← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

وبين الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول: ﴿الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾

стр. 6932

والإيمان هو الأمر الاعتقادي الأول الذي يُبنى عليه كل عمل، ويقتضي تنفيذ منهج الله، الأمر في الأمر، والنهي في النهي، والإباحة في الإباحة. والتقوى كما علمنا هي اتقاء صفات الجلال في اله تعالى، وأيضاً اتقاء النار، وزاد رسول الله ﷺ َ في صفات من تصدر عنه التقوى؛ لأنها مراحل، «فقال ﷺ َ يصف المتقين: » هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لَعلَى نور «. وقد سئُل عمر ﵁ عن المتقين فقال:» الواحد منهم يزيدك النظر إليه قُرباً من الله «. وكأنه ﵁ يشرح لنا قول الحق سبحانه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود﴾ [الفتح: ٢٩] . وساعة ترى المتقي لله تُسَرُّ وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده؛ لأن رؤياه تذكِّرك بالخشوع، والخضوع، والسكينة، ورقَّة

стр. 6933

السَّمْت، وانبساط الأسارير. والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خَلَل، بل يرى كل شيء في موضعه تماماً، ولا يرى أي قُبح في الوجود، وحتى حين يصادف القبح، فهو يقول: إن هذا القبح يبيِّن لنا الحُسْن، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناسُ الحقّ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق. إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير؛ ولذلك يقال: كُنْ جميلاً في دينك تَرَ الوجود جميلاً؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها، هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، وكلما تقرَّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق. ومثال ذلك: العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلَّمه من لدنه علماً، هذا العبد يعلّم موسى ﵇، فحين قارن بين خَرْق العبد الصالح لسفينة سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكماً ظالماً يأخذ كل سفينة غَصْباً؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل: كيف تخرق سفينة سليمة؟ وهنا بيَّن له العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي سفينة يملكها مساكين. وحين قَتل العبدُ الصالح غلاماً، كان هذا الفعل في نظر موسى

стр. 6934

جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى لا يفتن أهله، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة. ويقال: إن من يموت من قبل البلوغ ليس له مسكن محدّد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء؛ فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصراً، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد ﷺ َ أو أبو بكر الصديق، أو عند أي صحابي جليل. وأيضاً حين دخل سيدنا موسى ﵇ مع العبد الصالح إلى قرية واستطعما أهلها فرفضوا أن يطعموهما وطلب الطعام. هو أصدق ألوان السؤال فأبى أهل القرية أن يطعموهما، وهذا دليل الخسَّة واللؤم؛ فأقام العبد الصالح الجدار الآيل للسقوط في تلك القرية. ولم يكن سيدنا موسى ﵇ قد علم ما علمه العبدُ الصالح من أن رجلاً صالحاً قد مات وترك لأولاده كنزاً تحت هذا الجدار، وبناه بناية موقوتة بزمن بلوغ الأبناء لسن الرشد؛ فيقع الجدار ليحد الأبناء ما ترك لهم والدهم من كنز، ولا يجرؤ أهل القرية اللئام على السطو عليه.

стр. 6935

إذن: هذه هباتٌ من فيض الحق سبحانه على عباده الصالحين، وهو يجعل مَثَل هؤلاء العباد كالصواري المنصوبة التي تهدي الناس، أو كالفنار الذي يهدي السفن في الظلمة. ويقول الحق سبحانه: ﴿لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا﴾

стр. 6936

والبُشرى: من البِِشْر والبشارة والتبشير، وكلها مأخوذة من البشرة، وهي الجلد؛ لأن أي انفعال في باطن النفس الإنسانية إنما ينضح على البشرة، فإذا جئت للإنسان بأمر سارٍّ تجد أثر هذا السرور على أساريره، وإن جئت للإنسان بخبر سيِّىء تجد الكدر وقد ظهر على بشرته، فالبشرة هي أول منفعل بالأحداث السارة أو المؤلمة. وحين يقال: «بشرى» فهذا يعني كلاماً إذا سمعه السامع يظهر على بشرته إشراق وسرور؛ لأنه كلام مبشِّر بخير. وحين «سئل رسول الله ﷺ َ عن البشرى، قال:» إنها الرؤية الصالحة تُرى للمؤمن أو يراها «، وقال ﷺ َ:» إنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة «.

стр. 6937

وقد أوحي للنبي ﷺ َ بالرؤيا ستة أشهر، وأوحي إليه في اليقظة ثلاثة وعشرين عاماً، فإذا نسبت الستة أشهر إلى الثلاثة والعشرين عاماً، تجد أن الستة أشهر تمثل جزءاً من ستة وأربعين جزءاً. والرؤيا ليست هي الحُلْم؛ لأن الرؤيا هي شيء لم يشغل عقلك نهاراً، وليس للشيطان فيه دخل. والمثل العامي يقول:» الجوعان يحلم بسوق العيش «فإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم له علاقة بأمر يشغله، فهذا هو الحلم، وليس للرؤيا، وإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم شيئاً يخالف منهج الله، فهذه قذفة من الشيطان. إذن: فهناك فارق بين الرؤيا والحلم، وأضغاث الأحلام. البشرى إذن هي الرؤيا الصالحة، أو هي المقدمات التي تُشْعر خَلْق الله بهم فتتجه قلوب الناس إلى هؤلاء الأولياء، وقد تجد واحداً أَحبه الله تعالى في السماء،» فيقول الله لجبريل ﵇: «إني أحب فلاناً فأحبَّهُ. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء فيقول: إن الله يَحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يُوضع له القبول في الأرض» .

