← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

هذا القول من تمام كلام امرأة العزيز؛ وكأنها توضح سبب حضورها لهذا المجلس؛ فهي لم تحضر لتبرىء نفسها: ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ ... ﴾ [يوسف: ٥٣] . ومجيء قول الحق سبحانه المؤكِّد أن النفس على إطلاقها أمَّارة بالسوء؛ يجعلنا نقول: إن يوسف أيضاً نفس بشرية.

стр. 8052

وقد قال بعض العلماء: إن هذا القول من كلام يوسف، كردٍّ عليها حين قالت: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [يوسف: ٥١ - ٥٢] . وكان من المناسب أن يرد يوسف ﵇ بالقول: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي﴾ [يوسف: ٥٣] . ويمكن أن يُنسب هذا القول إلى يوسف كَلَوْنٍ من الحرص على ألاَّ يلمسه غرور الإيمان، فهو كرسول من الله يعلم أن الله سبحانه هو الذي صرف كيدهُنَّ عنه. وهذا لَوْن من رحمة الله به؛ فهو كبشر مُجرّد عن العصمة والمنهج من الممكن أن تحدث له الغواية؛ لكن الحق سبحانه عصمه من الزَّلَل. ومن لُطْف الله أن قال عن النفس: إنها أمَّارة بالسوء؛ وفي هذا توضيح كافٍ لطبيعة عمل النفس؛ فهي ليستْ آمرةً بالسوء، بمعنى أنها تأمر الإنسان لتقع منه المعصية مرة واحدة وينتهي الأمر. لا، بل انتبه أيها الإنسان إلى حقيقة عمل النفس، فهي دائماً أمَّارة بالسوء، وأنت تعلم أن التكليفات الإلهية كلها إمَّا أوامر أو نَوَاهٍ،

стр. 8053

وقد تستقبِل الأوامر كتكليف يشقُّ على نفسك، وأنت تعلم أن النواهي تمنعك من أفعال قد تكون مرغوبة لك، لأنها في ظاهرها ممتعة، وتلبي نداء غرائز الإنسان. ولذلك يقول المصطفى ﷺ َ: «حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات» . أي: أن المعاصي قد تُغريك، ولكن العاقل هو من يملك زمام نفسه، ويُقدِّر العواقب البعيدة، ولا ينظر إلى اللذة العارضة الوقتية؛ إلا إذا نظر معها إلى الغاية التي توصله إليها تلك اللذة؛ لأن شيئاً قد تستلِذُّ به لحظة قد تَشْقى به زمناً طويلاً. ولذلك قلنا: إن الذي يُسرف على نفسه غافل عن ثواب الطاعة وعن عذاب العقوبة، ولو استحضر الثواب على الطاعة، والعذاب على المعصية؛ لامتنع عن الإسراف على نفسه. ولذلك يقول النبي ﷺ َ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» . إذن: فلحظة ارتكاب المعصية نجد الإنسان وهو يستر إيمانه؛ ولا يضع في باله أنه قد يموت قبل أن يتوبَ عن معصيته، أو قبل أن يُكفِّر عنها.

стр. 8054

ويخطيء الإنسان في حساب عمره؛ لأن أحداً لا يعلم ميعاد أجله؛ أو الوقت الذي يفصل بينه وبين حساب الموْلَى له على المعاصي. وكل مِنَّا مُطَالب بأن يضع في حُسْبانه حديث الرسول ﷺ َ: «الموت القيامة، فمَنْ مات فقد قامت قيامته» . ولنا أسوة طيبة في عثمان بن عفان ﵁ وهو الخليفة الثالث لرسول الله ﷺ َ، الذي كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتلَّ لحيته، فسُئِل عن ذلك؛ وقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفتَ على قبر؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ َ يقول: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإنْ نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم يَنْجُ منه، فما بعده أشد» . لذلك فلا يستبعد أحد ميعاد لقائه بالموت. وتستمر الآية: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] . ونعلم أن هناك ما يشفي من الداء، وهناك ما يُحصِّن الإنسان، ويعطيه مناعة أن يصيبه الداء، والحق سبحانه غفور، بمعنى أنه يغفر الذنوب، ويمحوها، والحق سبحانه رحيم، بمعنى أنه يمنح الإنسان مناعة، فلا يصيبه الداء، فلا يقع في زلة أخرى.

стр. 8055

والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . فساعةَ تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه نفسياً ويُقويَّ قدرتك على مقاومة الداء؛ ويُفجِّر طاقات الشفاء الكامنة في أعماقك. وهو رحمة لك حين تتخذه منهجاً، وتُطبِّقه في حياتك؛ فيمنحك مناعة تحميك من المرض، فهو طِبّ علاجيّ وطبّ وقائيّ في آنٍ واحد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الملك ... ﴾ .

