← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أّذِن بميلادها عند البحث عنها؛ لتستبين عظمة الله في خلقه. وحين ينظر الإنسان في تلك الابتكارات سيجدها وليدة أفكار مَنْ نظروا بإمعان، وامتلكوا قدرة الاستنباط، ولو لم يغفل الناس عن النظر في آيات الكون، والسموات والأرض، لزادت الابتكارات والاختراعات، والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . وحين ننظر إلى مكتشف قانون الجاذبية «نيوتن» الذي رأى ثمرة تفاح تسقط من شجرتها، نجد أن هناك عشرات الآلاف أوالملايين من البشر شاهدوا من قبله مشهد سقوط ثمرة من على شجرة، ولكن نيوتن وحده هو الذي تفكر وتدبر ما يحدث أمامه إلى أن أهتدى إلى اكتشاف قانون الجاذبية. وجاء من بعد نيوتن من بنى سفن القضاء التي تستفيد من هذا القانون وغيره. وكذلك نجد من صَمَّم الغواصات، والبواخر العملاقة التي تشبه المدن العائمة، هؤلاء اعتمدوا على من اكتشف قانون «الطفو» وقاعدة «أرشميدس» الذي لاحظ أنه كلما غطس شيءٌ في المياه، ارتفع الماء بنفس حجم الشيء الغاطس فيه.

стр. 7107

كل هؤلاء اكتشفوا ولم يخلقوا أسراراً كانت موجودة في الكون، وهم تميَّزوا بالانتباه لها. وكذلك العالم الذي اكتشف «البنسلين» قد لاحظ أن أصيصاً من المواد العضوية كانت تنزل منه قطرات من الماء العفن، ورأى الحشرات التي تقترب من هذا الماء تموت، فأخذ عينة من هذا العفن وأخذ يُجري عليها بعض التجارب في معمله إلى أن اكتشف «البنسلين» . وقول الحق سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . فكأنهم لو لم يعرضوا لاستنبطوا من آيات الكون الشيء الكثير. وكذلك القصص التي تأتي في القرآن، إنما جاءت ليعتبر الناس ويتأملوا، فحين يرسل الله رسولاً مؤيَّداً بمعجزة منه لا يقدر عليها البشر؛ فعلى الناس أن يسلّموا ويقولوا: «آمنا» ، لا أن يظلوا في حالة إعادة للتجارب السابقة؛ لأن ارتقاءات البشر في الأمور المادية قد تواصلت؛ لأن كل جيل من العلماء يأخذ نتائج العلم التي توصل إليها مَنْ سبقوه، فلماذا لا يحدث هذا في الأمور العقدية؟ ولو أن الناس بدأوا من حيث انتهى غيرهم؛ لوجدنا الكل مؤمناً بالله تعالى، ولأخذ كل مولود الأمر من حيث انتهى أبوه، ولَوصَل خير آدم

стр. 7108

إلى كل من وُلِدَ بعد ذلك، لكن آفة البشر أن الإنسان يريد أن يجرب بنفسه. ونحن نجد ذلك في أمور ضارة مثل: الخمر، نجدها ضارة لكل من يقرب منها، فإذا حرَّمها الدين وجدنا من يتساءل: لماذا تُحرَّم؟ وكذلك التدخين؛ نجد من يجربه رغم أن التجارب السابقة أثبتت أضراره البالغة، ولو أخذ كل إنسان تجارب السابقين عليه؛ فهو يصل عمره بعمر الآخرين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾

стр. 7109

وكلمة «تبوأ» تعني إقامة مباءة أي: البيوت التي يكون فيها السكن الخاص، وإذا أطلقت كلمة «مبوأ» فهي تعني الإقليم أو الوطن. والوطن أنت تتحرك فيه وكذلك غيرك، أما البيت فهو للإنسان وأسرته كسكن خاص. أما الثري فقد يكون له جناح خاص في البيت، وقد يخصص الثريُّ في منزله جناحاً لنفسه، وآخر لولده وثالثاً لابنته. أما غالبية الناس فكل أسرة تسكن في «شقة» قد تتكون من غرفة أو اثتنتين أوثلاثة حسب إمكانات الأسرة.

стр. 7110

إذن: فيوجد فرق بين تبؤُّء البيوت وتبوء المواطن، فتبؤُّء المواطن هو الوطن. وسبق أن قال الحق سبحانه لموسى وهارون ﵉: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس: ٨٧] . هذا في التبوء الخاص، أما في التبوء العام فهو يحتاج إلى قدرة الحق تعالى، وهو سبحانه يقول هنا: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣] . والحق سبحانه أتاح لهم ذلك في زمن موسى ﵇ وأتاح لهم السكن في مصر والشام، وهو سبحانه القائل: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] ٍ. وما دام الحق سبحانه قد بارك حول فلا بد أن فيه خيراً كثراً، ولا بد أن تكون الأرض التي حوله مُبوَّاً صدق. وكلمة «الصدق» تعني جماع الخير والبر؛ «ولذلك نجد الرسول ﷺ َ حينما سئل: أيكون المؤمن جباناً؟ قال:» نعم «وحين سئل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال:» نعم «. وحين سئل أيكون المؤمن كذاباً؟ قال:» لا «.