стр. 6938

وساعة تراه مكتوباً له القبول، فالكل يُجمعون على أن في رؤيتهم لهذا المحبوب من السماء سَمْتاً طيباً، وهذه هي البشرى. أو أن البشرى تأتي لحظة أن يأتي مَلَكُ الموت، فيُلْقي ﵇، ويشعر أن الموت مسألة طبيعية، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] . أو ساعة يبيضُّ الوجه حين يأخذ الإنسان من هؤلاء كتابه بيمينه، وهذه بشرى في الدنيا وفي الآخرة. والحق سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣٠٣١] . إذن: فهؤلاء الأولياء يتلقون من فيوضات الله عليهم بواسطة الملائكة ويتميزون عن غيرهم؛ لأن الواحد منهم قد يفرض على نفسه نوافل فوق الفروض؛ لأن الفروض هي أقل القليل من التكاليف. وقد يرى واحد منهم أن القيام بالفروض لا تناسب مع حبه لله تعالى؛

стр. 6939

فيزيد من جنسها على ما فرض الله، ويصلِّي بدلاً من خمسة فروض عشرة أخرى نوافل، أو يصوم مع رمضان شهراً أو اثنين، أو يصوم يومي الاثني والخميس من كل أسبوع. وهذا دليل على أنه وجد أن الفروض قليلة بالنسبة لدرجة حبه لله تعالى، وأن الله تعالى يستحق أكثر من ذلك، وهذا معناه أن مثل هذا العبد قد دخل في مقام الود مع الله تعالى، وهنا يفيض الله عليه بما يشاء، وينال من رضوان الله ما جاء في الحديث القدسي: «من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْلَهُ التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» . وهكذا تختلف المقاييس بين عبد يحب الله تعالى ويؤدي فوق ما عليه، وعبد آخر يقوم بالتكاليف وحدها. ويُنهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ [يونس: ٦٤] .

стр. 6940

وما دام الحق سبحانه قد قال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ فلن تجد أحداً قادراً على ذلك، كما أن الخلق مقهورون كلهم يوم القيامة؛ ومَنْ كان يبيح له الله تعالى أن يملك شيئاً في الدنيا لم يعد مالكاً لشيء، بدليل أن الكل سيسمع قول الحق سبحانه: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . وما دام الحق سبحانه قد وعد ببشرى الدنيا وبشرى الآخرة، فلا تبديل لما حكم به الله، فلا شيء يتأبَّى على حكم الله تعالى، والوعد بالبُشريات في الدنيا وفي الآخرة فوز عظيم مؤكد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾

стр. 6941

تجيء هذه الآية بعد أن بيَّن الله اعتراضات الكفار، وإيذاءهم لرسول الله ﷺ َ وتكذيبهم له وقولهم فيه ما قالوه، وفيما قالوه ما أحزنه ﷺ َ؛ لذلك طلب منه الحق سبحانه ألاَّ ينفعل لما قالوه انفعال الحزين، فقد قالوا: ساحر، وكاذب، ومُفْتَرٍ، ومجنون، وقد نفى عنه الحق سبحانه كل ما قالوه، فلو كان محمد صلى عليه وسلم ساحراً فلماذا لم يسحرهم هم أيضاً، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟! إذن: كَذَّبَ قولَهم في أنه ﷺ َ سحر عبيدَهم وأولادَهم. وقالوا: مجنون، ولم يكن في سلوكه ﷺ َ أدنى أثر من جنون، وفنَّد أقوالهم هذه بقوله سبحانه:

стр. 6942

﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١٤] . فالمجنون لا يكون على خُلُق عظيم أبداً. وحين قالوا: إنه افترى القرآن، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل ما قال، وعجزوا عن ذلك رغم أنهم مرتاضون للشعر والأدب والبيان. وقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] لأن أقوالهم لا حصيلة لها من الوقوف أمام الدعوة؛ لأن ﴿العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٦٥] والعزة هي القوة، والغلبة، ويقال: هذا الشيء عزيز، أي: لا يوجد مثله، وهو سبحانه العزيز المُطْلَق؛ لأنه لا إله إلا هو لا يُغلَب ولا يُقهَر. وتلحظ حين تقرأ هذه الآية وجود حرف «الميم» فوق كلمة ﴿قَوْلُهُمْ﴾ وتعني: ضرورة الوقف هنا.

стр. 6943

ولسائل أن يقول: كيف يلزم الوقف هنا مع أن القرآن الكريم مبنيٌّ على الوصل؛ وآخر حرف في كل سورة تجده مُنوَّناً، وليس في القرآن ما يُلزم الوقف للقارىء؟ وأقول رَدّاً على هذا التساؤل: إن العلماء حين لاحظوا ضعف مَلَكة اللغة؛ جاءوا بهذا الوقف ليتفهم القارىء الذي لا علم له بالبيان العربي كيف يقرأ هذه الآية، فهَبْ أن واحداً لا يملك فطنة الأداء، فينسب ﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٦٥] إلى ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] . ويخطىء الفهم، ويظن معاذ الله أن العزة لله هي أمر يُحزِن النبي ﷺ َ؛ لذلك جاء العلماء بالوقف هنا لندقِّق القراءة ونُحْسِن الفهم. ولذلك علينا أن نقرأ ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] ثم نتوقف قبل أن نتابع القراءة ﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٦٥ِ] ؛ وبهذا نفهم المعنى: يجب ألاَّ تحزن يا محمد؛ لأن أقوالهم لن تغيّر في مجرى حتمية انتصارك عليهم. ويريد الحق سبحانه هنا أن يطمئن رسوله ﷺ َ في أمر محدد، هو أنه ﷺ َ مهمته هي البلاغ فقط، وليس عليه أن يُلزمهم بالإيمان برسالته والتسليم لمنهجه. وبيّن له الحق سبحانه: أنهم إذا ما صدُّوا بعد بلاغك، فلا تحزن مما يقولون؛ فأقوالهم لا يقوم عليها دليل، ولا تنهض لها حُجَّة، وقد جاء فيهم قول الحق سبحانه: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] .

