← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

وقد قال يوسف لمن ظن أنه نَاجٍ: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ. .﴾ [يوسف: ٤٢] . أي: اذكر ما وجدته عندي من خير أمام سيدك. وقال بعض المفسرين: إن يوسف ﵇ حين نطق هذا القول؛ شاء له الله أن يمكث في السجن بضع سنين؛ فما كان ينبغي له كرسول أن يُوسِّط الغير في مسألة ذِكْره بالخير عند سيد ذلك السجين. فيوسف كرسول إنما يتلقى عن الله بواسطة الوحي؛ وهو قد قال لذلك السجين وزميله: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي﴾ [يوسف: ٣٧] . وهذا يعني أنه يستقبل عن الله مباشرة، وكان عليه أن يظل موصولاً بالمصدر الذي يفيض عليه. ويتابع الحق سبحانه: ﴿فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] . ونسيان ذكر الله فيه نوع من العقوبة، أو يحمل شيئاً من التأديب ليوسف، وهكذا نرى أن الشيطان نفسه إنما يُعِين الحق على مُرَاداته من خَلْقه.

стр. 8017

وهذا ما يشرح لنا بقاء يوسف في السجن بضع سنين؛ ونعرف أن البِضْع من السنين يعني من ثلاث سنوات إلى عَشْر سنوات، وبعض العلماء حَدَّده بسبع سنين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الملك ... ﴾ .

стр. 8018

والأرض التي وقعتْ عليها، وجَرَتْ فوقها تلك القصة هي مصر، وسبق أن عرفنا ذلك حين قال الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ﴾ [يوسف: ٢١] . وهكذا نعرف أن هناك «ملك» ، وهناك «عزيز» . ونحن نعلم أن حكام مصر القديمة كانوا يُسمَّوْنَ الفراعنة، وبعد أن اكتُشِفَ «حجر رشيد» ، وتم فَكُّ ألغاز اللغة الهيروغليفية؛ عرفنا

стр. 8019

أن حكم الفراعنة قد اختفى لفترة؛ حين استعمر مصرَ ملوكُ الرُّعاة، وهم الذين يُسمَّوْنَ الهكسوس. وكانت هذه هي الفترة التي ظهر فيها يوسف، وعمل يوسف وأخوه معهم، فلما استرجع الفراعنة حكم مصر طردوا الهكسوس، وقتلوا مَنْ كانوا يُوالونهم. وحديث القرآن عن وجود مَلِك في مصر أثناء قصة يوسف ﵇ هو من إعجاز التنبؤ في القرآن. وساعة تقرأ: ﴿وَقَالَ الملك إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف: ٤٣] . ثم يطلب تأويل رؤياه؛ فهذا يعني أنها رُؤيا منامية. وكلمة: ﴿سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣] . أي: مُمْتلئة اللحم والعافية. وكلمة ﴿عجاف﴾ أي: الهزيلة؛ كما يُقال عند العامة «جلدها على عظمها» ؛ فكيف تأكل العجاف السمان؛ مع أن العكس قد يكون مقبولاً؟ وأضاف الملك: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ... ﴾ [يوسف: ٤٣] . ولم يَصِف الملك أيَّ فعل يصدر عن السنابل، ثم سأل مَنْ حوله من أعيان القوم الذين يتصدرون صُدور المجالس، ويملأون العيون:

стр. 8020

﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] . وكلمة (تعبرون) مأخوذة من «عبر النهر» أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ، وكأنه يطلب منهم المراد المَطْوي في الرُّؤيا. ومن هذا المعنى أخذنا كلمة «العبْرة» ، وهي التجربة التي نستفيد منها، ومنه أيضاً «العبارَة» وهو أن يكون هناك شيء مكتوم في النفس، ونُؤدِّيه، ونُظهِره بالعبارة. ومنه «العَبْرة» ، وهو الدَّمعْة التي تسقط من العين تعبيراً عن مشاعر ما؛ سواء كانت مشاعر حُزْن أو فرح، والمادة كلها تدور حول تعريف مجهول بمعلوم. وهكذا يفعل مُفسِّر الرُّؤْيا حين يَعبُر من خلال رموزها من الخيال إلى الحقيقة. ولم يعرف الملأ الذين حول المَلِك تفسيراً للرُّؤيا التي رآها في منامه. ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: ﴿قالوا أَضْغَاثُ ... ﴾ .

стр. 8021

وهكذا أعلن الملأ أن رؤيا الملك ليست سوى أخلاط أحلام بلا معنى.