стр. 7111

ولذلك فأنت تجد في الإسلام عقوبة على الزنا، وعقوبة تقام على السارق، أما الكذب فهو خصلة لا يقربها المسلم؛ لأن عليه أن يكون صادقاً. وكل خصال الخير هي مُبوَّأَ الصدق. ولذلك نجد قول الحق سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] . وقول الحق سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] . وقول الحق سبحانه: ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤] . أي: اجعل لي ذكرى حسنة فلا يقال فلان كان كاذباً، وأما قدم الصدق فهي سوابق الخير التي يسعى إليها؛ ولذلك كان الجزاء على الصدق هو ما يقول عنه الحق سبحانه: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] .

стр. 7112

وهو مقعد عند مليك لا يبخل، ولا يجلس في رحابه إلا من يحبه، ولا يضن بخيره على من هم في رحابه. ومقعد الصدق هو جزاء لمن استجاب له ربه فأدخله مدخل صدق، وأخرجه مخرج صدق، وجعل له لسان صدق، وقدم صدق. وبعد أن بوَّأ الحق سبحانه بني إسرائيل مُبوَّاً صدق، في مصر والشام، وبعد أن قال لهم: ﴿اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] . أي: أن الحق سبحانه حقق قوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ [يونس: ٩٣] . وأنجاهم من فرعون، وكان من المفترض أن تستقيم أمورهم. ويقول الحق سبحانه: ﴿فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم﴾ [يونس: ٩٣] . والمقصود بذلك هو معرفتهم بعلامات الرسول الخاتم محمد ﷺ َ، ومنهم من ترقب مجيء النبي ﷺ َ ليؤمن به، ومنهم من تمادى في الطغيان؛ لذلك قطَّعهم الله سبحانه في الارض أمماً. وحين ننظر إلى دقة التعبير القرآني نجده يحدد مسألة التقطيع هذه، فهم في كل أمة يمثلون قطعة، أي: أنه سبحانه لم يُذِبْهم في الشعوب. بل لهم في كل بلد ذهبوا إليه مكانٌ خاصٌّ بهم، ولا يذَوبون في غيرهم. والحق سبحانه يقول: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض﴾ [الإسراء: ١٠٤] .

стр. 7113

وقد يقول أحد السطحيين: وهل هناك سكن في غير الأرض؟ ونقول: لنا أن نلحظ أن الحق سبحانه لم يحدد لهم في أية بقعة من الأرض يسكنون، فكأن الحق سبحانه قد بيَّن ما أصدره من حكم عليهم بالتقطيع في الأرض أمماً؛ فهو سبحانه القائل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً﴾ [الأعراف: ١٦٨] . وإذا كنا نراهم في أيامنا هذه وقد صار لهم وطن، فاعلم أن الحق سبحانه هو القائل: ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء: ٤] . وقد قال في آخر سورة الإسراء: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء: ١٠٤] . والمجيء بهم لفيفاً إنما يعني أن يجمعهم في وطن قومي لتأتي لهم الضربة القاصمة التي ذكرها الحق سبحانه في قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ [الإسراء: ٧] .

стр. 7114

لأننا لن نستطيع أن نحاربهم في كل بلد من البلاد التي قطَّعهم الله فيها، لكنهم حين يجتمعون في مكان واحد، إنما يسهل أن ينزل عليهم قضاء الله. وحين ننظر إلى رحلتهم نجد أن «يثرب» كانت المكان الذي اتسع لهم بعد اضطهادات المجتمعات التي دخلوا إليها، وحين اجتمعوا في يثرب صار لهم الجاه؛ لأنهم أهل علم، وأهل اقتصاد، وأهل حرب. وهم قد اجتمعوا في المدينة؛ لأن المخلصين من أهل الكتاب أخبروهم أن هذه المدينة هي المهجر لنبي ورسول يأتي من العرب في آخر الزمان؛ فمكثوا فيها انتظاراً له، وكانوا يقولون لكفار قريش: «لقد أظل زمان يأتي فيه نبي نتبعه، ونقتلكم فيه قَتل عاد وإرم» . وكان من المفروض أن يؤمنوا برسالته ﷺ َ، لكنه إن أطل رسول الله ﷺ َ بنور رسالته حتى أنكروه خوفاً على سلطتهم الزمنية. وهو ما تقول عنه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم﴾ [يونس: ٩٣] . أي: أن علمهم بمجيء الرسول ﷺ َ هو مصدر اختلافهم، فمنهم من سمعوا إشارات عنه ﷺ َ وعرفوا علاماته ﷺ َ؛ فآمنوا به، ومنهم من لم يؤمن به.

