← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] . ولم يقل: لتتحركوا فيه، بل جاء بما يضمن سلامة الحركة، فقال سبحانه: ﴿مُبْصِراً﴾ لأن الضوء الذي ينعكس على الأشياء هو الذي يحفظ للإنسان سلامة الحركة. ولكن البعض من الناس في زماننا يستخدمون نعمة الكهرباء في الإسراف في السهر، وحين يأتي الليل يسهرون حتى الصباح أمام جهاز (التلفزيون) أو (الفيديو) أو في غير ذلك من أمور الترفيه، ثم ينامون في النهار، وينسون أن الليل للرقود، والنهار للعمل. وقد ثبت أن للضوء أثراً على الأجسام، فالضوء يؤثر في الكائن الحي، وقد سبق النبي ﷺ َ ذلك الاكتشاف بزمان طويل وقال: «أطفئوا المصابيح إذا رقدتم» ؛ وذلك حتى لا ينشغل الجسم بإشعاعات الضوء التي تتسبب في تفاعلات كيماوية في الجسم. لذلك أقول دائماً: خذوا الحضارة بقواعد التحضير لها؛ لأننا يجب أن نتيح للفلاح أن يذهب إلى حقله والعامل إلى مصنعه؛ لأن السهر ضار، وإذا ادَّعى الإنسان أنه هو الذي تحضَّر، فليحترم قيمة العمل الذي يصنع الحضارة؛ لأن الآلة التي يسهر لمراقبتها ومشاهدتها هي إنتاج أناس يلتزمون بقواعد الحضارة؛ واحترام قيمة العمل في النهار، وقيمة الترفيه في الوقت المخصص. نحن نسيء استخدام أدوات الحضارة، فالزمن الذي وفَّرته الثلاجة للزوجة؛ حتى لاتقف في المطبخ نصف النهار لتعد الطعام، وصارت

стр. 6967

تطهو وجبات ثلاثة أيام وتحفظها في الثلاجة، وتستخدم الغسالة الكهربائية فتنهي الغسيل في ساعة من الزمن، لكن بقية الوقت يضيع أمام (التلفزيون) ولا تلتفت إلى تربية الأبناء. وهكذا يسيء البعض استخدام الآلات المتحضرة، وفي هذه الإساءة نوع من التخلف، فإذا أخذنا الحضارة بمنطقية فهذا هو التحضر. وعلى سبيل المثال: أقول لمن يركب سيارة: إياك أن تسرع بها في طريق متربة حتى لا يثور الغبار ويملأ صدور الناس بالحساسية. وإياك أن تهمل صيانة سيارتك حتى لا يفسد الموتور؛ ويخرج العادم الضار بصحة الناس والبيئة، فلا يسافر الإنسان في الطريق المتربة أو بسيارة غير جيدة الصاينة؛ فيصيب صدور الناس بالمرض، ويصيب الزروع ويفسد الهواء. ويجب ألاَّ نأخذ الحضارة بتلصص، إنما علينا أن نرتقي إلى مدارجها بصيانة أساليبها؛ لأن من لا يأخذ الحضارة بقواعدها هو من يتخلف رغم تقدُّم الآلة، فتصير الآلة أكثر تحضُّراً منه. إذن: فإن أخذنا كل أمر بمهمته فحن نحقق الراحة لأنفسنا ولغيرنا. ولذلك قلنا في تفسير قول الحق سبحانه: ﴿واليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى﴾ [الليل: ١٢] . وإن بدا للإنسان أن هناك تعارضاً بين غشيان الليل (أي: تغطيته للمرئيات) وتجلِّى النهار (أي: كشف المرئيات) فهذا ليس تعارضاً، بل هو التكامل؛ لأن حركة النهار تتولد من الليل، وراحة الليل تتولد من النهار. ثم يقول الحق سبحانه:

стр. 6968

﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] . وهذا الخلق للذكر والأنثى هو للتكامل، لا للتناقض، هكذا جاء الحق سبحانه بنوعين: الأول: هو الزمن ليلاً ونهاراً. والثاني: هو الإنسان ذكراً وأنثى. ويقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ٤] . أي: أن حركتكم هي الموصِّلة إلى غايتكم، والحركات شتى (أي: مختلفة) ، سواء في الليل أو النهار أو للذكر أو للأنثى، فإن خلطنا الحركة وعبثنا بأنظمة الحياة، فالحياة ترتبك، ونعاني من مرارة التجربة إلىأن تتعقد الأمور، فنبحث لها عن حلول. وقد نادينا أن تعمل المرأة نصف الوقت لتعطي البيت بعضاً من الوقت، أو أن تعتني بالبيت إن كان لها ما يكفيها من دخل، أو كان لزوجها ما يكفي لحياة الأسرة، ولكن أحداً لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد مرارة التجارب. وهناك مثال آخر: في قول البعض أن الليل في تلك البلاد المتحضِّرة لا ينتهي وأنت تجد السهر هناك حتى الصباح، وعندما أسمع مثل هذا القول أقول: إن هذا ليس في مصلحة سكان تلك البلاد؛ لأن الليل يجب أن يكون سباتاً لتأتي الحركة المنتجة في النهار.

стр. 6969

إذن: فالآفة أن تنقل مهمة نوع إلى مهمة نوع آخر، سواء أكان في الزمان أو في الإنسان، واقرأ جيداً قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ٤] . فكل فرد من أفراد الكون له مهمة وله سعي يختلف عن سعي الآخرين. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يُنهي الحق سبحانه الآية فيقول: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧] . ولقائل أن يقول: لم يقل «إن في ذلك لآيات لقوم يبصرون» . ونقول: لننتبه إلى أن الحق سبحانه حين يتكلم عن زمان فهو يبيِّن في هذا الزمان مهمته، وهو القائل في صدر الآية ووسطها: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] . فالعلَّة في هذه الآية هي سكون الليل، لا حركة النهار، والعين في الليل لا تؤدي مهمتها، بل السمع هو الذي يؤدي مهمته. والحق سبحانه هو القائل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] . أي: أن أحداً لن يستطيع الحركة في مثل هذا الليل السرمدي ولا أحد سيتبيَّن شيئاً.