стр. 8056

ونلحظ أن الملك قد قال: ﴿ائتوني بِهِ﴾ [يوسف: ٥٤] . مرتين، مرة: بعد أن سمع تأويل الرؤيا؛ لكن يوسف رفض الخروج من السجن إلا بعد أن تثبت براءته؛ أو: أنه خرج وحضر المواجهة مع النسوة بما فيهنّ امرأة العزيز. ورأى الملك في يوسف أخلاقاً رفيعة؛ وسِعَة عِلْم. وانتهى اللقاء الأول ليتدبر الملك، ويُفكر في صفات هذا الرجل؛

стр. 8057

والراحة النفسية التي ملأتْ نفس الملك؛ وكيف دخل هذا الرجل قلبه. والمرة الثانية عندما أراد الملك أن يستخلصه لنفسه ويجعله مستشاراً له. ويورد الحق سبحانه هذا المعنى في قوله: ﴿ائتوني بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] . وهذا الاستخلاص قد جاء بعد أن تكلم الملك مع يوسف، وبعد أن استشفَّ خفَّة يوسف على نفسه؛ وتيقَّن الملك من بعد الحوار مع يوسف أنه رجل قد حفظ نفسه من أعنف الغرائز؛ غريزة الجنس. وتيقن من أن يوسف تقبّل السجن، وعاش فيه لفترة طالتْ؛ وهو صاحب عِلْم، وقد ثبت ذلك بتأويل الرُّؤيا؛ وقد فعل ذلك وهو سجين، ولم يقبل الخروج من السجن إلا لإثبات براءته، أو بعد إثبات البراءة. ولكلِّ ذلك صار من أهل الثقة عند الملك، الذي أعلن الأمر بقوله: ﴿إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] . وذلك ليسُدَّ باب الوِشَاية به، أو التآمر عليه. ومكانة «المكين» هي المكانة التي لا ينال منها أيُّ أحد. ولذلك نجد الحق حينما تكلَّم عن الوحي من جبريل ﵇ قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠] . فالمعنى: أن يوسف ﵇ أَهْل ٌللثقة عند الحاكم؛ وهو الذي سيُنفذ الأمور، وله صِلَة بالمحكومين، وإذا كان هو المُمَكَّن من عند الحاكم؛ فهو أيضاً أمين مع المحكومين.

стр. 8058

والمشكلة في مجتمعاتنا المعاصرة إنما تحدث عندما يُرجِّح الحاكمُ من يراهم أهلَ الثقة على أهل الخبرة والأمانة، فتختل موازين العدل. وعلى الحاكم الذكيّ أن يختار الذين يتمتعون بالأمرين معاً: أمانة على المحكوم؛ وثقة عند الحاكم. وبهذا تعتدل الحياة على منهج الله. وحين سمع يوسف ﵇ هذا الكلام من الحاكم: ﴿إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] . قرر أن يطلب منه شيئاً يتعلق بتعبيره لرُؤْياه، التي سبق أن أوَّلها يوسف: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩] . وهذه عملية اقتصادية تحتاج إلى تخطيط وتطبيق ومتابعة وحُسْن تدبير وحزم وعِلْم. لذلك كان مطلب يوسف ﵇ فيه تأكيد على أن الواقع القادم سيأتي وفقاً لتأويله للرؤيا، فتقول الآيات: ﴿قَالَ اجعلني ... ﴾ .

стр. 8059

وهذا القول تأكيد لثقة يوسف أن القادم في هذا البلد يحتاج لحكمة إدارة، لا تبعثر ما سوف يأتي في سنين الخصب؛ لتضمن الاطمئنان في سنين الشدة، وتلك مهمة تتطلب الحفظ والعلم. وقد تقدم ما يثبت أن هاتين الصفتين يتحلَّى بهما يوسف ﵇. وقد يقول قائل: أليس في قول يوسف شبهة طلب الولاية؟ والقاعدة تقول: إن طالب الولاية لا يولَّى. فيوسف ﵇ لم يطلب ولاية، وإنما طلب الإصلاح ليتخذ من إصلاحه سبيلاً لدعوته وتحقيقاً لرسالته، حيث أنه كان آمراً فيستجاب، ولم يكن مأموراً للإيجاب حيث أنه كان واثقاً بالإيمان ومؤمناً بوثوق. وقد تأتي ظروف لا تحتمل التجربة مع الناس، فمن يثق بنفسه أنه قادر على القيام بالمهمة فله أن يعرض نفسه. ومثال ذلك: لنفترض أن قوماً قد ركبوا سفينة؛ ثم هاجتْ الرياح وهبَّتْ العاصفة؛ وتعقَّدت الأمور؛ وارتبك القبطان، وجاءه مَنْ يخبره أنه قادر على أن يحل له هذا الأمر، ويُحسن إدارة قيادة المركب، وسبق للقبطان أن علم عنه ذلك. هنا يجب على القبطان أن يسمح لهذا الخبير بقيادة السفينة؛ وبعد أن ينتهي الموقف؛ على القبطان أن يُوجِّه الشكر لهذا الخبير؛ ويعود لقيادة السفينة. إذن: فمن حقِّ الإنسان أن يطلب الولاية إذا تعيَّن عليه ذلك، بأن يرى أمراً يتعرض له غير ذي خبرة يُفسد هذا الأمر، وهو يعلم وَجْه الصلاح فيه. وهنا يكون التدخل فرض عين من أجل إنقاذ المجتمع.

