← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

وعلى المؤمن أن يدعو لعدوِّه بالهداية، لأنه حين يهتدي؛ فلسوف يتعدَّى لانفع إليك، وهذه من مميزات الإيمان أن نفعه يتعدَّى إلى الغَيْر. وهم حين دعوا ألاَّ يجعلهم الله فتنةً للقوم الظالمين، فإن ذلك يوضّح لنا أن الظلم درجاتٌ، وأن فرعون وملأه كانوا في قمة الظلم؛ لأن الحق هو القائل: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . فقمة الظلم أن تأخذ حَقَّ الغير وتعطيه لغير صاحب الحق. وفرعون وملؤه أشركوا بالله فظن فرعون أنه إله، وصدَّقه من حوله. فقمة الظلم هو الشرك بالله سبحانه، ثم بعد ذلك يتنزل إلى الظلم في الكبائر، ثم في الصغائر. وقولهم في دعائهم للحق سبحانه: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾ [يونس: ٨٦] . أي: اجعلنا بنجوةٍ من هؤلاء. وكان الذي يخيف الأقدمين هو سيول المياه، حين تتدفَّق، ولا ينجو إلا مَنْ كان في ربوةٍ عالية والنجوة هي المكان المرتفع وهذا هو أصل كلمة «النجاة» . وهنا يقول الحق سبحانه على لسانهم: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾ [يونس: ٨٦] .

стр. 7072

والرحمة هي الوقاية من أن يجيء الداء. والحق سبحانه يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] . والشفاء إذا وُجد الدَّاء، والرحمة هي ألاَّ يجيء الداء. وأراد الحق سبحانه أن يكرم بعد ذلك موسى ﵇ وقومه فقال : ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ﴾

стр. 7073

وأوضحنا من قبل أن موسى وهارون ﵉ رسولان برسالة واحدة، وأن الوَحْي قد جاء للاثنين برسالة واحدة. فالحق سبحانه ساعة يختار نبيّاً رسولاً، فإنما يختاره بتكوينٍ وفطرةٍ تؤهّله لحَمْل الرسالة النطق بمرادات الله تعالى. وإذا كان الخَلْق قد صنعوا آلات ذاتية الحركة من مواد جامدة لا فكر لها

стр. 7074

ولا رَويّة، مثل الساعة التي تُؤذِّن، أو المذياع يذيع في توقيت محدد، إذا كان البشر قد صنعوا ذلك فما بالنا بالله سبحانه الخالق لكل الخلق والكون ومرسل الرسل؟ إنه يختار رسله بحيث يسمح تكوين الرسول أن يؤدي المهمة الموكولة إليه في أي ظرف من الظروف. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ﴾ [يونس: ٨٧] . يبيِّن لنا أن الوحي شمل كلاً من موسى وهارون ﵉، بحيث إذا جاء موقف من المواقف يقتضي أن يتكلم فيه موسى، فهارون أيضاً يمكن أن يتكلم في نفس الأمر؛ لأن الشحنة الإيمانية واحدة، والمنهج واحد. وقد حدث ذلك بعد أن أغرق فرعون وقومه، وخلا لهم الجو، فجاء لهم الأمر أن يستقروا في مصر، وأن يكون لهم فيها بيوت. ولكن لنا أن نسأل: هل فرعون هذا هو شخص غرق وانتهى؟ لا. . إن فرعون ليس اسماً لشخص، بل هو تصنيف لوظيفة، وكان لقب كل حاكم لمصر قديماً هو «فرعون» ؛ لذلك لا داعي أن نشغل أنفسنا: هل هو تحتمس الأول؟ أو رمسيس؟ أو ما إلى ذلك؟ فهب أن فرعون المعنيَّ هنا قد غرق، ألا يعني ذلك مجيء فرعون جديد؟ نحن نعلم من التاريخ أن الأسر الحاكمة توالت، وكانوا فراعنة، وكان منهم من يضطهد المؤمنين، ولا بد أن يكون خليفة الفرعون أشد ضراوةً وأكثر شحنةً ضد هؤلاء القوم.

стр. 7075

وقول الحق في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس: ٨٧] . نجد فيه كلمة «مصر» وهي إذا أطلقت يُفهم منها أنها «الإقليم» . ونحن هنا في بلدنا جعلنا كلمة «مصر» علماً على الإقليم الممتد من البحر المتوسط إلى حدود السودان، أي: وادي النيل. ومرة أخرى جعلنا من «مصر» أسماً لعاصمة وادي النيل. ونحن نقول أيضاً عن محطة القطارات في القاهرة: «محطة مصر» . وقول الحق سبحانه هنا: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا﴾ [يونس: ٨٧] . نفهم منه أن التبؤُ هو اتخاذ مكان يعتبر مباءةً؛ أي: مرجعاً يبوء الإنسان إليه. التبؤُّ إذن هو التوطن في مكان ما، والإنسان إذا اتخذ مكاناً كوطن له فهو يعود إليه إن ذهب إلى أي بلد لفترة.