стр. 8022

و «الضِّغْث» هو حِزْمة من الحشائش مختلفة الأجناس؛ فكأن رُؤْيا الملك لا تأويلَ لها عندهم؛ لأنهم ليسوا من أهل التمييز في التأويل. وهذا صِدْق من البطانة في ألاَّ يخبر أحدهم بشيء، إلا إذا كان على علم به؛ ولا يضير أحدهم أن يعلن جهله بأمر ما لا يعلمه. والذي يعلن جهله بأمر لسائله ويكون قد علمه يجعله يسأل غيره، أما إن أجاب بجواب؛ فربما جعله يَثْبُتُ على هذا الجواب. ولذلك قال العلماء ليفسحوا مجال الصِّدْق في الفُتْيا: «مَنْ قال لا أدري فقد أفتى» ؛ لأنه حين يقول «لا أدري» ؛ سيضطرك إلى أن تسأل غيره. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الذي ... ﴾ .

стр. 8023

وكان الذي نجا من السجينين يسمع مقالة الملك وردّ الملأ؛ فاسترجع بذاكرته ما مَرَّ عليه في السجن، وكيف رأى الرُّؤيا، وكيف قام يوسف بتأويلها.

стр. 8024

وقوله: ﴿وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ. .﴾ [يوسف: ٤٥] . يعني: أنه أجهد عقله وذهْنه؛ وافتعل التذكُّر لأن فترة لا بأس بها من الزمن قد مَرَّتْ، وكلمة «أمة» تعني فترة من الزمن؛ كما في قول الحق ﵎: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [هود: ٨] . و «الأمة» قد يُراد بها الجماعة من الناس، ويُراد بها أيضاً الرجل الجامع لكل صفات الخير، كما قال الحق سبحانه في وصف إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين﴾ [النحل: ١٢٠] . أي: أن كل خصال الخير مجموعة في إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام، وبعد أن افتعل ساقي الملك واجتهد ليتذكر ما حدث له منذ فترة هي بضع سنين؛ أيام أنْ كان سجيناً ورأى رُؤيا منامية أوَّلَها له يوسف، قال الساقي للملأ وللملك عن تلك الرؤيا: ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] . وبذلك استأذن ليذهب إلى مَنْ يُؤوِّل له رُؤيا الملك. وقوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] .

стр. 8025

يعني أن التأويل ليس من عنده؛ بل هو يعرف مَنْ يستطيع تأويل الرُّؤى. ونلحظ أن القرآن لم يحمل على لسان هذا الرجل: إلى من سوف يذهب؛ لأن ذلك معلوم بالنسبة له ولنا، نحن الذين نقرأ السورة. وانتقل القرآن من طلب الإرسال إلى لقاء يوسف ﵇؛ فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان ساقي الملك: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ... ﴾ .

стр. 8026

وقوله: ﴿أَيُّهَا الصديق﴾ [يوسف: ٤٦] . يدل على أنه قد جرَّبه في مسائل متعددة، وثبت صدقه. و «صِدِّيق» لا يقتصر معناها على أنه صادق في كل أقواله؛ وصادق في كل أفعاله، وصادق في كل أحواله، ولكن معناها يتسع لِيدُلَّنا على أن الصدق ملازم له دائماً في القول وفي الفعل.

стр. 8027

أما في الأقوال فصدقه واضح؛ لأنه يقول القضية الكلامية ولها واقع من الخارج يدلُّ عليها. وأما صدق الأفعال فهو ألاَّ تُجرِّب عليه كلاماً، ثم يأتي فعله مخالفاً لهذا الكلام؛ وهذا هو مَنْ نطلق عليه «صِدِّيق» . ونحن نعلم أن حركات الإنسان في الحياة تنقسم قسمين؛ إما قول وإما فعل؛ والقول أداته اللسان، والفعل أداته كل الجوارح. إذن: فهناك قول، وهناك فعل؛ وكلاهما عمل؛ فالقول عمل؛ والرؤية بالعين عمل؛ والسمع بالأذن عمل، والمسُّ باليد عمل. لكن القول اختصَّ باللسان، وأخذتْ بقية الجوارح الفعل؛ لأن الفعل هو الوسيلة الإعلامية بين متكلم وبين مخاطب، وأخذ شق الفعل. وهكذا نعلم أن الفعل قسمان: إما قول؛ وإما فعل. والصَّدِّيق هو الذي يصدُق في قوله، بأن تطابق النسبة الكلامية الواقع، وصادق في فعله بألاَّ يقول ما لا يفعل. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] . ونعلم أن ساقي الملك كانت له مع يوسف تجربتان:

