← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

والتثريب هو اللوم العنيف، وهو مأخوذ من الثَّرْب؛ فحين يذبحون ذبيحة، ويُخرِجون أمعاءها يجدون حول الأمعاء دُهْناً كثيفاً؛ هذا الدُّهْن يُسمَّى ثَرْب. أما إن كانت هزيلة، ولم تتغذَّ جيداً، فأمعاؤها تخرج وقد ذاب من عليه هذا الثَّرْب. والتثريب يعني: أن اللوم العنيف قد أذابَ الشحم من لحمه، وجعل دمه ينزّ، ويكاد أن يصل بالإنسان إلى أن ينزل به ويسلّه. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «

стр. 8157

إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبيَّن زناها فليجلدها الحدّ، ولا يُثرِّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يُثرِّب عليها، ثم إنْ زنت الثالثة فتبيّن زِنَاها فَليبِعْها، ولو بحبل من شعر» . أي: لا يقولن لها: يا مَنْ فعلت كذا وكذا، بل فليعاقبها بالعقاب الذي أنزله الله لمثل هذه الجريمة؛ فإن لم ترتدع عن الفعل فَلْيبِعْها، وهكذا نفهم أن التثريب أو اللوم العنيف قد يُولِّد العِناد. وقال يوسف ﵇: ﴿اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] . ولقائل أن يتساءل: ولماذا قال يوسف ذلك؛ وقد يكونون قد استغفروا الله من قبل؟ ونقول: إن دعوة يوسف بالمغفرة لهم جاءت في حدود معرفته ولتصفية النفوس مما شابها بهذا اللقاء. وقوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] . هو فَهْمٌ لحقيقة أن أيَّ رحمة في العالم، أو من أي أحد إنما هي مُستمدَّة من رحمته سبحانه.

стр. 8158

وقد قال يوسف ذلك وهو واثق من إجابة دعوته، لأنه قد غفر لهم خطأهم القديم وعَفَا عنهم؛ والله أَوْلَى منه بالعفو عنهم. ثم يعود الحديث بينه وبينهم إلى والدهم، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف لإخوته، وهو الذي عَلِم ما حدث لأبيه بعد فراقه له: ﴿اذهبوا بِقَمِيصِي ... ﴾ .

стр. 8159

وكان يوسف ﵇، قد عَلِم أن أباه يربط عينيه من الحزن، وكاد أن يفقد بصره، فأمر أخوته أن يذهبوا بقميصه الذي كان يلبسه إلى أبيه. وتقول كتب السِّير أن أخاه الأكبر الذي رفض أن يبرح مصر، وقال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي أبي أَوْ يَحْكُمَ الله لِي وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠] . قد قال ليوسف: «يا أيها العزيز إنني أنا الذي حملتُ القميص بدم كذب إلى أبي، فدعْني احمل هذا القميص لأبي، كي تمحو هذه تلك» .

стр. 8160

وقال يوسف عن فعل القميص مع الأب: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: ٩٣] . ونلحظ أنه لم يَقُلْ: «وجه أبيكم» . وفي قوله: ﴿وَجْهِ أَبِي﴾ [يوسف: ٩٣] . إشارة إلى الحنان الأبوي الذي فقدوه منذ أن غاب يوسف، فغرق والده في الحزن. و ﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: ٩٣] أي: يرتدّ إليه بصره، أو يراه أمامه سليماً. ويضيف يوسف: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] . هذا تعبير قُرآني دقيق، أن يُحضروا معهم كل مَنْ يَمُتُّ بصلة قرابة لهم أو يعمل معهم، ولم يَقُلْ يوسف «بآلكم» حتى لا يأتوا بالأعيان فقط. ونلحظ أنه لم يذكر والده في أمر يوسف لأخوته أن يأتوه بكل مَنْ يمُتُّ لهم بصلة قُرْبى؛ لأن في مثل هذا الأمر من موقع عزيز مصر إجباراً للأب على المجيء، وهو يُجِلُّ أباه عن ذلك.

стр. 8161

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ... ﴾ .