стр. 6970

والحق سبحانه هو القائل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢] . إذن: فقد جاء الحق سبحانه في آية الليل بالسمع، وجاء في آية النهار بالأبصار، وبعد أن تكلم الله سبحانه عن مجال الحركة بالنهار والراحة في الليل، يأتي الكلام عن الينبوع الذي يجب أن تَصْدُرَ عنه الحركة أو السكون، وهو ضرورة الامتثال لأمر إله واحد حتى لا تصطدم حركتك بآمر إله آخر يقول ما يناقض حركة الإله الأول. وكما تتحرك في النهار، وترتاح في الليل لا بد أن تكون حركتك صادرة عن أمر واحد، هذا الأمر الواحد صادر من الآمر الواحد، وهو الله تعالى الذي تعبده بلا شريك، ومن يقول بغير ذلك إنما يربك حركة الحياة. والله سبحانه يقول: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] . ولذلك يقول الله سبحانه بعد ذلك: ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ﴾

стр. 6971

ونفس نص الآية الكريمة يكذِّبهم فيما يدَّعونه. ومثال ذلك: أنك حين تقول: «اتخذ فلان بيتاً» أي: أن فلاناً له ذاتية سابقة على اتخاذه للبيت، وبها اتخذ البيت، فإذا قيل: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [يونس: ٦٨] . فهذا اعتراف منهم بكمال الله تعالى وذاتيته قبل أن يتخذ الولد. وهم قد اختلفوا في أمر هذا الولد، فمنهم من قال: إن الملائكة هن بنات الله وكذَّبهم الحق سبحانه في ذلك، ومنهم من قال: عزير ابن الله وهم اليهود وقد كذَّبهم الله سبحانه في ذلك، وطائفة من المسيحيين قالوا: إن المسيح ابن الله، وكذَّبهم الحق سبحانه في ذلك. ثم ما الداعي أن يتخذ الله الولد؟ هل استنفد قوته حتى يساعده الولد؟ ﴿ وهل يمكن أن يضعف سبحانه معاذ الله فيمتد بقوة الولد أو يعتمد عليه؟﴾ مثلما يقال حين يواجه شيخٌ شابّاً، ويعتدي الشاب على الشيخ، فيقال للشاب: احذر؛ إن لهذا الشيخ ولداً أقوى منك؛ فيرتدع الشاب، أو أن يقول الشيخ للشاب: إن أبنائي يفوقونك في القوة، وفي هذا اعتداد بالأولاد. ويريد الحق سبحانه أن يغفل كل هذه الدعاوي ولتكون حركة الحياة متماسكة متلازمة، لا متعارضة ولا متناقضة؛ لذلك ينبغي أن يكون

стр. 6972

المحرِّك إلهاً واحداً تصدر منه كل الأوامر، فلا تعارض في تلك الأوامر؛ لأن الأوامر إن صدرت عن متعدد فحركة الحياة تتصادم بما يبدد الطاقة ويفسد الصالح. ولذلك لا بد أن يكون الأمر صادراً من آمر واحد يُسْلَّم له كل أمر، وهذا الإله منزَّه عن كل ما تعرفه من الأغيار، فله تنزيه في ذاته؛ فلا ذات تشبه ذاته، ومنزَّه في صفاته؛ فلا صفة تشبه صفته، ومنزَّه في أفعاله؛ فلا فعل يشبه فعله. وحتى نضمن هذه المسألة لا بد أن يكون الإله واحداً، ولكن بعضاً من القوم جعلوا لله شركاء، ومن لم يجعل له شريكاً، توهَّم أن له ابناً وولداً. ونقول لهم: إن كلمتكم: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [يونس: ٦٨] ترد عليكم؛ لأن معنى اتخاذ الولد أن الألوهية وُجِدَت أولاً مستقلة، وبهذا الألوهية اتخذ الولد. ومن المشركين من قال: إن الملائكة بنات الله. فردَّ عليهم الحق سبحانه: ﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ [النجم: ٢١٢٢] . والكمال كله لله سبحانه فهو كمال ذاتي؛ ولذلك يأتي في وسط الآية ويقول تعالى:

стр. 6973

﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الغني﴾ [يونس: ٦٨] . وسبحانه تعني: التنزيه، وهو الغني أي: المستغني عن مُعِين كما تستعينون أنتم بأبنائكم، وهو دائم الوجود؛ فلا يحتاج إلى ابن مثل البشر، وهم أحداث تبدأ وتنتهي؛ لذلك يحبون أن يكون لهم أبناء كما يقول الشاعر: ابني يا أنا بعد ما أقَضي ... ويقال: «من لا ولد له لا ذِكْر له» ، كأن الإنسان لما علم أنه يموت لا محالة أراد أن يستمر في الحياة في ولده. ولذلك حين يأتي الولد للإنسان يشعر الإنسان بالسرور والسعادة، والجاهل هو من يحزن حين تلد له زوجته بنتاً؛ لأن البنت لن تحمل الاسم لمن بعدها، أما الولد والحفيد فيحملان اسم الجد، فيشعر الجد أنه ضمن الذِّكْر في جيلين. إذن: فاتخاذ الولد إما استعانة وإما اعتداد، والحق سبحانه غنيٌّ عن الاستعانة، وغني عن الاعتداد؛ لأنك تعتد بمن هو أقوى منك، وليس هناك أقوى من الله تعالى، وهو سبحانه لا يحتاج لامتداد؛ لأنه هو الأول وهو الآخر، وعلى ذلك ففكرة اتخاذ الولد بالنسبة لله تعالى لا تصح على أي لون من ألوانها. ولذلك يقول الحق سبحانه مرادفاً لتلك الفكرة: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ لأنها تقطع كل احتمالات ما سبقها، ويُتْبعِ ذلك بقوله: ﴿هُوَ الغني﴾ لأنه

стр. 6974

غني عن اتخذا الولد، وغني عن كل شيء، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيه له، والتنزيه: ارتفاع بالمُنَزَّه عن مشاركة شيءٍ له في الذات أو الأفعال. وإذا ورد شيء هو لله وصفٌ ولخَلْقه وصفٌ، فإياك أن تأخذ هذه الصفة مثل تلك الصفة. فإن قابلت غنياً من البشر، فالغني في البشر عَرَضٌ، أما غنى الله تعالى ففي ذاته سبحانه. وأنت حي والله سبحانه حي، ولكن أحياتك كحياته؟ لا؛ لأن حياته سبحانه لم يسبقها عدم، وحياتك سبقها عدم، وحياته سبحانه لا يلحقها عدم، وأنت يلحق حياتك العدم. والله موجود وأنت موجود، لكن وجوده سبحانه وجود ذاتيٌّ، ووجودك وجود عَرَضِيٌّ. وإذا قال الحق سبحانه: إن له يداً ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] . فلا يمكن أن تكون يد الله سبحانه مثل يدك؛ لأن ذاته سبحانه ليست كذاتك، وصفاته سبحانه ليست كصفاتك، وهو سبحانه القادر الأعلى، ولا يمكن أن يكون مقدوراً لأحد. ولذلك حين يتجلَّى الله سبحانه لخلقه، فسوف يتجلى بالصورة التي