стр. 8028

التجربة الأولى: تجربة مُعَايشته في السجن هو وزميله الخباز، وقولهما له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ [يوسف: ٣٦] . وكان قولهما هذا هو حيثية سؤالهم له أن يُؤوِّل لهما الرؤييين: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ [يوسف: ٣٦] . والتجربة الثانية: هي مجيء واقع حركة الحياة بعد ذلك مطابقاً لتأويله للرؤييين. ولذلك يقول له هنا: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] . أي: أفتِنَا في رُؤيا سبع بقرات سِمَان؛ يأكلهن سبعُ بقرات شديد الهُزَال، وسبع سُنْبلات خُضْر، وسبع أُخر يابسات، لَعلِّي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون. وقوله: ﴿أَفْتِنَا﴾ [يوسف: ٤٦] . يوضح أنه لا يسأل عن رؤيا تخصُّه؛ بل هي تخص رائياً لم يُحدده، وإنْ كنا قد عرفنا أنها رُؤيا الملك. وقوله: ﴿لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس﴾ [يوسف: ٤٦] . هو تحرُّز واحتياط في قضية لا يجزم بها؛ وهو احتياط في واقع

стр. 8029

قدر الله مع الإنسان، والسائل قد أخذ أسلوب الاحتياط؛ ليخرجه من أن يكون كاذباً، فهو يعلم أن أمر عودته ليس في يده؛ ولذلك يُعلمنا الله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ [الكهف: ٢٣٢٤] . وساعة تقول: «إن شاء الله» تكون قد أخرجتَ نفسك من دائرة الكذب؛ وما دُمْتَ قد ذكرتَ الله فهو سبحانه قادر على أن يَهديك إلى الاختيار المناسب في كل أمر تواجه فيه الاختيار. فكأن الله يُعلِّم عباده أن يحافظوا على أنفسهم، بأن يكونوا صادقين في أقوالهم وأفعالهم؛ لأنك مهما خططتَ فأنت تخطط بعقل موهوب لك من الله؛ وحين تُقدِم على أيِّ فعل؛ فأيُّ فعل مهما صَغُر يحتاج إلى عوامل متعددة وكثيرَة، لا تملك منها شيئاً؛ لذلك فعليك أنْ تردَّ كلَّ شيء إلى مَنْ يملكه. وهنا قال الساقي: ﴿لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس﴾ [يوسف: ٤٦] . وبذلك يُعلِّمنا الحق سبحانه الاحتياط. وأضاف الحق سبحانه على لسان الرجل: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] . وكأن الرجل قد عرف أنه حين يأخذ التأويل من يوسف عليه

стр. 8030

السلام؛ ويعود به إلى الناس؛ فهو لا يعلم كيف يستقبلون هذا التأويل؟ أيستقبلونه بالقبول، أم بالمُحاجَّة فيه؟ أو يستقبلون التأويل بتصديق، ويعلمون قَدْرك ومنزلتك يا يوسف؛ فيُخلِّصوك مما أنت فيه من بلاء السجن. وقوله تعالى: ﴿لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس ... .﴾ [يوسف: ٤٦] . قد يدفع سائلاً أن يقول: مَنِ الذي كلَّف الساقي بالذَّهاب إلى يوسف؛ أهو الملك أم الحاشية؟ ونقول: لقد نسبها الساقي إلى الكل؛ للاحتياط الأدائي. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ ... ﴾ .

стр. 8031

وهذه بداية تأويل رُؤْيا الملك. والدَّأْب معناه: المُواظبة؛ فكأن يوسف ﵇ قد طلب أن يزرع أهل مصر بدأبٍ وبدون كسل.

стр. 8032

ويتابع: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧] . أي: ما تحصدونه نتيجة الزرع بجِدٍّ واجتهاد؛ فلكم أنْ تأكلوا القليل منه، وتتركوا بقيته محفوظاً في سنَابله. والحفظ في السنابل يُعلِّمنا قَدْر القرآن، وقدرة مَنْ أنزل القرآن سبحانه، وما آتاه الله جل علاه ليوسف ﵇ من علم في كل نواحي الحياة، من اقتصاد ومقومات التخزين، وغير ذلك من عطاءات الله، فقد أثبت العلم الحديث أن القمح إذا خُزِّن في سنابله؛ فتلك حماية ووقاية له من السوس. وبعض العلماء قال في تفسير هذه الآية؛ إن المقصود هو تخزين القمح في سنابله وعيدانه. وأقول: إن المقصود هو تَرْك القمح في سنابله فقط؛ لأن العيدان هي طعام الحيوانات. ونحن نعلم أن حبة القمح لها وعاءان؛ وعاء يحميها؛ وهو ينفصل عن القمحة أثناء عملية «الدَّرْس» ؛ ثم يطير أثناء عملية «التذرية» مُنفصِلاً عن حبوب القمح. ولحبة القمح وعاء ملازم لها، وهو القشرة التي تنفصل عن الحبة حين نطحن القمح، ونسميها «الردة» وهي نوعان: «ردة خشنة» و «ردة ناعمة» . ومن عادة البعض أن يَفصِلوا الدقيق النقي عن «الردة» ،