стр. 8162

و «فصلت» تدل على شيء كان مُلْتصقاً بشيء آخر وانفصل عنه، وفَصِلت العِيرُ. أي: خرجتْ من المدينة وتجاوزتْها؛ لتسير في رحلتها، والمقصود خروج القافلة من حدود مصر قاصدةً مكان يعقوب ﵇. وهنا قال يعقوب لمن كانوا حاضرين معه من الأحفاد وأبناء الأبناء: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤] . والمعروف أن القميص الذي أرسله مع أخيه الأكبر يحمل رائحة يوسف، لكن الذين حول يعقوب من أقربائه لم يُصدِّقوا قوله، فأضاف: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] . أي: لولا اتهامكم لي بالخَرف، لأن التفنيد هو الخرف.

стр. 8163

ومن العجيب أننا في أيامنا هذه نجد العلم وقد أثبت أن صُورَ المرائي والأصوات، توجد لها آثار في الجو، رغم ما يُخيَّل للإنسان أنها تلاشتْ. ويحاول العلم بوسائل من الأشعة أن يكشف صورة أيِّ جماعة كانت تجلس في مكان ما، ثم رحلتْ عنه منذ ساعة أو ساعتين، ممَّا يدلُّ على أن الصور لها نضح من شعاع وظلال يظل بالمكان لفترة قبل أن يضيع. وكذلك الأصوات؛ فالعلماء يحاولون استرداد أصوات مَنْ رحلوا؛ ويقولون: لا شيءَ يضيع في الكون، بل كل ما وُجِد فيه محفوظ بشكل أو بآخر. والرائحة أيضاً لا تضيع، بدليل أن الكلب يشُمُّ الريح من على مسافات بعيدة، ويميز الآن المخدرات من رائحتها؛ ولذلك تنتشر الكلاب المدرَّبة في المطارات وعلى الحدود؛ لتكشف أيَّ محاولة لتهريب المخدرات. وإذا كان الحيوان المخلوق بقدرة الله قادراً على التقاط الرائحة من بين آلاف الروائح، وإذا كان العلم الموهوب من الله للبشر؛ يبحث الآن في كيفية استحضار الصورة واسترداد الصوت من الفضاء المحيط بالإنسان؛ فعلينا أن ندرك أن العِيرَ عندما خرجتْ من أسوار المدينة؛ وأخذتْ طريقها إلى الموقع الذي يعيش فيه يعقوب ﵇؛ استطاع يعقوبُ بقدرة الله أن يَشُمَّ رائحة يوسف؛ تلك التي يحملها قميصه القادم مع القافلة.

стр. 8164

ولسائل أن يقول: ولماذا ارتبط تنسُّم يعقوب لرائحة يوسف بخروج العِير من مصر، وتواجدها على الطريق إلى موطن يعقوب؟ نقول: لأن العِيرَ لحظة تواجدها في المدينة تكون رائحة قميص يوسف مُخْتلطة بغيرها من الروائح؛ فهناك الكثير من الروائح الأخرى داخل أي مدينة، ويصعب نفاذ رائحة بعينها لتغلب على كل الروائح؛ ويختلف الأمر في الخلاء؛ حيث يمكن أن تمشي هَبَّة الرائحة دون أن يعترضها شيء. وبذلك نؤمن أن كل شيء في الكون محفوظ ولا يضيع؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] . وكل ما يصدر منك مُسجَّل عليك؛ ولذلك يأتيك كتابك يوم القيامة لتقرأه، وتكون على نفسك حسيباً. ويردُّ مَنْ بقِي من أهل يعقوب معه على قوله بأنه يجد رِيحَ يوسف: ﴿قَالُواْ تالله ... ﴾ .

стр. 8165

وكأنهم قد مَلُّوا حديثه عن يوسف؛ وأعرضوا عن كلامه قائلين له: إلى متى ستظل على ضلالك، وهم لا يعنُون الضلال بمعنى الخروج عن المنهج، ولكنهم يعنُونَ الضلال بمعنى الجزئيات التي لا علاقة لها بالتديُّن من محبة شديدة ليوسف، وتعلُّق به، والتمنِّي لعودته، وكثرة الحديث عنه، وتوقُّع لقائه، وهم الذين ظَنُّوا أن يوسف قد مات.

стр. 8166

ويأتي البشير ليعقوب، يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير. .﴾ .