стр. 6975

تختلف عن كل خيال العبد، وهذه الصورة تختلف من عبد إلى آخر، ولو كانت الصورة التي يتجلى بها الله سبحانه مقدوراً عليها لكان معنى ذلك أن هناك ذهناً بشرياً قد قدر على الإحاطة بها. وما خطر ببالك فالله سبحانه بخلاف ذلك؛ لأن ما خطر بالبال مقدور عليه لأنه خاطر، والله سبحانه لا ينقلب أبداً إلى مقدور عليه. وأنت حين تأتي بمسألة في الحساب أو الهندسة مثلاً، وتعطيها لتلميذ ويقوم بحلها، فمعنى ذلك أن عقله قد قدر عليها، أما إن جئت لتلميذ في المرحلة الإعدادية مثلاً بمسألة هندسية مقررة على طلبة كلية الهندسة؛ فعقله لن يقدر عليها. إذن: لو أن الإنسان قد أدرك شيئاًً عن الله غير ما قاله الله لا نقلب الإله إلى مقدور عليه، والحق سبحانه مُنَزَّه عن ذلك؛ لأنه القادر الأعلى الذي لا ينقلب أبداً إلى مقدور. لذلك يعلِّمنا الحق سبحانه أن نقول تنزيهاً لله تعالى كلمة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ، وهو التنزيه الواجب عن كل شيء يخطر ببال الإنسان عن الله تعالى، وهذه السبحانية أو هذا التنزيه هو صفة ذاتية في الله تعالى، قبل أن يوجد شيء، وبعد أن خَلَق الخَلْق، فعلى كل المخلوقات تنزيهه، وبدأ الخلق في التسبيح. والتسبيح فعل مستمر لا ينقطع ولا ينقضي؛ لذلك تجد استدلالات القرآن في السور التنزيهية تؤكد ذلك، فيقول الحق سبحانه:

стр. 6976

﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] . وإياك أن تظن أن محمداً ﷺ َ قد سرى بقرار من نفسه، بل الذي أسرى به هو الحق سبحانه، فلا تظن أن المسافة يمكن أن تمنع مشيئة الحق المطلقة، ولا المكان، ولا الزمن؛ لأن الفعل منسوب لله تعالى، ولا يمكن أن نقيس فعلاً منسوباً لله تعالى بقياس الزمان أو المكان، أو حسب قانون الحركة النسبية، لأن الحق سبحانه له طلاقة القدرة، وأنت بشر مجرد حادث محدود الزمان والمكان. وأنت إذا سِرْت من هنا إلى الإسكندرية مثلاً على قدميك فستقطع المسافة في أسابيع، وإن امتطيت دابة فقد تأخذ في الوصول إلى الإسكندرية أياماً، وإن ركبت سيارة فسوف تقطع المسافة في ساعتين، وإن ركبت صاروخاً، فستصل خلال دقائق. أي: أنك كلما زادت قوة أداة الوصول قَلَّ زمن الوصول، وهذا موجز نظرية الحركة، وإذا كان الذي أسرى هو الله سبحانه، وهو قوة القوى، لذلك لا يمكن أن يقاس بالنسبة لمشيئة قوة أخرى، أو أن يقاس الأمر ببُعد أو قُرْب المكان أو كيفية الزمان الذي تعرفه. وإياك أن تفهم أن إسراء الله تعالى مثل إسرائك؛ لأن الفعل إنما يأخذ قوته من الفاعل، وما دام الفاعل هو الله سبحانه فلا أحد بقادر أن يَحُدَّ أفعاله بزمن. وقد استهل الحق سبحانه سورة الإسراء بالسبحانية وآياتها الأولى تتكلم في أدق شيء تكلم فيه رسول الله ﷺ َ عن ذاته بأنه قد أسْرِيَ به، وبذلك

стр. 6977

أثبت بحادث الإسراء حقيقة المعراج، وأن الناموس قد خُرِق له، وحدَّثنا عما نعلم لنصدِّق حديثه عما لا نعلم، وحتى نقيس ما لا نعلم على ما نعلم، فيتأكد لنا صدقه ﷺ َ في حديثه عما لا نعلم. كلمة «سبحانه» إذن هي للتنزيه، وهي لله تعالى أزلاً قبل أن يَخلق الخَلق، فقد شهد سبحانه لذاته أنه إله واحد، ثم شهدت الملائكة، ويتكرر التسبيح من كل المخلوقات التي أوجدها الله سبحانه. وأنت تجد سور القرآن الكريم التي جاء فيها التسبيح مؤكدة أنه سبحانه مُنزَّه، وله التسبيح من قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق؛ ليسبِّحوا، ففي سورة الحديد يقول سبحانه: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [الحديد: ١] . ويقول سبحانه في سورة الحشر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الحشر: ١] . فهل سبَّح كل من في السموات ومن في الأرض مرة واحدة وانتهى الأمر؟ لا؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض الملك القدوس﴾ [الجمعة: ١] . ويقول سبحانه في سورة التغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] .

стр. 6978

إذن: فالسبحانية لله أزلاً، وسبَّح ويسبِّح الخَلْق وكل الوجود بعد أن خلقه الله سبحانه، سموات وأرض وما فيهما ومن فيهما، وما بقى إلا أنت أيها الإنسان فسبِّحْ باسم ربك الأعلى. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ﴾ [يونس: ٦٨] . وعلة التسبيح والتنزيه عن أن يكون له ولد تأتي في قوله تعالى: ﴿هُوَ الغني﴾ ؛ لأن اتخاذ الولد إنما يكون عن حاجة، إما استعانة، وإما اعتماداً، وإما اعتداداً، وإما امتداداً، وكل هذه أمور باطلة بالنسبة له سبحانه، وهو الحق الأعلى، وهو سبحانه القائل في آية أخرى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] . والقنوت معناه: الإقرار بالعبودية لله تعالى والخضوع له وإطاعته. ويقول سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨] . و «إنْ» قد تأتي للنفي في مثل قول الحق سبحانه: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] . وفي قول الحق سبحانه هنا:

стр. 6979

﴿إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ﴾ [يونس: ٦٨] . أي: ليس عندكم حُجَّة تدل على أن الله تعالى اتخذ ولداً. ولذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨] أي: أنكم لا تملكون إعلاماً من الله تعالى بذلك، فلا إعلام عن الله إلا من الله، وليس لأحد أن يُعْلِم عن ربه، فهو سبحانه من يُعْلِم عن نفسه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ﴾