стр. 8060

وفي مثل هذه الحالة نجد مَنْ طلب الولاية وهو يملك شجاعتين: الشجاعة الأولى: أنه طلب الولاية لنفسه؛ لثقته في إنجاح المهمة. والشجاعة الثانية: إنه حجب من ليس له خبرة أن يتولى منصباً لا يعلم إدارته، وبهذا يصير الباطل متصرفاً. وبذلك يُظهر وَجْه الحق؛ ويُزيل سيطرة الباطل. ولذلك نجد يوسف ﵇ يقول للملك: ﴿اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] . والخزائن يوجد فيها ما يُمكّن المسيطر عليها من قيادة الاقتصاد. وقالوا: إن يوسف طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، لوضع سياسة اقتصادية يواجهون بها سبع سنين من الجَدْب، وتلك مسألة تتطلب حكمة وحِفْظاً وعِلْماً. وكان يوسف ﵇ يأخذ من كل راغبٍ في المَيْرة الأثمان من ذهب وفضة، ومَنْ لا يملك ذهباً وفضة كان يُحضر الجواهر من الأحجار الكريمة؛ أو يأتي بالدواب ليأخذ مقابلها طعاماً. ومَنْ لا يملك كان يُحضر بعضاً من أبنائه للاسترقاق، أي: يقول رَبُّ الأسرة الفقيرة: خُذْ هذا الولد ليكون عبداً لقاء أن آخذ طعاماً لبقية أفراد الأسرة. وكان يوسف ﵇ يُحسِن إدارة الأمر في سنوات الجَدْب ليشُد كل إنسان الحزام على البطن، فلا يأكل الواحد في سبعة أمعاء بل يأكل في مِعىً واحد، كما يقول رسولنا ﷺ َ في الحديث الشريف: «المؤمن يأكلَ في مِعيٍّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» .

стр. 8061

وكان التموين في سنوات الجَدْب يقتضي دِقَّة التخطيط، ولا يحتمل أيَّ إسراف. وما دام لكل شيء ثمن يجب أن يُدفع، فكل إنسان سيأخذ على قَدْر ما معه، وبعد أن انتهت سنوات الجَدْب، وجاءت سنوات الرخاء؛ أعاد يوسف لكل إنسان ما أخذه منه. وحين سُئِل: ولماذا أخذتَ منهم ما دُمْتَ قد قررت أن تردَّ لهم ما أخذته؟ أجاب: كي يأخذ كل إنسان في أقلَّ الحدود التي تكفيه في سنوات الجدب. ومثل هذا يحدث عندنا حين نجد البعض، وهو يشتري الخبز المُدعَّم ليُطعِم به الماشية، وحين يرتفع ثمن الخبز نجد كل إنسان يشتري في حدود ما معه من نقود، ويحرص على ألاَّ يُلقِي مما اشترى شيئاً. وكانت قدرة الدولة أيام الجفاف محدودة؛ لذلك وجب على كل فرد أن يعمل لنفسه. ونحن نرى ذلك الأمر، وهو يتكرر في حياتنا؛ فحين لا يجد أحد ثمن اللحم فقد لا تهفو نفسه إلى اللحم، وقد يعلن في كبرياء: «إن معدتي لم تَعُدْ تتحمل اللحم» . وقد يعلن الفقير حُبَّه للسمك الصغير؛ لأن لحمه طيِّب، عكس السمك الكبير الذي يكون لحمه «مِتفِّلاً» ، أو يعلن إعجابه بالفجل الطازج، لأنه لذيذ الطعم. وقديماً في بدايات العمر كنا حين ندخل إلى المنزل، ونحن نعيش بعيداً عن بيوت الأهل في سنوات الدراسة، ولا نجد إلا قرصاً واحداً من «الطعمية» ، كنا نقسم هذا القرص ليكفي آخر لقمة في الرغيف،

стр. 8062

أما إذا دخلنا ووجدنا خمسة أقراص من الطعمية، فكان الواحد منا يأكل نصف قرص من الطعمية مع لقمة واحدة. وهكذا يتحمل كل واحد على قَدْر حركته وقدرته. والشاعر يقول: والنفسُ راغبةٌ إذَا رغَّبتَها ... وإذَا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وكذلك مَكَّنَّا ... ﴾ .