стр. 6944

وأقوالهم لن تقف في سبيل دعوتك، وسيُتمُّ الله نوره، ولا يوجد أعز من الله ، ولن يجير أحد على أحداً، فهو سبحانه يُجير ولا يُجار عليه. وإذا كانت العزة هي القهر والغلبة، وقد تكون عزة حُجّة، وقد تكون عزة حلْف، وقد تكون عزة حكمة، وكل واحد من خلق الله سبحانه قد توجد له عزة مجالٍ ما أو محيط ما، لكن العزة لله سبحانه شاملة مطلقة في كل محيطٍ وفي كل مجال، شاملة لكل شيء وأي شيء. ولماذا لم يأت الحق سبحانه بأسلوب القَصْر في هذه الآية؟ أي: أن تأتي الصفة للموصوف وتنفيها عما عداه؛ كأن نقول: «لزيدٍ مالٌ ليس لغيره» . وإذا قدمنا الجار والمجرور وهو المتعلّق فنقول: «لفلانٍ كذا» ، وهذا يعني ان غير فلانٍ ليس له كذا. وإنْ قلنا: «فلان له كذا» فيصح أن نقول: «ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا» . أما إذا قلت: «لفلان كذا» فمعناها: امتناع أن يكون لغير فلان شيء من مثل ما قلت. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٦٥] وجاء بالتأكيد ولم يأت لها بأسلوب القصر الذي يعطي العزة لله سبحانه وينفيها عن غيره؛ لأنه لا يوجد لهذه الآية مناهض، وهو كلام ابتدائي يخبر به الله سبحانه خبراً كونياً بأن العزة لله جميعاً.

стр. 6945

وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك وهو خالق الخلق فلن تأتي قضية كونية تناقضها، ولو وجدت معاذ الله قضية كونية تناقضها، فالآية لن تكون صادقة. وهذا لم ولن يحدث أبداً مع آيات الحق سبحانه؛ لأنه هو خالق الكون، وهو مُنزل الآيات؛ فلا يمكن أن يحدث تناقض أبداً بين الكون وكلام خالق الكون : وقد حدث أن ادعى بعضهم العزة لنفسه وقالوا: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ [المنافقون: ٨] . وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم، وادعاء الذلة للمؤمنين. إذن فالعزة قد ادُّعيت، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت بأسلوب القصر؟ نقول: لا، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] . فالعزة لله لا تتعداه، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة رسوله ﷺ َ وعزة المؤمنين من باطن عزة الله تعالى. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ أي: في كل ألوانها هي لله ، إن كانت عزة حكمه فهو الحكيم، وإنْ كانت عزة القبض على الأمور فهو

стр. 6946

العزيز، وإن كانت عزة الحلْم فهو الحليم، وإنْ كانت عزة الغضب والانتقام فهو المنتقم الجبّار، وكلُّ ألوان العزة لله تعالى: ﴿هُوَ السميع العليم﴾ [يونس: ٦٥] . وما دامت العزة هي الغلبة والقهر، فالله سبحانه يسمع من يستحق أن يُقهر منه، وما دام الأمر فيه قول فهو يجيء بالسمع، وإنْ كان فيه فعل، فهو يأتي بصفة العليم، فهو السميع لما يُقال والعليم بما يُفعل. ونحن نعلم أن المنهيَّ عنه هنا هو: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] . لذلك كان المناسب أن يقال: ﴿هُوَ السميع﴾ أولاً. ويريد الحق سبحانه أن يدلِّل على هذه القضية دلالة كونية في آيات الله تعالى في الكون، وليس في الوجود أو الكون مَنْ يقف أمامه سبحانه؛ لذلك لا بد أن نلحظ أن قانون «العزة لله جميعاً» محكوم بأن لله تعالى ما في السموات وما في الأرض. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات﴾

стр. 6947

فالحق سبحانه إذن لن يَخرج كائنٌ مَنْ كان عن ملكه. وساعة تجد الحق سبحانه يبيِّن الشيء وضده، فهو يأتي بالقانون والإطار

стр. 6948

﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤] . ومثال ذلك: حين تبع قوم فرعون موسى ﵇ وقومه، قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] . قالوا ذلك؛ لأنهم رأوا البحر أمامهم، فشاء الحق سبحانه أن يبيِّن لهم أن البحر لن يعوق مشيئته سبحانه، ولم ينفلت البحر من قوة الله تعالى؛ لأن لله ما في السموات وما في الأرض، والبحر منها؛ لذلك انفلق البحر، فكان فِرْقٍ كالطود العظيم. فلا شيء يخرج عن مُلكه سبحانه تعالى؛ ولذلك يأتي الحق سبحانه بالنقيض، فبعد أن جعل الحق سبحانه لهم مسلكاً في البحر، وكل فرْق كالطود العظيم، ويظل البحر مفلوقاً فيدخل قوم فرعون فيه. والحق سبحانه يقول لموسى ﵇: ﴿واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] . فيأمر الحق سبحانه البحر أن يعود كما كان؛ فيغرق قوم فرعون بعد أن أنجى الله موسى ﵇ ومن معه، فأهلك وأنجى بالشيء الواحد؛ لأنه سبحانه له ما في السموات وما في الأرض، وليبيِّن الحق سبحانه لنا أنه لا شيء في كون الله تعالى يقوم مقام عزته سبحانه أبداً.