стр. 6980

والحق حينما يتكلم عن الإيمان وثمرته ونهايته ياتي بالفَلاَح كنتيجة لذلك الإيمان، فهو سبحانه القائل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] . وهو سبحانه القائل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] . ويقول أيضاً: ﴿أولئك هُمُ المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وكلها من مادة «الفلاح» وهي مأخوذة من الأمر الحسي المتصل بحياة الكائن الحي، فمقومات وجود الكائن الحي: نَفَس، وماء، وطعام،

стр. 6981

والتنفس يأتي من الهواء الذي يحيط بالأرض، والماء ينزل من السماء أو يُستنبط مما تسرب في باطن الأرض. والطعام يأتي من الأرض، وكل ما أصله من الأرض يُستخرج بالفلاحة. لذلك نقول: إن الفلاَحة هي السبب الاستبقائي للحياة، فكما يُفْلِح الإنسان الأرض، ويشقها ويبذر فيها البذور، ثم يرويها، ثم تنضج وتخرج الثمرة، ويقال: أفلح، أي: أنتجت زراعته نتاجاً طيباً. وشاء الحق سبحانه أن يمسِّي الحصيلة الإيمانية الطيبة بالفلاح. وبيَّن لنا رسول الله ﷺ َ أن الدنيا مزرعة الآخرة، فإن كنت تريد ثمرة فابذل الجهد. وإياك والظن أن الدين حينما يأخذ منك شيئاً في الدنيا أنه يُنْقِص ما عندك، لا، بل هو يُنمِّي لك ما عندك. والمثل الذي أضربه دائماً ولله المثل الأعلى نجد الفَلاَّح حين يزرع فداناً بالقمح، فهو يأخذ من مخزنه إردباً؛ ليستخدمه كبذور في الأرض، ولو كانت امرأته حمقاء لا تعرف أصول الزراعة ستقول له: «أنت أخذت من القمح، وكيف تترك عيالك وأنت تنقصهم من قوتهم؟» هذه المرأة لا تعلم أنه أخذ إردبَّ القمح المُخَزَّن؛ ليعود به بعد الحصاد عشرة أو خمسة عشر إردّباً من القمح. كذلك مطلوب الله سبحانه في الدنيا قد يبدو وكأنه ينقصك أشياء، لكنه يعطيك ثمار الآخرة ويزيدها.

стр. 6982

إذن: فالفلاح مادة مأخوذة من فلح الأرض وشقها وزرعها لتأخذ الثمرة. وكما أنك تأخذ حظك من الثمار على قدر حظك من التعب ومن العمل، فذلك أمر الآخرة وأمر الدنيا. ومثال ذلك: الفلاح الذي يحرث الأرض، ويحمل للأرض السماد على المطية، ثم يستيقظ مبكراً في مواعد الري، تجد هذا الفلاح في حالة من الانشراح والفرح في يوم الحصاد، وأمره يختلف عمن يهمل الأرض ويقضي الوقت على المقهى، ويسهر الليل أمام التلفزيون، ويأتي يوم الحصاد ليحزن على محصوله الذي لم يحسن زراعته. وقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩] . أي: هؤلاء الذي يقولون عن الله تعالى أو في الله تعالى بغير علم من الله، هم الذين لا يفلحون. وأوضحت من قبل أن كل ما يتعلق بالله تعالى لا يُعْلَم عنه إلا عن طريق الله. لكن ما الذي يحملهم على الافتراء؟ نعم، إن كل حركة في الحياة لا بد أن يكون الدافع إليها نفعاً، وتختلف النظرة إلى النفع وما يترتب عليه، فالطالب الكسول المتسكع في الشوارع، الرافض للتعلم، نجده راسباً غير موفق في مستقبله، أما التلميذ الحريص على علومه، فهو من يحصل على المكانة اللائقة به في المجتمع، والتلميذ الأول كان محدود الأفق ولم ير امتداد النفع وضخامته، بل قصر النفع على لذة عاجلة مُضحِّياً بخيرٍ آجِلٍ.

стр. 6983

والذي جعل هؤلاء يفترون على الله الكذب هو انهيار الذات، فكل ذات لها وجود ولها مكانة، فإذا انهارت المكانة، أحس الإنسان أنه بلا قيمة في مجتمعه. والمثل الذي ضربته من قبل بحَلاَّق الصحة في القرية، وكان يعالج الجميع، ثم تَخرَّجَ أحد شباب القرية في كلية الطب وافتتح بها عيادة، فإن كان حلاق الصحة عاقلاً، فهو يذهب إلى الطبيب ليعمل في عيادته ممرضاً، أو (تمرجياً) ، أما إن أخذته العزة بالإثم، فهو يعاند ويكابر، ولكنه لن يقدر على دفع علْم الطبيب. وكذلك عصابة الكفر ورؤساء الضلال حينما يُفاجَآون بمَقْدِم رسول من الله، فهم يظنون أنه سوف يأخذ السيادة لنفسه، رغم أن أي رسول من رسل الله تعالى ﵇ إنما يعطي السيادة لصاحبها، ألا وهو الحق الأعلى سبحانه. وحين يأخذ منهم السيادة التي كانت تضمن لهم المكانة الوجاهة والشأن والعظمة، فهم يصابون بالانهيار العصبي، ويحاولون مقاومة الرسول دفاعاً عن السلطة الزمنية. ومثال ذلك: هو مَقْدِمُ النبي ﷺ َ إلى المدينة، وكان البعض يعمل على تنصيب عبد الله بن أبيّ ليكون مَلكاً؛ ولذلك قاوم الرجل الإسلام،

стр. 6984

وحين لم يستطع آمن نفاقاً، وظل على عدائه للإسلام، رغم أنه لو أحسن الإسلام واقترب من رسول الله ﷺ َ لنال أضعاف ما كان يسأخذه لو صار ملكاً. وهكذا قادة الضلال وأئمة الكفر، هم مشفقون على أنفسهم وخائفون على السلطة الزمنية؛ لأن الرسول حينما يجيء إنما يُسوِّي بين الناس؛ لذلك يقفون ضد الدعوة حفاظاً على السلطة الزمنية. ولذلك يقول الحق سبحانه عن سبب افترائهم الكذب: ﴿مَتَاعٌ فِي الدنيا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾

стр. 6985

ويعزُّ إذن على قادة الكفر وأئمة الضلال أن يسلبهم الرياسة والسيادة داعٍ جديد إلى الله ، ويخافون أن يأخذ الداعي الجديد لله الأمر منهم جميعاً، لا إلى ذاته، ولكن إلى مراد ربه. ولو كان الداعي إلى الله تعالى يأخذ السلطة الزمنية لذاته؛ لقلنا: ذاتٌ أمام ذاتٍ، ولكنه ﷺ َ أوضح أنه يعود حتى فيما يخصه إلى الله . ويكشف لنا الحق سبحانه الكسب القليل الذي يدافعون عنه أنه:

стр. 6986

﴿مَتَاعٌ فِي الدنيا﴾ [يونس: ٧٠] ؛ لأن كُلاً منهم يحب أن يقنع نفسه، بِحُمْق تقدير المنفعة، وكلمة «الدنيا» لا بد أن منها حقيقة الشيء المنسوبة إليه. والاسماء كما نعلم هي سمات مسميات، فحين تقول: إن فلاناً طويل، فأنت تعطيه سمة الطول. وحين تقول: «دنيا» فهي من الدُّنُوِّ «أو» الدناءة «. وإن اعتبرت الدنو هو طريق موصل إلى القيمة، فهذا أمر مقبول؛ لأن الدرجة الأولى في الوصول إلى الأعلى هي الدنو، وتلتزم بمنهج الله تعالى فتصعد عُلوّاً وارتفاعاً إلى الآخرة. إذن: فمن يصف الدنيا بالدناءة على إطلاقها نقول له: لا، بل هي دنيا بشرط أن تأخذها طريقاً إلى الأعلى، ولكن من لا يتخذها كذلك فهو من يجعل مكانته هي الدنيئة، أما من يتخذها طريقاً إلى العلو فهو الذي أفلح باتِّباع منهج الله تعالى. إذن: فالدنيا ليست من الدناءة؛ لأن الدين ليس موضوعه الآخرة، بل موضوعه هو الدنيا، ومنهج الدين يلزمك ب» افعل «و» لا تفعل «في الدنيا، والآخرة هي دار الجزاء، والجزاء على الشيء ليس عين موضوعة، وأنت تستطيع أن تجعل الدنيا مفيدة لك إنْ جعلتها مزرعة للآخرة. وإياك أن تعمل على أساس أن الدنيا عمرها ملايين السنين؛ لأنه لا يعنيك كعائش في الدنيا إن طال عمرها أم قَصُرَ، بل يعنيك في الدنيا مقدار مُكْثِك فيها، وعمرك فيها مظنون، بل وزمن الدنيا كله

стр. 6987

مظنون، وهناك من يموت وعمره ستة أشهر، وهناك من يموت وعمره مائة سنة، وكلٌّ يتمتع بقدر ما يعيش، ثم يرجع إلى الله . وهؤلاء الذين ضَلُّوا وقالوا على الله سبحانه افتراء، هؤلاء لن يفلتوا من الله؛ لأن مرجعهم إليه سبحانه ككل خَلْقه، وهؤلاء المُضِلُّون لم يلتفتوا إلى عاقبة الأمر، ولا إلى من بيده عاقبة الأمر، ولم يرتدعوا. ولكن من نظر إلى عاقبة الأمر وأحسن في الدنيا فمرجعه إلى حسن الثواب والجنة، ومن لم ينظر إلى عاقبة الأمر وافترى على الله الكذب فالمآب والمآل إلى العذاب مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] . ودرجة العذاب تختلف باختلاف المعذِّب، فإن كان المعذِّب ضعيفاً، فتعذيبه يكون ضعيفاً، وإن كان المعذِّب متوسط القوة؛ فتعذيبه يكون متوسطاً، أما إن كان المعذِّب هو قوة القوى فلا بد أن يكون عذابه شديداً، وهو سبحانه الحق القائل: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] . وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن مبدأ تنزيه الألوهية عن اتخاذ الولد، فهو سبحانه الغنيُّ الذي له ما في السموات والأرض، وبيَّن لنا سبحانه أننا يجب أن نأخذ المنهج من مصدر واحد وهو الرسل المبلِّغون عن الله تعالى، شاء الحق سبحانه أن يكلمنا عن موكب الرسالات؛ لأن الكلام حين يكون كلاماً نظرياً ليس له واقع يسنده، فقد تنسحب النظرية عليه. أما إن كان للكلام واقع في الكون يؤيد الكلام النظري، فهذا دليل على صحة الكلام النظري؛ ولذلك فنحن حين نحب أن نضخِّم مسألة من

стр. 6988

المسائل في داء اجتماعي، نحاول أن نصنع منه رواية، أي: أمراً لم يحدث حقيقة، ولكننا نتخيل أنه حقيقة؛ لنبيِّن الأمر النظري في واقع متخيَّل. ويقص علينا الحق سبحانه في القرآن قصصاً من الموكب الرسالي؛ ليبيِّن للكفار: أنكم لن تستطيعوا الوقوف أمام هذه الدعوة، وأمامكم سِجل التاريخ وأحداث الرسل مع أممهم؛ المؤيدين بالمؤمنين؛ والكفار المعاندين والمعارضين، فإن كان قوم من السابقين قد انتصروا على رسولهم، فللكفار الحق في أن يكون لهم أمل في الانتصار على رسول الله ﷺ َ. ولا بد أن يكون هذا الكلام موجهاً إلى أناس لهم علم ببعض أحداث الموكب الرسالي. ولكن قد يكون علم هذا قد بهت؛ لأن الزمان قد طال عليه. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياقوم﴾

стр. 6989

ولقائل أن يقول: ولماذا جاء الله سبحانه هنا بخبر نوح ﵇ ولم يأت بخبر آدم ﵇ أو أدريس ﵇ وهُمَا من الرسل السابقين على نوح ﵇؟ ومن هنا جاءت الشبهة في أن آدم لم يكن رسولاً؛ لأن البعض قد ظن أن الرسول يجب أن يحمل رسالته إلى جماعة موجودة من البشر، ولم يفطن هؤلاء البعض إلى أن الرسول إنما يُرْسَل لنفسه أولاً. وإذا كان آدم ﵇، أول الخلق فهو مُرسَل لنفسه، ثم يبلِّغ من سوف يأتي بعده من أبنائه. وقد أعطى الله التجربة لآدم ﵇ في الجنة، فكان هناك أمر، وكان هناك نهي هو ﴿وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] . وحَذَّره من الشيطان، ثم وقع آدم ﵇ في إغواء الشيطان، وأنزله الله تعالى إلى الأرض واجتباه، وتاب عليه، ومعه تجربته، فإن خالف أمر ربه فسوف يقع عليه العقاب، وحذره من اتباع الشيطان حتى لا يخرج عن طاعة الله تعالى.