стр. 8063

وهكذا كان تمكين الله ليوسف ﵇ في الأرض، بحيث أدار شئون مصر بصورة حازمة؛ عادلة؛ فلما جاء الجدب؛ لم يَأتِهَا وحدها؛ بل عَمَّ البلاد التي حولها. بدليل أن هناك أُنَاساً من بلاد أخرى لجئوا يطلبون رزقهم منها؛ والمثل: إخوة يوسف الذين جاءوا من الشام يطلبون طعاماً لهم ولمن ينتظرهم في بلادهم، فهذا دليل على أن رُقْعة الشدة كانت شاسعة. وقول الحق سبحانه: ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ [يوسف: ٥٦] .

стр. 8064

نفهم منه أنه جعل لنفسه بيتاً في أكثر من مكان؛ ولا يَظُنَّن ظَانٌّ أن هذا لَوْنٌ من اتساع أماكن التَّرَف. لكن: لماذا لا ننظر إليها بعيون تكشف حقيقة رجال الإدارة في بعض البلاد؛ فما أنْ يعلموا بوجود بيت للحاكم في منطقة ما؛ وقد يزوره؛ فهم يعتنون بكل المنطقة التي يقع فيها هذا البيت. وهذا ما نراه في حياتنا المعاصرة، فحين يزور الحاكم منطقة ما فَهُمْ يُعيدون رَصْف الشوارع؛ ويصلحون المرافق؛ وقد يُحضِرون أُصَص الزرع ليُجمِّلوا المكان. فما بَالُك إنْ عَلِموا بوجود بيت للحاكم في مكان ما؟ لا بُدَّ أنهم سَيُوالون العناية بكل التفاصيل المتعلقة بالمرافق في هذا الموقع. إذن: فقول الحق سبحانه هنا عن يوسف ﵇: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ. .﴾ [يوسف: ٥٦] . يعني: شُيوع العناية بالخدمات لكل الذين يسكنون في هذا البلد؛ فلا تأخذ الأمر على أنه تَرَف وشَرَف، بل خُذْ هذا القول على أنه تكليف سينتفع به المُحيطون، سواء كانوا مقصودين به أو غير مقصودين. وتلك لقطة توضح أن التبُّوء حيث يشاء ليس رحمةً به فقط؛ ولكنه رحمةٌ بالناس أيضاً. ولذلك يقول الحق سبحانه في نفس الآية: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾ [يوسف: ٥٦] . فَمَنْ كان يحيا بلا مياه صالحة للشرب ستصله المياه النقية؛ ومَنْ كان يشقى من أجل أن يعيش في مكان مُريح ستتحول المنطقة التي

стр. 8065

يسكن فيها إلى مكان مُريح به كل مُستلزمات العصر الذي يحيا فيه. فيوسف المُمكّن في الأرض له مسكن مجاور له؛ وسيجد العناية من قِبَل الجهاز الإداري حيثما ذهب، وتغمر العناية الجميع، رحمة من الله له، وللناس من حوله. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ [يوسف: ٥٦] . والمُحْسِن هو الذي يصنع شيئاً فوق ما طُلب منه. وهنا سنجد الإحسان يُنسب ليوسف؛ لأنه حين أقام لنفسه بيتاً في أكثر من مكان؛ فقد أحسن إلى أهل الأمكنة التي له فيها بيوت؛ بارتفاع مستوى الخدمة في المرافق وغيرها. وسبحانه يجازي المحسنين بكمال وتمام الأجر، وقد كافأ يوسف ﵇ بالتمكين مع محبة من تولَّى أمرهم. ويتابع الحق سبحانه: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة. .﴾ .

