاء الحق سبحانه بهذه القضية ليمنع أيَّ ظانٍّ من أن يسيء الظن بعفة مريم ﵍؛ لأنها في موقف اللجوء فأنطقها الحق بقوله: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] .
وما دام الرزق بغير حساب وفي غير وقته وغير مكانه وبلا سبب وبغير علم كافلها، فعند ذلك تحقق اللجوء إلى الله بالقبول الحسن الذي دعت به امرأة عمران:
﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٦٣٧] .
ويطبقها زكريا ﵇ على نفسه، ثم تتعرض هي لها، حين يبشِّرها الحق سبحانه بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﵉.
فهي ستلد من غير أن يمسسها ذكر، وهي تعلم أن الأسباب جارية في أنه لا يوجد تناسل إلا بوجود ذكر وأنثى، وشاء الحق سبحانه أن يقدِّر لها أن تلد دون هذه العملية، فجاء سبحانه بتلك المقدمة على لسانها ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] .
وحين تساءلت: ﴿رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] .
جاءتها الإجابة بأن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] .
فبيقظتها الإيمانية فطنت إلى أن هذا الطفل سينسب إلى أمه؛ فعرفت أن
стр. 6768
أباه ملغي؛ وأدركت أن هذا الولد لن يأتي نتيجة زواج ولو فيما بعد، وبذلك كان عليها أن تعود إلى القضية الإيمانية التي ذكرتها: ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]
أي: في ذلك الوقت تُختبر كل نفس، وترى هل الجزاء طيب أم لا؟ فإن كانت قد عملت الشر؛ فستجد الجزاء شَرّاً.
إذن: فالإنسان وقت النتائج يختبر نفسه بما كان منه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وردوا إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الحق﴾ [يونس: ٣٠]
وكأنهم كانوا في الدنيا عند مولىً آخر غير الإله الحقّ سبحانه، والمولى غير الحق هو الشريك أو الشركاء الذين اتخذهم بعض الناس مَوالِيَ لهم، وهنا في اليوم الآخر يُردُّون إلى الإله الحق والمولى الحق سبحانه.
وكلمة «رُدُّوا إلى كذا» لا تدل على أنهم كانوا مع الضِّدِّ، وجاءوا له، بل تدل على أنهم كانوا معه أولاً، ثم ذهبوا إلى الضِّدِّ، ثم رُدُّوا إليه ثانياً، مثل قول الحق سبحانه عن موسى ﵇:
﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣] .
فدلَّت علىأنه كان مع أمه، ثم فارقها، ثم رُدَّ إليها.
وقول الحق سبحانه هنا: ﴿وردوا إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الحق﴾ [يونس: ٣٠]
стр. 6769
أي: أنهم كانوا مع الله أولاً، ثم أخذهم الشركاء، وفي هذا اليوم الآخر يرجعون لربهم سبحانه.
والإنسان يكون مع ربّه أولاً بالفطرة التكوينية المؤمنة، ثم يتجه به أبواه إلى المجوسية أو أيّ ديانة أخرى تحمل الشرك بالله تعالى، وهم في ظل تلك الديانات المشركة، كانوا عند مولىً وسيِّدٍ وآمرٍ ومشرِّعٍ، لكنه مَوْلىً غير حق؛ لأن الحق هو الثابت الذي لا تدركه الأغيار.
﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] .
أي: عرفت كل نفس ما فعلت، ويُعرف كل إنسان بفضيحته في جزئيات ذاته، وكذلك الفضيحة العامة لكل إنسان أشرك بالله سبحانه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠] .
أي: أن الآلهة التي عبدوها لا تتعرف إلى أمكنتهم ومواقعهم، وأنهم في خطر؛ فتأخذ بأيديهم؛ لأن هذه الآلهة لا علم لها بهم، ولو أن هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله سبحانه على شيء من الحق؛ ووجودوهم في مأزق؛ لكان يجب أن يدافعوا عنهم، لكنهم لم يعرفوا أماكنهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠] .
أي: ماكنوا يكذبونه كذباً متعمداً.
وبعد أن كشف سبحانه المسألة وما سوف يحدث في الآخرة،
стр. 6770
وخوَّفهم وبشَّع لهم ما سوف ينتظرهم من مصير إنْ ظلوا على الكفر؛ لعلَّهم يرتدعون، ويتذكرون ضرورة العودة إلى عبادة الإله الحق سبحانه، ياتي الحق بما يعيد إليهم رُشْدَ الإيمان في نفوسهم، فيقول: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾
стр. 6771
أي: أن الحق سبحانه يقول لرسوله ﷺ َ: اسألهم هذا السؤال، ولا يسأل هذا السؤال إلا مَنْ يثق في أن المسئول لو أدار في ذهنه كل الأجوبة، فلن يجد جواباً غير ما عند السائل.