стр. 6949

وهناك مثال آخر: حين يقول نوح ﵇ لابنه: ﴿يابني اركب مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢] . فيردّ الابن قائلاً: ﴿سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء﴾ [هود: ٤٣] . وهذا كلام صحيح من ناحية أن الجبل يعلو مستواه عن مستوى المياه، ولكن ابن نوح نسي أن لله تعالى جندياً آخر هو الموج؛ فكان من المغرَقين. صحيح أن ابن نوح فطن إلى أن السفينة سوف تستوي على «الجدوى» ، وأن من يركبها لن يغرق، وكذلك من يأوي إلى الجبل العالي، لكنه لم يفطن إلى الموج الذي حال بينه وبين الجبل؛ فكان من المغرقين. إذن: فكل كائن هو مؤتمر بأمر الله تعالى، وما دامت العزة لله جميعاً فمصداقها أن لله تعالى ما في السموات وما في الأرض، وليس هناك كائن في الوجود يتأبَّى على أن يكون جندياً من جنود الحق سبحانه، فيكون جندياً للإهلاك، وجندياً للنجاة في نفس الوقت. وقول الحق سبحانه هنا: (ألا) نعلم من أن (ألا) أداة تنبيه للسامع فلا يؤخذ على غرَّة ولا تفوته حكمة من حكم الكلام، وينتبه إلى أن

стр. 6950

هناك خطاباً عليه أن يجمع عقله كله ليحسن استقبال ما في هذا الخطاب. ويقول الحق سبحانه: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ [يونس: ٦٦] . ولقائل أن يقول: هناك كثير من الكائنات غير العاقلة، وقوله هنا ﴿مَن﴾ مقصود به الكائنات العاقلة؟ ولنا أن نتساءل للرَّدِّ على هذا القائل: وهل هناك أي شيء في الوجود لا يفهم عن الله؟ طبعاً لا، والله هو القائل عن الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤٥] . إذن: فكل الكائنات في عُرف الاستقبال عن الله سبحانه سواء ب «مَنْ» أو ب «ما» ، وكل من في الوجود يفهم عن الله. ونلحظ أن الحق سبحانه يأتي مرة بالقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران: ٨٣] . ومرة يقول الحق سبحانه: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ [يونس: ٦٦] . كما جاء في هذه الآية التي نحن بصددها الآن. شاء الحق سبحانه ذلك، لأن هناك جنساً في الوجود يوجد في السماء ويوجد في الأرض، وهم الملائكة المُدَبِّرَات أمْراً، هؤلاء هم المقصودون بأن لله ما في السموات والأرض.

стр. 6951

ولله أيضاً جنس في السموات لا يوجد في الأرض وهم الملائكة المهيمون العالين، وليس لهم وجود على الأرض، كما أن لله تعالى جنوداً في الأرض ليس لهم وجود في السماء، فإن لا حظنا الملائكة المدبرات أمراً، نجد أن قول الحق سبحانه: ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤] . مناسب لها. وإن لا حظنا أن لله ملائكة مهيمين في السماء، وجنوداً في الأرض لا علاقة لهم بالسماء يكون مناسباً لذلك قول الحق سبحانه: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ [يونس: ٦٦] . وما دام كل شيء في الكون مملوكاً لله تعالى فلا شيء يخرج عن مراده سبحانه، فلا يوجد مثلاً غار يدخله كائن فراراً من الله؛ لأنه سبحانه قادر على أن يسد الغار، وإن شاء الله سبحانه أن يساعد من دخل الغار فهو تعالى يعمي بصر من يرقب الغار. إذن: فلن يجير شيء على الله تعالى، وستظل له صفة العزة

стр. 6952

لا يخدشها خادش من وجود الله في الكون. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ﴾ [يونس: ٦٦] . ومعنى اتباعهم شركاء كأن هناك شركاء، رغم أن الأصل والحقيقة ألاَّ شركاء له سبحانه. إذن: فهم يتبعون غير شيء؛ والدليل على ذلك موجود في طي القضية، فهم يبعدونهم من دون الله تعالى، ومعنى العبادة أن يطاع أمر وينهى نهي، وما يعبدونه من أشياء لا أوامر لها ولا نواهي؛ فليس هناك منهج جاءوا به. إذن: فلا ألوهية لهم. إذن: فالأصل ألا شركاء لله تعالى، ولو كان له شركاء لأنزلوا منهجاً ولأوجدوا أوامر، وكان لهم نواهٍ؛ لأن الذي يقول: «اعبدني» إنما يحدد طريقة وأسلوب العبادة. وهاتوا واحداً من الذين تتبعونهم وتدعون لهم يكون له منهج، ولن يستطعيوا ذلك، ولاحق سبحانه هو القائل: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] . أي: أننا لو افترضنا أن هناك آلهة ولها مظهر قوة كالشمس التي تضيء والقمر الذي ينير، والمطر الذي ينزل من السماء، والملائكة التي تدبِّر الأمر، لو صدَّقنا أن كل هؤلاء آلهة، فهم سيبحثون عن الإله الواحد الأحد؛ ليأخذوا منه القوة التي ظننتم أنها لهم.

стр. 6953

ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] . إذ لو كان هذا الأمر صحيحاً لكانت هناك ولايات إليهة. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة﴾ [الإسراء: ٥٧] . وهم قالوا إنهم يعبدون الملائكة، وعليهم أن يعلموا أن الملائكة نفسها تعبد الله ، وما دام لا يوجد شركاء لله لتتبعوهم؛ إذن: فأنتم تتبعون الظن. لذلك جاء قول الحق سبحانه: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] . ونحن نجد الذين أولعوا بأن يُوجِدوا في القرآن ظاهر تعارض ليشكِّكوا فيه، قالوا: إن هذه الآية مثال على ذلك؛ فيقولون: في بداية الآية يقول: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ﴾ [يونس: ٦٦] . فينفي أن المشركين يتبعون شركاء لله، ثم يأتي في آخر الآية فيقول إنهم يتَّبعون الظن والخرص، ففي أولها ينفي الاتباع، وفي آخرها يثبته.