стр. 7076

ويعتبر الخروج من الوطن مجرد رحلة تقتضي العودة، وكذلك البيت بالنسبة للإنسان؛ فالواحد منا يطوف طوال النهار في الحقل أو المصنع أو المكتب، وبعد ذلك يعود إلى البيت للبيتوتة. والبيوت التي أوصى الله بإقامتها لقوم موسى وهارون ﵉ كان لها شرط هو قول الحق سبحانه: ﴿واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] . والقِبلة هي المتجَه الذي نصلي إليه. ومثال ذلك: المسجد، وهو قبلة مَنْ هو خارجه، وساعة ينادي المؤذن للصلاة يكون المسجد هو قبلتنا التي نذهب إليها، وحين ندخل المسجد نتجه داخله إلى القلبة، واتجاهنا إلى القبلة هو الذي يتحكم في وضعنا الصفِّي. والأمر هنا من الحق سبحانه: ﴿واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [يونس: ٨٧] . فإقامة البيوت هنا مشروطة بأن يجعلوا بها قبلة لإقامة الصلاة بعيداً عن أعين الخصوم الذين يضطهونهم، شأنهم شأن المسلمين الأوائل حينما كان الإسلام في أوليته ضعيفاً بمكة، وكان المسلمون حين ذاك يصلون في قلب البيوت، وهذا هو سر عدم الجهر بالصلاة نهاراً، وعدم الجهر يفيد في ألا ينتبه الخصوم إلى مكان المصلين. وأما الجهر بالصلاة ليلاً وفجراً، فقد كان المقصود به أن يعلمهم كيفية قراءة القرآن.

стр. 7077

وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] . وقد يكون المقصود بذلك أن تكون البيوت متقابلة. وإلى يومنا هذا أن نظرت إلى ساحات اليهود في أي بلد من بلاد الدنيا تجد أنهم يقطنون حيّاً واحداً، ويرفضون أن يذوبوا في الأحياء الأخرى. ففي كل بلد لهم حي يسكنون فيه، ويسمى باسم «حي اليهود» . وكانت لهم في مصر «حارات» كل منها تسمى باسم «حارة اليهود» . وقد شاء الحق ذلك وقال في كتابه العزيز: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ [البقرة: ٦١] . وهم يحتمون بتواجهم معاً، فإن حدث أمر من الأمور يفزعهم؛ يصبح من السهل عليهم أن يلتقوا: أو ﴿واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] . أي: أن يكون تخطيط الأماكن والشوارع التي تُبنى عليها البيوت في اتجاه القبلة. وأي خطأ معماري مثل الذي يوجد في تربيعة بناء مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، هذا الخطأ يوجب الاتجاه إلى اليمين قليلاً مما يسبب بعض

стр. 7078

الارتباك للمصلين؛ لأن الانحراف قليلاً إلى اليمين في أثناء الصلاة يقتضي أن يقصر كل صف خلف الصف الآخر. وحين نصلي في المسجد الحرام بمكة، نجد بعضاً من المصلين يريدون مساواة الصفوف، وأن تكون الصفوف مستقيمة، فنجد من ينبه إلى أن الصف يعتدل بمقدار أطول أضلاع الكعبة، ثم ينحي الصف. وكذلك في الأدوار العليا التي أقيمت بالمسجد الحرام نجد الصفوف منحنية متجهة إلى الكعبة. ولذلك أقول دائماً حين أصلي بالمسجد الحرام: إن معنى قول الإمام: «سووا صفوفكم» أي: اجعلا مناكبكم في مناكب بعضكم بعض، أما خارج الكعبة فيكفي أن نتجه إلى الجهة التي فيها الكعبة، ونحن خارج الكعبة لا نصلي لعين الكعبة، ولكننا نصلي تجاه الكعبة؛ لأننا لو كنا نصلي إلى عين الكعبة لما زاد طول الصف في أي مسجد عن اثني عشر متراً وربع المتر، وهو أطول أضلاع الكعبة. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] . أي: خططوا في إقامة البيوت أن تكون على القبلة، وبعض الناس يحاولون ذلك، لكن تخطيط الشوارع والأحياء لا يساعد على ذلك. ثم يقول الحق سبحانه:

стр. 7079

﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [يونس: ٨٧] . وهذا الأمر نفهم منه أن الصلاة فيها استدامة الولاء لله تعالى، فنحن نشهد ألا إله إلا الله مرة واحدة في العمر، ونُزكِّي إن كان عندنا مال مرة واحدة في السنة، ونصوم إن لم نكن مرضى شهراً واحداً هو شهر رمضان، ونحج إن استطعنا مرة واحدة في العمر. ويبقى ركن الصلاة، وهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وإن شاء الإنسان فَلْيُزِد، وكأن الحق هنا ينبه إلى عماد الدين وهي الصلاة. ولكن مَن الذي اختار المكان في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؟ هل هو موسى وأخوه هارون؟ أم أن الخطاب لكل القوم. نلحظ هنا أن الأمر بالتبوّء هو لموسى وهارون ﵉ أما الأمر بالجعل فهو مطلوب من موسى وهارون والأتباع؛ لذلك جاء الجعل هنا بصيغة الجمع. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ [يونس: ٨٧] . وفي هذا تنبيه وإشارة إلى أن موسى هو الأصل في الرسالة؛ لذلك جاء له الأمر بأن يحمل البشارة للمؤمنين. ونلحظ هنا في هذه الآية أن الحق سبحانه جاء بالتثنية في التبوء، وجاء بالجمع في جعل البيوت، ثم جاء بالمفرد في نهاية الآية لينبهنا إلى أن موسى ﵇ هو الأصل في الرسالة إلى بني إسرائيل.