стр. 8033

وهؤلاء يتجاهلون أو لا يعرفون الحقيقة العلمية التي أكدت أن تناول الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض الخالي من «الردة» يصيب المعدة بالتلبُّك. فهذه القشرة الملازمة لحبة القمح ليست لحماية الحبة فقط؛ بل تحتوي على قيمة غذائية كبيرة. وكان أغنياء الريف في مصر يقومون بتنقية الدقيق المطحون من «الردة» ويسمُّونه «الدقيقة العلامة» ؛ الذي إنْ وضعت ملعقة منه في فمك؛ تشعر بالتلَبُّك؛ أما إذا وضعت ملعقة من الدقيق الطبيعي الممتزج بما تحتويه الحبة من «ردة» ؛ فلن تشعر بهذا التلبُّك. ويمتنُّ الله على عباده بذلك في قوله الحق: ﴿والحب ذُو العصف والريحان﴾ [الرحمن: ١٢] . وقد اهتدى علماء هذا العصر إلى القيمة الفاعلة في طَحْن القمح، مع الحفاظ على ما فيه من قشر القمح، وثبت لهم أن مَنْ يتناول الخبز المصنوع من الدقيق النقي للغاية؛ يعاني من ارتباك غذائي يُلجِئه إلى تناول خبز مصنوع من قِشْر القمح فقط، وهو ما يسمى «الخبز السِّن» ؛ ليعوض في غذائه ما فقده من قيمة غذائية. وهنا يقول الحق سبحانه:

стр. 8034

﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧] . وهكذا أخبر يوسف الساقي الذي جاء يطلب منه تأويل رُؤْيا الملك؛ بما يجب أن يفعلوه تحسُّباً للسنوات السبع العجاف التي تلي السبع سنوات المزدهرة بالخُضْرة والعطاء، فلا يأكلوا مِلْء البطون؛ بل يتناولوا من القمح على قَدْر الكفاف: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧] . ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف ﵇ من بقية التأويل لحُلْم الملك: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن ... ﴾ .

стр. 8035

وهكذا أوضح يوسف ﵇ ما سوف يحدث في مصر من جَدْب يستمر سبع سنوات عجاف بعد سبع سنوات من الزرع الذي يتطلب هِمَّة لا تفتر. وقوله سبحانه في وصف السبع «سنوات» بأنها: ﴿شِدَادٌ. .﴾ [يوسف: ٤٨] . يعني: أن الجَدْب فيها سوف يُجهِد الناس؛ فإنْ لم تكُنْ هناك

стр. 8036

حصيلة تَمَّ تخزينها من محصول السبع السنوات السابقة، فقد تحدُث المجاعة، وليعصم الناسُ بطونهم في السنوات السبع الأولى، وليأكلوا على قَدْر الضرورة؛ ليضمنوا مواجهة سنوات الجَدْب. ونحن نعلم أن الإنسان يستبقي حياته بالتنفس والطعام والشراب؛ والطعام إنما يَمْري على الإنسان، ويعطيه قوة يواجه بها الحياة. ولكن أغلب طعامنا لا نهدف منه القوة فقط؛ بل نبغي منه المتعة أيضاً، ولو كان الإنسان يبغي سَدَّ غائلة الجوع فقط، لاكتفى بالطعام المسلوق، أو بالخبز والإدام فقط، لكننا نأكل للاستمتاع. ويتكلم الحق سبحانه عن ذلك فيقول: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤] . أي: بدون أن يضرك، ودون أن يُلجِئك هذا الطعام إلى المُهْضِمات من العقاقير. وهذا هو المقصود من قول الحق سبحانه: ﴿هَنِيئاً ... ﴾ [النساء: ٤] ، أما المقصود بقوله: ﴿مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤] .

стр. 8037

فهو الطعام الذي يفيد ويمدُّ الجسم بالطاقة فقط؛ وقد لا يُستساغ طعمه. وهنا قال الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] . وبطبيعة الحال نفهم أن السنوات ليست هي التي تأكل؛ بل البشر الذين يعيشون في تلك السنوات هم الذين يأكلون. ونحن نفهم ذلك؛ لأننا نعلم أن أي حدث يحتاج لزمان ولمكان؛ ومرة يُنسب الحَدث للزمان؛ ومرة يُنسب الحَدث للمكان. والمثال على نسبة الحَدث للمكان هو قول الحق سبحانه: ﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير ... ﴾ [يوسف: ٨٢] . وطبعاً نفهم أن المقصود هو سؤال أهل القرية التي كانوا فيها، وأصحاب القوافل التي كانت معهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد الحدث منسوباً للزمان؛ وهم سيأكلون مما أحصنوا إلا قليلاً؛ لأنهم بعد أن يأكلوا لا بد لهم من الاحتفاظ بكمية من الحبوب والبُذُور لاستخدامها كتقاوي في العام التالي لسبع سنوات موصوفة بالجدب.

стр. 8038

وقوله تعالى: ﴿مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] . نجده من مادة «حصن» وتفيد الامتناع؛ ويقال: «أقاموا في داخل الحصن» أي: أنهم إنْ هاجمهم الأعداء؛ يمتنعون عليهم؛ ولا يستطيعون الوصول إليهم. ويقول الحق سبحانه: ﴿والمحصنات مِنَ النسآء ... ﴾ [النساء: ٢٤] . أي: المُمْتنعات عن عملية الفجور؛ وهُنَّ الحرائر. وأيضاً يقول الحق سبحانه: ﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١] . أي: التي أحكمتْ صيانة عِفَّتها، وهي السيدة مريم البتول ﵍، وهكذا نجد مادة «حصَن» تفيد الامتناع. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ... ﴾ .

стр. 8039

ونلحظ أن هذا الأمر الذي تحدث عنه يوسف ﵇ خارج عن تأويل الرُّؤيا؛ لأن ما احتوته رُؤيا الملك هو سبع بقرات عجاف يأكلن سبع بقرات سِمَانٍ؛ وسبع سُنبلات خُضْر وأُخَر يابسات. وأنهى يوسف ﵇ تأويل الرُّؤيا، وبعد ذلك جاء بحكم العقل على الأمور؛ حيث يعود الخِصْب العادي ليعطيهم مثلما كان يعطيهم من قبل ذلك. وهذا يمكن أن يطلق عليه «غَوْث» ؛ لأننا نقول «أغِثْ فلاناً» أي: أَعِنْ فلاناً: لأنه في حاجة للعون، والغيث ينزل من السماء لِيُنهِي الجَدْب. وقوله: ﴿يُغَاثُ الناس ... ﴾ [يوسف: ٤٩] . أي: يُعانون بما يأتيهم من فضل الله بالضروري من قوت يمسك عليهم الحياة. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] . أي: ما يمكن عَصْره من حبوب أو ثمار؛ مثل: السمسم، والزيتون، والعنب، والقصب، أو البلح، وأنت لن تعصر تلك الحبوب أو الثمار إلا إذا كان عندك ما يفيض عن قوت ذاتك وقوت من تعول.

стр. 8040

وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه أنهم سوف يُرزَقُونَ بخير يفيض عن الإغاثة؛ ولهم أن يدخروه، وما سبق في آيات الرؤيا وتأويلها هو حوار بين يوسف الصديق ﵇ وبين ساقي الملك. ولاحظنا كيف انتقل القرآن من لقطة عجز الحاشية عن الإفتاء في أمر الرؤيا، وتقديم الساقي طلباً لأن يرسلوه كي يُحضِر لهم تأويل الرؤيا، ثم جاء مباشرة بالحوار بين يوسف والساقي. هنا ينتقل القرآن إلى ما حدث، بعد أن عَلِم الملك بتأويل الرُّؤيا، فيقول سبحانه: ﴿وَقَالَ الملك ... ﴾ .