стр. 6990

إذن: فقد أعطاه الحق سبحانه المنهج، وأمره أن يباشر مهمته في الأرض؛ في نفسه أولاً، ثم يبلغه لمن بعده. وكما علَّمه الحق سبحانه الأسماء كلها، علَّم آدم الأسماء لأبنائه فتكلموا: وكما نقل إليهم آدم الأسماء نقل لهم المنهج، وقد علمه الحق سبحانه الأسماء؛ ليعمر الدنيا، وعلَّمه المنهج؛ ليحسن العمل في الدنيا؛ ليصل إلى حسن جزاء الآخرة. واقرأ قول الحق : ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ [طه: ١٢١] . ويتبعها الحق سبحانه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجتباه﴾ [طه: ١٢٢] . ومعنى الاجتباء: هو الاصطفاء بالرسالة لنفسه أولاً، ثم لمن بعده بعد ذلك، والحق سبحانه هو القائل: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] . والهدى: هو المنهج المنزَّل على آدم ﵇، والرسالة ليست إلا بلاغ منهج وهدى من الله سبحانه للخلق. وإذا كان الحق هو القائل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] . فالسابقون لنوح ﵇ هم من أبلغهم آدم ﵇، والدليل هو ما جاء من خبر ابني آدم في قول الحق سبحانه:

стр. 6991

﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابنيءَادَمَ بالحق إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ [المائدة: ٢٧] . وهما قد قدَّما القربان إلى الله تعالى. إذن: فخبر الألوهية موجود عند ابني آدم بدليل قول الحق سبحانه: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] . إذن: فهم قد أقروا بوجود الله تعالى، وأيضا عرفوا النهي،؛ لأنه في إحدى الآيتين قال: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ [المائدة: ٢٨] . إذن: فالذين جاءوا بعد آدم ﵇ عرفوا الإله الواحد، وعلموا المنهج. إذن: فالذين يقولون: إن آدم ﵇ لم يكن رسولاً، نقول لهم: افهموا عن الله جيداً، كان يجب أن تقولوا: هذه مسألة لا نفهم فيها، وكان عليهم أن يسألوا أهل الذِّكْر ليفهموا عنهم أن آدم ﵇ رسول، وأن من أولاده قابيل وهابيل، وقد تكلما في التقوى. أما لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالحديث عن نوح، ﵇، فلنا أن نعلم أن آدم ﵇ هو الإنسان الأول، وأنه قد نقل لأولاده المنهج

стр. 6992

المُبلَّغ له، ودلَّهم على ما ينفعهم، ثم طال الزمن وأنشأت الغفلة، فجاء إدريس ﵇، ثم تبعته الغفلة، إلى أن جاء نوح ﵇. وهنا يأتي لنا الحق سبحانه بخبر نوح ﵇ في قوله: ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [يونس: ٧١] . والنبأ: هو الخبر الهام الذي يلفت الذهن، وهو الأمر الظاهر الواضح. والحق سبحانه يقول: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ١٣] . إذن: فالنبأ هو الخبر الهام المُلْفِت، وقد جاء هنا خبر نوح ﵇ الذي يُبلِّغ قومه أي: يخاطبهم، وهو قد شهد لنفسه أنه رسول يبلِّغ منهجاً. وكلمة «قَوْمِ» لا تطلق في اللغة إلا على الرجال، يوضح القرآن ذلك في قوله الحق سبحانه: ﴿لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] . إذن: فالقوم هم الرجال، والمرأة إنما يُبنى أمرها على السر، والحركة في الدنيا للرجل، وقد شرحنا ذلك في حديث الحق سبحانه لآدم ﵇ عن إبليس، فقال تعالى:

стр. 6993

﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى﴾ [طه: ١١٧] . ولأن الخطاب لآدم فقد قال الحق سبحانه: ﴿فتشقى﴾ [طه: ١١٧] . ولم يقل: فتشقيا؛ مما يدل على أن المرأة لا شأن لها بالأعمال التي خارج البيت والتي تتطلب مشقة، فالمرأة تقرُّ في البيت؛ لتحتضن الأبناء، وتُهيِّىء السكن للرجل بما فيها من حنان وعاطفة وقرار واستقرار. أما القيام والحركة فللرجل. فالحق سبحانه يقول: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى﴾ [طه: ١١٧] . إذن: فالكدح للرجل ومتطلبه القيام لا القعود. ثم يقول الحق سبحانه على لسان نوح ﵇. ﴿ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ [يونس: ٧١] . وهنا يُحنِّن نوح قومه بإضافات التحنن، أي: جاء بالإضافة التي تُشْعِر المخاطبين بأنه منهم وهم منه، وأنه لا يمكن أن يغشهم فهم أهله، مثل قول النائب الذي يخطب في أهل دائرته الانتخابية: «أهلي وعشيرتي وناخبيّ» وكلها اسمها إضافة تحنن. وكذلك مثل قول لقمان لابنه: ﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

стр. 6994

وقوله: ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] . وقوله: ﴿يابني أَقِمِ الصلاة﴾ [لقمان: ١٧] . وهذا إضافات التحنن وفيها إيناس للسامع أن يقرب ويستجيب للحق. ﴿ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ [يونس: ٧١] . و «الكاف والياء والراء» تأتي لمعنيين: الأول: كبر السن، وهي: كبر يكبر. والثاني: العظمة والتعظيم، إلا أن التعظيم يأتي ليبيِّن أنه أمر صعب على النفس، مثل قول الحق سبحانه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف: ٥] . أي: أن هذه الكلمة التي خرجت من أقوالهم أمر صعب وشاق، وهي قولهم:

стр. 6995

﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: ٤] . وهذه الكلمة إنما تعظم على المؤمن، وهي مسألة صعبة لا يمكن قبولها فلا يوجد مؤمن قادر على أن يقبل ادعاء خلق من خلق الله تعالى أن له سبحانه ولداً. ومرة تكون العظمة من جهة أخرى، مثل قول الحق سبحانه: ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] . أي: عَظُم على المشركين، وصَعب على أنفسهم، وشَقَّ عليهم ما تدعوهم إليه من أن الإله هو واحد أحد، ولا سلطان إلا له سبحانه. وهكذا، إن كانت الكلمة مناقضة للإيمان فهي تكبر عند المؤمنين، وإن كانت الكلمة تدعو الكافرين إلى الإيمان فهي تشق عليهم. وهنا يأتي على لسان سيدنا نوح ﵇: ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ [يونس: ٧١] . ونحن نعلم أن سيدنا نوحاً ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