стр. 7115

وهم لم يختلفوا من قبل وكانوا متفقين، وتوعَّدوا المشركين من قريش. وما إن أهلَّ الرسول ﷺ َ به «الأوس» و «الخزرج» أنه رسول من الله تعالى قد ظهر بمكة، فقالت الأوس والخزرج: إنه النبي الذي توعَّدتنا به يهود، فهيا بنا لنذهب ونسبقهم إليه قبل أن يسبقونا، فيقتلونا به. فكأن اليهود هم الذين تسببوا في هجرة النبي ﷺ َ إلى المدينة؛ لأن الأوس والخزرج سبقوهم إليه؛ وهذا لنعلم كيف ينصر الله تعالى دينه بأعدائه. ولذلك نجد أنهم في اختلافهم «يأتي عبد الله بن سلام إلى رسول الله ﷺ َ يقول: إن اليهود قوم بُهْتٌ، وإذا أنا آمنت بك يا رسول الله سيقولون فيَّ ما يسيء إليَّ؛ لذلك فقبل أن أعلن إسلامي اسألهم عنِّي. وكان ابن سلام في ذلك يسلك سلوكاً يتناسب مع كونه يهودياً، ولما اجتمع معشر اليهود، سألهم النبي ﷺ َ وقال: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا: حَبْرُنا وشيخنا وهو الورع فينا، وبعد أن أثنوا عليه ثناء عظيماً، قال ابن سلام: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وهنا بدأ اليهود يكيلون له السِّباب، فقال ابن سلام: ألم أقُلْ لك يا

стр. 7116

رسول الله إنهم قوم بُهْت» إذن: فمعنى قوله سبحانه: ﴿فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم﴾ [يونس: ٩٣] . أي: أن أناساً منهم بقوا على الباطل، وأناساً منهم آمنوا بالرسول الحق ﷺ َ. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣] . أي: أن الله سوف يقضي بن ما جاءوا في صف الإيمان، وبين مَنْ بَقَوْا على اليهودية المتعصبة ضد الإيمان. ونحن نلحظ أن كلمة ﴿بَيْنَهُمْ﴾ توضح أن الضمير عام، لهؤلاء ولأولئك. ونقول: إن الحق يقضي يوم القيامة بين المؤمنين والكافرين، ويقضي أيضاً بين الكفارين، فمنهم من كان ظالماً لكافر،

стр. 7117

ومنهم من كان مختلساً أو مرتشياً، ومنهم من عمل على غير مقتضى دينه؛ لذلك يقضي الله سبحانه بينهم. والآية تفيد العموم في القضاء ماضياً وحاضراً ومستقبلاً بين كل مؤمن وكافر، وبين كل تائب وعاصٍ. ويقو الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾

стр. 7118

والخطاب هنا لرسول الله ﷺ َ. ونحن نعلم أن الرسول ﷺ َ قد قال من البداية إنه لا يشك في رسالته، وحين وعده أهله بالسيادة قال: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك

стр. 7119

هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته» . نقول: إن الحق يضمر خطاب الأمة في خطاب رسوله ﷺ َ؛ لأن الأتباع حين يقرأون ويسمعون الخطاب وهو موجَّه بهذا الأسلوب إلى الرسول ﷺ َ فهم لن يستنكفوا عن أيِّ أمر يصدر إليهم. ومثال ذلك: لو أن قائداً يصدر أمراً لاثنين من مساعديه اللذين يقودان مجموعتين من المقاتلين، فيقول القائد الأعلى لكل منهما: إياك أن تفعل كذا أو تصنع كذا. والقائد الأعلى بتعليماته لا يقصد المساعدين له، ولكنه يقصد كل مرءوسيهم من الجند. وجاء الأمر هنا لرسول الله ﷺ َ؛ لتفهم أمته أن الرسول ﷺ َ ما كان ليتأبَّى على أمر من أوامر الله، بل هو ﷺ َ ينفّذ كل ما يؤمر به بدقة؛ وذلك من باب خطاب الأمة في شخصية رسولها ﷺ َ. وقول الحق سبحانه: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] .

стр. 7120

هذا القول دليل على أن الذين عندهم علم بالكتاب من السابقين على رسول الله ﷺ َ، يعرفون الحقائق الواضحة عن رسالته ﷺ َ. وإن الذين يكابرون ويكفرون برسول الله ﷺ َ ورسالته إنما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقد قال عبد الله بن سلام: «لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد» . إذن: فالحق عندهم واضح مكتوبٌ في التوراة من بشارة به ﷺ َ، وهذا يثبت أنك يا محمد صادق في دعوتك، بشهادة هؤلاء. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ [يونس: ٩٤] . والحق القادم من الله تعالى ثابت لا يتغير؛ لأنه واقع، والواقع لا يتعدد، بل يأتي على صورة واحدة.