стр. 8066

ويوضح هنا سبحانه أنه لا يجزي المحسنين في الدنيا فقط؛ ولكن يجازيهم بخير أبقى في الآخرة. وكلمة «خير» تستعمل استعمالين: الأول: هو أن شيئاً خير من شيء آخر؛ أي: أنهما شركاء في الخير، وهو المعنى المقصود هنا، والمثال: هو قول الرسول ﷺ َ: «

стр. 8067

المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلِّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعِنْ بالله ولا تعجز، وإنْ أصابك شيء فلا تَقُلْ: لو أنِّي فعلتُ كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» . والاستعمال الثاني لكلمة «خير» : هو خير مقابله شرّ، والمثال: هو قول الحق ﵎: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] ، والحق سبحانه يريد أن يعتدل ميزان حركة الحياة، لن يعتدل ميزان حركة الحياة بأن نقول للإنسان على إطلاقه: سوف تأخذ أجر عملك الطيب في الآخرة؛ لأن المؤمن وحده هو الذي سيصدق ذلك. أما الكافر فقد يظلم ويسفك الدماء، ويسرق ويستشري الفساد في الأرض. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الجزاءَ نوعين: جزاء في الدنيا لمَنْ يُحسِن، سواء أكان مؤمناً أو كافراً؛ وجزاءً في الآخر يختصُّ به الحقُّ سبحانه المؤمنين به. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] . أي: أنه أكثر خيراً من جزاء الدنيا؛ لأن جزاء الآخرة يدوم أبداً،

стр. 8068

على عكس خير الدنيا الذي قد تفوتُه أو يفوتُك، بحُكْم أن الدنيا موقوتة بالنسبة لك بعمرك فيها؛ ولكن الآخرة لها الدَّيْمومة التي شاءها الله سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك عن إخوة يوسف: ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ ... ﴾ .

стр. 8069

وقد عرفهم يوسف؛ لكنهم لم يعرفوه، فقد ألقَوْهُ في الجُبِّ صغيراً؛ ومرَّتْ رحلته في الحياة بعد أن عثر عليه بعض السيَّارة؛ وباعوه لعزيز مصر، لتمر به الأحداث المتتابعة بما فيها من نُضْج جسدي وحُسْن فائق، ومُراودة من امرأة العزيز، ثم سنوات السجن السبع. ولكل حدث من تلك الأحداث أثر على ملامح الإنسان؛ فضلاً عن أنهم جاءوه وهو في منصبه العالي، بما يفرضه عليه من وجاهة في الهيئة والملبس. أما هو فقد عرفهم؛ لأنه قد تركهم وهم كبار، وقد تحددت ملامحهم، ونعلم أن الإنسان حين يمر عليه عِقْد من الزمان؛ فهذا الزمن قد يزيد من تحديد ملامحه، إذا ما كانَ كبيراً ناضجاً، لكنه لا يغيرها مثلما يُغيِّر الزمنُ ملامح الطفل حين يكبر ويصل إلى النضج. والذي دفعهم إلى المجيء هو القحط الذي لم يُؤثِّر على مصر وحدها؛ بل أثَّر أيضاً على المناطق المجاورة لها. وذاع أمر يوسف ﵇ الذي اختزن الأقوات تحسُّباً لذلك القحط؛ وقد أرسلهم أبوهم ليطلبوا منه الَميْرة والطعام، ولم يتخيَّلوا

стр. 8070

بأي حال أن يكون مَنْ أمامهم هو أخوهم الذي ألقوْه في الجُبِّ. ويقول الحق سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم ... .﴾ .

стр. 8071

ولا بُدَّ أنه قد تكلم معهم عن أحوالهم، وتركهم يَحْكُونَ له عن أبيهم وأخيهم، وأنهم قد طلبوا المَيْرة؛ وأمر بتجهيزها لهم. وكلمة «الجهاز» تُطلق هنا على ما تسبَّب في انتقالهم من موطنهم إلى لقاء يوسف طلباً للميرة. وطلب منهم من بعد ذلك أن يأتوا بأخيهم «بنيامين» معهم، وقال لهم: ﴿أَلاَ تَرَوْنَ أني أُوفِي الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين﴾ [يوسف: ٥٩] .

стр. 8072

وفي هذا تذكير لهم بأنه يُوفِي الكيل تماماً، وفيما يبدو أنهم طلبوا منه زيادة في المَيْرة؛ بدَعوى أن لهم أخاً تركوه مع أبيهم الشيخ العجوز، فطلب منهم يوسف أن يُحضِروا أخاهم كي يزيد لهم كيلاً إضافياً؛ لأنه لا يحب أن يعطي أحداً دون دليل واضح؛ التزاماً منه بالعدل. وكان كل منهم قد أتى على بعير، عليه بضائع يدفعونها كأثمان لِمَا يأخذونه، وحين يحضرون ومعهم أخوهم سيأخذون كَيْل بعير فَوق ما أخذوه هذه المرَّة. وهم قد قالوا لأبيهم هذا القول، حينما سألوه عن إرسال أخيهم معهم لمصاحبتهم في الرحلة حسب طلب يوسف ﵇؛ لذلك تقول الآية: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] . وقوله: ﴿وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين﴾ [يوسف: ٥٩] . يعني: أنه يرحب بالضيوف؛ وقد لمسوا ذلك بحُسْن المكان الذي نزلوا فيه. بما فيه من راحة وطيب الاستقبال، ووجود كل ما يحتاجه الضيف في إقامته. وكلمة «مُنْزِل» في ظاهر الأمر أنها ضدّ مُعْلِي، وحقيقة المعنى هو: مُنزِل مِنَ الذي ينزل بالمكان الموجود به كل مطلوبات حياته. والحق سبحانه يقول عن الجنة: ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .

стр. 8073

أي: أنه سبحانه قد أعدَّ الجنة بما يفوق خيال البشر؛ وبمُطْلق صفات المغفرة والرحمة، وإذا كان المَوْلى هو الذي يعدّ؛ فلا بُدَّ أن يكون ما أعدَّه فوق خيال البشر. وقلت لإخواني الذين بُهروا بفندق رَاقٍ في سان فرانسيسكو: إن الإنسان حين يرى أمراً طيباً، أو شيئاً رَاقِياً، أو جميلاً عند إنسان آخر سيستقبلها بواحد من استقبالين: تظهر نَفسه فيه؛ فإن كان حَقُوداً فسينظر للأشياء بكراهية وبحقد، وإنْ كان مؤمنا يفرح ويقول: هذه النعمة التي أراها تزيد من عِشْقي في الجنة؛ لأن تلك النعمة التي أراها قد صنعها بشر لبشر؛ فماذا عن صُنْع الله للجنة؟ وهو مَنْ خلق الكون كله بما فيه من بشر؟ ودائماً أقول: ما رأيتُ نعيماً عند أحد إلا ازداد إيماني، بأن الذي أراه من نعمة قد أعدَّه البشر للبشر؛ فما بالنا بما أعدَّه خالق البشر للمؤمنين من البشر؟ أما مَنْ ينظر نظرةَ حِقْد إلى النعمة عند الغير؛ فهو يحرم نفسه من صَبابة النعمة عند الغير؛ لأن النعمة لها صَبابة عند صاحبها، وتتعلق به، وإن فرحتَ بالنعمة عند إنسان؛ فثِقْ أن النعمة ستطرق بابك، وإن كرهتها عند غيرك؛ كرهتْ النعمة أن تأتي إليك. فإنْ أردتَ الخير الذي عند غيرك؛ عليك أن تحب النعمة التي عند هذا الغير؛ لتسعى النعمة إليك؛ دون أن تتكلف عبء إدارة هذه النعمة أو صيانتها؛ لأنها ستأتي إليك بقدرة الحق سبحانه. وقَوْل يوسف ﵇ في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

стр. 8074

﴿وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين﴾ [يوسف: ٥٩] . هو إخبار منه يؤكد ما استقبلهم به من عدل، وتوفية للكيل، وحُسْن الضيافة، ولا شك أنهم حين يُحضِرون أخاهم سيجدون نفس الاستقبال. ويواصل الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف: ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي ... ﴾ .

стр. 8075

ويوسف يعلم مُقدَّماً صعوبة أن يأمنهم أبوهم على أخيهم؛ لذلك وجَّه إليهم هذا الإنذار: ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي. .﴾ [يوسف: ٦٠] . قال لهم ذلك، وهو يعلم أن المَعَاد مَعَادُ قَحْط وجَدْب ومجاعة. وأضاف يوسف: ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] . أي: لا تأتوا ناحية هذا البلد الذي أحكمه؛ ولذلك سنجدهم يقولون لأبيهم من بعد ذلك: ﴿اأبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] . وتلقَّوْا الإنذار من يوسف، وقالوا ما أورده القرآن هنا:

стр. 8076

﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ ... .﴾ . وقولهم:

стр. 8077

﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ... ﴾ [يوسف: ٦١] . يعني: أن الأمر ليس سهلاً؛ وهم يعرفون ماذا فعلوا من قبل مع يوسف، والمُرَاودة تعني أخْذ وردّ، وتحتاج إلى احتيال؛ وسبق المعنى في قوله الحق سبحانه: ﴿وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ... ﴾ [يوسف: ٢٣] . وأكدوا قولهم: ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] . أي: أنهم سيبذلون كُلَّ جهودهم؛ كي يقبل والدهم إرسالَ أخيهم معهم، وهم يعلمون أن هذا مطلبٌ صَعْب المَنال، عسير التحقيق. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ... ﴾ .

стр. 8078

أي: أن يوسف ﵇ أمر مساعديه أنْ يُعيدوا البضائع التي أحضرها هؤلاء معهم ليقايضوا بها ما أخذوه من قمح وطعام، وكان على مساعدي يوسف ﵇ أن يُنفِّذوا أمره بوضع هذه البضائع بشكل مُسْتتر في الرِّحال التي أَتَوْا عليها، وفي هذا تشجيع لهم كي يعودوا مرة أخرى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا ... ﴾ .