стр. 8041

ومعنى ذلك أن الساقي ذهب إلى مجلس الملك مباشرة، ونقل له تأويل الرُّؤيا، وأصرَّ الملك أنْ يأتوا له بهذا الرجل؛ فقد اقتنع بأنه يجب الاستفادة منه؛ وعاد الساقي ليُخرِج يوسف من السجن الذي هو فيه. لكنه فُوجِيء برفض يوسف للخروج من السجن، وقوله لمن جاء يصحبه إلى مجلس الملك: ﴿ارجع إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] . وهكذا حرص يوسف على ألاَّ يستجيب لمَنْ جاء يُخلِّصه من عذاب السجن الذي هو فيه؛ إلا إذا برئتْ ساحته براءةً يعرفها الملك؛ فقد

стр. 8042

يكون من المحتمل أنهم ستروها عن أذن الملك. وأراد يوسف ﵇ بذلك أن يُحقق المَلِك في ذلك الأمر مع هؤلاء النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أيديهن؛ ودَعَوْنَهُ إلى الفحشاء. واكتفى يوسف بالإشارة إلى ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] . ويُخفي هذا القول في طيَّاته ما قالته النسوة من قبل ليوسف بضرورة طاعة امرأة العزيز في طلبها للفحشاء. وهكذا نجد القصص القرآني وهو يعطينا العِبْرة التي تخدمنا في واقع الحياة؛ فليست تلك القصص للتسلية، بل هي للعبرة التي تخدمنا في قضايا الحياة. وبراءة ساحة أي إنسان هو أمر مُهِمٌ؛ كي تزول أيُّ ريبة من الإنسان قبل أن يُسند إليه أي عمل. وهكذا طلب يوسف ﵇ إبراء ساحته، حتى لا يَقُولَنَّ قائل في وشاية أو إشاعة «همزاً أو لَمْزاً» : أليس هذا يوسف صاحب الحكاية مع امرأة العزيز، وهو مَنْ راودته عن نفسه؟ وها هو رسولنا ﷺ َ يقول: «عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه والله يغفر له حيث أُرْسِل إليه ليُستفتى في الرؤيا، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من

стр. 8043

صبره وكرمه والله يغفر له أُتِي ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولكنه أحب أن يكون له العذر» . وشاء نبينا ﷺ َ أن يُوضِّح لنا مكانة يوسف من الصبر وعزة النفس والنزاهة والكرامة فقال ﷺ َ: «إن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. قال لو لبثتُ في السجن ما لبثَ، ثم جاءني الرسول أجبتُ ثم قرأ ﷺ َ -: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرسول قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ. .﴾ [يوسف: ٥٠] » . وهكذا بيَّنَ لنا الرسول ﷺ َ مكانة يوسف من الصبر والنزاهة، وخشيته أن يخرج من السجن فَيُشَار إليه: هذا مَنْ راود امرأة سيده. وفي قول الرسول ﷺ َ إشارة إلى مبالغة يوسف في ذلك الأمر، وكان من الأحوط أن يخرج من السجن، ثم يعمل على كشف براءته. ومعنى ذلك أن الكريم لا يستغل المواقف استغلالاً أحمق، بل يأخذ كل موقف بقدْره ويُرتِّب له؛ وكان يوسف واثقاً من براءته، ولكنه أراد ألاَّ يكون الملك آخر مَنْ يعلم.

стр. 8044

وصدق رسولنا ﷺ َ حين قال: «دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبك، فإن الصدقَ طُمأنينة، وإن الكذبَ ريبة» . وكان ﷺ َ يرى أن الإيمان بالله يقتضي ألاَّ يقف المؤمن موقفَ الرِّيبة؛ لأن بعض الناس حين يَرَوْنَ نَابِهاً، قد تثير الغيرةُ من نباهته البعضَ؛ فيتقوَّلون عليه. لذلك فعليك أن تحتاطَ لنفسك؛ بألاَّ تقف موقف الرِّيبة، والأمر الذي تأتيك منه الرِّيبة؛ عليك أن تبتعد عنه. ولنا في رسول الله ﷺ َ أسوة حسنة، «فقد جاءته زَوْجه صفية بن حُيي تزوره وهو معتكف في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة من العشاء، ثم قامتْ تنقلب أي: تعود إلى حجرتها فقام معها رسول الله ﷺ َ، حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج رسول الله صلى الله ﷺ َ، مرّ بهما رجلان من الأنصار فسلَّما على رسول الله ﷺ َ ثم نفذا، فقال لهما رسول الله ﷺ َ:» على رِسْلكما، إنما هي صفية بنت حُيي. قالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ما قال. قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما «.

стр. 8045

وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر، نجد الملك وهو يستدعي النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن، ورَاودْنَ يوسف عن نفسه، وهو ما يذكره الحق سبحانه: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ... ﴾ .