стр. 7121

أما الكذب فيأتي على صور متعددة. ولذلك فمهمة المحقِّق الدقيق أن يقلِّب أوجه الشهادات التي تقال أمامه في النيابة أو القضاء؛ حتى يأتي حكمه مصيباً لا مدخل فيه لتناقض، ولا يعتمد على تخيُّل أو أكاذيب. وقول الحق سبحانه: ﴿لَقَدْ جَآءَكَ الحق﴾ [يونس: ٩٤] . إنما يدل على أن الذين قرأوا الكتاب قد عرفوا أنك رسول الله حقّاً، ومنهم من ترك معسكر اليهودية، وجاء إلى معسكر الإيمان بك؛ لأن الحق الذي جاء لا دخل للبشرية فيه، بل جاء من ربك: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ [يونس: ٩٤] . ومجيْ الخطاب بهذا الشكل، هو كما قلت موجَّه إلى الأمَّة المؤمنة في شخص الرسول ﷺ َ. والحق سحبانه يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . هذا القول نزل على رسول الله ﷺ َ، ومن غير المعقول أن يشرك النبي ﷺ َ، وكل الآيات التي تحمل معاني التوجيه في الأمور المنزَّه عنها رسول الله ﷺ َ خاصَّة بأمته. وأيضاً يقول الحق سبحانه:

стр. 7122

﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين﴾ [يونس: ٩٥] . والقول الحكيم ساعة يوجِّه إلى الخير قد يأتي بمقابلة من الشر؛ لتتضح الأشياء بالمقارنة. ونحن في حياتنا اليومية نجد الأب يقول لابنه: اجتهد في دروسك، واستمع إلى مدرِّسيك جيّداً حتى تنجح، فلا تكن مثل فلان الذي رسب، والوالد في هذه الحالة يأتي بالإغراء الخيِّر، ويصاحبه بمقابله، وهو التحذير من الشر. وقد قال الشاعر: فالوَجْهُ مثلُ الصُّبحِ مُبْيَضُّ ... والشَّعْرُ مثلُ الليلِ مُسْوَدُّ ضِدَّانِ لمّا استجمعا حَسُنَا ... والضِّدُّ يُظْهِر حُسنَهُ الضِّدُّ ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ﴾

стр. 7123

وآيات الله سبحانه كما نعرفها متعددة؛ إما آيات كونية وهي الأصل في المعتقد الأول بأن خالقها هو الخالق الأعلى سبحانه، وتُلْفِت هذه الآيات إلى بديع صُنْعه سبحانه، ودقة تكوين خلقه، وشمول قدرتِه. وكذلك يُقصد بالآيات؛ المعجزات المنزلة على الرسل ﵈ لتظهر صدق كل رسول في البلاغ عن الله تعالى.

стр. 7124

وآيات القرآن الكريم التي تحمل منهج الله. وهم كانوا يُكذِّبون بكل الآيات. والخطاب في هذه الآية هو خطاب للنبي ﷺ َ، وجاء معطوفاً على ما في الآية السابقة، حيث يقول الحق سبحانه: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] . وكل ما يريد من مثل هذا القول لا يصح أن نفهم منه أن رسول الله ﷺ َ من الممكن أن يشك، أو من المحتمل أن يكون من الذين كذَّبوا بآيات الله ولكن إيراد مثل هذا الأمر، هو إيراد لدفع خواطر البشرية، أيًا كانت تلك الخواطر، فإذا وجدنا الخطاب المراد به رسول الله ﷺ َ في التنزيل، فغاية المراد اعتدال موازين الفهم في أمّته تعليماً وتوجيهاً؛ لأن المنهج مُنزّل عليه لتبليغه لأمته فهو شهيد على الأمم. وإذا كانت الآية التي سبقت توضح: إن كنت في شك فاسأل، فهو سبحانه يعطيه السؤال؛ ليستمع منه إلى الجواب، وليُسْمعه لكل الأمة؛ الجواب القائل: أنا لا أشك ولا أسأل، وحسبي ما أنزل الله سبحانه عليَّ. ألم يَرِدْ في القرآن الكريم أن الحق يقول للملائكة يوم القيامة بمحضر من عبدوا الملائكة، ويشير إلى هؤلاء الذين عبدوا الملائكة ومخاطباً ملائكته. ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] . ونحن نعلم أن الملائكة: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] .

стр. 7125

والحق سبحانه يعلم مسبقاً جواب الملائكة، وهم يقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١] . ولكنه أراد أن يُسْمِع من في الحشر كلهم جواب الملائكة وهم يستنكرون أن يعبدهم أحد من الخَلق، فهؤلاء الخلق إنما عبدوا الجن. إذن: فالسؤال جاء؛ ليبين الرد عليه، مثلما يرد عيسى ﵇ حين يُعبد من بعض قومه، ويسأله سبحانه عن ذلك: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] . فيأتي الجواب: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] . إذن: فالمراد أن يقول الرسول ﷺ َ: أنا لا أشك ولا أسأل. والشك كما نعلم معناه: تساوي كفة النفي وكفة الإثبات، فإن رجحت واحدة منهما فهذا ظن، وتكون المرجوحة وَهْماً وافتراء وكذباً. وكلمة «الشك» مأخوذة من مسألة حسية، فنحن نرى الصيادين وهم يصعون كل سمكة بعد اصطيادها في خيط يسمى «المشكاك» . وكذلك نرى من يقوم ب (لضْم) العقود، وهو يشك الحبة في الخيط. من هذا نأخذ أن الشك معناه: ضَمُّ شيء إلى شيء، ومنه الشكائك، وهي البيوت المنتظمة بجانب بعضها البعض.