стр. 7080

والبشرى على الأعمال الصالحة تعني: التبشير بالجنة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾

стр. 7081

والزينة: هي الأمر الزائد عن ضروريات الحياة ومقوماتها الأولى، فاستبقاء الحياة يكون بالمأكل لأي غذاء يسدُّ الجوع، وبالمشرب الذي يروي العطش. أما إن كان الطعام منوَّعاً فهذا من ترف الحياة، ومن ترف الحياة الملابس التي لا تستر العورة فقط، بل بالزي الذي يتميز بجودة النسج والتصميم والتفصيل. وكذلك من ترف الحياة المكان الذي ينام فيه الإنسان، بحيث يتم تأثيثه

стр. 7082

بفاخر الرياش، ولكن الضرورة في النوم يكفي فيها مكان على الأرض، وأي فراش يقي من برودة الأرض أو حرارتها. إذن: فالزائد عن الضرورات هو زينة الحياة، والزينة تأتي من الأموال، والرصيد الأصيل في الأموال هو الذهب، ثم تأخذ الفضة المرتبة الثانية. ومن مقومات الاقتصاد أن الذهب يعتبر قيمة الرصيد لغنى أية دولة، مهما اكتشفوا من أحجار أغلى من الذهب. وهذه الأحجار الكريمة كالماس مثلاً إن كُسِرت أو خُدِشت تقل قيمتها، لكن الذهب مهما تفتَّت فأنت تعيد صَهْرَه، فتستخلَص ذهباً مُجمَّعاً. وكان الفراعنة الأقدمون يحكمون مصر حتى منابع النيل، وكانوا يسخِّرون الناس في كل الأعمال، وحتى استخراج الذهب سواء من المناجم أو من غربلة رمال بعض الجبال لاستخلاص الذهب منها. وأنت قد تستطيع استخلاص الذهب من أماكن معينة، ولكن الفرق دائماً إنما يكون في القيمة الاقتصادية لاستخراج الذهب، فحين يكون المنجم وفير العطاء، فيه كثير من عروق الذهب، هنا يصبح استخراج الذهب مسألة مريحة اقتصادياً. أما إن كانت التكلفة أعلى من القيمة الاقتصادية للذهب المستخرج، فلا أحد يستخرج هذا الذهب.

стр. 7083

وأنت إن نظرت إلى زينة الفراعنة تجد قناع «توت عنخ آمون» آية في الجمال، وكذلك كانت قصورهم في قمة الرفاهية، ويكفي أن ترى الألوان التي صنعت منها دهانات الحوائط في تلك الأيام؛ لتعرف دقة الصنعة ومدى الترف، الذي هو أكثر بكثير من الضرورات. وفي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨] . وهم لم يَضِلُّوا فقط بل أرادوا أن يُضِلّوا غيرهم؛ لذلك تحملوا وِِزْر ضلالهم، ووزر إضلال غيرهم. فهل أعطاهم الله سبحانه المال والزينة للضلال والإضلال؟ لا، فليس ذلك علة العطاء، ولكن هناك لام العاقبة، مثلما تعطي أنت إبنك عشرة جنيهات وتقول له: افعل بها ما تريد، وأرجو أن تتصرف فيها تصرفاً يعود عليك بالخير. وقد ينزل هذا الابن ليشتري شيئاً غير مفيد ولا يشتري مثلاً كتباً تفيده. هنا أنت أعطيت هذا الابن قوة شرائية لكنه لم يحسن التصرف فيها، وغاية الاختيار هَدَتْه إلى اللعب. وهذا ما يسمى لام العاقبة، ولام العاقبة لا يكون المقصود بها سبب الفعل، ولكنها تأتي لبيان عاقبة الفعل. وحين أراد الحق أن ينجي موسى ﵇، في طفولته من القتل أوحى إلى أم موسى ﵉ بقوله تعالى:

стр. 7084

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ [القصص: ٧] . ولا توجد أم تُقبل على تنفيذ مثل هذا الأمر؛ لأنه موت محقق؛ لأن الابن إن خُطف أو فُقِد فهذا كله موت مظنون، أما إلقاؤه في الماء فليس فيه موت مظنون، بل موت مؤكد، إن لم يُنجِّه الله تعالى. ولكن أم موسى لإيمانها بالله فعلت ما أوحى به الله لها؛ لأن الوارد من الله تعالى لا يجد في الفطرة منازعاً له. أما نزغات الشيطان فهي تجد ألف منازع لها في النفس، وكذلك هواجس النفس. ولذلك نفَّذت أم موسى ما أوحى الله تعالى به إليها، وإن كان مخالفاً للعقل والمنطق. وحين التقطه آل فرعون، وقد كانوا يقتلون الأطفال، وألقى الحق محبة موسى في قلوبهم، قال: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩] . فهم ساعة رؤيتهم لموسى ﵇ وهو طفل، أحبُّوه فلم يقتلوه، وهكذا نفذت مشيئة الله تعالى ووعده لأمه: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] . أي: أن لموسى ﵇ مهمة مسبقة أرادها له الحق سبحانه.