стр. 8046

ونعلم أن المُرَاودة الأولى ليوسف كانت من امرأة العزيز؛ واستعصم يوسف، ثم دَعَتْ هي النسوة إلى مجلسها؛ وقطَّعْنَ أيديهن حين فُوجئْنَ بجمال يوسف ﵇، وصدرت منهن إشارات، ودعوات إثارة وانفعال. قال عنها يوسف ما أورد الحق سبحانه: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين﴾ [يوسف: ٣٣] . واستدعاهن الملك، وسألهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ [يوسف: ٥١] . والخَطْب: هو الحَدَثْ الجَلَل، فهو حدث غير عادي يتكلم به الناس؛ فهو ليس حديثاً بينهم وبين أنفسهم؛ بل يتكلمون عنه بحديث

стр. 8047

يصل إلى درجة تهتز لها المدينة؛ لأن مثل هذا الحادث قد وقع. ولذلك نجد إبراهيم ﵇، وقد قال لجماعة من الملائكة: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قالوا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣١ - ٣٢] . أي: أن الملائكة طمأنتْ إبراهيم ﵇؛ فهي في مهمة لعقاب قوم مجرمين. وموسى ﵇ حين عاد إلى قومه، ووجد السامري قد صنع لهم عِجْلاً من الذهب الذي أخذوه من قوم فرعون نجده يقول للسامري: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري﴾ [طه: ٩٥] . وقَوْل الملك هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] . يدلُّ على أنه قد سمع الحكاية بتفاصيلها فاهتزَّ لها؛ واعتبرها خَطْباً؛ مما يوضح لنا أن القيم هي القيم في كل زمان أو مكان. وبدأ النسوة الكلام، فقُلْنَ: ﴿حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء﴾ [يوسف: ٥١] . ولم يذكُرْنَ مسألة مُرَاودتهِنَّ له، وكان الأمر المهم هو إبراء ساحة يوسف عند المَلِك. وقولهن: ﴿حَاشَ للَّهِ ... ﴾ [يوسف: ٥١] أي: نُنزِّه يوسف عن هذا، وتنزيهُنَا ليوسف أمْرٌ من الله.

стр. 8048

وهنا تدخلتْ امرأة العزيز: ﴿قَالَتِ امرأت العزيز الآن حَصْحَصَ الحق ... ﴾ [يوسف: ٥١] . أي: أنها أقرَّتْ بأنه لم يَعُدْ هناك مجال للستر، ووضح الحقُّ بعد خفاء، وظهرتْ حِصَّة الحق من حِصَّة الباطل، ولا بُدَّ من الاعتراف بما حدث: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ [يوسف: ٥١] . وواصلت امرأة العزيز الاعتراف في الآية التالية: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ. .﴾ .

стр. 8049

قالت ذلك حتى تُعلِنَ براءة يوسف ﵇، وأنها لم تنتهز فرصة غيابه في السجن وتنتقم منه؛ لأنه لم يستجِبْ لمُراودتها له، ولم تنسج له أثناء غيابه المؤامرات، والدسائس، والمكائد. وهذا يدلُّنا على أن شِرَّةَ الإنسان قد تتوهج لغرض خاص، وحين يهدأ الغرض ويذهب، يعود الإنسان إلى توازنه الكمالي في نفسه، وقد يجعل من الزَّلة الأولى في خاطره وسيلة إلى الإحسان فيما ليس له فيه ضعف، كي تستر الحسنةُ السيئة، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] . ولو أن إنساناً عمل سيئة وفضحه آخر عليها؛ فالفاضح لتلك

стр. 8050

السيئة إنما يحرم المجتمع من حسنات صاحب السيئة. ولذلك أقول: استروا سيئات المسيء؛ لأنها قد تلهمه أن يقدم من الخير ما يمحو به سيئاته. ولذلك قالوا: إذا استقرأتَ تاريخ الناس، أصحاب الأنفس القوية في الأخلاق والقيم؛ قد تجد لهم من الضعف هنات وسَقَطات؛ ويحاولون أن يعملوا الحسنات كي تُذهِب عنهم السيئات؛ لأن بالَ الواحد منهم مشغولٌ بضعفه الذي يُلهِبه؛ فيندفع لفعل الخيرات. وبعد أن اعترفتْ امرأة العزيز بما فعلت؛ قالت: ﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [يوسف: ٥٢] . أي: أنها أقرَّتْ بأنه لا يُنفِذ كيد الخائنين، ولا يُوصِّله إلى غايته. وتواصل امرأة العزيز فتقول: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي ... ﴾ .

стр. 8051

هذا القول من تمام كلام امرأة العزيز؛ وكأنها توضح سبب حضورها لهذا المجلس؛ فهي لم تحضر لتبرىء نفسها: ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ ... ﴾ [يوسف: ٥٣] . ومجيء قول الحق سبحانه المؤكِّد أن النفس على إطلاقها أمَّارة بالسوء؛ يجعلنا نقول: إن يوسف أيضاً نفس بشرية.