ومثال ذلك من حياتنا والله المثل الأعلى إن جاء لك من يقول: أبي يهملني، فتمسك به، وتسأله: من جاء لك بهذه الملابس وذلك القلم ويُطعمك ويُعلِّمك؟ سيقول لك: أبي.
وأنت لا تسأله هذا السؤال إلا وأنت واثق أنه لو أدار كل الأجوبة فلن يجد جواباً إلا الذي تتوقعه منه، فليس عنده إجابة أخرى؛ لأنك لون كنت تعرف أنه سوف يجيبك إجابة مختلفة لما سألته فكأنك ارتضيت حكمه هو في المسألة.
стр. 6772
والحق قال في بداية هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ﴾ كما أنزل عليه مثيلاتها مما بُدىء بقوله سبحانه: ﴿قُلْ﴾ مثل قوله سبحانه:
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الصمد: ١] .
وهذا ما اقتضاه خطاب الحق سبحانه دائماً للخَلْق، ويختلف عن خطاب الخَلْق للخَلْق، فحين تقول لابنك: «اذهب إلى عمِّك، وقُلْ له كذا» . فالابن يذهب إلى العمِّ ويقول له منطوق رسالة الأب، دون أن يقول له: «قُلْ» ، أما خطاب الحق سبحانه للخلق، فقد شاء سبحانه أن يبلِّغنا به رسوله الله ﷺ َ كما نزل ﴿قُلْ﴾ فالرسول ﷺ َ أمين في البلاغ عن الله تعالى، لا يترك كلمة واحدة من الوحي دون أن يبلِّغها للبشر، وما دام الحق هو الذي أمره، فهو يبلغ ما أمِرَ، حتى لا يحرم آذان خلق الله تعالى من كل لفظ صدر عن الله سبحانه.
وكذلك أمر الحق سبحانه هنا لرسوله ﷺ َ بأن يقول: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض﴾ [يونس: ٣١] .
ونحن نعلم أن الرزق هو ما يُنتفع به، والانتفاع الأول مُقوِّم حياة، والثاني تَرَفٌ أو كماليات حياة، والرزق الذي هو أصل الحياة هو ماء ينزل من السماء، ونبات يخرج من الأرض.
وهكذا قال الحق سبحانه السؤال والإجابة معروفة مقدَّماً، فلم يَقُلْ لرسوله ﷺ َ: «أجِب أنت» بل ترك لهم أن يجيبوا بأنفسهم.
وكذلك جاء الحق سبحانه بسؤال آخر: ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾ [يونس: ٣١] .
стр. 6773
والسمع والبصر هما السيدان لملَكَات الإدراك؛ لأن إدراك المعلومات له وسائل متعددة، إنْ أردتَ أنْ تُدرك رائحة؛ فبأنفك، وإن أردتَ أنْ تدرك نعومة؛ فبلمسك وببشرتك، وإنْ أردتَ أن تدرك مذاق شيء فبلسانك، وإنْ أردت أن تتكلم فبأجهزة الكلام وعمدتها اللسان، وإنْ أردتَ أن تسمع فبأذنك.
وكذلك تتجلَّى لك المرائي بعينيك، ثم تأتي إدراكات متعددة من الحواس؛ لتُكوِّن أشياء نسميها الخميرة، توجد منها القضية العقلية الأخيرة، فالطفل أمام النار يجد منظرها جميلاً جذاباً، لكن ما إن يلمسها حتى تلسعه؛ فلا يقرب منها أبداً من بعد ذلك؛ لأنه اختبرها بحواسه فارتكزت لديه القضية العقلية وهي أن هذه نار محرقة، واستقر هذا لديه يقيناً.
وهكذا تكون الإدراكات الحسية إدراكات متعددة تصنع خميرة في النفس تتكون منها الإدراكات المعنوية.
إذن: فوسائل العلم للكائن الحي هي الحواس، وهذه الحواس تعطي العقل معطيات تنغرز فيه لتستقر من بعد ذلك في الوجدان؛ فتصبح عقائد.
إذن: فمراحل الإدراك هي: إدراك حسيٌّ، وتفكُّر عقليٌّ، فانتهاء عَقَدِيٌّ؛ ولذلك نسمِّي الدين عقيدة.
أي: أنك عقدت الشيء في يقينك بصورة لا تحلُّه بعدها من جديد لتحلّله، فهذا يُسمى عقيدة.
стр. 6774
ولذلك حينما أراد الله أن يقصَّ علينا مراحل الإدراك في النفس الإنسانية؛ ليربي الإنسان معلوماته، قال الحق سبحانه:
﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .
لذلك يقال: «كما ولدته أمه» ، أي: لم يُعْطَ القدرة على استخدام حواسِّه بعد، ثم يجعل له الحق سبحانه الحواس، ويجعله قادراً على استخدامها.
ولم يذكر بقية الحواس، بل جاء بالسيدين، وهما السمع والبصر؛ لأن آيات الكون تحتاج إلى الرؤية، وإبلاغ الرسل يحتاج للسماع، وهما أهم آلتين في البلاغ، فأنت ترى بالعين آيات الكون ومعجزات الرسل، وتسمع البلاغ بمنهج الله من الرسل.
وقد لفتنا الإمام علي بن أبي طالب ﵁ إلى العجائب فقال: «اعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحمٍ، ويتكلم بلَحْمٍ، ويسمع بعظمٍ، ويتنفس من خَرْمٍ» .
فالصوت يطرق عظمة الأذن، ويرنّ على طبلتها، ونرى بشحمة العين، وننطق بلحمة اللسان.
وأضاف البعض: «ونشمْ بغضروف، ونلمس بجلد، ونفكر بعجين» . فالإنسان يولد وكأن مخه قطعة من العجين التي تعمل في استقبال المعلومات من الكون وتخزينها فيه، وهي التي ستكون ركيزة لتشكيل الفؤاد من بعد ذلك.
стр. 6775
وجاء قول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بوسيلتين من وسائل الإدراك، وترك بقية الوسائل الثلاث الأخرى الظاهرة، مع أن العلم الحديث حين تلكم عن وظائف الأعضاء، احتاط للأمر وقرر أن هذه الحواس هي الحواس الخمس الظاهرة.
وهذا يعني أن هناك حواسّاً أخرى غير هذه سيكشف عنها، وهي حواس لم يكن القدماء يعرفونها، مثل حاسة البَيْنَ بَيْنَ، التي نفرق بها بين أنواع الأقمشة والأوراق وغيرها، وكثافة هذا النوع من ذلك، وهذه الحاسة توجد بين لمستين من إصبعين متقاربين.
وكذلك حاسة العَضَل التي تزن ثقل الأشياء، وتعرف حين تحمل ثقلاً ما مدى الإجهاد الذي يسببه لك، وهل يختلف عن إجهاد حَمْل ثقلٍ آخر.
وحين نظر العلماء في معاني الألفاظ قالوا: «النظائر حين تخالف فلا بد من علّة للمخالفة» فالسمع آلة إدراك، والبصر آلة إدراك، فلماذا قال الحق سبحانه في آلة الإدراك «السمع» ، وقال في الآلة الثانية «الإبصار» ؟ ، ولماذا جاء السمع بالإفراد، وجاء الإبصار بالجمع، ولم يأتْ بالاثنين على وتيرة واحدة؟
فنقول: إن المتكلم هو الله تعالى، وكل كلمة منه لها حكمة وموضوعة بميزان، وأنت، حين تسمع، تسمع أي صوت قادم من أي مكان، لكنك بالعين ترى من جهة واحدة، فإنْ أردتَ أن ترى ما على يمينك فأنت تتجه
стр. 6776
بعينيك إلى اليمين، وإنْ أردت أن ترى ما خلفك، فأنت تغيِّر من وقفتك، فالأذن تسمع بدون عمل منك، لكن البصر يحتاج إلى عمليات متعددة؛ لترى ما تريد.
وأيضاً فالسمع لا اختيار لك فيه، فأنت لا تستطيع أن تحجب أذنك عن سماع شيء، أما الإبصار فأنت تتحكم فيه بالحركة أو بإغلاق العين.
وجاء الحق بالسمع أولاً؛ لأن الأذن هي أول وسيلة إدراك تؤدي مهمتها في الإنسان، أما العين فلا تبدأ في أداء مهمتها إلا من بعد ثلاثة أيام إلى عشرة أيام غالباً.
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾ [يونس: ٣١] .
والحق سبحانه يملكها؛ لأنه خالقها وهو القادر على أن يصونها، وهو القادر سبحانه على أن يُعَطِّلها، وقد أعطانا الحق مثالاً لهذا في القرآن فقال عن أصحاب الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً﴾ [الكهف: ١١]
فَعَطَّل الله سبحانه أسماعهم بأن ضرب على آذانهم، فذهبوا في نوم استمر ثلاثة قرون من الزمن وازدادوا تسعاً.
كيف حدث هذا؟ . . إن أقصى ما ينامه الإنسان العادي هو يوم وليلة، ولذلك عندما بعثهم الله تساءلوا فيما بينهم: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] .
ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا، فإن شعورهم قد طالت جدّاً، بل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيباً وكهولاً، ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف: ١٨] .