стр. 7085

ولذلك نجد أن هناك أوامر متتابعة جاء بها القرآن الكريم في مسألة إلقاء أم موسى لابنها، فقال الحق سبحانه: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ [طه: ٣٨٣٩] . وكلها أوامر من الحق سبحانه، فتراه زوجة فرعون فتقول لزوجها: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] . فهل كان فرعون يعلم أن هذا الطفل الذي التقطه سيكون عدوّاً له؟ لا، لقد التقطه وأعطاه حياة الترف؛ ليكون قُرَّة عين له، وهذه علة الالتقاط، ولكن العاقبة انتهت إلى أن يكون عدوّاً؛ ولو كانت العلة هي العداوة لما التقطه فرعون أو لقتله لحظة الالتقاط. ولذلك يترك الحق في كونه أشياء تكسر مكر البشر؛ فأخذه فرعون وربَّاه، وكانت العاقبة غير ما كان يتوقع فرعون. وقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصددها: ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ نفهم منه أن لم يُعْطِهم المال ليضلوا، ولكنهم هم الذين اختاروا الضلال. وقد أعطى الله الكثير من الناس مالاً وجاهاً وأرادوا به الخير، وهكذا نرى اختيار الإنسان، إن له أن يضل أو يهتدي. وقد قال موسى ﵇ تنفيساً عن نفسه:

стр. 7086

﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] . ومعنى الطمس أي: إخفاء المعالم؛ مثل قول الحق سبحانه: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ﴾ [النساء: ٤٧] . ومعنى الطمس هنا: إخفاء معالم تلك الوجوه؛ فتكون قطعة واحدة بلا جبهة أو حواجب أو عينين أو أنف أو شفاه أو ذقن. إذن: فالطمس هو إهلاك الصورة التي بها الشيء. ودعوة موسى ﵇ هنا: ﴿اطمس على أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] . أي: امسخها. وقال بعض الرواة أنها مُسخت، فمن كان يملك بعضاً من سبائك الذهب وجدها حجارة، ومن كان يملك أحجاراً كريمة كالماس وجدها زجاجاً. أو أن ﴿اطمس على أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] . أي: أذهبهما؛ لأن الأموال كانت وسيلة إضلال.

стр. 7087

وقوله ﵇ بعد ذلك: ﴿واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] . أي: أحْكمْ يا رب الأربطة على تلك القلوب؛ فلا يخرج ما فيها من كفر، ولا يَدخل ما هو خارجها من الإيمان؛ لأن هؤلاء قد افتروا افتراءً عظيماً، وأن تظل الأربطة على قلوبهم؛ حتى يروا العذاب الأليم. ولماذا دعا موسى ﵇ على آل فرعون هذا الدعاء، ولم يَدْعُ مثلما دعا سيدنا محمد ﷺ َ: «اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون» والإجابة: لا بد أن الحق قد أطلعه على أن هؤلاء قوم لن تفلح فيهم دعوة الإيمان. وكان خوف موسى ﵇ لا من ضلال قوم فرعون، ولكن من استمرار إضلالهم لغيرهم. إذن: فقد دعا عليهم موسى ﵇ بما جاء في هذه الآية: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] . وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] . وهكذا يتبين لنا الفارق بين إيمان الإلجاء والقصر وبين إيمان الاختيار.

стр. 7088

فحين يأتي الرسول داعياً إلى الإيمان يصبح من حق السامع لدعوته أن يؤمن أو أن يكفر؛ لأن الله تعالى قد خلق الإنسان وله حق الأختيار، أما إيمان الإلجاء والقصر فهو لاينفع الإنسان. ومثال ذلك: فرعون، فساعة أن جاءه العذاب أعلن الإيمان. فالحق يقول: ﴿حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] . وإذا كان موسى ﵇ قد دعا على قوم فرعون، فقد سبقه نوح ﵇ في مثل هذا الدعاء مما أورده القرآن في قوله: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦٢٧] . واستجاب الحق سبحانه لدعوة موسى ﵇.

стр. 7089

﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما﴾

стр. 7090

ويلاحظ أن الذي دعا هو موسى ﵇، ولكن قوله سبحانه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] يدل على أن هارون ﵇، قد دعا مع موسى. وقد قلنا من قبل: إننا إن نظرنا إلى الإصالة في الرسالة لوجدنا موسى ﵇ هو الأصيل فيها، وجاء هارون ليشد عضده، وإن نظرنا إلى طبيعة الاثنين فكل منهما رسول، والاثنان لهما رسالة واحدة. وما دام الحق سبحانه قد ارسل الاثنين لمهمة واحدة، فإن انفعل واحد منهما لشيء فلا بد أن ينفعل الآخر لنفس الشيء؛ لذلك فلا يوجد ما يمنع أن هارون ساعة سمع أخاه داعياً بمثل هذا الدعاء، قد دعا هو أيضاً بالدعاء نفسه، أو أنه أي: هارون قد دعا بهذا الدعاء سِرّاً. والدعاء معناه: أنك تفزع إلى من يقدر على تحقيق ما لا تقدر عليه، فأنت لا تدعو إلا في أمر عَزَّتْ عليك أسبابه؛ فتقول: إن لي ربّاً أومن به، وهو يقدر على الأسباب لأنه خالق الأسباب، وقادر على أن يعطى بلا أسباب، والمؤمن الحق يستقبل الأحداث، لا بأسبابه، ولكن بقدرة مَنْ آمن به، وهو المسِّبب الأعلى سبحانه. ولذلك تجد موسى ﵇ ومعه قومه حين وصلوا إلى شاطىء البحر، وكان من خلفهم قوم فرعون يطاردونهم، فقال قوم موسى:

