← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

والحق سبحانه هنا يضرب المثل النازل كسيل من السماء على الجبال، فيأخذ كل وادٍ أسفل الجبال على قدر احتماله، ويرتوى الناس، وترتوي الأرض، لكن السيل في أثناء نزوله على الجبال إنما يحمل بعضاً من الطمي، والقش، ويستقر الطمي في أرض الأودية؛ لتستفيد منه، أما القش والقاذورات فتطفو على سطح الماء، وتسمى تلك الأشياء الطافية زَبَداً، وساعة تضعها في النار، فهي تصدر أصواتاً تسمى (الطشطشة) . ومثال ذلك: حين نوقد النار؛ لنصهر الحديد، نجد الخبث هو الذي يطفو، ويبقى الحديد النقي في القاع. هذا الزبد الذي وجد فوق الماء ينزاح على الجوانب، ومثال ذلك: ما نراه على شواطىء البحر حين يقذف الموج بقاذورات على الشاطىء، هذه القاذورات التي ألقتها البواخر، فيلفظها البحر بالموج، وهذا الزبد يذهب جُفاءً، أما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض؛ لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل﴾ [الرعد: ١٧] . إذن: فالله سبحانه يترك للباطل مجالاً، ولكن لا يسلم له الحق، بل يترك الباطل؛ ليحفز غيرة الناس على الحق، فإن لم يغاروا على الحق غار هو عليه. وهنا يقول الله : ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قالوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] . ولأنهم كانوا مشهورين بالسحر؛ ظنوا أن الآيات التي جاءت مع موسى ﵇ هي السحر المبين، أي: السحر الظاهر الواضح.

стр. 7037

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ﴾

стр. 7038

وفي هذه الآية ما يوضح رد سيدنا موسى ﵇: ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا﴾ [يونس: ٧٧] . والذين يتوركون على القرآن يقولون: كيف يأتي القرآن ليؤكد أنهم قالوا إن هذا لسحر مبين، ثم يأتي في الآية التي بعدها ليقول إنهم قالوا متسائلين: أسحرٌ هذا؟ وفَهِم هؤلاء الذين يتوركون على القرآن أن كلمة ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾ من كلماتهم، ولكن هذا هو قول موسى ﵇، وكأن موسى ﵇ قد تساءل؛ ليعيدوا النظر في حكمهم: هل ما جاء به سحر؟ وهذا استفهام استنكاري، وأريد به أن يؤكد أن هذا ليس بسحر، ولكن جاء بصيغة التساؤل؛ لأنه واثق أن الإجابة الأمينة ستقول: إن ما جاء به ليس سحراً. ولو جاء كلام موسى ﵇ كمجرد خَبَر لكان يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، لكنه جاء بصيغة الاستفسار؛ لأن المكذِّب له سيجيب بلجلجة. ومثال ذلك ولله المثل الأعلى أنت حين تذهب لشراء قماش، فيقول لك البائع: إنه صوف خالص ونقي، فتمسك بعود كبريت وتشعل

стр. 7039

النار في خيط من القماش، فإن احترق الصوف كما يحترق البلاستيك أو القماش الصناعي، فأنت تقول للبائع: وهل هذا صوف نقي يا رجل؟ وهنا لن يجيب البائع إلا بالموافقة، أو بصمت العاجز عن حجب الحقيقة. إذن: أنت إن طرحت الأمر بستفهام إنكاري فهذا أبلغ من أن تقوله كخبر مجرد؛ لأن السامع لك لا بد أن يجيب. وقول الحق على لسان موسى ﵇: ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ﴾ [يونس: ٧٧] . يفيد ضرورة النظر إلى الحق مجرداً عمَّن جاء به. ولذلك لم يقل موسى ﵇: أتقولون للحق لما جئناكم به: إنه سحر مبين؟ إن القول الحكيم الوارد في الآية الكريمة هو تأكيد على ضرورة النظر إلى الحق مجرداً عمّن جاء به. وينهي الحق سبحانه هذه الآية بقوله: ﴿أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون﴾ [يونس: ٧٧] . إذن: فسيدنا موسى ﵇ قد أصدر الحكم بأن السحر لا ينفع، ولكن الآيات التي جاء بها من الحق سبحانه قد أفلحت، فقد ابتلعت عصاه التي صارت حية كل ما ألقوه من حبالهم؛ وكل ما صنعوه من سحر.