стр. 8167

وحين حضر البشير، وهو كما تقول الروايات كبير الأخوة؛ ويُقال أيضاً: إنه يهوذا؛ وهو مَنْ رفض أن يغادر مصر إلا بعد أن يأذن له والده، أو يأتي حَلٌّ من السماء لمشكلة بقاء بنيامين في مصر، بعد اتهام أعوان العزيز له بالسرقة، طبقاً لما أراده يوسف ليستبقي شقيقه معه. ولما جاء هذا البشير ومعه قميص يوسف؛ فألقاه على وجه الأب تنفيذاً لأمر يوسف ﵇. وبذلك زال سبب بكاء يعقوب، وفَرِح يعقوب فرحاً شديداً؛ لأنه في أيام حزنه على يوسف، وابيضاض عينيه من كثرة البكاء حدَّثه قلبه بالإلهام من الله أن يوسف ما زال حياً؛ وكان البكاء عليه من بعد ذلك هو بكاء من فَرْط الشوق لرؤية ابنه.

стр. 8168

وكذلك قد يكون يوسف قد علم بالوحي من الله أن إلقاء القميص على وجه أبيه يردُّ إليه بصره، بإذن من الحق ، فضلاً عن أن الفرح له آثار نفسية تنعكس على الحالة الصحية، وهكذا تجلَّتْ انتصارات الحقِّ والنبوة. وقال يعقوب ﵇: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] . ولم يَقُلْ ذلك إذلالاً لهم، بل ليعطي الثقة والتوثيق لأخبار كل نبي، وأن الواقع قد أيَّد الكلام الذي قاله لهم: ﴿يابني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧] . فإذا جاءكم خبر من معصوم؛ إياكم أن تقفوا بعقولكم فيه؛ لأن العقول تأخذ مُدْركات الأشياء على قَدْرها، وهناك أشياء فوق مُدْركات العقول. وحين يُحدِّثكم معصوم عن ما فوق مُدْركات عقولكم إياكم أن تُكذِّبوه؛ سواء فهمتم ما حدَّثكم عنه، أو لم تستوعبوا حديثه عَمَّا فوق مُدْركات العقول.

стр. 8169

وهنا يقرّ أخوة يوسف بذنوبهم فيقول الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ ياأبانا استغفر ... ﴾ .

стр. 8170

وهم هنا يُقِرُّون بالذنب، ويُحدِّثون والدهم بنداء الأبوة كي يستغفر لهم ما ارتكبوه من ذنوب كثيرة، فقد آذَوْا أباهم وجعلوه حزيناً، ولا يسقط مثل هذا الذنب إلا بأن يُقِرَّ به مَنْ فعله، ونلحظ أنهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] أي: أنهم كانوا يعلمون الصواب، ولم يفعلوه. ويأتي الحق سبحانه بما قاله يعقوب: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي ... ﴾

стр. 8171

ونلحظ أن يوسف قد قال لهم من قبل: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] لكن والدهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول:

стр. 8172

﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي ... ﴾ [يوسف: ٩٨] ولم يقل: «سأستغفر لكم ربي» ، وهذا يدل على أن الكبار يحتاجون لوقت أكبر من وقت الشباب؛ لذلك أجَّل يعقوب الاستغفار لما بعد. والشيخ الألوسي في تفسيره يقول: «إنما كان ذلك لأن مطلوبات البر من الأخ لأخوته غير مطلوبات البر من ابن لأبيه؛ لأن الأخ ليس له نفس حق الأب؛ لذلك يكون غضب الأب أشدَّ من غضب الأخ» . ثم إن ذنوبهم هنا هي من الذنوب الكبيرة التي مرّ عليها وعلى تأثيرها على الأب زمن طويل. ويقال: إن يعقوب ﵇ قد أخَّر الاستغفار لهم إلى السَّحَر، لأن الدعاء فيه مُستجَاب. وينقلنا الحق سبحانه من بعد ذلك إلى لحظة اللقاء بين يوسف ﵇ وأهله كلهم، بعد أن انتقلوا إلى حيث يعيش يوسف، فيقول سبحانه: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ... ﴾

стр. 8173

ونعلم أن الجَدَّ إسحق لم يكُنْ موجوداً، وكانوا يُغلِّبون جهة الأبوة على جهة الأمومة، ودخلت معهم الخالة؛ لأن الأم كانت غير موجودة.