стр. 7091

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] . فَرَدَّ موسى ﵇: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . أي: لا ترتِّبوا الأمر بترتيب البشر؛ لأن معي رب البشر، فجاءه الإنقاذ: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦٣] . إذن: فالدعاء إنما يكون فزعاً إلى من يقدر على أمر لا تقدر عليه. والموضوع الذي كان يشغل موسى وهارون ﵉ هو بقاء آل فرعون على ضلالهم وإصرارهم على إضلال غيرهم، فلا بد أن يدعو كل منهما نفس الدعاء، ومثل هذا نجده في غير الرسل ونسميه «التخاطر» ، أي: التقاء الخواطر في لحظة واحدة. ومثال ذلك في التاريخ الإسلامي، لحظة أن كان سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ مشغولاً بالتفكير في جيش المسلمين المقاتل في إحدى المعارك، وكان عمر في المدينة يخطب على المنبر، فإذا به يقول فجأة: «يا سارية الجبل» وهي كلمة لا موضع لها في منطق الخطبة، ولكن كان فكره مشغولاً بالقائد الذي يحارب، وسمع القائد وهو على البعد، الأمر؛ فانحاز إلى الجبل.

стр. 7092

ويقال في هذه المسألة: إن الخاطر قد شغل مع الخاطر، مثلما تطلب أحداً في الهاتف فيرد عليك الشخص الذي تريد الكلام معه قائلاً: لقد كنت على وشك أن أتصل بك هاتفيّاً، وهذا يعني أن الخاطرين قد انضبطا معاً. وإذا كان هذا ما يحدث في حياتنا العادية، فما بالنا بما يحدث في الأمور الصفائية؛ وفي أرقى درجاتها وهي النبوة؟ أو أن الذي دعا هو موسى وما كان هارون إلا مؤمِّناً، والمؤمِّن هو أحد الداعيين، وما دام الحق سبحانه قد قَبِل دعوة موسى ﵇، فقد قَبِل أيضاً دعوة المؤمِّن معه. ويظن بعض الناس أن إجابة الدعوة هي تحقيق المطلوب فور الدعاء، ولكن الحقيقة أن إجابة الدعوة هي موافقة على الطلب، أما ميعاد إنجاز الطلب، فقد يتأجل بعض الوقت، مثلما حدث مع دعوة موسى ﵇ على فرعون وملئه، فحين دعا موسى، وأمَّن هارون، جاءت إجابة الدعاء: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] بعد أربعين عاماً، ويحقق الله سبحانه الطمس على المال. فالسماء ليست موظفة عند من يدعو، وتقبل أي دعاء، ولكن قبول الدعوة يقتضي تحديد الميعاد الذي تنفذ فيه. وهذه أمور من مشيئة الله سبحانه؛ فالحق منزَّه عن أن يكون منفِّذاً لدعاء ما، ولكنه هو الذي بيده مقاليد كل أمر، فإذا ما أجيبت دعوة ما، فهو سبحانه بمشيئته يضع تنفيذ الدعوة في الميعاد الملائم؛ لأنها لو أجيبت على الفور فقد تضر.

стр. 7093

والحق هو القائل: ﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] . لذلك يحدد الحق سبحانه ميعاد تطبيق الدعوة في مجال التنفيذ والواقع. وهو يقول: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . والإنسان يعرف أنه قد يكون قد دعا بأشياء، فحقق الله سبحانه الدعاء وكان شرّاً، وكم من شيء يدعو به الإنسان ولم يحققه الله تعالى وكان عدم تحقيقه خيراً. إذنك فالقدرة العليا رقيبة علينا، وتعلم ما في صالحنا؛ لأننا لسنا آلهة تأمر بتنفيذ الدعوات، بل فوقنا الحكيم الأعلى سبحانه: ولذلك نقول في بيان قول الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] .

стр. 7094

لأن الإنسان قد يدعو بالشر على نفسه، ألا تسمع أمّاً تدعو على ابنها أو ابنتها رغم حبها لهما، فلو استجاب الله لدعائها على أولادها الذين تحبهم أليس في ذلك شر بالنسبة للأم. والولد قد يقول لأمه مغاضباً: يا رب تحدث لي حادثة؛ حتى تستريحي مني. فهَبْ أن الله استجاب لهذا الدعاء، أيرضي ذلك من دعا على نفسه أو يرضي أمه؟ طبعاً لا؛ فإذا كان الله سبحانه قد أبطأ عليك بدعاء الشر فهذا خير لك، فعليك أن تأخذ إبطاء الله سبحانه عليك بدعاء الخير على أنه خير لك. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يقول لموسى وهارون ﵉: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] . أي: ابقيا على الطريق السوي، ولا تُدْخِلا نفسيكما فيما لا علم لكما به. أليس الحق سبحانه هو القائل: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ

стр. 7095

فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [هود: ٤٥٤٦] . أي: كُنْ مؤدَّباً مع ربك حين تدعو وتنفِّس عن نفسك، ودَعْ لحكمة الحكيم الإجابة أو عدمها، وقد تكون الإجابة فورية أو مؤجَّلة إلى حين أوانها، وكلاهما خير. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُه﴾