стр. 6777
ونلحظ هنا ملحظاً يجب الانتباه إليه، ففي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾ [يونس: ٣١] .
بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ [السجدة: ٩] .
ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين «الخَلْق» و «الجَعْل» ، و «الملْك» ، فالخلق قد عرفنا أمره، وملكية كل شيء لله تعالى أمر مُلْزِمٌ في العقيدة، ومعروف، أما «الجَعْل» ، فهو توجيه ما خلق إلى مهمته.
فأنت تجعل الطين إبريقاً، والقماس جلباباً، هذا على المستوى البشري، أما الحق فقد خلق المادة أولاً، ثم جعل من المادة سمعاً وبصراً، وزاد من بعد ذلك ﴿أَمَّن يَمْلِكُ﴾ ، فمن خَلَق هو الله تعالى، ومن جَعَلَ هو الله تعالى، ومن مَلَكَ هو الله تعالى.
وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها الله سبحانه، ويجعلها، ثم يُملِّكها له.
أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر وغيرهما وإن كانت قد خُلقت في الإنسان، وجُعلت له للانتفاع بها، ولكنها ستظل مِلْكاً لله، يبقيها على حالها، او يخطفها أو يصيبها بآفة، أو يعطلها.
إذن: فهي خُلقت لله، وجُعلت من الله، وتظل مملوكة لله، ويُصيِّرها كيف يشاء، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللا إرادية التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة الله.
стр. 6778
والحق سبحانه على سبيل المثال جعل لكلِّ حيوان جلداً؛ ننتفع به وندبغه إلا جلدين اثنين: جلد الإنسان وجلد الخنزير، وقد حُرِّم استخدام جلد الإنسان؛ لكرامته عند خالقه، وحُرِّم استخدام جلد الخنزير؛ ليدُلَّ على حرمته ونجاسته.
وعلينا أن ننتبه إلى أن الحق سبحانه قد خَلَقَ وجَعَلَ ومَلَكَ، ودليل ملكية الحق أنه حَرَّم الجنة على المُنتحِر؛ لأنه لا يأخذ الحياة إلا واهبُ الحياة، فأنت أيها الإنسان لستَ مِلْكَ نفسك. ولا عذر لأحد ما دام قد وصله هذا البلاغ، وعليه أن يستوعبه أما من لايستوعب؛ فيلقى مصيره.
لذلك فإنه سبحانه هو الذي رزق، وهو سبحانه الذي يملك.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ [يونس: ٣١] .
ونحن نعلم أن لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، بدليل قول الحق سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .
وما دام كل شيء سيأتي له وقت يهلك فيه، فمعنى ذلك أن لكل شيء حياة، إلا أن حياتنا نحن في ظاهر الأمر عبارة عن الحس والحركة، والإنسان يأكل الخضروات والخبز والفاكهة، ومن هذه المأكولات وغيرها يكوِّن الجسمُ الحيوانات المنوية في الرجل، والبويضات في المرأة، ومنهما يأتي الإنسان، وكذلك يخرج الكتكوت من البيضة المخصَّبة؛ لأن البيضة
стр. 6779
غير المخصبة لا تُخرِج كتكوتاً؛ فهي بدون حياة؛ ولذلك لا يتكون منها جنين، فهناك فرق بين قابلية الحياة، وبين الحياة نفسها.
وكذلك نواة التمرة، إذا ما ألقيتْ دون أن توضع في الأرض، فلن تكون نخلة أبداً، ولكن إذا ما زُرعتْ في الأرض، ووجدت لها البيئة المناسبة؛ خرجَتْ نخلة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمر﴾ [يونس: ٣١] .
والتدبير هو عملية الإدارة لأي شيء؛ حتى يؤدي مهمته، وبالله من يُدير قلبك؟ ومن يدير حركة أمعائك؟ لتستخلص من الطعام ما يفيدك، ثم تخرج ما لا يفيدك.
إياك أن تقول: إنني أنا الذي أدير ذلك؟ ونقول: كنت طفلاً في مرحلة الطفولة، فهل كنت تدير حركة قلبك أو أمعائك؟ ومَنْ الذي يدير حركة رئتيك؟ إن الذي يديرها هو خالقها؛ لذلك اطمئنوا على حركة أجهزتكم التي لا دخل لكم فيها؛ لأن الذي خلقها فيكم قيُّوم لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يؤوده حفظ ذلك.
ويجيب مَنْ يسألهم الرسول ﷺ َ على كل تلك الأسئلة بأمر الله تعالى الإجابة التي حددها الله سبحانه سلفاً ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١] .