стр. 7040

وأراد الحق سبحانه لعصا موسى أن تكون آية معجزة من جنس ما نبغ فيه القوم. فالله سبحانه حين يرسل معجزةً إلى قوم؛ يجعلها من جنس ما نبغوا فيه؛ لتكون المعجزة تحدياً في المجال الذي لهم به خبرة ودربة ودراية؛ فأنت لن تتحدى رجلاً لا علم له بالهندسة؛ ليبنى لك عمارة، ولكنك تتحدى مهندساً أن يبني لك هرماً؛ لأن العلوم المعاصرة لم تتوصل إلى بعض ما اكتشفه القدماء ولم يسجلوه في أوراقهم، أو لم يعثر على كشف يوضح كيف فرَّغوا الهواء بين كل حجر وآخر فتماسكت الحجارة. وقول الحق هنا: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون﴾ [يونس: ٧٧] . يبين لنا أن الفلاح مأخوذ من العملية الحسية التي يقوم بها الفلاح من جهد في حرث الأرض ووضع البذور، وري الأرض وانتظار الثمرة بعد بذل كل ذلك الجهد. والفلاح أيضاً مأخوذ من فلح الحديد، أي: شق الحديد، ككتل أو كقطع، ولا يصلح إلا إذا أخذ الحديد الشكل المناسب للاستعمال. وقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون﴾ [يونس: ٧٧] . هو لَفْتٌ لنا أن السحر نوع من التخييل، وليس حقيقةً واقعةً. ولذلك قال الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن.

стр. 7041

﴿سحروا أَعْيُنَ الناس﴾ [الأعراف: ١١٦] . وقال الحق سبحانه أيضاً: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: ٦٦] . إذن فالسحر هو تخييل فقط وليس تغييراً للحقيقة. ولأن معجزة موسى ﵇ تحدَّت كل القدرات؛ لذلك أعلن فرعون التعبئة العامة بين كل من له علاقة بالسحر، الذي هم متفوقون فيه، أو حتى من لهم شبهة معرفة بالسحر. ولأن السحر مجرد تخييل، وجدنا السحرة حين اجتمعوا وألقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقى موسى عصاه، فإذا بعصاه قد تحولت إلى حية تلقف ما صنعوا، وهنا ماذا فعل السحرة؟ يقول الحق في سورة طه: ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً قالوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] . لأن الساحر يرى ما يفعله على حقيقته، وهم خيَّلوا لأعين الناس، لكنهم يرون حبالهم مجرد حبال أو عصيهم مجرد عصى.

стр. 7042

أما عصا موسى ﵇ فلم تكن تخييلاً، بل وجدها السحرة حية حقيقية، ولقفت بالفعل ما صنعوا؛ ولذلك خرُّوا ساجدين، وأعلنوا الإيمان برب موسى وهارون. هم إذن لم يعلنوا الإيمان بموسى وهارون، بل أعلنوا الإيمان: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٧٠] . لأنهم عرفوا بالتجربة أن ما ألقاه موسى ليس سحراً، بل هو مِنْ فعل خالق أعلى. وكان ثبات موسى ﵇ في تلك اللحظة نابعاً من التدريب الذي تلقَّاه من ربه، فقد سأله الحق سبحانه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾ [طه: ١٧١٨] . وقد أجمل موسى وفصَّل في الرد على الحق سبحانه؛ إيناساً وإطالة للأنس بالله تعالى، وحين رأى أنه أطال الإيناس أوجز وقال بأدب: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] . إذن: فقد أدركته أولاً شهوة الأنس بالله تعالى، وأدرك ثانياً أدب التخاطب مع الله تعالى، ودرَّبه الحق سبحانه على مسألة العصا حين أمره

стр. 7043

أولاً أن يلقيها، فصارت أمامه حية تسعى، ولو كانت من جنس السحر لما أوجس منها خيفة ولرآها مجرد عصا. إذن: فالفرق بين معجزة موسى وسحرة فرعون، أن سحرة فرعون سحروا أعين الناس وخُيِّل إلى الناس من سحرهم أن عصيَّهم وحبالهم تسعى، لكن معجزة موسى ﵇ في إلقاء العصا، عرفوا هم بالتجربة أن تلك العصا قد تغيرت حقيقتها. والعصا كما نعلم أصلها فرع من شجرة، وكان باستطاعة الحق أن يجعلها تتحول إلى شجرة مثمرة، لكنها كانت ستظل نباتاً. وشاء الحق سبحانه أن ينقلها إلى المرتبة الأعلى من النبات؛ وهي المرحلة الحيوانية، فصارت حية تلقف كل ما ألقاه السحرة. ويقول الحق سحبانه بعد ذلك: ﴿قالوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا﴾

стр. 7044

وهنا نجد سحرة فرعون ينسبون مجيء معجزة تحول العصا إلى حية، ينسبونها لموسى ﵇ رغم أن موسى ﵇ قد نسب مجيء المعجزة إلى الله تعالى. وكان واجب المرسل إليه فرعون وملئه أن ينظر إلى ما جاء به الرسول، لا إلى شخصية الرسول. ولو قال فرعون لموسى: «جيْءَ بك» لكان معنى ذلك أن فرعون يعلن الإيمان بأن هناك إلهاً أعلى، ولكن فرعون لم يؤمن لحظتها؛ لذلك جاء قوله: ﴿أَجِئْتَنَا﴾ فنسب المجيء على لسان فرعون لموسى ﵇. ولماذا المجيء؟ يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: ٧٨] . والالتفات هو تحويل الوجه عن شيء مواجه له، وما دام الإنسان بصدد شيء؛ فكل نظره واتجاهه يكون إليه، وكان قوم فرعون على فساد وضلال، وليس أمامهم إلا ذلك الفساد وذلك الضلال. وجاء موسى ﵇؛ ليصرف وجوههم عن ذلك الفساد والضلال، فقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: ٧٨] .