стр. 7096

قال الحق سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر﴾ [يونس: ٩٠] لأن الاجتياز لم يكن بأسباب بشرية، بل بفعل يخرج من أسباب البشر، فلو أن موسى ﵇ قد حفر نفقاً تحت الماء، أو لو كان قد ركب سفناً هو وقومه لكان لهم مشاركة

стр. 7097

في اجتياز البحر، لكن المجاوزة كانت بأسباب غير ملوحظة بالنسبة للبشر، فالحق سبحانه هو الذي أوحى لموسى: ﴿أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر﴾ [الشعراء: ٦٣] . ومياه البحر كأية مياه أخرى تخضع لقانون السيولة، والاستطراق هو وسيلة السيولة، وهي عكس التجمد الذي يتسم بالتحيز. والاستطراق هو الذي قامت عليه أساليب نقل المياه من صهاريج المياه التي تكون في الأغلب أعلى من طول أي منزل، ويتم ضخ المياه إليها؛ لتتوزع من بعد ذلك حسب نظرية الأواني المستطرقة على المنازل، أما إذا كانت هناك بناية أعلى طولاً من الصهريج، هنا يقوم سكان المبنى بتركيب مضخة لرفع المياه إلى الأدوار العالية. وإذا كان قانون البحر هو السيولة والاستطراق، فكيف يتم قطع هذا الاستطراق؟ يقول الحق سبحانه: ﴿فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦٣] . فكيف تحول الماء إلى جبال يفصل بينها سراديب وطرق يسير فيها موسى ﵇ وقومه؟ كيف يسير موسى وقومه مطمئنين؟ لا بد أنها معية الله سبحانه التي تحميه، وهي تفسير لقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] .

стр. 7098

ورغم ذلك يتبعهم فرعون وجنوده لعله يدركهم، وأراد سيدنا موسى ﵇ بمجرد نجاحه في العبور هو وقومه أن يضرب البحر بعصاه؛ ليعود إلى قانون السيولة، ولو فعل ذلك لما سمح لفرعون وجنوده أن يسيروا في الممرات التي بين المياه التي تحولت إلى جبال، ولكن الله يريد غير ذلك، فقد أراد الحق سبحانه أن ينجي ويهلك بالشيء الواحد، فأوحى لموسى عليه لسلام: ﴿واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] . أي: اترك البحر على حاله؛ فينخدع فرعون وجنوده، وما إن ينزل آخر جندي منهم إلى الممر بين جبال الماء؛ سيعود البحر إلى حالة السيولة فيغرق فرعون وجنوده، وينجو موسى وقومه. ويقول الحق سبحانه: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ [يونس: ٩٠] . فهل كان هذا الإتباع دليل إرادة الشر؟ أكان من الممكن أن تكون نية الفرعون أن يدعو موسى وقومه إلى العودة إلى مصر ليستقروا فيها؟ لا، لم تكن هذه نية الفرعون؛ لذلك قال الحق سبحانه عن هذا الإتباع: ﴿بَغْياً وَعَدْواً﴾ [يونس: ٩٠] . أي: أنه اتباع رغبة في الانتقام والإذلال والعدوان. ويصور القرآن الكريم لحظة غرق فرعون بقوله:

стр. 7099

﴿حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ﴾ [يونس: ٩٠] . والإدراك: قصد للمدرك أن يلحق بالشيء، والغرق معنى، فكيف يتحول المعنى إلى شيء يلاحق الفرعون؟ نعم، فكأن الغرق جندي من الجنود، وله عقل ينفعل؛ فيجري إلى الأحداث: ﴿حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] . والإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالقوة العليا، بدليل أن الحق قد قال: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] . لأن الإيمان يتطلب انقياد القلب، والإسلام يقتضي اتباع أركان الإسلام، فالإيمان كما قال رسول الله ﷺ َ: «قل آمنت بالله ثم استقم» . وفي هذا القول ذكر محدد بأن الإيمان إنما يكون لله الأعلى. لكن لو قلت مثلاً: «آمنت أنك رجل طيب» فهذا إيمان له متعلق، أما إذا ذُكِر الإيمان بإطلاق فهو ينصرف إلى الإيمان بالله تعالى؛ ولذلك قال الله سبحانه للأعراب: ﴿ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] .

стр. 7100

وهنا يأتي القول على لسان فرعون: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] . والخلاف هنا كان بين الفرعون كجهة كفر، وبين موسى وهارون وقومهما كجهة إيمان، وأعلن فرعون إيمانه، وقال أيضاً: ﴿وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] . ولم يقبل الله ذلك منه بدليل قوله الحق سبحانه: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾

стр. 7101

وهذا يعني: أتقول إنك آمنت الآن وإنك من المسلمين. إن قولك هذا مردود؛ لأنه جاء في غير وقته، فهناك فرق بين إيمان الإجْبار وإيمان الاختيار، أتقول الآن آمنت وأنت قد عصيت من قبل، وكنت تفسد في الأرض. وكان من الممكن أن يقبل الله سبحانه منه إيمانه وهو في نجوة بعيدة عن الشر الذي حاق به.