стр. 6954

وهذا جهل ممن قال بهذا وادعى أن هناك تناقضاً في الآية، فالله سبحانه ينفي أن يكون ما يدعوه هؤلاء المشركون شركاء لله في ملكه، فللَّه من في السموات ومن في الأرض، ولكنه يثبت أنهم يتَّبعون الظن والخرص والتخمين. ونقول: ما هو الظن؟ وما هو الخرص؟ إن الظن حكم بالراجح كما أوضحنا من قبل في النسب من أن هناك نسبة إنْ لم تكن موجودة فهي مشكوك فيها، أو نسبة راجحة، أو أن نسبة تساوي فيها الشك مع الإثبات، فإنْ كان الشك مساوياً للإثبات فهذا هو الشك. وإن رجحت، فهذا هو الظن. أما المرجوح فنسميه وهماً. الظن إذن حكم بالراجح. والخًَرْص: هو التخمين، والقول بلا قاعدة أو دليل. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] . والقرآن حين يوجه خطاباً فهو يأتي بالخطاب المستوعب لكل ممكن، وهو سبحانه حكم عليهم هنا أنهم يتَّبعون الظن والخرص. ونحن نعلم أن الكافرين قسمان: قسم يُعْلم حقيقة الشيء، ولكنه يغيّر الحقيقة إلى إفك وإلى خَرْص، وقسم آخر لا يعرف حقيقة الشيء، بل يستمع إلى من يعتقد أنه يعرف.

стр. 6955

إذن: فهناك مُتَّبِع بكسر الباء وهناك مُتَّبًَع بفتح الباء المُتَّبَع بفتح الباء يعلم أن ما يقوله هو كلام ملتوٍ، يشوّه الحقيقة ويزينها، أما المتّبع بكسر الباء فيظن أنه يتبع أناساً عاقلين أمناء فأخذ كلامهم بتصديق. إذن: فالمتبع (بكسر الباء) يكون الظن من ناحيته، أما المتبع (فتح الباء) فيكون الخَرْصو الكذب والافتراء من ناحيته؛ ولذلك يقول لنا الحق سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] . هؤلاء إذن يصدِّقون ما يقال لهم؛ لأنهم أميُّون، والكلام الذي يقال لهم راجح، وهم لو فكروا بعقولهم لما انتهوا إلى أنه كلام راجح. أما الآخرون فيقول فيهم الحق سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٧٩] . وهؤلاء هم الذين يأتي منهم الخَرْص والإفك وقول الزور والبهتان. إذن: فالكفار إن كانوا من الأميين فهم من أهل الظن، وينطبق عليهم قول الحق سبحانه: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [يونس: ٦٦] . وإن كانوا من القادة والرؤساء فهؤلاء هم من ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] .

стр. 6956

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾

стр. 6957

وشاء الحق سبحانه بعد أن بيَّن الإيمان والمؤمنين، وما يمكن أن يدَّعيه الكافرون في نبيِّ الرسالة، وبعد أن بيَّن المنهج، ها هو سبحانه يأتي بالكلام عن آياته سبحانه في الكون تأييداً للمطلوب بالمجود. فالمطلوب أن نؤمن برسول يبلِّغ منهجاً عن الله؛ ليكون هذا المنهج نافعاً لنا، وإنْ أراد أحد دليلاً على ذلك فلينظر إلى الآيات التي وجدت للإنسان من قبل أن يُكلِّف، أهي في مصلحته أم غير مصلحته؟ وما دامت الآيات الموجودة في الكون والمسخَّرة للإنسان تفيد الإنسان في حياته، فلماذا لا يشكر من أعطاه كل تلك النعم، وقد أعطى الحق الإنسان من قبل التكليف الكثير من النعم، وفور أن يصل إلى البلوغ يصير مكلَّفاً. إذن: فالله سبحانه لم يكلِّف أحداً إلا بعد أن غمره بالنعم النافعة له باعتقاد من العبد وصدق من الواقع. فإذا ما جاء لك التكليف، فَقِسْ ما طُلِب منك على ما وُجِد لك، فإذا كنت تعتقد أن الآيات الكونية التي سبقت التكليف نافعة لك قبل أن يطلب منك «افعل كذا» و «لا تفعل كذا» ؛ فَخُذْ منها صدقاً واقعاً يؤيد صدق ما طُلِب منك تكليفاً، فكما نفعك في الأولى، فالحق سبحانه

стр. 6958

سينفعك باتباعك التكليف، واستقبلْ حركة الحياة على ضوء هذا التكليف؛ لتسعد. ونحن نعلم أن الأصل في الإنسان أن يرتاح أولاً ليتحرك، ثم يتعب، ثم يرتاح؛ ولذلك نجد التكاليف قد جاءت على نفس المنوال، فقد أراحك الحق سبحانه إلى سن البلوغ وأخذت نعم الله تعالى وتمتعت بها إلى سن البلوغ، ارتحت اختياراً، وارتحت في مراداتك، ثم تجيء «افعل» و «لا تفعل» لتلتزم بما يُصْلِح لك كل أحوالك. وإذا كان التكليف سيأخذ منك بعضاً من الجهد، فهناك فاصل زمني للراحة، وأنت في حياتك تجد وقتاً للراحة، ووقتاً للحركة، والراحة تجعلك تسعى بنشاط إلى الحركة، والحركة تأخذ منك الجهد الذي تحب أن ترتاح بعده. إذن: فالحركة تحتاج للراحة، والراحة تحتاج للحركة. وجاء الحق سبحانه إلى الفترة الزمنية المسماة «اليوم» ، فبيَّن لنا أنه كما قسَّم الوجود الإنساني إلى مرحلتين: الأولى: هي ما قبل البلوغ ولا تكليف فيها. والثانية: هي ما بعد البلوغ وفيها التكليف. فقد قسَّم الله سبحانه أيضاً «اليوم» إلى وقت للراحة ووقت للحركة، فقال الله تعالى ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] .