стр. 7045

وهكذا يكشفون حقيقة موقفهم، فقد كانوا يقلدون آباءهم، والتقليد يريح المقلِّد، فلا يُعْمِل عقله أو فكره في شيء ليقتنع به، ويبني عليه سلوكه. والمثل العامي يصور هذا الموقف بعمق شديد حين يقول: «مثل الأطرش في الزفة» أي: أن فاقد السمع لا يسمع ما يقال من أي جمهرة، بل يسير مع الناس حيث تسير؛ ولا يعرف له اتجاهاً. والمقلِّد إنما يعطل فكره، ولا يختار بين البدائل، ولا يميز الصواب ليفعله، ولا يعرف الخطأ فيتجنَّبه. وفرعون وملؤه كانوا على ضلال، هو نفس ضلال الآباء، والضلال لا يكلف الإنسان تعب التفكير ومشقة الاختيار، بل قد يحقق شهوات عاجلة. أما تمييز الصواب من الخطأ واتباع منهج السماء، فهو يحجب الشهوة، ويلزم الإنسان بعدم الانفلات عكس الضلال الذي يطيل أمد الشهوة. إذن: فالمقلد بين حالتين: الحالة الأولى: أنه لا يُعْمِل عقله، بل يفعل مثل من سبقوه، أو مثل من يحيا بينهم.

стр. 7046

والحالة الثانية: أنه رأى أن ما يفعله الناس لا يلزمه بتكليف، ولكن الرسول الذي يأتي إنما يلزمه بمنهج، فلا يكسب على سبيل المثال إلا من حلال، ولا يفعل منكراً، ولا يذم أحداً، وهكذا يقيد المنهج حركته، لكن إن اتبع حركة آبائه الضالين، فالحركة تتسع ناحية الشهوات. ولذلك أقول دائماً: إن مسألة التقليد هذه يجب أن تلفت إلى قانون التربية، فالنشء ما دام لم يصل إلى البلوغ فأنت تلاحظ أنه بلا ذاتية ويقلد الآباء، لكن فور أن تتكون له ذاتية يبدأ في التمرد، وقد يقول للآباء: أنتم لكم تقاليد قديمة لا تصلح لهذا الزمان، لكن إن تشرَّب النشء القيم الدينية الصحيحة؛ فسيمتثل لقانون الحق، ويحجز نفسه عن الشهوات. ونحن نجد أبناء الأسر التي لا تتبع منهج الله في تربية الأبناء وهم يعانون من أبنائهم حين يتسلط عليهم أقران السوء، فيتجهون إلى ما يوسع دائرة الشهوات من إدمان وغير ذلك من المفاسد. لكن أبناء الأسر الملتزمة يراعون منهج الله تعالى؛ فلا يقلدون آحداً من أهل السوء؛ لأن ضمير الواحد منهم قد عرف التمييز بين الخطأ والصواب. ثم إن تقليد الآباء قد يجعل الأبناء مجرد نسخ مكررة من آبائهم، أما تدريب وتربية الأبناء على إعمال العقل في كل الأمور، فهذه هي التنشئة التي تتطور بها المجتمعات إلى الأفضل إن اتبع الآباء منهج الله تعالى، وتتكون ذاتية الابن على ضوء منهج الحق سبحانه، فلا يتمرد الابن متهجاً إلى الشر، بل قد يتمرد إلى تطوير الصالح ليزيده صلاحاً. التقليد إذن يحتاج إلى بحث دقيق؛ لأن الإنسان الذي سوف تقلده، لن يكن مسئولاً عنك؛ لأن الحق هو القائل:

стр. 7047

﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان: ٣٣] . إذن: فأمر الابن يجب أن يكون نابعاً من ذاته، وكذلك أمر الأب، وعلى كل إنسان أن يُعْمِل عقله بين البدائل. ولذلك تجد القرآن الكريم يقول على ألسنة مَنْ قلَّدوا الآباء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ [البقرة: ١٧٠] . ثم يرد عليهم الحق سبحانه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] . فإذا كانت المسألة مسألة تقليد، فلماذا يتعلم الابن؟ ولماذا لا ينام الأبناء على الأرض ولا يشترون أسرَّة؟ ولماذا ينجذبون إلى التطور في الأشياء والأدوات التي تسهِّل الحياة؟ فالتقليد هو إلغاء العقل والفكر، وفي إلغائهما إلغاء التطور والتقدم نحو الأفضل. إذن: فالقرآن يحثنا على أن نستخدم العقل؛ لنختار بين البدائل، وإذا كان المنهج قد جاء من السماء، فَلْتهْتدِ بما جاء لك ممن هو فوقك، وهذا الاهتداء المختار هو السُّمو نحو الحياة الفاضلة.