стр. 8052

وقد قال بعض العلماء: إن هذا القول من كلام يوسف، كردٍّ عليها حين قالت: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [يوسف: ٥١ - ٥٢] . وكان من المناسب أن يرد يوسف ﵇ بالقول: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي﴾ [يوسف: ٥٣] . ويمكن أن يُنسب هذا القول إلى يوسف كَلَوْنٍ من الحرص على ألاَّ يلمسه غرور الإيمان، فهو كرسول من الله يعلم أن الله سبحانه هو الذي صرف كيدهُنَّ عنه. وهذا لَوْن من رحمة الله به؛ فهو كبشر مُجرّد عن العصمة والمنهج من الممكن أن تحدث له الغواية؛ لكن الحق سبحانه عصمه من الزَّلَل. ومن لُطْف الله أن قال عن النفس: إنها أمَّارة بالسوء؛ وفي هذا توضيح كافٍ لطبيعة عمل النفس؛ فهي ليستْ آمرةً بالسوء، بمعنى أنها تأمر الإنسان لتقع منه المعصية مرة واحدة وينتهي الأمر. لا، بل انتبه أيها الإنسان إلى حقيقة عمل النفس، فهي دائماً أمَّارة بالسوء، وأنت تعلم أن التكليفات الإلهية كلها إمَّا أوامر أو نَوَاهٍ،

стр. 8053

وقد تستقبِل الأوامر كتكليف يشقُّ على نفسك، وأنت تعلم أن النواهي تمنعك من أفعال قد تكون مرغوبة لك، لأنها في ظاهرها ممتعة، وتلبي نداء غرائز الإنسان. ولذلك يقول المصطفى ﷺ َ: «حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات» . أي: أن المعاصي قد تُغريك، ولكن العاقل هو من يملك زمام نفسه، ويُقدِّر العواقب البعيدة، ولا ينظر إلى اللذة العارضة الوقتية؛ إلا إذا نظر معها إلى الغاية التي توصله إليها تلك اللذة؛ لأن شيئاً قد تستلِذُّ به لحظة قد تَشْقى به زمناً طويلاً. ولذلك قلنا: إن الذي يُسرف على نفسه غافل عن ثواب الطاعة وعن عذاب العقوبة، ولو استحضر الثواب على الطاعة، والعذاب على المعصية؛ لامتنع عن الإسراف على نفسه. ولذلك يقول النبي ﷺ َ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» . إذن: فلحظة ارتكاب المعصية نجد الإنسان وهو يستر إيمانه؛ ولا يضع في باله أنه قد يموت قبل أن يتوبَ عن معصيته، أو قبل أن يُكفِّر عنها.

стр. 8054

ويخطيء الإنسان في حساب عمره؛ لأن أحداً لا يعلم ميعاد أجله؛ أو الوقت الذي يفصل بينه وبين حساب الموْلَى له على المعاصي. وكل مِنَّا مُطَالب بأن يضع في حُسْبانه حديث الرسول ﷺ َ: «الموت القيامة، فمَنْ مات فقد قامت قيامته» . ولنا أسوة طيبة في عثمان بن عفان ﵁ وهو الخليفة الثالث لرسول الله ﷺ َ، الذي كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتلَّ لحيته، فسُئِل عن ذلك؛ وقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفتَ على قبر؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ َ يقول: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإنْ نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم يَنْجُ منه، فما بعده أشد» . لذلك فلا يستبعد أحد ميعاد لقائه بالموت. وتستمر الآية: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] . ونعلم أن هناك ما يشفي من الداء، وهناك ما يُحصِّن الإنسان، ويعطيه مناعة أن يصيبه الداء، والحق سبحانه غفور، بمعنى أنه يغفر الذنوب، ويمحوها، والحق سبحانه رحيم، بمعنى أنه يمنح الإنسان مناعة، فلا يصيبه الداء، فلا يقع في زلة أخرى.

стр. 8055

والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . فساعةَ تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه نفسياً ويُقويَّ قدرتك على مقاومة الداء؛ ويُفجِّر طاقات الشفاء الكامنة في أعماقك. وهو رحمة لك حين تتخذه منهجاً، وتُطبِّقه في حياتك؛ فيمنحك مناعة تحميك من المرض، فهو طِبّ علاجيّ وطبّ وقائيّ في آنٍ واحد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الملك ... ﴾ .
следующие страницы →