стр. 8174

ويبدو أن يوسف قد استقبلهم عند دخولهم إلى مصر استقبال العظماء، فاستقبلهم خارج البلد مرة ليريحهم من عناء السفر ويستقبلهم وجهاء البلد وأعيانهم؛ وهذا هو الدخول الأول الذي آوى فيه أبويْه. ثم دخل بهم الدخول الثاني إلى البلد بدليل أنه قال: ﴿ ... ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] ففي الآية دخولان. وقول الحق سبحانه: ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ... ﴾ [يوسف: ٩٩] يدل على حرارة اللقاء لمغتربين يجمعهم حنان، فالأب كان يشتاق لرؤية ابنه، ولابُدَّ أنه قد سمع من أخوته عن مكانته ومنزلته، والابن كان مُتشوِّقاً للقاء أبيه. وانفعالات اللقاء عادة تُترك لعواطف البشر، ولا تقنينَ لها، فهي انفعالات خاصة تكون مزيجاً من الود، ومن المحبة، ومن الاحترام، ومن غير ذلك. فهناك مَنْ تلقاه وتكتفي بأن تسلم عليه مُصَافحة، وآخر تلتقي به ويغلبُك شوقك فتحتضنه، وتقول ما شِئتَ من ألفاظ الترحيب. كل تلك الانفعالات بلا تقنين عباديّ، بدليل أن يوسف ﵇ آوى إليه أبويه، وأخذهما في حضنه.

стр. 8175

«والمثل من حياة رسولنا ﷺ َ في سياق غزوة بدر حيث كان يستعرض المقاتلين، وكان في يده ﷺ َ قدح يعدل به الصفوف، فمَرَّ بسواد بن غزية من بني عدي بن النجار، وهو مستنصل عن الصف أي خارج عنه، مما جعل الصف على غير استواء فطعن رسول الله ﷺ َ في بطنه بالقدح وقال له:» اسْتَوِ يا سواد «. فقال سواد: أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني. فكشف رسول الله ﷺ َ عن بطنه وقال ﷺ َ:» استقد «. فاعتنقه سَواد وقَبَّل بطنه. فقال ﷺ َ:» ما حملك على هذا يا سواد؟ «. قال: يا رسولَ الله، قد حضر ما ترى يقصد الحرب فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جِلْدي جلدك. فدعا له رسول الله ﷺ َ بالخير» . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:

стр. 8176

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش ... ﴾

стр. 8177

وقد رفع يوسف أبويه على العرش لأنه لم يحب التميُّز عنهم؛ وهذا سلوك يدل على المحبة والتقدير والإكرام. والعرش هو سرير الملك الذي يدير منه الحاكم أمور الحكم. وهم قد خَرُّوا سُجَّداً لله من أجل جمع شمل العائلة، ولم يخروا سُجَّداً ليوسف، بل خَرُّوا سُجَّداً لمن يُخَرّ سجوداً إليه، وهو الله. وللذين حاولوا نقاش أمر سجود آل يعقوب ليوسف أقول: هل أنتم أكثر غَيْرةً على الله منه سبحانه؟

стр. 8178

إنه هو سبحانه الذي قال ذلك، وهو سبحانه الذي أمر الملائكة من قَبْل بالسجود لآدم فلماذا تأخذوا هذا القول على أنه سجود لآدم؟ والمؤمن الحق يأخذ مسألة سجود الملائكة لآدم؛ على أنه تنفيذ لأمر الحق سبحانه لهم بالسجود لآدم، فآدم خلقه الله من طين، ونفخ فيه من روحه؛ وأمر الملائكة أن تسجد لآدم شكراً لله الذي خلق هذا الخَلْق. وكذلك سجود آل يعقوب ليوسف هو شكر لله الذي جمع شملهم، وهو سبحانه الذي قال هذا القول، ولم يُجرِّم سبحانه هذا الفعل منهم، بدليل أنهم قَدَّموا تحية ليوسف هو قادر أن يردَّها بمثلها. ولم يكن سجودهم له بغرض العبادة؛ لأن العبادة هي الأمور التي تُفعل من الأدنى تقرباً للأعلى، ولا يقابلها المعبود بمثلها؛ فإنْ كانت عبادة لغير الله فالله سبحانه يُعاقب عليها؛ وتلك هي الأمور المُحرَّمة. أما العبادة لله فهي اتباع أوامره وتجنب نواهيه؛ إذن: فالسجود هنا استجابة لنداء الشكر من الكل أمام الإفراج عن الهم والحزن وسبحانه يُثيب عليها. أما التحية يقدمها العبد، ويستطيع العبد الآخر أن يردَّ بمثلها أو خَيْرٍ منها، فهذا أمر لا يحرمه الله، ولا دَخْل للعبادة به.