стр. 7126

ومنه «شاك السلاح» أي: الذي ضَمَّ نفسه إلى الدرع. فالشك هو ضم شيء إلى شيء، وفي النسب تضم النفي والإثبات معاً؛ لأنك غير قادر على أن ترجِّح أحدهما. وكل خطاب في الشك يأتي على هذا اللون. والآية التي نحن بصددها تقول: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين﴾ [يونس: ٩٥] . ونحن نعلم أن الرسول ﷺ َ هو نفسه آية من الآيات، وهكذا نرى أن الخطاب مُوجَّه لأمته، فمن المستحيل أن يكون الرسول ﷺ َ من المكذِّبين لآيات الله لأن التكذيب بآيات الله تعالى يعني: إخراج الصدق إلى الكذب، وإخراج الواقع إلى غير الواقع. والذين كذبوا بالآيات إما أنهم لا يؤمنون بإله، أو يؤمنون بإله ولا يؤمنون برسول، أو يؤمنون بإله ويؤمنون برسول ولا يؤمنون بما أنزِل على الرسول ﷺ َ. والذي يؤيد هذا وجود آية في آخر السورة يقول فيها الحق سبحانه: ﴿قُلْ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [يونس: ١٠٤] .

стр. 7127

فكأن الخطاب المقصود منه الأمة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿إِنَّ الذين حَقَّتْ﴾

стр. 7128

وهذا القول يوضح لنا أن الحق قد علم عِلْماً أزليّاً بأنهم لن يُوجِّهوا اختيارهم للإيمان. فحكمه هنا لا ينفي عنهم مسئولية الاختيار، ولكنه علم الله الأزلي بما سوف يفعلون، ثم جاءوا إلى الاختيار فتحقق علم الله بهم من سلوكهم. وحُكمْه سبحانه مبنيٌّ على الاختيار، وهو حكم تقديري. ومثال ذلك ولله المثل الأعلى حين يأتي وزير الزراعة، ويعلن أننا قدَّرنا محصول القطن هذا العام، بحساب مساحة الأراضي المنزرعة قطناً، وبالمتوسط المتوقع لكل فدان، وقد يصيب الحكم، وقد يخيب نتيجة العوامل والظروف الأخرى المحيطة بزراعة القطن، فمن المحتمل أن يُصاب القطن بآفة من الآفات، مثل: دودة اللوزة، أو دودة الورقة. إذن: ففي المجال البشري قد يصيب التقدير وقد يخطىء؛ لأن الإنسان يُقدِّر بغير علم مُطْلق، بل بعلم نسبي. أما تقدير الحق سبحانه فهو تقدير أزلي، وحين يُقدّر الحق سبحانه فلا بد من وقوع ما قدَّره.

стр. 7129

ولذلك يجب أن نفرق بين قضاء حكم لازم قهري ليس للإنسان فيه تصرف، وبين قدر قد قُدِّر من الله تعالى أن يفعله الإنسان باختياره، وهذه هي عظمة علم الغيب. ومثال ذلك: هو سلوك أبي لهب، فقد نزل فيه قرآن يُتلَى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١٢] . وقد نزلت السورة وأبو لهب على قيد الحياة؛ لأن الحق سبحانه قد علم أزلاً أن خواطر أبي لهب لن تدفعه إلى الإيمان، ولو أن أبا لهب امتلك ذرة من ذكاء لجاء لرسول الله ﷺ َ وقال: أنت قلت عنِّي إنني سأصْلَى النار، لكن ها أنذا أعلن أنني أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. لكن ذلك الذكاء لم يكن يملكه أبو لهب، فقد علم الله أزلاً أن خواطره لن تدفعه إلى الإسلام، مثلما دفعت حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ َ وعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص. وكان إسلام هؤلاء رغم وقوفهم ضد النبي ﷺ َ أمراً وارداً. وقد يُقدِّر البشر التقدير، لكن هذا التقدير إنما يتم حسب المعلومات

стр. 7130

المتاحة لهم، ولا يملك إنسان علماً كونيّاً أزليّاً بتقديراته، فعلمه محدود، وقد يأتي الأمر على غير ما يُقدِّر؛ لأن الإنسان لا يملك ما يقدر. ولا يقولنَّ أحدٌ: إن الله يعاقب بعد أن قدَّر مسبقاً؛ لأن تقدير الحق سبحانه نابع من علمه الأزلي، وهم كانوا يتمتعون بحق الاختيار. والله سبحانه هو القائل: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤١٢٥] . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُاْ﴾