стр. 7048

يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ [المائدة: ١٠٤] أي: أنهم أعلنوا أنهم في غير حاجة للمنهج السماوي فَردَّ عليهم القرآن: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] . وهكذا نجد أن القرآن قد جاء بموقفين في آيتين مختلفتين عن المقلّدين: الآية الأولى: هي التي يقول فيها الحق : ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] . والآية الثانية: هي قول الحق : ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] . وهم في هذه الآية أعلنوا الاكتفاء بما كان عليه آباؤهم. وهناك فارق بين الآيتين، فالعاقل غير من لا يعلم؛ لأن العاقل قادر على الاستنباط، ولكن من لا يعلم فهو يأخذ من استنباط غيره.

стр. 7049

إذن: فالذين اكتفوا بما عند آبائهم، وقالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ [المائدة: ١٠٤] . هؤلاء هم الذين غالوا في الاعتزاز بما كان عند آبائهم؛ لذلك جاء في آبائهم القول بأنهم لا يعلمون. أي: ليس لهم فكر ولا علم على الإطلاق، بل يعيشون في ظلمات من الجهل. وهنا يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه: ﴿قالوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء فِي الأرض﴾ [يونس: ٧٨] . أي: هل جئت لتصرفنا، وتحوِّل وجوهنا أو وجهتنا أو طريقنا وتأخذنا عن وجهة آبائنا الذين نقلدهم؛ لتأخذ أنت وأخوك الكبرياء في الأرض؟ وهكذا يتضح أنهم يعتقدون أن الكبرياء الذي لهم في الأرض قد تحقق لهم بتقليدهم آباءهم، وهم يحبون الحفاظ عليه، والأمر هنا يشمل نقطتين: الأولى: هي تَرْكُ ما وجدوا عليه الآباء. والثانية: هي الكبرياء والعظمة في الأرض. ومثال ذلك: حين يقول مقاتل لآخر: «ارْمِ سيفك» وهي تختلف عن قوله: «هات سيفك» ، فَرَمْيُ السيف تجريد من القوة، لكن أخذ السيف يعني إضافة سيف آخر إلى ما يملكه المقاتل الذي أمر بذلك.

стр. 7050

وهم هنا وجدوا في دعوة موسى ﵇ مصيبة مركبة. الأولى: هي ترك عقيدة الآباء. والثانية: هي سلب الكبرياء، أي: السلطة الزمنية والجاه والسيادة والعظمة والائتمار، والمصالح المقضية، فكل واحد من بطانة الفرعون يأخذ حظه حسب اقترابه من الفرعون. ولذلك أعلنوا عدم الإيمان، وقالوا ما يُنهي به الحق سبحانه الآية الكريمة الي نحن بصددها: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] . أي: أن قوم فرعون والملأ أقرُّوا بما حرصوا عليه من مكاسب الدنيا والكبرياء فيها، ورفضوا الإيمان بما جاء به موسى وهارون ﵉. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتوني﴾

стр. 7051

وكان فرعون يعلم تقدُّم السحرة في دولته، ويكفي أنه شخصياً خَيَّل للناس أنه إله، وجاء أمره أن يأتي أعوانه بالسحرة، وفور أن قال الأمر جيء بالسحرة. وأورد الحق سبحانه في الآية التي بعد ذلك. ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة﴾

стр. 7052

وكأن المسافة بين نطق فرعون بالأمر وبين تنفيذ الأمر هي أضيق مسافة وقتية، وذلك حتى نفهم أن أمر صاحب السلطان لا يحتمل من الناس التأجيل أو التباطؤ في التنفيذ. والقرآن حينما يعالج أمراً من الأمور فهو يعطي صورة دقيقة للواقع، ولا يأتي بأشياء تفسد الصورة. يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] . وفي هذه الآية تلخيص للموقف كله، فحين علم السحرة أن فرعون يحتاجهم في ورطة تتعلق بالحكم، فهذه مسألة صعبة وقاسية، وعليهم أن يسرعوا إليه. ولم يأت الحق سبحانه هنا بالتفصيل الكامل لذلك الموقف؛ لأن القصة تأتي بنقاطها المختلفة في مواضع أخرى من القرآن، وكل آية توضح النقطة التي تأتي بذكرها. لذلك لم يقل الحق سبحانه هنا: إن أعوان فرعون نادوا في المدائن ليأتي السحرة، مثلما جاء في مواضع أخرى من القرآن.