إذن: أما كان يجب أن نرهف الآذان، ونُعْمِل الأبصار؛ لنرى قدرة الله سبحانه الذي وهب لنا كل تلك النعم من رزق، وسمع، وبصر، وإحياء، وإماتة، وإحياء من ميت، وتدبير الأمر كله؟
стр. 6780
أما كان يجب أن نقول: يا مَنْ خَلَقْتَنَا ماذا تنتظر مِنَّا؛ لنعمِّر الكون الذي أوجدتنا فيه؟ فكيف إذن يتجه البعض بالعبَادة لغير الله تعالى؛ لشمسٍ أو قمرٍ، أو ملائكة، أو نبيّ، أو صنمٍ؟ كيف ذلك والعبادة معناها إطاعة العابد للمعبود فيما يأمر به؟ وهل هناك إله بغير منهج يأمر به عباده، ومن عبد الشمس هل كَلَّفته بشيء؟ . . لا.
إذن: يتساوى عندها مَنْ عبدها، ومَنْ لم يعبدها، وفي هذا نقض لألوهية كل معبود غير الله تعالى.
ولذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .
فما دام الله سبحانه هو الذي خلق كل ذلك، وأنزل منهجاً، فعليكم أن تجعلوا بينكم وبينه وقاية؛ تحميكم من صفات الجلال، وتقرّبكم من آثار صفات الجمال وأن تسمعوا إلى البلاغ من الرسل ﵈، وإلى مطلوباته سبحانه.
وما دام كل إنسان سيجيب عن أسئلة هذه الآية، ويعترف أن الخالف سبحانه والمالك هو الله تعالى، فعلى الإنسان أن يقي نفسه النار.
والعجيب أن الجميع يجيب بأن الله سبحانه هو الذي خَلَق، فالحق سبحانه يقول: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧] .
ويقول أيضاً: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: ٢٥] .
وما دام الله تعالى هو الذي خلق، وزرق، ودبَّر الأمر، فكيف تتركون عبادته وتتجهون لعبادة غيره؟
стр. 6781
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق﴾
стр. 6782
وقد جاء قول الحق سبحانه: ﴿فذلكم﴾ إشاره منه إلى ما ذكره قَبْلاً من الرزق، وملكية السمع والأبصار، وقدرة إخراج الحيّ من الميت، وأخراج الميت من الحي، وتدبير الأمر.
إذن: فقوله سبحانه: ﴿فذلكم﴾ إشارة إلى أشياء ونعم كثيرة ومتعددة أشار إليها بلفظ واحدٍ؛ لأنها كلها صادرة من إله واحد.
﴿فذلكم الله رَبُّكُمُ الحق﴾ [يونس: ٣٢] .
ولا يوجد في الكون حقَّان، بل يوجد حق واحد، وما عداه هو الضلال؛ لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال﴾ [يونس: ٣٢] .
إذن: أنتم إنْ وجَّهتم الأمر بالربوبية ألى غيره؛ تكونون قد ضللتم الطريق، فالضلال أن يكون لك غاية تريد أن تصل إليها، فتتجه إلى طريق لا يوصِّل إليها. فإن صُرفتم من الإله الحق فأنتم تصلون إلى الضلال.
ولذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بما يبين أنه لا يوجد إلا الحق أو الضلال، فيقول سبحانه: ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] .
стр. 6783
أي: أنكم إن انصرفتم عن الحق ، فإلى الضلال، والحقُّ واحد ثابت لا يتغيَّر.
ومَنْ عبد الملائكة أو الكواكب أو النجوم؛ أو بعض رسل الله ﵈ أو صنماً من الأصنام؛ فقد هوى إلى الضلال.
وإن كنتم تريدون أن نجادلكم عقلياً، فَلْنقرأ معاً قول الحق بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾
стр. 6784
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم من رزق الله تعالى للبشر جميعاً، ومن مِلْك السمع والبصر، ومن تدبير الأمر كله، ومن إخراج الحيّ من الميت، وإخراج الميت من الحي، ذلك هو الإله الحق سبحانه، وقد ثبت ذلك بسؤاله هذا السؤال الذي علم مُقدَّماً ألا إجابة له إلا بالاعتراف به إلهاً حقاً: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال﴾ [يونس: ٣٢] .
ومثل هذه القضية تماماً قَوْلُ الحق سبحانه: ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الذين فسقوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] .
لأنهم أساءوا الفهم في الوحدانية، وفي العقيدة، واستحقوا أن يُعذَّبوا؛ لأنهم صرفوا الحق إلى غير صاحب الحق.
وقد كان هذا خطاباً للموجودين في زمن النبي ﷺ َ، لكن بعضهم آمن بالله تعالى؛ ولذلك فالعذاب: إنما يحُلّ على مَنْ لم يؤمن.