стр. 7102

فالحق سبحانه لا يقبل إيمان أحد بلغت روحه الحلقوم، فهذا إيمان إجبار، لا إيمان اختيار. ولو كان المطلوب إيمان الإجبار لأجبر الحق سبحانه الخلق كلهم على أن يؤمنوا، ولما استطاع أحد أن يكفر بالله تعالى، وأمامنا الكون كله خاضع لإمره الله ولا يتأبى فيه أحد على الله تعالى. وقدرة الحق المطلقة قادرة على إجبار البشر على الإيمان، لكنها تثبت طلاقة القدرة، ولا تثبت المحبوبية للمعبود. وهذه المحبوبية للمعبود لا تثبت إلا إذا كان لك خيار في أن تؤمن أو لا تؤمن. والله سبحانه يريد إيمان الاختيار. إذن: فالمردود من فرعون ليس القول، ولكن زمن القول. ويقال: إنها رُدَّتْ ولم تُقبل رغم أنه قالها ثلاث مرات لأن قوم موسى في ذلك الوقت كانوا قد دخلوا في مرحلة التجسيم لذات الله وادعوا معاذ الله أن الله تعالى عما يقولون جلس على صخرة وأنزل رِجْليه في حوض ماء، وكان يلعب مع الحوت. . إلى آخر الخرافات التي ابتدعها بنو إسرائيل. وحين أعلن فرعون أنه آمن بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل، فهذا يعني أنه لم يؤمن بالإله الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك. ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾

стр. 7103

ونحن نعرف أن الإنسان مكوَّن من بدن، وهو الهيكل المادي المصوَّر على تلك الصورة التي نعرفها، وهناك الروح التي في البدن، وبها تكون الحركة والحياة. وساعة نقول: «بدن» ، فافهم أنها مجردة عن الروح، مثلما نقول: جسد. وإذا أطلقت كلمة «جسد» فمعناها الهيكل المادي المجرد من الروح. والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ [ص: ٣٤] . وكان سيدنا سليمان ﵇ يستمتع بما آتاه الله سبحانه من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده، وسخَّر له الجن والرياح وعلّمه كل اللغات، وكان صاحب الأوامر والنواهي والهيمنة، ثم وجد نفسه قاعداً على كرسيه بلا حراك وبلا روح، ويقدر عليه أي واحد من الرعية، ثم أعاد الله له روحه إلى جسده، وهو ما يقوله الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] . أي: أنه أفاق لنفسه، فعلم أن كل ما يملكه هو أمر مُفاضٌ عليه، لا أمر نابع من ذاته. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصددها الآن يقول الحق سبحانه: ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] .

стр. 7104

وباللهِ، لو لم يأمر الحق البحر بأن يلفظ جثمان فرعون، أما كان من الجائز أن يقولوا: إنه إله، وإنه سيرجع مرة أخرى؟ ولكن الحق سبحانه قد شاء أن يلفظ البحر جثمانه كما يلفظ جيفة أي حيوان غارق؛ حتى لا يكون هناك شك في أن هذا الفرعون قد غرق، وحتى ينظر من بقي من قومه إلى حقيقته، فيعرفوا أنه مجرد بشر، ويصبح عبرة للجميع، بعد أن كان جباراً مسرفاً طاغية يقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . وبعض من باحثي التاريخ يقول: إن فرعون المقصود هو «تحتمس» ، وإنهم حلَّلوا بعضاً من حثمانه، فوجدوا به آثار مياه مالحة. ونحن نقول: إن فرعون ليس اسماً لشخص، بل هو توصيف لوظيفة، ولعل أجساد الفراعين المحنطه تقول لنا: إن علة حفظ الأبدان هي عبرة؛ وليتعظ كل إنسان ويرى كيف انهارت الحضارات، وكيف بقيت تلك الأبدان آية نعتبر بها. وقد تعرض القرآن لمسألة الفرعون، فقال الحق سبحانه: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ [الفجر: ١٠] . ويقول سبحانه في نفس السورة عن كل جبار مفسد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤] .

стр. 7105

ونلحظ أن كلام الحق سبحانه عن فرعون في سورة الفجر كان كلاماً يضمُّ إلى جانب حضارة الفراعنة حضارات أخرى قديمة، مثل حضارة عاد وحضارة ثمود. وكذلك تكلم الحق سبحانه عن الفرعون في أثناء لقطات قصة موسى ﵇، ولكن الكلام يختلف في قصة يوسف ﵇، فلا تأتي وظيفة الفرعون، بل يحدثنا الحق سبحانه عن وظائف أخرى، هي وظية «عزيز مصر» أي: رئيس وزرائها ويحدثنا الله سبحانه عن ملك مصر بقوله: ﴿وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] . ولم يُكْتَشَف الفارق بين وظيفة «الفرعون» ووظيفة «الملك» في التاريخ المصري إلا بعد أن جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وفك «شامبليون» رموز اللغة الهيروغليفيه من خلال نقوش حجر «رشيد» ، فعرفنا أن حكام مصر القديمة كانوا يسمون «الفراعنة» إلا في فترة كانت فيها مصر تحت حكم «ملوك الرعاة» أو «الهكسوس» الذين أغاروا على مصر، وحكموها حكماً ملكياً وقضوا على حكم الفراعنة، ثم عاد الفراعنة إلى حكم مصر بعد أن خلصوها من سيطرة «الهكسوس» . وهكذا نجد أن إشارة القرآن في قصة يوسف ﵇ كانت إلى الملك، ولم يأت فيها بذكر فرعون، وهذا دليل على أن القرآن قد سبق بعلمه أي اكتشاف، وكلما جاء اكتشاف جديد أو ابتكار حقيقي، نجده يؤيد كتاب الله. ويُنهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢] .

стр. 7106

وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أّذِن بميلادها عند البحث عنها؛ لتستبين عظمة الله في خلقه. وحين ينظر الإنسان في تلك الابتكارات سيجدها وليدة أفكار مَنْ نظروا بإمعان، وامتلكوا قدرة الاستنباط، ولو لم يغفل الناس عن النظر في آيات الكون، والسموات والأرض، لزادت الابتكارات والاختراعات، والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . وحين ننظر إلى مكتشف قانون الجاذبية «نيوتن» الذي رأى ثمرة تفاح تسقط من شجرتها، نجد أن هناك عشرات الآلاف أوالملايين من البشر شاهدوا من قبله مشهد سقوط ثمرة من على شجرة، ولكن نيوتن وحده هو الذي تفكر وتدبر ما يحدث أمامه إلى أن أهتدى إلى اكتشاف قانون الجاذبية. وجاء من بعد نيوتن من بنى سفن القضاء التي تستفيد من هذا القانون وغيره. وكذلك نجد من صَمَّم الغواصات، والبواخر العملاقة التي تشبه المدن العائمة، هؤلاء اعتمدوا على من اكتشف قانون «الطفو» وقاعدة «أرشميدس» الذي لاحظ أنه كلما غطس شيءٌ في المياه، ارتفع الماء بنفس حجم الشيء الغاطس فيه.

стр. 7107

كل هؤلاء اكتشفوا ولم يخلقوا أسراراً كانت موجودة في الكون، وهم تميَّزوا بالانتباه لها. وكذلك العالم الذي اكتشف «البنسلين» قد لاحظ أن أصيصاً من المواد العضوية كانت تنزل منه قطرات من الماء العفن، ورأى الحشرات التي تقترب من هذا الماء تموت، فأخذ عينة من هذا العفن وأخذ يُجري عليها بعض التجارب في معمله إلى أن اكتشف «البنسلين» . وقول الحق سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . فكأنهم لو لم يعرضوا لاستنبطوا من آيات الكون الشيء الكثير. وكذلك القصص التي تأتي في القرآن، إنما جاءت ليعتبر الناس ويتأملوا، فحين يرسل الله رسولاً مؤيَّداً بمعجزة منه لا يقدر عليها البشر؛ فعلى الناس أن يسلّموا ويقولوا: «آمنا» ، لا أن يظلوا في حالة إعادة للتجارب السابقة؛ لأن ارتقاءات البشر في الأمور المادية قد تواصلت؛ لأن كل جيل من العلماء يأخذ نتائج العلم التي توصل إليها مَنْ سبقوه، فلماذا لا يحدث هذا في الأمور العقدية؟ ولو أن الناس بدأوا من حيث انتهى غيرهم؛ لوجدنا الكل مؤمناً بالله تعالى، ولأخذ كل مولود الأمر من حيث انتهى أبوه، ولَوصَل خير آدم

стр. 7108

إلى كل من وُلِدَ بعد ذلك، لكن آفة البشر أن الإنسان يريد أن يجرب بنفسه. ونحن نجد ذلك في أمور ضارة مثل: الخمر، نجدها ضارة لكل من يقرب منها، فإذا حرَّمها الدين وجدنا من يتساءل: لماذا تُحرَّم؟ وكذلك التدخين؛ نجد من يجربه رغم أن التجارب السابقة أثبتت أضراره البالغة، ولو أخذ كل إنسان تجارب السابقين عليه؛ فهو يصل عمره بعمر الآخرين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾

стр. 7109

وكلمة «تبوأ» تعني إقامة مباءة أي: البيوت التي يكون فيها السكن الخاص، وإذا أطلقت كلمة «مبوأ» فهي تعني الإقليم أو الوطن. والوطن أنت تتحرك فيه وكذلك غيرك، أما البيت فهو للإنسان وأسرته كسكن خاص. أما الثري فقد يكون له جناح خاص في البيت، وقد يخصص الثريُّ في منزله جناحاً لنفسه، وآخر لولده وثالثاً لابنته. أما غالبية الناس فكل أسرة تسكن في «شقة» قد تتكون من غرفة أو اثتنتين أوثلاثة حسب إمكانات الأسرة.

стр. 7110

إذن: فيوجد فرق بين تبؤُّء البيوت وتبوء المواطن، فتبؤُّء المواطن هو الوطن. وسبق أن قال الحق سبحانه لموسى وهارون ﵉: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس: ٨٧] . هذا في التبوء الخاص، أما في التبوء العام فهو يحتاج إلى قدرة الحق تعالى، وهو سبحانه يقول هنا: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣] . والحق سبحانه أتاح لهم ذلك في زمن موسى ﵇ وأتاح لهم السكن في مصر والشام، وهو سبحانه القائل: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] ٍ. وما دام الحق سبحانه قد بارك حول فلا بد أن فيه خيراً كثراً، ولا بد أن تكون الأرض التي حوله مُبوَّاً صدق. وكلمة «الصدق» تعني جماع الخير والبر؛ «ولذلك نجد الرسول ﷺ َ حينما سئل: أيكون المؤمن جباناً؟ قال:» نعم «وحين سئل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال:» نعم «. وحين سئل أيكون المؤمن كذاباً؟ قال:» لا «.
следующие страницы →