стр. 7053

ولم يقل لنا إن السحرة أرادوا أن يستفيدوا من هذه المسألة، وقالوا للفرعون: ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين﴾ [الأعراف: ١١٣] . ووَضْع مثل هذا الشرط يوضح لنا طبيعة العلاقات في ذلك المجتمع، فطلبهم للأجر، يعني أن عملهم مع الفرعون من قبل ذلك كان تسخيراً وبدون أجر، ولما جاءتهم الفرصة ورأوا الفرعون في ازمة؛ طالبوا بالأجر. ووعدهم فرعون بالأجر، وكذلك وعدهم أن يكونوا مقرَّبين؛ لأنهم لو انتصروا بالسحر على معجزة موسى؛ ففي ذلك العمل محافظة وصيانة للمُلْك، ولا بد أن يصبحوا من البطانة المستفيدة، ووعدهم الفرعون بذلك شحذاً لهمتهم ليبادروا بإبطال معجزة موسى؛ ليستقر عرش الفرعون. وشاء الحق سبحانه الإجمال هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وجاء ببقية اللقطات في المواضع الأخرى من القرآن. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] .

стр. 7054

وألقى السحرة عِصيَّهم وحبالهم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ موسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر﴾

стр. 7055

ونحن نعلم أن الحق سبحانه هنا شاء الإجمال، ولكنه بيَّن بالتفصيل ما حدث، في آية أخرى، قال فيها سبحانه عن السحرة: ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: ١١٥] . ونحن نعلم أن المواجهة تقتضي من كل خصم أن يدخل بالرعب على خصمه؛ ليضعف معنوياته. وهنا أوضح لهم موسى ﵇ أن ما أتوا به هو سحر ومجرد تخييل. وقد أعلم الحق سبحانه نبيه موسى ﵇ أن عصاه ستصير حية حقيقية، بينما ستكون عصيهم وحبالهم مجرد تخييل للعيون. وقال لهم موسى ﵇ حكم الله تعالى في ذلك التخييل: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين﴾ [يونس: ٨١] .

стр. 7056

وهكذا جاء القول الفصل الذي أنهى الأمر وأصدر الحكم فيما فعل فرعون ومَلَؤُه والسحرة، فكل أعمالهم كانت تفسد في الأرض، ولولا ذلك لما بعث الله سبحانه إليهم رسولاً مؤيَّداً بمعجزة من صنف ما برعوا فيه، فهم كانوا قد برعوا في السحر، فأرسل إليهم الحق سبحانه معجزة حقيقية تلتهم ما صنعوا، فإن كانوا قد برعوا في التخييل، فالله سبحانه خلق الأكوان بكلمة «كُنْ» وهو سبحانه يخلق حقائق لا تخييلات. ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَيُحِقُّ الله الحق بِكَلِمَاتِهِ﴾

стр. 7057

فالمسألة التي يشاؤها سبحانه تتحقق بكلمة «كن» فيكون الشيء. وقوله : ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . و «كن فيكون» عبارة طويلة بعض الشيء عند وقوع المطلوب، ولكن لا توجد عبارة أقصر منها عند البشر؛ لأن الكاف والنون لهما زمن، وما يشاؤه الله سبحانه لا يحتاج منه إلى زمن، والمراد من الأمر «كن» أن الشيء يوجد قبل كلمة «كن» ؛ لأن كل موجود إنما يتحقق ويبرز بإرادة الله تعالى. ويريد الحق سبحانه هنا أن يبيِّن لنا أن الحق إنما يأتي على ألسنة الرسل، ومعجزاتهم دليل على رسالتهم؛ ليضع أنوف المجرمين في الرَّغام،

стр. 7058

وليريح العالم من إضلالهم ومن مفاسدهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾

стр. 7059

وإذا كان السحرة وهم عُدَّة فرعون وعتاده لمواجهة موسى أعلنوا الإيمان، فعاقبهم الفرعون وقال: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] . فهذا يدل على أن فكرة الألوهية كانت ما تزال مسيطرة على عقله؛ ولذلك خاف الناس من إعلان الإيمان؛ ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ﴾ [يونس: ٨٣] . وكلمة «ذرية» تفيد الصغار الذين لم تلمسهم خميرة من الفساد الذي كان منتشراً، كما أن الصغار يتمتعون بطاقة من النقاء، ويعيشون في خُلُوٍّ من المشاكل، ولم يصلوا إلى مرتبة السيادة التي يُحْرَصُ عليها، ومع ذلك فهم قد آمنوا:

стр. 7060

﴿على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: ٨٣] . وكلمة ﴿على خَوْفٍ﴾ تفيد الاستعلاء، مثل قولنا: «على الفرس» أو «على الكرسي» ويكون المستعلي في هذه الحالة متمكّناً من المستعلى عليه «؛ ومن يستعلي إنما يركب المستعلي، ويحمل المستعلي العبء. ولكن من استعمالات» على «أنها تأتي بمعنى» مع «. ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] . أي: يطعمون الطعام مع حبه. وحين يأتي الحق سبحانه بحرف مقام حرف آخر فلا بد من علة لذلك. ومثال ذلك هو قول الحق : ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] . جاء الحق سبحانه بالحرف» في «بدلاً من» على «؛ ليدل على أن عملية الصلب ستكون تصليباً قوياً، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب فيه. وكذلك قول الحق :