стр. 6959

فكما خلق سبحانه لنا اليوم وفيه وقت للراحة، ووقت للحركة، كذلك شرع الحق سبحانه منهج الدين؛ لتستقيم حركة الحياة؛ لأن الإنسان الخليفة في الأرض لا بد أن يتحرك، لا بد أن تكون حركته على مقتضى «افعل كذا» و «لا تفعل كذا» ، وما لم يَرِدْ فيه «افعل» و «لا تفعل» فهو مباح؛ إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله. وكل فعل، وكل نهي يتطلب حركة، وإياك أن تتصور أن النهي لا يتطلب حركة؛ لأنك تتحرك في أمر ما ثم يأتيك قرار التوقف، وقد تتوهم أن التوقف لا يحتاج إلى حركة؛ لأنه سلبك ملكة القيام بما تعمل، ولكنك تنسى أن هناك حركة داخلية، وهي الدوافع التي كانت تلح عليك أن تقوم بما تشتهيه نفسك ولا يواكب منهج الله، وأنت تكبت تلك الدوافع وتكبح جماحها؛ لأن الله سبحانه قد أمرك بذلك. وما دامت هناك حركة فلا بد أن يأتي منها تعب؛ لذلك جعل الله تعالى لك حقّاً في الراحة. وكذلك عُمْر الإنسان، لم يكلِّف الله تعالى الإنسان إلا بعد البلوغ، وترك له الفترة الأولى من عمره دون تكليف منه وحساب، لكنه سبحانه لم يقطع عنه التكليف في تلك المرحلة بتاتاً، وإنما منع حسابه على ما «يفعل» أو «لا يفعل» ، وترك مسئولية التدريب على التكليف للأب مثلاً، فالأب يقول لابنه: «لا تكذبْ» فإن كذب؛ فالأب يعاقبه، وهكذا يكون الأمر من الوالد، والنهي للولد والأمر والنهي يتطلب ثواباً أو عقاباً.

стр. 6960

ويبيِّن لنا رسول الله ﷺ َ هذا الأمر فيقول: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين» . والذي يأمرهنا الابن بالصلاة هو الأب، وهو أيضاً الذي يعاقب على ترك الصلاة، وهو الذي يثيب ابنه إن أراد أن يجعل الصلاة محبوبة للابن، وأن يجعل للابن انساً بالعبادة. وحين يكلِّف الأب ابنه بالصلاة، فالابن يطيع؛ لأن الأب هو الذي يقضي حاجات الابن، ويحقق له مصالحه، والابن يعلم أن والده لن يكلفه إلا بما يحقق تلك المصالح، وهو يفعل ذلك؛ لأنه يحبه؛ لذلك جعل رسول الله ﷺ َ الأمر والنهي من النافع للابن؛ لتوجد حيثية قبول في النفس. وما إن يأت البلوغ فيكون التكليف من الله والأمر من الله، والثواب والعقاب منه سبحانه. إذن: فالأمر والنهي قبل البلوغ يأتيان من الأب؛ ليتعود الإنسان استقبال الأمر والنهي من ربه ورب أبيه. وإذا كانت الحياة والسير فيها على ضوء منهج الله يقتضي حركة في «افعل» و «لا تفعل» فلا بد أن يحتاج الإنسان إلى راحة من الحركة، لذلك يبيِّن لنا الله سبحانه أنه جعل في «اليوم» ليلاً ونهاراً، ولكلٍّ مهمة، فإياك أن تضع مهمة شيء مكان شيء آخر؛ حتى لا ترتبك الأمور، ولكن الظروف قد تضطرك إلى ذلك، فهناك من يسهر للحراسة، وهناك من يسهر للعمل في المخابز، أو إعداد طعام الإفطار للناس؛ ولذلك فهناك احتياط قدري، فقال الحق سبحانه في آية ثانية:

стр. 6961

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] . لأن الحق سبحانه قد علم أزلاً أن هناك مصالح لا يمكن إلا أن تكون ليلاً، فالذي يعمل ليلاً يرتاح نهاراً، ولو أن الآية جاءت عمومية؛ لقلنا لمن ينام بالنهار: لا، ليس هذا وقت السكن والراحة. ولكن شاء الحق سبحانه أن يضع الاحتياطيَّ القدريَّ؛ ليرتاح من يتصل عمله بالليل. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ يونس: ٦٧] . ونحن نعلم أن هناك فارقاً بين «الخَلْق» ، و «الجَعْل» ، و «المِلْك، والمثال على الخلق: أنه سبحانه خَلَق الزمن، ثم جاء لهذا الزمن ليجعل منه ليلاً ونهاراً. إذن: فالجعل هو توجيه شيء مخلوق لمهمة. ومثال ذلك ولله المثل الأعلى وهو منُزَّه عن أي تشبيه أو مثل: تجد صانع الفخَّار وهو يمسك بالطين؛ ليجعل منه إبريقاً، فهو يصنع الطين أولاً بأن يخلط الماء بالتراب ويعجنها معاً، ثم يجعل من الطين