وهذا القول متحقق فيمَنْ سبق في علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون،
стр. 6785
وكذلك حقَّتْ كلمة ربك على هؤلاء الذين فسقوا ولا ينتهون عن فسقهم وكفرهم، وإصرارهم على الانحراف بالعبودية لغير الله الأعلى والرَّبِّ الحق .
والدليل على العلم الأزليِّ لله سبحانه ما نقرأه في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
إذن: معلوم لله تعالى مَنْ يؤمن ومَنْ لا يؤمن، ومَنْ يستمر ويُصِرّ على كفره؛ هو الذي يَلْقَى العذاب، بعلم الله تعالى فيه أنه لن يؤمن.
ثم يذكر الحق بعد ذلك ما يمكن أن يُجادَلَ به الكافرون بمنطق أحوالهم، ففي ذوات نفوس غير المؤمنين بإله توجد نزعة فطرية لفعل الخير، وتوجيه غيرهم إليه، وهو موجود حتى في الأمم غير المؤمنة، فكل قوم يُوجِّهون إلى الخير بحسب معتقداتهم، فنجد بين الشعوب غير المؤمنة بإلهٍ حكماء وأطباء وعلماء، وهؤلاء يوجهون الناس إلى بعض الخير الذي يرونه.
ونجد الطفل الصغير يكتسب المعتقدات والعادات والاتجاهات من والديه، ومما يسمعه من توجيهاتهم، فنجده يبتعد عن النار مثلاً أو الكهرباء؛ لأنه ترسخت في ذهنه توجيهات ونصائح غيره؛ بل إنه يتعلم كيف يتعامل مع هذه الأشياء دون أن تصيبه بالضرر.
إذن: يوجد توجيه من الخلق إلى الخلق لجهات الخير، ألا نجد في الدول غير المؤمنة بإله مَنْ يرشد الناس إلى الطرق التي يمكن أن يسيروا فيها
стр. 6786
باتجاهين، والطرق التي عليهم أن يسيروا فيها باتجاه واحد؟
ألا يوجد مَنْ يدل الناس على المنحنيات الخطرة على الطرق، وكذلك يوجّههم إلى ضرورة خفض سرعة السيارات أمام مدارس الأطفال؟
نعم، يوجد في البلاد غير المؤمنة مَنْ يفعل ذلك.
إذن: فالتفكير في الخير لصالح الأمم أمر طبيعي غريزي موجود في كل المجتمعات، وإذ كان التوجيه للخير يحدث من الإنسان المساوي للإنسان، ألا يكون الله سبحانه هو الأحق بالتوجيه إلى الخير، وهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيم حياته على الأرض، ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق﴾
стр. 6787
وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله ﷺ َ أن يسألهم: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] .
ومعنى أن الله يسأل القوم هذا السؤال أنه لا بد أن تكون الإجابة كما أرادها هو سبحانه. وإنْ قال قائل: وكيف يأمنهم على مثل هذا الجواب، ألم يكن من الجائز أن ينسبوا هذا إلى غير الله؟
стр. 6788
نقول: إن هذا السؤال: لا يُطرح إلا وطارحه يعلم أن له إجابة واحدة، فلن يجد المسئول إجابة إلا أن يقول: إن الذي يفعل ذلك هو الله سبحانه ولا يمكن أن يقولوا: إن الصنم يفعل ذلك؛ لأنهم يعلمون أنهم هم الذين صنعوا الأصنام، ولا قدرة لها على مثل هذا الفعل.
فالإجابة معلومة سلفاً: إن الله وحده هو القادر على ذلك، وهذا يوضح أن الباطل لجلج والحق أبلج، وللحق صَوْلة؛ فأنت ساعة تنطق بكلمة الحق في أمر ما، تجدها قد فعلت فِعْلها فيمن هو على الباطل، ويأخذ وقتاً طويلاً إلى أن يجد كلاماً يرد به ما قلته، بل يحدث له انبهار واندهاش، وتنقطع حجته.
ولذلك لم يَقُل الحق سبحانه هنا مثلما قال من قبل: ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١] .
بل قال: ﴿قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] .
وجاء بها الحق سبحانه هكذا؛ لأنهم حينما سُئلوا هذا السؤال بهرهم الحق وغلب ألسنتهم وخواطرهم؛ فلم يستطيعوا قول أي شيء.
ومثال ذلك ولله المثل الأعلى نجد وكيل النيابة يضيّق الخناق على المتهم بأسئلة متعددة إلى أن يوجه له سؤالاً ينبهر المتهم من فرط دقته وليس له إلا إجابة واحدة تتأبى طباعة ألا يجيب عنه، فيجيب المتهم معترفاً.