стр. 7061

﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] . فكأنهم هم المستعلون على الحب؛ ليذهب بهم حيث يريدون. وكذلك قول الحق : ﴿على خَوْفٍ﴾ [يونس: ٨٣] . أي: أنهم فوق الخوف يسير بهم إلى دهاليز توقُّع الآلام. وهم هنا آمنوا: ﴿على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣] . والكلام هنا من الحق الأعلى سبحانه يبيِّن لنا أن الخوف ليس من فرعون؛ لأن فرعون إنما يمارس التخويف بمن حوله، فمثلهم مثل زُوَّار الفجر في أي دولة لا تقيم وزناً لكرامة الإنسان. وفرعون في وضعه ومكانته لا يباشر التعذيب بنفسه، بل يقوم به زبانيته. والإشارة هنا تدل على الخوف من شيعة فرعون وملئهم. وقال الحق سبحانه هنا: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ ، ولم يقل:» يفتنوهم «؛ ليدلنا على ملحظ أن الزبانية لا يصنعون التعذيب لشهوة عندهم، بل يمارسون التعذيب لشهوة عند الفرعون.

стр. 7062

وهكذا جاء الضمير مرة جمعاً، ومرة مفرداً، ليكون كل لفظ في القرآن جاذباً لمعناه. وحين أراد المفسرون أن يوضحوا معنى (ذرية) قالوا: إن المقصود بها امرأة فرعون (آسية) ، وخازن فرعون، وامرأة الخازن، وماشطة فرعون، ومَنْ آمن مِنْ قوم موسى ﵇ وكتم إيمانه. كل هؤلاء منعتهم خشية عذاب فرعون من إعلان الإيمان برسالة موسى؛ لأن فرعون كان جَبَّاراً في الأرض، مدّعياً للألوهية، وإذا ما رأى فرعون إنساناً يخدش ادعاءه للألوهية؛ فلا بد أن يبطش به بطشة فاتكة. لذلك كانوا على خوف من هذا البطش، فقد سبق وأن ذبح فرعون بواسطة زبانيته أبناء بني إسرائيل واستحيا نساؤهم، وهم خافوا من هولاء الزبانية الذي نفَّذوا ما أراده فرعون. ولذلك جاء الضمير مرة تعبيراً عن الجمع في قوله : ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: ٨٣] . وجاء الضمير مفرداً معبراً عن فرعون الآمر في قوله : ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣] .

стр. 7063

فهم خافوا أن يفتنهم فرعون بالتعذيب الذي يقوم به أعوانه. والحق هو القائل: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين﴾ [يونس: ٨٣] . والمسرف: هو الذي يتجاوز الحدود، وهو قد تجاوز في إسرافه وادَّعى الألوهية. وقد قال الحق سبحانه ما جاء على لسان فرعون: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] . وقال الحق سبحانه أيضاً: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . وعلا فرعون في الأرض علوَّ طاغية من البشر على غيره من البشر المستضعفين. وقال الحق سبحانه على لسان فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي﴾ [الزخرف: ٥١] . إذن: فقد كان فرعون مسرفاً أشد الإسراف. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ موسى ياقوم﴾

стр. 7064

وهنا شرطان، في قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله﴾ [يونس: ٨٤] . وجاء جواب هذا الشرط في قوله سبحانه: ﴿فَعَلَيْهِ توكلوا﴾ [يونس: ٨٤] . ثم جاء بشرط آخر هو: ﴿إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] . وهكذا جاء الشرط الأول وجوابه، ثم جاء شرط آخر، وهذا الشرط الآخر هو الشرط الأول وهو الإسلام لله؛ لأن الإيمان بالله يقتضي الإسلام وأن يكونوا مسلمين. ومثال ذلك في حياتنا: حين يريد ناظر إحدى المدارس أن يعاقب تلميذاً خالف أوامر المدرسة ونظمها، ويستعطف التليمذ الناظر، فيرد الناظر على هذا الاستعطاف بقوله: «إن جئت يوم السبت القادم قَبِلتك في المدرسة إن كان معك وليُّ أمرك؛ ومجيء ولي الأمر هنا مرتبط بالموعد الذي حدده الناظر لعودة التلميذ لصفوف الدراسة، وهكذا نجد أن الشرط الآخر مرتبط بالشرط الأول. وهنا يتجلَّى ذلك في قول الحق سبحانه: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] . والإيمان كما نعلم عملية وجدانية قلبية، والإسلام عملية ظاهرية، فمرة ينفذ الفرد تعاليم الإسلام، وقد ينفك مرة أخرى من