стр. 7131

إذن: فمجيء الآيات وتكرارها لن يفيدهم في الاتجاه إلى الإيمان؛ لأن الحق سبحانه يعلم أنهم سيتوجهون باختيارهم إلى الكفر؛ فقد قالوا من قبل ما أورده الحق سبحانه في كتابه العزيز: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء

стр. 7132

كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٠٩٣] . وكأن الحق سبحانه يأمر رسوله أن يقول موضحاً: لستُ أنا الذي يُنزل الآيات، بل الآيات من عند الله تعالى، ثم يأتي القرآن بالسبب الذي لم تنزل به تلك الآيات التي طلبوها، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون﴾ [الإسراء: ٥٩] . إذن: فقد نزلت آيات كثيرة لمن سبق في المعاندة والمعارضة، ويقابل قضية عرض الإيمان عليه بكفر يملأ قلبه. فإن كان هناك من يبحث عن الإيمان فليدخل على بحث الإيمان بدون مُعتقد سابق، ولينظر إلى المسألة، وما يسمح به قلبه فليُدخله فيه؛ وبهذا الاختيار القلبي غير المشروط بمعتقد سابق هو قمة القبول. وقد قال الحق سبحانه في الآيات السابقة كلاماً في الوحدانية، وكلاماً في الآيات المعجزات، وكلاماً في صدق النبوة، وكلاماً عن القيامة،

стр. 7133

وقصَّ لنا سبحانه بعضاً من قصص مواكب الرسل، من نوح ﵇، ثم فصَّل قليلاً في قصة موسى وهارون ﵉، ثم سيأتي من بعد ذلك بقصة يونس ﵇. ونحن نلحظ أن الحق سبحانه جاء بقصة نوح ﵇ في إطناب، ثم جاء بخبر عن رسل لم يَقُلْ لنا عنهم شيئاً، ثم جاء بقصة موسى وهارون ﵉، ثم سيأتي من بعد ذلك بقصة يونس ﵇، فالسورة تضم ثلاثاً من الرسالات: رسالة نوح، ورسالة موسى وهارون، ورسالة يونس: وهو الرسول الذي سُمِّيت السورة باسمه. ولسائل أن يقول: ولماذا جاء بهؤلاء الثلاثة في هذه السورة؟ وأقول: لقد تعبنا كثيراً، ومعنا كثير من المفسرين حتى نتلمَّس الحكمة في ذلك، ولماذا لم تأت في السورة قصة هود، وثمود، وشعيب، وكان لا بد أن تكون هناك حكمة من ذلك. هذه الحكمة فيما تجلى لنا أن الحق يعرض موكب الرسالة وموكب المعارضين لكل رسول، والنتيجة التي انتهى إليها أمر الأعداء، وكذلك النتيجة التي انتهى إليها أمر الرسول ومَنْ آمن به. ونجد الذين ذكرهم الله سبحانه هنا قد أهلكوا إهلاكاً متحداً بنوع واحد في الجميع، فإهلاك قوم نوح كان بالغرق، وكذلك الإهلاك لقوم فرعون كان بالغرق، وكذلك كانت قصة سيدنا يونس لها علاقة بالبحر، فقد ابتلعه الحوت وجرى في البحر.

стр. 7134

إذن فمَنْ ذُكِر هنا من الرسل كان له علاقة بالماء، أما بقية الموكب الرسالي فلم تكن لهم علاقة بالماء. ونحن نعرف أن الماء به الحياة، وبه الإهلاك؛ لأن واهب الحياة يهب الحياة بالشيء، ويُهلك بالشيء نفسه. وكأن الحق سبحانه يبيِّن لنا الحكمة: أنا أهلكتُ بالغرق هناك، ونجَّيْتُ من الغرق هنا. إذن: فطلاقة القدرة الإلهية هي المستولية على هذه السورة، كما تظهر طلاقة القدرة في مجالات أخرى، وبألوان أخرى. وسُميِّت هذه السورة باسم يونس؛ لأن الحق سبحانه أرسله إلى أكثر من مائة ألف، وهم الأمة الوحيدة في هذا المجال التي استثناها الحق سبحانه من الإهلاك، فقد أغرق قوم نوح، وأغرق قوم فرعون؛ فكلاهما قد كذَّب الرسل، ولكن قوم يونس أول ما رأوا البأس آمنوا فأنجاهم الله سبحانه. وسُمِّيت السورة باسم من نجا؛ لأنه عاد إلى الحق سبحانه قبل أن يعاين العذاب، ولكنهم رأوا فقط بشائر العذاب، فنجَّوا أنفسهم بالإيمان. وهنا يقول الحق :