стр. 6996

أي: أن حياته طالت كثيراً بين قومه، كما أن تقريعه للكافرين جعله ثقيلاً عليهم. أو أن: ﴿كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ [يونس: ٧١] . تعني: أنه حمَّلهم ما لا يطيقون؛ لأن نوحاً ﵇ أراد أن يُخرجهم عما ألفوا من عبادة الأصنام، فشقَّ عليهم ذلك. إذن: فمبدأ عبادة الإله الواحد يصعب عليهم. أو أن الأصل في الواعظ أو المبلِّغ أن يكون على مستوى القيام وهم قعود، وكان سيدنا عيسى ﵇ يتكلم مع الحواريين وهو واقف، والوقوف إشعار بأن مجهود الهدي يقع على سيدنا عيسى ﵇ بينما يقعد الحواريون ليستمعوا له في راحة. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ [يونس: ٧١] . أي: إن صعب عليكم ما أدعوكم اليه. ويصح أن نأخذها من ناحية طول الوعظ والتكرار في ألف سنة إلا خمسين عاماً، أو أن مقامي كبر عليكم، بمعنى: أننا انقسمنا إلى قسمين؛ لأن المنهج الذي أدعو إليه لا يعجبكم، وكنت أحب أن نكون قسماً واحداً. وها هو ذا سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وأرضاه حين أحس أن الخلافة تقتضي أن يسمِّي من يَخْلُفُهُ من بعده، قال له بعض الناس: لماذا لا تولي علينا عبد الله بن عمر، فقالَ ابن الخطاب: بحسب

стр. 6997

آل خطاب أن يُسأل منهم عن أمة محمد ﷺ َ رجل واحد. ثم أضاف: أعلم أنكم مَلَلْتُم حُكْمي؛ لأني شديد عليكم. إذن: فقد أحس نوح ﵇ أنه انقسم هو وقومه إلى قسمين: هو قد أخذ جانب الله سبحانه الذي يدعو إلى عبادته، وهم أخذوا جانب الأصنام التي ألفوا عبادتها. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح ﵇: ﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] . أي: أنني لن أتنازل عن دعوتي، ونلحظ أنك إن قلت: «توكَّلتُ على الله» فقد يعني هذا أنك قد تقول: وعلى فلان، وفلان، وفلان لكنك إن قلت: ﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] . فأنت قد قصرت توكُّلك على الله فقط. وهكذا واجه نوح ﵇ قومه، ورصيده في ذلك هو الاعتماد والتوكل على من أرسله سبحانه، ويحاول أن يهديهم، لكنهم لم يستجيبوا، وقال لهم: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١] . ومعنى جمع الأمر: (أي: جمع شتات الآراء كلها في رأي واحد) ، أي: اتفقوا يا قوم على رأي واحد، وأنتم لن تضروني. وجمع أمر الأجيال التي ظل سيدنا نوح ﵇ يحاول هدايتها تحتاج إلى جهد؛ لأن الجيل العقلي ينقسم إلى عشرين سنة.

стр. 6998

وقد ظل سيدنا نوح ﵇ يدعو القوم بعدد ما عاش فيهم، أي: ألف سنة إلى خمسين، فكم جيل إذن ظل نوح يعالجه؟ إنها أجيال متعددة، ومع ذلك لم يظفر إلا بقدر قليل من المؤمنين بحِمْل سفينة واحدة، ومعهم الحيوانات أيضاً، فضلاً عن أن ابنه خرج أيضاً مع القوم الكافرين، وناداه نوح ﵇ ليركب معه وأن يؤمن، فرفض، وآثر أن يظل في جانب الكفر، بما فيه من فناء للقوم الكافرين، وظن أنه قادر على أن يأوي إلى جبل يعصمه من الطوفان، ولم ينظر ابن نوح إلى جندي آخر من جنود الله سبحانه يقف عقبة في سبيل الوصول إلى الجبل، وهو الموج. إذن: فقول نوح ﵇: ﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] . له رصيد إيماني ضمني، فلا يوجد مجير على الله من خلق الله؛ لأن الخلق كله جماده ونباته وحيوانه إنما ينصاع لأمر الله تعالى في نصرة نوح ﵇ ولن يتخلف شيء. هكذا كان توكُّل نوح ﵇ على الله تعالى بما في هذا التوكل من الرصيد الإيماني المتمثل في: ﴿للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ [المائدة: ١٢٠] . و ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤] .

стр. 6999

ولن يخرج شيء عن ملكه سبحانه. ومن العجيب أنه لم يخرج عن مراد الله في «كن» إلا الإنسان المختار، لم يخرج بطبيعة تكوينه، ولكن الحق سبحانه وهبه من عنده أن يكون مختاراً، ولو لم يهبه الله تعالى أن يكون مختاراً لما استطاع أن يقف، ولكان كل البشر من جنود الحق. وقد قال نوح ﵇: ﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . والإنسان حين يهمه أمر من الأمور يظل متردداً بين خواطر شتى، ويحاول أن يرى ميزات كل خاطر، ويختار أفضلها، وإذا ما جمع الإنسان خواطره كلها من خاطر واحد، فهذا يعني استقراره على رأي واحد، وجمع أمره عليه. أما إذا كان الأمر متعدد الناس، فكل واحد منهم له رأي، فإن اجتمعوا وقرروا الاتفاق على رأي واحد، فهذا جمعٌ للأمر. والاتفاق على رأي واحد إنما يختلف باختلاف هويّة المجتمعين، فإن كانوا أهل خير فهم ينزلون بالشر، وإن كانوا أهل شر فهم يصعدون بالشر. ومثال ذلك: أبناء يعقوب ﵇ حينما حدث بينهم وبين أخيهم من الحسد لمكانة يوسف ﵇ فقالوا:

стр. 7000

﴿اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] . أي: أن الاقتراح بقتل يوسف هدفه ألا يلتفت وجه يعقوب وقلبه إلى أحد سواهم، وأتبعوا اقتراحهم بقتل يوسف باقتراح التوبة، فقالوا لبعضهم البعض: ﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] . وهم قد ظنوا أن التوبة إن نفَّذوا القتل ستصبح مقبولة. وهذا الشر البادي في حديثهم لم يقبله بعضهم في بادىء الأمر؛ لأنهم أبناء نبوّة، وما يزالون هم الأسباط، لا يصعد فيهم الشر، بل ينزل، فقال واحدٌ منهم: لا تقتلوه بل ﴿اطرحوه أَرْضاً﴾ [يوسف: ٩] . أي: أنه خفَّف المسألة من القتل إلى الطرح أرضاً، وهذه أول درجة في نزول الأخيار عن الشر الأول، وأيضاً تنازلوا عن الشر الثاني، وهو طرحه أرضاً؛ حتى لا يأكله حيوان مفترس، وجاء اقتراح: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠] . ثم أجمعوا أمرهم أخيراً حتى نزل الشر مرة أخرى لاحتمال ورود النجاة.