стр. 7065

تنفيذ التعاليم رغم إيمانه بالله، ومرة تجد واحداً ينفذ تعاليم الإسلام نفاقاً من غير رصيد من إيمان. ولذلك نجد الحق يقول: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥] . ونجده سبحانه يبيِّن هذا الأمر بتحديد قاطع في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] . والإيمان عملية قلبية؛ لذلك يأتي الأمر الإلهي: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . أي: أنكم تؤدون فروض الإسلام الظاهرية، لكن الإيمان لم يدخل قلوبكم بعد. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا﴾ [يونس: ٨٤] . وهكذا نرى أن التوكل مطلوب الإيمان، وأن يُسلم الإنسان زمامه في كل أمر إلى مَنْ آمن به؛ ولذلك لا ينفع الإيمان إلا بالإسلام، فإن كنتم مسلمين مع إيمانكم فتوكلوا على الله تعالى. لكن إن كنتم قد آمنتم فقط ولم تسلموا الزمام لله في التكاليف إلى الله في» افعل «و» لا تفعل «، فهذا التوكل لا يصلح. وهكذا يتأكد لنا ما قلناه من قبل من أنك إذا رأيت أسلوباً فيه شرط تقدم، وجاء جواب بعد الشرط، ثم جاء شرط آخر، فاعلم أن الشرط

стр. 7066

الأخير هو المقدَّم، لأنه شرط في الشرط الأول، وبالمثل هنا فإن التوكل لن ينشأ إلا بالإسلام مع الإيمان. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا﴾

стр. 7067

أي: أنهم استجابوا لدعوة موسى ﵇ بمجرد قولهم: ﴿على الله تَوَكَّلْنَا﴾ . وإذا تقدم الجار على المجرور فمعنى ذلك قَصْر وحَصْر الأمر، وهنا قصر وحصر التوكل على الله تعالى، ولا توكل على سواه. ويأتي بعد ذلك دعاؤهم: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [يونس: ٨٥] . والفتنة: اختبار، وهي كما قلنا من قبل ليست مذمومة في ذاتها، بل المذموم أن تكون النتيجة في غير صالح من يمر بالفتنة. ويقال: فتنت الذهب، أي: صهرت الذهب، واستخلصته من كل

стр. 7068

الشوائب، ونحن نعلم أن صُنَّاع الذهب يخلطونه بعناصر أخرى؛ ليكون متماسكاً؛ لأن الذهب غير المخلوط بعناصر أخرى لا يتماسك. والفتنة التي قالوا فيها: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [يونس: ٨٥] . هي فتنة الخوف من أن يرتد بعضهم عن الإيمان لو انتصر عليهم فرعون وعذَّبهم، وكأنهم يقولون: يا رب لا تسلّط علينا فرعون بعذاب شديد. هذا إن كانوا مفتونين، فماذا إن كانوا هم الفاتنين؟ إنهم في هذه الحالة لو لم يتبعوا الدين التتبع الحقيقي لما علم فرعون وآله أن هؤلاء الذين أعلنوا الإيمان هم مسلمون بحق، وهم لو انحرفوا عن الدين لقال عنهم آل فرعون: إنهم ليسوا أهل إيمان حقيقي. ونجد سيدنا إبراهيم ﵇ وهو أبو الأنبياء وله قدره العظيم في النبوة، يقول: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الممتحنة: ٥] . ودعوة إبراهيم ﵇ تعلمنا ضرورة التمسك بتعاليم الدين؛ حتى لا ينظر أحد إلى المسلم أو المؤمن ويقول: هذا هو من يعلن الإيمان ويتصرف عكس تعاليم دينه. ولذلك كان سيدنا إبراهيم ﵇ يؤدي الأوامر بأكثر مما يطلب منه، ويقول فيه الحق سبحانه: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] . أي: أنه كان يتم كل عمل بنية وإتقان؛ لأنه أسوة، فلم يقم بعمل

стр. 7069

إيماني بمظهر سطحي. إذن: فإن كانوا هم المفتونين، فهم يدفعون الفتنة عن أنفسهم، وإن كانوا هم الفاتنين؛ فعليهم التمسك بتعاليم الدين؛ حتى لا يتهمهم أحد بالتقصير في أمور دينهم، فيزداد الكافرون كفراً وضلالاً. وجاء قول الحق سبحانه: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [يونس: ٨٥] . ليدل على انشغالهم بأمر الدين، فاتنين أو مفتونين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾

стр. 7070

وهنا توضح الآية الكريمة أنهم إن كانوا مشغولين بأمر الغير من الكافرين فهذا يعني أنهم طمعوا في إيمان العدو؛ لعل هذا العدو يعود إلى رشد الإيمان. ورسول الله ﷺ َ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . وهم أرادوا إيمان العدو رغم أنه ظالم. وهكذا يعلّم الحق الخلق أنه من حُمْق العداوة أن يدعو الإنسان على عدوِّه بالشر؛ لأن الذي يتعبك من عدوك هو شرُّه، ومن صالحك أن تدعو له بالخير؛ لأن هذا الخير سيتعدى إليك.