стр. 8079

وكان قولهم هذا هو أول خبر قالوه لأبيهم، فور عودتهم ومعهم المَيْرة، وكأنهم أرادوا أن يُوضِّحوا للأب أنهم مُنِعوا مستقبلاً من أنْ يذهبوا إلى مصر، ما لم يكن معهم أخوهم. وحَكَوْا لأبيهم قصتهم مع عزيز مصر، وإن وافق الأب على إرسال أخيهم «بنيامين» معهم؛ فلسوف يكتالون، ولسوف يحفظون أخاهم الصغير.

стр. 8080

وهم في قولهم هذا يحاولون أن يُبعِدوا رِيبةَ الأب عَمَّا حدث ليوسف من قبل. وهنا يأتي الحق سبحانه بما قاله أبوهم يعقوب ﵇: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ ... .﴾ .

стр. 8081

وهنا يُذكِّرهم أبوهم بأنهم لم يُقدِّموا من قبل ما يُطمئِنه على ذلك؛ فقد أضاعوا أخاهم يوسف وقالوا: إن الذئب قد أكله. وأضاف: ﴿فالله خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٦٤] . وهو قَوْل نتنسَّم فيه أنه قد وافق على ذهاب بنيامين معهم، وأنه يدعو الحق ليحفظ ابنه. وبدأ أبناء يعقوب في فتح متاعهم بعد الرحلة، وبعد الحوار مع أبيهم. ويقول الحق سبحانه: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ ... .﴾ .

стр. 8082

وهكذا اكتشفوا أن بضائعهم التي حملوها معم في رحلتهم إلى مصر ليقايضوا بها ويدفعوها ثمناً لِمَا أرادوا الحصول عليه من طعام ومَيْرة قد رُدَّتْ إليهم؛ وأعلنوا لأبيهم أنهم لا يرغبون أكثر من ذلك؛ فهم قد حصلوا على المَيْرة التي يتغذَّوْنَ بها هم وأهاليهم. ولا بُدَّ أن يصحبوا أخاهم في المرة القادمة، ولسوف يحفظونه، ولسوف يعودون ومعهم كيْل زائد فوق بعير، وهذا أمر هَيِّن على عزيز مصر. ولكن والدهم يعقوب ﵇ قال ما أورده الحق سبحانه هنا: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ ... ﴾ .

стр. 8083

ونلحظ هنا رِقَّة قلب يعقوب وقُرْب موافقته على إرسال ابنه «بنيامين» معهم إلى مصر، هذه الرِّقَّة التي بَدَتْ من قبل في قوله: ﴿فالله خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٦٤] . وطلب منهم أن يحلفوا بيمين مُوثقة أن يعودوا من رحلتهم إلى

стр. 8084

مصر، ومعهم أخوهم «بنيامين» إذا ما ذهب معهم؛ ما لم يُحِطْ بهم أمر خارج عن الإرادة البشرية، كأن يحاصرهم أعداء يُضيِّعونهم ويُضيِّعون بنيامين معهم؛ وهذا من احتياط النبوة؛ لذلك قال: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ... ﴾ [يوسف: ٦٦] . وأقسم أبناء يعقوب على ذلك، وأعطَوْا أباهم اليمين والعهد على رَدِّ بنيامين، وليكون الله شهيداً عليهم. قال يعقوب: ﴿الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] . أي: أنه سبحانه مُطلع ورقيب، فإن خُنْتم فسبحانه المنتقم. ويُوصِي يعقوب أولاده الأسباط: ﴿وَقَالَ يابني ... .﴾ .

стр. 8085

وقد قال يعقوب ﵇ ذلك الكلام في المرة الثانية لذهابهم إلى مصر، بعد أن عَلِم بحُسْن استقبال يوسف لهم، وأن بضاعتهم رُدَّتْ إليهم، وعلم بذلك أنهم صاروا أصحاب حَظْوة عند عزيز مصر.