стр. 6962

إبريقاً أو اصُصَ زرع أو زهرية ورد، وهو بذلك إنما يحوِّل مخلوقاً إلى شي له مهمة. والزمن كله لله سبحانه، جعل منه قسم الليل، وقسم النهار، مثلما خلق الإنسان، ووجَّه جزءاً منه؛ ليجعله سمعاً، وجزءاً آخر؛ ليجعله بصراً، وجزءاً آخر؛ ليصير مخاً، وجزءاً آخر؛ ليكون رئة، كل ذلك مأخوذ مما خلقه الحق سبحانه. أي: أنه سبحانه جعل أشياء مما خلق أصلاً؛ لتؤدي مهمة للمخلوق. وفي حياتنا ولله المثل الأعلى نجد من يغزل من القطن خيوطاً، وهناك من ينسج من تلك الخيوط قماشاً، وبعد ذلك نجد من يأخذ هذا القماش؛ ليجعل منه جلباباً أو بنطلوناً أو قميصاً أو لحافاً. إذن: فالجعل هو أخذ من شيء مخلوق لمهمة. والخلق قد يترتب عليه مِلْك، والجعل أيضاً قد يترتب عليه مِلْك؛ فمن عمل قِدْراً من الطين هو مالكه، ومن جعل من الطين إبريقاً إنما يملكه. وهكذا نجد الخَلْق والجَعْل قد يترتب عليهما ملكية ما، لكن الملكية المنسحبة بعد الخلق والجعل تجعلك تنتفع بالأشياء وقد لا تملكها؛ لذلك نجد قول الحق سحبانه: ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾ [يونس: ٣١] . والحق سبحانه خلق لنا الأنعام، وذلَّلها لنا، وملَّكها لنا، وإذا قال الحق سبحانه:» مِلْك «فملكيته سبحانه لا تنتهي لأحد أبداً سواء من الخلق أو الجعل، بل يَظل مملوكاً؛ ولذلك قلنا: إن نقل الأعضاء هو تحكُّم فيما لا يملكه المخلوق، بل يملكه الخالق .

стр. 6963

يذكر الحق سبحانه الليل والنهار فيقول: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] . وكان مقتضى الكلام أن يقول: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتتحركوا. وشاء سبحانه أن يأتي هنا بالأداء القرآني المعجز فقال: ﴿والنهار مُبْصِراً﴾ . فهل النهار هو الذي يُبصر أم نحن؟ هل النهار مُبصِر أم مُبصَر فيه؟ وقديماً لم يكونوا قد وصلوا إلى الحقيقة العلمية التي وصلنا إليها الآن، فقد كانوا يعتقدون أن الضوء يخرج من العين إلى المرئي فتراه، إلى أن جاء «الحسن بن الهيثم» العالم العربي المسلم، وأوضح بالتجربة أن الضوء إنما ينعكس من المرئي إلى العين، بدليل أن المرئي إن كان في النور وأنت في الظلام، فأنت تراه وإذا كان الأمر بالعكس فانت لا تراه. إذن: فقد سبق القرآن كل النظريات، وبيَّن لنا أن النهار إنما يأتي بالضوء فينعكس الضوء من الكائنات والموجودات إلى العين فتراه. إذن: فالنهار هو المبصر؛ لأنه جاء بالضوء اللازم لانعكاس هذا الضوء من المرائي إلى العيون. ونحن نجد القرآن حين يتعرض لليل والنهار يقول:

стр. 6964

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ايل والنهار﴾ [فصلت: ٣٧] . ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ اليل وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] . وهي مبصرة كما أثبت الحسن بن الهيثم العالم المسلم، وإن كانت في ظاهر الامر مُبْصَرٌ فيها. ويعطي لنا الحق سبحانه تجربة حية مع موسى ﵇، وذلك في قوله سبحانه لموسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى قَالَ أَلْقِهَا ياموسى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: ١٧٢٠] . وشاء الحق سبحانه ذلك؛ ليتعرف موسى بالتجربة على ما سوف يحدث من عصاه أمام فرعون، ثم أمام السحرة، ثقة منه سبحانه أن موسى حين يراها تنقلب إلى حية أمام عينيه لأول وهلة سوف يفزع؛ فيطمئنه الحق سبحانه بقوله: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى﴾ [طه: ٢١] وكانت المرة الأولى لتحوُّلِ العصا إلى حية، هي تجربة للاستعداد؛ حتى لا يجزع موسى ﵇ أو يخاف لحظة أن يمر بالتجربة العملية، وحتى يقبل على تقديم المعجزة وهو واثق تمام الثقة أمام فرعون.

стр. 6965

ثم قال الحق سبحانه لموسى ﵇: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] . والجيب: هو المكان الذي تنفذ منه الرقبة في الجلباب ويسمى (القبة) ، فلا يظن أحد أن الجيب المقصود هنا هو مكان وضع النقود؛ لأن مكان وضع النقود قديماً كان يوجد من داخل الجلباب، مثل جيب (الصديري) الذي يرتديه أهل الريف، وقد سُمِّي الجيب الذي نضع فيه النقود جيباً؛ لأن اليد لا تذهب إلى الجيب إلا إذا دخلت في الفتحة التي تخرج منها الرقبة. وقد قال الحق سبحانه لموسى ﵇: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ [النمل: ١٢] . ويخبره الحق سبحانه: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: ١٢١٣] . هكذا كانت الآيات مبصرة وكأنها تقول للعين: أبصريني.

стр. 6966

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] . ولم يقل: لتتحركوا فيه، بل جاء بما يضمن سلامة الحركة، فقال سبحانه: ﴿مُبْصِراً﴾ لأن الضوء الذي ينعكس على الأشياء هو الذي يحفظ للإنسان سلامة الحركة. ولكن البعض من الناس في زماننا يستخدمون نعمة الكهرباء في الإسراف في السهر، وحين يأتي الليل يسهرون حتى الصباح أمام جهاز (التلفزيون) أو (الفيديو) أو في غير ذلك من أمور الترفيه، ثم ينامون في النهار، وينسون أن الليل للرقود، والنهار للعمل. وقد ثبت أن للضوء أثراً على الأجسام، فالضوء يؤثر في الكائن الحي، وقد سبق النبي ﷺ َ ذلك الاكتشاف بزمان طويل وقال: «أطفئوا المصابيح إذا رقدتم» ؛ وذلك حتى لا ينشغل الجسم بإشعاعات الضوء التي تتسبب في تفاعلات كيماوية في الجسم. لذلك أقول دائماً: خذوا الحضارة بقواعد التحضير لها؛ لأننا يجب أن نتيح للفلاح أن يذهب إلى حقله والعامل إلى مصنعه؛ لأن السهر ضار، وإذا ادَّعى الإنسان أنه هو الذي تحضَّر، فليحترم قيمة العمل الذي يصنع الحضارة؛ لأن الآلة التي يسهر لمراقبتها ومشاهدتها هي إنتاج أناس يلتزمون بقواعد الحضارة؛ واحترام قيمة العمل في النهار، وقيمة الترفيه في الوقت المخصص. نحن نسيء استخدام أدوات الحضارة، فالزمن الذي وفَّرته الثلاجة للزوجة؛ حتى لاتقف في المطبخ نصف النهار لتعد الطعام، وصارت