стр. 7071

وعلى المؤمن أن يدعو لعدوِّه بالهداية، لأنه حين يهتدي؛ فلسوف يتعدَّى لانفع إليك، وهذه من مميزات الإيمان أن نفعه يتعدَّى إلى الغَيْر. وهم حين دعوا ألاَّ يجعلهم الله فتنةً للقوم الظالمين، فإن ذلك يوضّح لنا أن الظلم درجاتٌ، وأن فرعون وملأه كانوا في قمة الظلم؛ لأن الحق هو القائل: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . فقمة الظلم أن تأخذ حَقَّ الغير وتعطيه لغير صاحب الحق. وفرعون وملؤه أشركوا بالله فظن فرعون أنه إله، وصدَّقه من حوله. فقمة الظلم هو الشرك بالله سبحانه، ثم بعد ذلك يتنزل إلى الظلم في الكبائر، ثم في الصغائر. وقولهم في دعائهم للحق سبحانه: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾ [يونس: ٨٦] . أي: اجعلنا بنجوةٍ من هؤلاء. وكان الذي يخيف الأقدمين هو سيول المياه، حين تتدفَّق، ولا ينجو إلا مَنْ كان في ربوةٍ عالية والنجوة هي المكان المرتفع وهذا هو أصل كلمة «النجاة» . وهنا يقول الحق سبحانه على لسانهم: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾ [يونس: ٨٦] .

стр. 7072

والرحمة هي الوقاية من أن يجيء الداء. والحق سبحانه يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] . والشفاء إذا وُجد الدَّاء، والرحمة هي ألاَّ يجيء الداء. وأراد الحق سبحانه أن يكرم بعد ذلك موسى ﵇ وقومه فقال : ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ﴾

стр. 7073

وأوضحنا من قبل أن موسى وهارون ﵉ رسولان برسالة واحدة، وأن الوَحْي قد جاء للاثنين برسالة واحدة. فالحق سبحانه ساعة يختار نبيّاً رسولاً، فإنما يختاره بتكوينٍ وفطرةٍ تؤهّله لحَمْل الرسالة النطق بمرادات الله تعالى. وإذا كان الخَلْق قد صنعوا آلات ذاتية الحركة من مواد جامدة لا فكر لها

стр. 7074

ولا رَويّة، مثل الساعة التي تُؤذِّن، أو المذياع يذيع في توقيت محدد، إذا كان البشر قد صنعوا ذلك فما بالنا بالله سبحانه الخالق لكل الخلق والكون ومرسل الرسل؟ إنه يختار رسله بحيث يسمح تكوين الرسول أن يؤدي المهمة الموكولة إليه في أي ظرف من الظروف. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ﴾ [يونس: ٨٧] . يبيِّن لنا أن الوحي شمل كلاً من موسى وهارون ﵉، بحيث إذا جاء موقف من المواقف يقتضي أن يتكلم فيه موسى، فهارون أيضاً يمكن أن يتكلم في نفس الأمر؛ لأن الشحنة الإيمانية واحدة، والمنهج واحد. وقد حدث ذلك بعد أن أغرق فرعون وقومه، وخلا لهم الجو، فجاء لهم الأمر أن يستقروا في مصر، وأن يكون لهم فيها بيوت. ولكن لنا أن نسأل: هل فرعون هذا هو شخص غرق وانتهى؟ لا. . إن فرعون ليس اسماً لشخص، بل هو تصنيف لوظيفة، وكان لقب كل حاكم لمصر قديماً هو «فرعون» ؛ لذلك لا داعي أن نشغل أنفسنا: هل هو تحتمس الأول؟ أو رمسيس؟ أو ما إلى ذلك؟ فهب أن فرعون المعنيَّ هنا قد غرق، ألا يعني ذلك مجيء فرعون جديد؟ نحن نعلم من التاريخ أن الأسر الحاكمة توالت، وكانوا فراعنة، وكان منهم من يضطهد المؤمنين، ولا بد أن يكون خليفة الفرعون أشد ضراوةً وأكثر شحنةً ضد هؤلاء القوم.

стр. 7075

وقول الحق في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس: ٨٧] . نجد فيه كلمة «مصر» وهي إذا أطلقت يُفهم منها أنها «الإقليم» . ونحن هنا في بلدنا جعلنا كلمة «مصر» علماً على الإقليم الممتد من البحر المتوسط إلى حدود السودان، أي: وادي النيل. ومرة أخرى جعلنا من «مصر» أسماً لعاصمة وادي النيل. ونحن نقول أيضاً عن محطة القطارات في القاهرة: «محطة مصر» . وقول الحق سبحانه هنا: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا﴾ [يونس: ٨٧] . نفهم منه أن التبؤُ هو اتخاذ مكان يعتبر مباءةً؛ أي: مرجعاً يبوء الإنسان إليه. التبؤُّ إذن هو التوطن في مكان ما، والإنسان إذا اتخذ مكاناً كوطن له فهو يعود إليه إن ذهب إلى أي بلد لفترة.
следующие страницы →