стр. 8086

وساعةَ ترى إنساناً له شأن؛ فترقب أن يُعادى، لذلك توجَّس يعقوب خِيفة أن يُدبِّر لهم أحد مكيدة؛ لأنهم أغراب. ومن هنا أمرهم أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة، وكانت المدن قديماً لها أبواب؛ تُفتح وتقفل في مواعيد محددة، وحين يدخلون فُرادى فلن ينتبه أحد أنهم جماعة. وقد خاف يعقوب على أبنائه من الحسد، ونعلم أن الحسد موجود. وقد علَّمنا سبحانه أن نستعيد به سبحانه من الحسد؛ لأنه سبحانه قد عَلِم أزلاً أن الحسد أمر فوق طاقة دَفْع البشر له، وهو القائل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥] . وفي أمر الحسد أنت لا تستطيع أن تستعيذ بواحد مُسَاوٍ لك؛ لأن الحسد يأتي من مجهول غير مُدْرَك، فالشعاع الخارج من العين قد يتأجج بالحقد على كل ذي نعمة، وإذا كان عصرنا، وهو عصر الارتقاءات المادية قد توصَّل إلى استخدام الإشعاع في تفتيت الأشياء. إذن: فمن الممكن أن يكون الحسدُ مثل تلك الإشعاعات؛ والتي

стр. 8087

قد يجعلها الله في عيون بعض خلقه، وتكون النظرة مثل السهم النافذ، أو الرصاصة الفتاكة. والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] . وإنْ قال قائل: ولماذا يُعطي الحق سبحانه بعضاً من خلقه تلك الخواص؟ أقول: إنه سبحانه يعطي من الإمكانات لبعض من خلقه، فيستخدمونها في غير موضعها، وكلُّ إنسان بشكل ما عنده إمكانية النظرة، ولكن الحقد هو الذي يولد الشرارة المُؤْذية، ويمكنك أن تنظر دون حسد إنْ قُلْتَ: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بارك. بذلك لا تتحقق الإثارة اللازمة لتأجُّج الشرارة المؤذية، ويمكنك أن تستعيذ بالله خالق البشر وخالق الأسرار، وتقرأ قول الحق سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥] . وأن تقول كلمات رسول الله ﷺ َ حين كان يُعوِّذ الحسن والحسين ﵄، ويقول: «

стр. 8088

أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامَّة» . وقال ﷺ َ: «كان أبوكما إبراهيم يُعوِّذ بها إسماعيل وإسحاق ﵈» . كما «أنه ﷺ َ:» كان إذا حَزَبَهُ أمر قام وصلى « ، لأن معنى حَزْب أمر للرسول ﷺ َ، أو لواحد من اتباع الرسول ﷺ َ أن هذا الأمر يخرج عن قدرة البشر. وهنا على الإنسان أن يأوي إلى المُسبِّب، فهو الركن الشديد، بعد أن أخذتَ أنت بالأسباب الممدودة لك من يد الله، وبذلك يكون ذهابك إلى الحق هو ذهاب المُضطر؛ لا ذهاب الكسول عن الأخذ بالأسباب. والحق سبحانه يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء﴾ [النمل: ٦٢] . والمضطر هو من استنفد كل أسبابه، ولم يَدْعُ ربه إلا بعد أن

стр. 8089

أخذ بكل الأسباب الممدودة، فلا تطلب من ذات الله قبل أن تأخذ ما قدمه لك بيده سبحانه من أسباب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد يعقوب ﵇ وقد أوصى أبناءه ألاَّ يدخلوا مصر من باب واحد؛ بل من أبواب متفرقة خشية الحسد، وتنبهت قضية الإيمان بما يقتضيه من تسلم لمشيئة الله، فقال: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ. .﴾ [يوسف: ٦٧] . أي: لست أُغْني عنكم بحذري هذا من قدر الله، فهو مجرد حرص، أما النفع من ذلك الحرص والتدبير فهو من أمر الله، ولذلك قال: ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ [يوسف: ٦٧] . فكل الخَلْق أمرهم راجع إلى الله، وعليه يعتمد يعقوب، وعليه يعتمد كل مؤمن. ونفَّذَ أبناءُ يعقوب ما أمرهم به أبوهم، يقول سبحانه: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ ... ﴾ .

стр. 8090

أي: ما كان دخولهم من حيث أمرهم أبوهم يردُّ عنهم أمراً أراده سبحانه، فلا شيء يردُّ قضاء الله، ولعل أباهم قد أراد أنْ يردَّ عنهم حسد الحاسدين، أو: أن يُدسَّ لهم أو يتشككوا فيهم، ولكن أي شيء لن يمنع قضاء الله. ولذلك قال سبحانه: ﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ... ﴾ [يوسف: ٦٨] ويعقوب يعلم أن أيَّ شيء لن يردَّ قدر الله، وسبحانه لم يُعْطِ الاحتياطات الولائية ليمنع الناس بها قدرَ الله. ويقول سبحانه هنا عن يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ... ﴾ [يوسف: ٦٨] . أي: أنه يعرف موقع المُسبِّب وموقع الأسباب، ويعلم أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله؛ لأنه سبحانه قد خلق الأسباب رحمةً بعباده: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨] . أي: يعزلون الأسباب عن المُسبِّب، وهذا ما يُتعِب الدنيا. ويقول سبحانه بعد ذلك:
следующие страницы →