стр. 6967

تطهو وجبات ثلاثة أيام وتحفظها في الثلاجة، وتستخدم الغسالة الكهربائية فتنهي الغسيل في ساعة من الزمن، لكن بقية الوقت يضيع أمام (التلفزيون) ولا تلتفت إلى تربية الأبناء. وهكذا يسيء البعض استخدام الآلات المتحضرة، وفي هذه الإساءة نوع من التخلف، فإذا أخذنا الحضارة بمنطقية فهذا هو التحضر. وعلى سبيل المثال: أقول لمن يركب سيارة: إياك أن تسرع بها في طريق متربة حتى لا يثور الغبار ويملأ صدور الناس بالحساسية. وإياك أن تهمل صيانة سيارتك حتى لا يفسد الموتور؛ ويخرج العادم الضار بصحة الناس والبيئة، فلا يسافر الإنسان في الطريق المتربة أو بسيارة غير جيدة الصاينة؛ فيصيب صدور الناس بالمرض، ويصيب الزروع ويفسد الهواء. ويجب ألاَّ نأخذ الحضارة بتلصص، إنما علينا أن نرتقي إلى مدارجها بصيانة أساليبها؛ لأن من لا يأخذ الحضارة بقواعدها هو من يتخلف رغم تقدُّم الآلة، فتصير الآلة أكثر تحضُّراً منه. إذن: فإن أخذنا كل أمر بمهمته فحن نحقق الراحة لأنفسنا ولغيرنا. ولذلك قلنا في تفسير قول الحق سبحانه: ﴿واليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى﴾ [الليل: ١٢] . وإن بدا للإنسان أن هناك تعارضاً بين غشيان الليل (أي: تغطيته للمرئيات) وتجلِّى النهار (أي: كشف المرئيات) فهذا ليس تعارضاً، بل هو التكامل؛ لأن حركة النهار تتولد من الليل، وراحة الليل تتولد من النهار. ثم يقول الحق سبحانه:

стр. 6968

﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] . وهذا الخلق للذكر والأنثى هو للتكامل، لا للتناقض، هكذا جاء الحق سبحانه بنوعين: الأول: هو الزمن ليلاً ونهاراً. والثاني: هو الإنسان ذكراً وأنثى. ويقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ٤] . أي: أن حركتكم هي الموصِّلة إلى غايتكم، والحركات شتى (أي: مختلفة) ، سواء في الليل أو النهار أو للذكر أو للأنثى، فإن خلطنا الحركة وعبثنا بأنظمة الحياة، فالحياة ترتبك، ونعاني من مرارة التجربة إلىأن تتعقد الأمور، فنبحث لها عن حلول. وقد نادينا أن تعمل المرأة نصف الوقت لتعطي البيت بعضاً من الوقت، أو أن تعتني بالبيت إن كان لها ما يكفيها من دخل، أو كان لزوجها ما يكفي لحياة الأسرة، ولكن أحداً لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد مرارة التجارب. وهناك مثال آخر: في قول البعض أن الليل في تلك البلاد المتحضِّرة لا ينتهي وأنت تجد السهر هناك حتى الصباح، وعندما أسمع مثل هذا القول أقول: إن هذا ليس في مصلحة سكان تلك البلاد؛ لأن الليل يجب أن يكون سباتاً لتأتي الحركة المنتجة في النهار.

стр. 6969

إذن: فالآفة أن تنقل مهمة نوع إلى مهمة نوع آخر، سواء أكان في الزمان أو في الإنسان، واقرأ جيداً قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ٤] . فكل فرد من أفراد الكون له مهمة وله سعي يختلف عن سعي الآخرين. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يُنهي الحق سبحانه الآية فيقول: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧] . ولقائل أن يقول: لم يقل «إن في ذلك لآيات لقوم يبصرون» . ونقول: لننتبه إلى أن الحق سبحانه حين يتكلم عن زمان فهو يبيِّن في هذا الزمان مهمته، وهو القائل في صدر الآية ووسطها: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] . فالعلَّة في هذه الآية هي سكون الليل، لا حركة النهار، والعين في الليل لا تؤدي مهمتها، بل السمع هو الذي يؤدي مهمته. والحق سبحانه هو القائل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] . أي: أن أحداً لن يستطيع الحركة في مثل هذا الليل السرمدي ولا أحد سيتبيَّن شيئاً.

стр. 6970

والحق سبحانه هو القائل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢] . إذن: فقد جاء الحق سبحانه في آية الليل بالسمع، وجاء في آية النهار بالأبصار، وبعد أن تكلم الله سبحانه عن مجال الحركة بالنهار والراحة في الليل، يأتي الكلام عن الينبوع الذي يجب أن تَصْدُرَ عنه الحركة أو السكون، وهو ضرورة الامتثال لأمر إله واحد حتى لا تصطدم حركتك بآمر إله آخر يقول ما يناقض حركة الإله الأول. وكما تتحرك في النهار، وترتاح في الليل لا بد أن تكون حركتك صادرة عن أمر واحد، هذا الأمر الواحد صادر من الآمر الواحد، وهو الله تعالى الذي تعبده بلا شريك، ومن يقول بغير ذلك إنما يربك حركة الحياة. والله سبحانه يقول: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] . ولذلك يقول الله سبحانه بعد ذلك: ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ﴾
следующие страницы →