стр. 6789
والإنسان كما خلقه الله تعالى صالح لأن يؤمن، وصالح لأن يكفر، فإرادته هنا تتدخل، لكن أبعاضه مؤمنة عابدة مسبحة، فاللسان الذي قد ينطق الكفر، هو في الحقيقة مؤمن مُسبِّحٌ، حامد، شاكر، لكن إرادة الإنسان التي شاءها الله سبحانه متميزة بالاختيار قد تختار الكفر والعياذ بالله فينطق اللسان بالكفر.
وقد تأتمر اليد بأمر صاحبها؛ فتمتد لتسرق، أو تسعى الأقدام مثلاً إلى محل احتساء الخمر، ولكن هل هذه الفاعلات راضية عن تلك الأفعال؟
لا، إنها غير راضية، إنما هي خاضعة لإرادة الفاعل.
وحين يسأل السؤال: من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ فاللسان بفطرية تكوينه المؤمنة يريد أن يتكلم؛ لكنه لا يملك إرادة الكلام، فيبين الحق سبحانه للنبي ﷺ َ أن يجيب نيابة عن الأبعاض المؤمنة، فيقول سبحانه: ﴿قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] وهو بذلك يؤكد الصيغة، ويكفي أن يقول محمد ﷺ َ هذا القول مُبلِّغاً عن ربه، وينال هذا القول شرف العندية:
﴿قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] .
والإفك: هو الكذب المتعمَّد، وهو الافتراء، وهناك فارق بين الكذب غير المتعمد والكذب المتعمد، فالكذب غير المتعمد هو من ينقل ما بلغه عن غيره حسبما فهم واعتقد، وهو لون من ألوان الكذب لا يصادف الحق، ويتراجع عنه صاحبه إن عرف الحق.
أما الافتراء فهو الكذب المتعمد، أي: أن يعلم الإنسان الحقيقة
стр. 6790
ويقلبها؛ ولذلك نجد العلماء قد وقفوا هنا وقفة؛ فمنهم من قال: هناك صدق، وهناك كذب، لكن علماء آخرين قالوا: لا، إن هناك واسطة بين الصدق والكذب.
ومثال ذلك: أن يدخل ابنٌ على أبيه، بعد أن سمع هذا الابن من الناس أن هناك حريقاً في بيت فلان، فيقول الابن لوالده: هناك حريق في بيت فلان؛ فيذهب الأب ليعاين الأمر، فإن وجد حريقاً فقول الابن صدق، وإن لم يكن هناك حريق فالخبر كاذب، ولكن ناقل الخبر نقله حسبما سمع.
إذن: فهناك فَرْق بين صدق الخبر وصدق المُخْبِر، فمرة يَصْدُق الخبر ويصدُق المخبر، ومرة يصدُق الخبر ولا يصدُق المخبِر، ومرة يصدق المخبر ولا يصدق الخبر.
فهُنا أربعة مواقف، والذين قالوا إن هناك واسطة بين الصدق والكذب هم مَنْ قالوا: إن الصدق يقتضي مطابقة بين الواقع والخبر. أما الكذب فهو ألا يطابق الواقع الخبر.
لذلك يجب أن نفرِّق بين صدق الخبر في ذاته، وصدق المخبر، بأنه يقول ما يعتقد. أما صدق الخبر فهو أن يكون هو الواقع.
وقول الحق سبحانه: ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تقلبون الحقائق؛ لأنكم تعرفون الواقع وتكذبونه كذباً متعمداً؟
وكلنا نعلم قول الحق سبحانه: ﴿والمؤتفكة أهوى﴾ [النجم: ٥٣] .
стр. 6791
والمؤتفكة: هي القرى التي كُفئت أعلاها إلى أسفلها، كذلك الكذَّاب يقلب الحقيقة.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾
стр. 6792
وهذا أمر للرسول ﷺ َ بأن يسألهم سؤالاً جديداً، لا إجابة له إلا ما يفرضه الواقع، والواقع يؤكد أن الهداية لا تكون إلا للحق؛ لأن كل كائن مخلوق لغاية، فلا شيء يُخلق عبثاً.
ونحن بقُدرتنا المحدودة نصنع (الميكرفون) و ﴿التليفزيون) أو الثلاجة أو السرير وغيرها، كلّ منها له غاية، وكل له قوانين صيانته الخاصة به، والذي يحدِّد الغاية من هذا المصنوع أو ذاك هو صانعه، ويضع لها قوانين صيانتها؛ لتؤدّي غايتها، فالغاية من أي شيء توجد قبل الشيء نفسه؛ ليوجد الشيء على مقتضى الغاية منه.