стр. 7001

إذن: فالأخيار حين يجتمعون على شر لا بد أن ينزل. ومثال ذلك: رجل طيب رأى ابنه وهو يُضرَب من آخر، فيفكر للحظة في أن يضرب غريم ابنه بطلقة من (مسدس) ، ثم يستبدل هذه الفكرة بفكرة الاكتفاء بضربه ضرباً مبرحاً بالعصا، ثم يتنازل عن ذلك بأن يفكر في صفعه صفعتين، ثم يتنازل عن فكرة الصفع ويفكر في توبيخه، ثم يتنازل عن فكرة التوبيخ ويكتفي بالشكوى لوالده، وهذا ينزل الشر عند أهل الخير. أما إن كان الرجل من أهل الشر، فهو يبدأ بفكرة الشكوى لوالد من ضرب ابنه، ثم يرفضها ليصعد شره إلى فكرة أن يصفعه هو، ثم لا ترضيه فكرة الصفع، فيفكر في أن يضربه ضرباً شديداً، ولا ترضيه هذه الفكرة، يقول لنفسه: «سأطلق عليه الرصاص» . وهكذا يتصاعد الشر من أهل الشر. وهنا يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا نوح ﵇: ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . أي: اجتمعوا والزموا رأياً واحداً تحرصون على تنفيذه أنتم وشركاؤكم، وهو ينصحهم رغم أنهم أعداؤه، وكان عليه أن يحرص على اختلافهم، ولكن لأنه واثق من توكله على ربه؛ فهو يعلم أنهم مهما فعلوا فلن يقدروا عليه، ولن ينتصروا على دعوته إلا بالإقدام على إهلاك أنفسهم. أو أنه مثلما يقول العامة: «أعلى ما في خيولكم اركبوه» أي: أنه يهددهم، ولا يفعل ذلك إلا إذا كان له رصيد من قوة التوكل على الله تعالى. ولا يكتفى بذلك بل يضيف:

стр. 7002

﴿ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١] . والغمة: منها الغمام، ومنها الإغماء، أي: فقد الوعي وسَتْر العقل، أي: أنه قال لهم: لا تتبعوا أنفسكم بتبادل الهمسات فيما بينكم بل افعلوا ما يحلو لكم، ولا تحاولوا ستر ما سوف تفعلون. إن عليكم أن تجتمعوا على راي واحد أنتم وشركاؤكم الذين تعتمدون عليهم، وتعبدونهم، أو شركاؤكم في الكفر، ولم يأبَهْ نوح ﵇ بتقوية العصبية المضادة له؛ لأنه متوحل على الله فقط. لذلك يقول: ﴿ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ﴾ [يونس: ٧١] . أي: أنه يُحفِّزهم على الاجتماع على أمر واحد ومعهم شركاؤهم سواء من الأصنام التي عبدوها أو من أقرانهم في الكفر وأن يصمموا على المضيّ في تنفيذ ما اتفقوا عليه. و «قضى» أي: حكم حكماً، ولكن الحكم على شيء لا يعني الاستمرار بحيث ينفذ، فقد يُقضيَ على إنسان بحكم؛ ويوقف التنفيذ. لكن قوله: ﴿اقضوا إِلَيَّ﴾ يعني: أصدروا حكمكم وسيروا إلى تنفيذ ما قضيتم به. ثم يقول: ﴿وَلاَ تُنظِرُونَ﴾ أي: لا تمهلوني في تنفيذ ما حكمتم به عليَّ. والمتأمل للآية الكريمة يجد فيها تحدياً كبيراً، فهو أولاً يطلب أن يجتمعوا على أمر وا حد، هم وشركاؤهم، ثم لا يكون على هذا الأمر

стр. 7003

غُمَّة، ثم اقضوا إليَّ ما اتفقتم عليه من حكم ونفِّذوه ولا تؤجلوه، فهل هناك تحدًّ للخصم أكثر من ذلك؟ لقد كانوا خصوماً معاندين، ظل نوح ﵇ يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وصبر عليهم كل هذا الوقت، ولا بد إذن من حدوث فاصل قوي، ولهذا كان الترقِّي في التحدي، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء، ثم بإصدار حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم. والنفسية العربية على سبيل المثال حين سامحت، وصبرت، وصفحت في أمر لا علاقة له بمنهج الله، بل بأمر يخص خلافاً على الأرض، تجد الشاعر العربي يقول عن «بني ذُهْل» الذين اتعبوا قوم الشاعر كثيراً، ولكن قومه صفحوا عنهم؛ يقول الشاعر: صَفَحْنا عن بني ذُهْلٍ ... وقلنا: القومُ إخوانُ عسى الأيامُ أنْ يرجع ... نَ قوماً كالذي كانوا فلما صَرَّحَ الشرُّ ... فأمْسَى وهو عريانُ ولم يبقَ سوى العدوا ... ن دِنَّاهم كما دانوا مَشَيْنا مِشْيةَ الليثِ ... غَدَا والليثُ غضبانُ

стр. 7004

بِضرب فيه توهينٌ ... وتخضيعٌ وإقرانُ وطعْن كَفَمِ الزقِّ ... غَدَا والزِّقُّ مَلآنُ وفي الشرِّ نجاةٌ حي ... ن لا يُنجيكَ إحسانُ وبعضُ الحِلْمِ عند الجهْ ... لِ للذِّلَّةِ إذعانُ إذن: فالمناجرة بين نوح ﵇ وقومه اقتضت التشديد، لعل بشريتهم تلين، ولعل جبروتهم يلين، ولعلهم يعلنون الإيمان بالله تعالى، ولكنهم لم يرتدعوا. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح بعد ذلك: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ﴾

стр. 7005

أي: إن توليتم عن دعوتي لعبادة الإله الحق، فأنا أدعوكم إلى مثيل لكم هو أنا، بل أدعوكم إلى من هو فوقي وفوقكم، فأنا لا أريد أن أستولي على السلطة الزمنية منكم، ولا أبحث عن جاهٍ، فالجاه كله لله تعالى.
следующие страницы →