стр. 7135

﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا﴾

стр. 7136

وهكذا يبيِّن لنا الحق سبحانه أن هناك كثيراً من القرى لم تؤمن إلا وقت العذاب، فلم ينفع أيّاً منهم هذا الإيمان، ولكن قوم يونس قبل أن تأتي بشائر العذاب والبأس أعلنوا الإيمان فَقَبِل الحق سبحانه إيمانهم؛ لأنه سبحانه لا يظلم عباده. فمَنْ وصل إلى العذاب، وأعلن الإيمان من قلب العذاب لا يُقبَلُ منه، ومن أحس واستشفَّ بواكير العذاب وآمن فالحق يقبله. وكملة «لولا» إذا سمعتها فمثلها مثل «لوما» ، وإذا دخلت «لولا» على جملة اسمية فلها حكم يختلف عن حكمها لو دخلت على جملة فعلية، فحين تدخل على جملة اسمية مثل: «لولا زيد عندك لأتيتك» تفيد أن امتناع المجيء هو بسبب وجود زيد، لكنها إن دخلت على جملة فعلية فيقال عنها: «أداة تحضيض وحَثّ» مثل قول الحق سبحانه: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] .

стр. 7137

أي: أنه كان يجب أن ينفر من كل طائفة عدد ليتدارسوا أمور الدين. والحق يقول هنا: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] . أي: أنه لو أن هناك قرية آمنت قبل أن ينزل بها العذاب لأنجيناها كما أنجينا قوم يونس، أو كنا نحب أن يحدث الإيمان من قرية قبل أن يأتيها العذاب. إذن: فقوم يونس هنا مُسْتثنون؛ لأنهم آمنوا قبل أن يأتيهم العذاب. وهناك آية أخرى تتعلق بهذه القصة، يقول فيها الحق سبحانه: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣١٤٤] . أي: أن الذي منع يونس ﵇ أن يظل في بطن الحوت إلى يوم البعث هو التسبيح. وهنا يبيِّن الحق سبحانه الاستثناء الذي حدث لقوم يونس حين يقول: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .

стр. 7138

أي: أن الإيمان نفع قرية قوم يونس قبل أن يقع بهم العذاب. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] . ونحن نعلم أن كلمة «قرية» تعني: مكاناً مُهيّأ، أهله متوطنون فيه، فإذا ما مَرَّ عليهم زائر في أي وقت وجد عندهم قرىً أي: وجبة طعام. ونحن نجد من يقول عن الموطن كثير السكان كلمة «بلد» ، وهؤلاء من يملكون طعاماً دائماً، أما من يكونون قلة قليلة في موطن ففي الغالب ليس عندهم من الطعام إلا القليل الذي يكفيهم ويكفي الزائر لمرة واحدة. وتسمى مكة المكرمة «أم القرى» ؛ لأن كل القرى تزورها. وقرية قوم يونس اسمها «نينوى» قد حكى عنها النبي ﷺ َ في قصة الذهاب للطائف، وهي قرية العبد الصالح يونس بن مَتَّى، وهي في

стр. 7139

العراق ناحية الموصل، ويونس هو من قال عنه الله سبحانه: ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وكلمة «مغاضب» غير كلمة «غاضب» ، فالغاضب هو الذي يغضب دون أن يُغضبه أحد، لكن المغاضب هو من أغضبه غيره. وكذلك كلمة «هجر» ، ومهاجر، فالمهاجر هو من أجبره أناس على أن يهاجر، لكن من هجر هو من ذهب طواعية بعيداً. والمغاضبة إذن تكون من جهتين، وتسمى «مفاعلة» . والحق سبحانه يقول: ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وسُمِّي سيدنا يونس ﵇ بذى النون؛ لأن اسمه اقترن بالحوت الذي ابتلعه. وكلنا نعرف القصة، حينما دعا قومه إلى الإيمان وكفروا به في البداية؛ لأن الرسول حين يجيء إنما يجيء ليقوِّم الحياة الفاسدة؛ فيضطهده من يعيشون على الفساد؛ لأنهم يريدون الاحتفاظ بالجبروت الذي يسمح لهم بالسرقة والاختلاس وإرواء أهواء النفس، فلما فعلوا ذلك مع سيدنا يونس ﵇ خرج مغاضباً، أي: أنهم أغضبوه. والمغاضبة كما قلنا من المفاعلة وتحتاج إلى عنصرين، مثلما أوضحنا أن الهجرة أيضاً مفاعلة؛ لأن الرسول ﷺ َ لم يهجر مكة، بل ألجأه قومه إلى أن يهاجر، فكان لهم مدخل في الفعل.

стр. 7140

وأبو الطيب المتنبي يقول في هذا المعنى: إذَا ترحَّلت عن قومٍ وقد قَدروا ... ألاَّ تُغادِرهم فَالرَّاحِلون هُمُ أي: إن كنت تعيش مع قوم، وأردت أن تفارقهم وقد قدروا أن تعيش معهم، فالذي رحل حقيقة هم هؤلاء القوم. ويقول الحق بعد خروج يونس مغاضباً: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . أي: أنه رجَّح أن الحق سبحانه لن يُضيِّق عليه الأرض الواسعة، وسيهيىء له مكاناً آخر غير مكان المائة الألف أو يزيدون الذين بعثه الله تعالى إليهم. وكان من المفروض أن يتحمل الأذى الصادر منهم تجاهه، لكن هذا الظن والظن ترجيح حكم يدلنا على أن معارضة دعوته كانت شديدة تُحْفِظ وتملأ القلب بالألم والتعب. وكان عليه أن يُوطِّن نفسه على مواجهة مشقات الدعوة. والقرية التي أرسِل إليها يونس ﵇ هي قرية: «نينوى» ، وهي التي جاء ذكرها في أثناء حوار بين النبي ﷺ َ والغلام النصراني «عداس» الذي قابله ﷺ َ في طريق عودته من الطائف.