وآفة العالم الآن أنهم يعلمون أن الله سبحانه خلق الإنسان، ولكنهم يصنعون من عندهم قوانين لصيانة الإنسان وحركة الإنسان، وهذا غباء وغفلة من الذين يفعلون ذلك، كان عليهم أن يتركوا أمر صيانة الإنسان للقوانين التي وضعها خالق الإنسان سبحانه.
стр. 6793
فالحق قد حدد الغاية من خَلْق الإنسان وحدّد قوانين صيانته، والشر الموجود حالياً بسبب الجهل بغاية الإنسان، والعدول عن المنهج الذي يجب أن يسير عليه الإنسان، فقال الحق سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ [يونس: ٣٥] .
أي: هل من هؤلاء الشركاء مَنْ يهدي الإنسان إلى غايته؟ هل قالت الشمس مثلاً غايتها؟ هل قالت الملائكة غايتها؟ هل قالت الأشجار أو الأحجار أو الرسل الذين عبدتموهم شيئاً غير مراد الله تعالى؟
إنهم آلهة لا يعرفون الغاية من العابد لهم، ولا يعرفون الطريق الموصل إلى تلك الغاية.
ولذلك يأتي القول الفصل: ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] .
فالله هداك أيها الإنسان إلى الحق في كل حركة تتحركها بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه مكتملاً على رسوله ﷺ َ من بدء «لا إله إلا الله» إلى إماطة الأذى عن الطريق، وهو منهج مستوعب مستوفٍ لكل حركات الإنسان.
وجاءت الإجابة من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ َ؛ لأنهم انبهروا بالسؤال وتلجلجوا ولم يوجد عند أي منهم قدرة على المعارضة، فالغاية من خلق الإنسان وغيره يوجزها قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
والعبادة ليست أركان الإسلام فقط، بل هي عمارة الكون كبنيان حيّ
стр. 6794
للإسلام، والذي حدد الغاية هو الخالق سبحانه، وهو سبحانه الذي يحدد طريق الوصول إليها.
ونحن حين نرغب في الوصول إلى مكان في الصحراء مثلاً، إنما نحدد أولاً المكان، ونختار طريق الوصول، فإن كان الطريق المستقيم مليئاً بالعقبات والجبال، فإنك ستضطر للانحراف عن هذا الطريق وصولاً إلى غايتك، فهذا الطريق المعوج هو الطريق المستقيم؛ لأنه الطريق الذي يجنبنا العقبات.
ومثال ذلك: السيول التي تنزل على هضباب الحبشة، فاختارت لنفسها المجرى السهل فكان نهر النيل، فلا أحد قد حفر النيل مثلما حفرنا الرياحات أو قناة السويس، بل نزل السيل واختار لنفسه الطريق السهل فسار فيه بين التعاريج والرمال والصخور.
ولذلك أنت تجد كل ما لا دخل للبشر به قد يتعرج لينفذ، أما ما صنعه البشر فلا يستطيع ذلك.
وكل خلق لا بد له من غاية؛ لذلك نجد سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام يقول: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] .
فمن خلق هو الذي يحدد الغاية؛ لأن هذه الغاية توجد عنده أولاً ليخلق، وتتجلى الدقة في قول القرآن على لسان سيدنا إبراهيم ﵇، فلم يقل: الذي خلقني يهديني، بل قال: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ مما يدل على أن هذه القضية ستخالَف، وبعد أن يخلق الإنسان سيقوم بعض الناس حماية لمصالحهم بوضع طريق أخرى تخالف الغاية؛ فتوصل إلى الضلال.
أما الحق سبحانه فقد أنزل القرآن فيه الهداية الحقة، فالذي خلق هو
стр. 6795
الذي يقنن، ولذلك يذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] .
وبهذا القول وصل سيدنا إبراهيم ﵇ إلى أن الذي رزق الآباء قدرة استنباط الرزق مطعماً ومشرباً هو الله سبحانه.
وذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] .
فالإماتة والإحياء هما من الحق سبحانه، فلا أحد يسأل عمن يملك الإماتة والإحياء، أما عن شفاء المرض فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] .
فأنت قد تذهب إلى الطبيب وتظن أنه هو الذي يشفيك؛ بل هو يعالج، ولكن الله هو الذي يشفي.
وهكذا نعلم أن قول سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] .
هو كلام منطقي؛ لأن خالق الشيء هو الذي يهدي إلى الغاية من الشيء؛ فالغاية أولاً، ثم الخلق، ثم توضيح الطريق الموصل إلى تلك الغاية، فإذا خولف في شيء من ذلك فلا صلاح لكون أبداً.
وتجد في القرآن على لسان سيدنا موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
следующие страницы →