стр. 7141

«وكان النبي ﷺ َ قد ذهب إلى الطائف ليطلب من أهلها النصرة بعد أن آذاه قومه في مكة فلم يجد النصير، وجلس النبي ﷺ َ قريباً من حائط بستان. فلما رآه صاحبا البستان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وما لقي من السفهاء؛ تحركت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً، يقال له عَدَّاس، فقالا له: خُذْ قِطْفاً من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عَدَّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ َ ثم قال له: كُلْ، فلما وضع رسول الله ﷺ َ فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ َ:» ومنْ أهل أيِّ البلاد أنت يا عدَّاس، وما دينك؟ «. قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى؛ فقال رسول الله ﷺ َ:» من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى «؛ فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متَّى؟ فقال رسول الله ﷺ َ:» ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي «، فأكبَّ عداس على رسول الله ﷺ َ يُقبِّل رأسه ويديه وقدميه. ولما سأل صاحبا البستان عدَّاساً عن صنيعه هذا. قال لهما: لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي» .

стр. 7142

ونحن نعلم أن العبد الصالح يونس ﵇ قد تأثر وحزن وغضب من عدم استجابة قومه لرسالته الإيمانية، إلى أن رأوا غَيْماً يملأ السماء وعواصف، والقى الله تعالى في خواطرهم أن هذه العواصف هي بداية عذاب الله لهم؛ فَهُرعوا إلى ذوي الرأي فيهم، فاشاروا عليهم بأن هذه هي بوادر العذاب، وقالوا لهم: عليكم بإرضاء يونس؛ لأن الله هو الذي أرسله، فآمِنوا به ليكشف عنك الغُمَّة. وهُرع الناس إلى الإيمان بالحي الذي لا يموت، الحيُّ حين لا حيَّ، والقيوم والمُحيي والمميت. وذهب قوم يونس ﵇ لاسترضائه؛ وحين رضي عنهم بدأوا ينظرون في المظالم التي ارتكبوها، حتى إن الرجل منهم كان ينقض ويهدم جدار يته؛ لأنه فيه حجراً قد اختلسه من جار له. وكشف الله عنهم العذاب، وهنا يقول سبحانه: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] . ومن لوازم قصة يونس ﵇، ليست المغاضبة فقط، بل قصته مع الحوت، فقد كان ﵇ بعد مغاضبته لقومه قد ركب سفينة،

стр. 7143

فلعبت بها الأمواج فاضطربت اضطراباً شديداً، وأشرفت على الغرق بركابها؛ فألقوا الأمتعة في البحر؛ لتخِفَّ بهم السفينة؛ فاستمر اضطرابها، فاقترعوا على أن يلقوا إلى البحر من تقع عليه القرعة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس ﵇. مثلما نركب مصعداً، فنجد الضوء الأحمر وقد أضاء إنذاراً لنا بأن الحمولة زائدة، وأن المصعد لن يعمل فيخرج منه واحد أو أكثر حتى يتبقى العدد المسموح به، وعادة يكون الخارج من أحسن الموجودين خُلقاً، لأنهم أرادوا تسهيل أعمال الآخرين. كذلك كان الأمر مع السفينة التي ركبها يونس ﵇، كادت أن تغرق، فاقترعوا، وصار على يونس أن ينزل إلى البحر. والحق سبحانه يقول: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدحضين﴾ [الصافات: ١٤١] . ونزل يونس ﵇ إلى البحر فالتقمه الحوت وابتلعه. ويقول الحق عن وجود سيدنا يونس ﵇ في بطن الحوت: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣١٤٤] . وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه:

стр. 7144

﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا﴾ [يونس: ٩٨] . وعذاب الخزي في الحياة الدنيا يمكن أن تراه مُجسَّداً فيمن افترى وتكبَّر على الناس، ثم يراه الناس في هوان ومذلة، هذا هو عذاب الخزي في الدنيا، ولا بد أن عذاب الآخرة أخْزَى وأشَدُّ. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] . أي: أنهم نَجَوْا من الهلاك بالعذاب إلى أن انتهت آجالهم بالموت الطبيعي. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ﴾

стр. 7145

والحق يبيِّن لنا أنه إن قامت معركة بين نبي مرسل ومعه المؤمنون به، وبين من كفروا به، فلا بد أن يُنزِل الحق سبحانه العذاب بمن كفروا.
следующие страницы →