стр. 8179

لذلك يجب أن نفطن إلى أن هذه المسألة يجب أن تُحرَّر تحريراً منطقيّاً يتفق مع معطيات اللغة ومقتضى الحال، ولو نظرنا إلى وضع يعقوب ﵇، وما كان فيه من أحزان وموقف إخوته بين عذاب الضمير على ما فعلوا وما لاقوه من متاعب لأيقنا أن السجود المراد به شكر من بيده مقاليد الأمور بدلاً من خلق فجوات بلا مبرر وَهُمْ حين سجدوا ليوسف؛ هل فعلوا ذلك بدون علم الله؟ طبعاً لا. ومن بعد ذلك نجد قول يوسف لأبيه: ﴿وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ... ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كانت الرُّؤيا هي أول لَقْطة في قصة يوسف ﵇ حيث قال الحق ما جاء على لسان يوسف لأبيه: ﴿ ... إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقوله في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ... ﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: أمراً واقعاً، وقد رآه والد يوسف وأخوته لحظة أنْ سجدوا ليوسف سجودَ الشكر والتحية لا سجود عبادة، وقد سجد الأخوة الأحد عشر والأب والخالة التي تقوم مقام الأم، ورؤيا الأنبياء كما نعلم لابُدَّ أن تصير واقعاً. ولقائل أن يقول: وماذا عن رُؤْيا إبراهيم ﵇ التي أمره

стр. 8180

فيها الحق سبحانه أن يذبح ابنه؛ فقام إلى تنفيذها؛ واستسلم إسماعيل لأمر الرُّؤْيا. نقول: إن الأنبياء وحدهم هم الملتزمون شرعاً بتنفيذ رؤاهم؛ لأن الشيطان لا يُخايلهم؛ فهم معصومون من مخايلة الشيطان. أما إنْ جاء إنسان وقال: لقد جاءتني رؤيا تقول لي نَفِّذ كذا. نقول له: أنت غير مُلْزم بتنفيذ ما تراه في منامك من رُؤَى؛ فليس عليك حكم شرعي يلزمك بذلك؛ فضلاً عن أن الشيطان يستطيع أن يُخايلك. أما تنفيذ إبراهيم ﵇ لما رآه في المنام بأن عليه أن يذبح ابنه، وقيام إبراهيم بمحاولة تنفيذ ذلك؛ فسببه أنه يعلم بالتزامه الشرعي بتنفيذ الرُّؤيا. وقد جاء لنا الحق سبحانه بهذا الذي حدث ليبين لنا عِظَم الابتلاءات التي مرَّتْ على إبراهيم، وكيف حاول أن يتم كل ما توجهه له السماء من أوامر، وأن ينفذ ذلك بدقّة. وقال الحق سبحانه مُصوِّراً ذلك: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ... ﴾ [البقرة: ١٢٤]

стр. 8181

وكانت قمة الابتلاءات هي أن يُنفِّذ بيديه عملية ذبح الابن؛ ولذلك أؤكد دائماً على أن الأنبياء وحدهم هم المُلْزمون بتنفيذ رُؤاهم، أما أي إنسان آخر إنْ جاءته رُؤْيا تخالف المنهج؛ فعليه أن يعتبرها من نزغ الشيطان. ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ... ﴾ [يوسف: ١٠٠] ولقائل أن يسأل: ولماذا لم يذكر يوسف الأحداثَ الجِسَام التي مرَّتْ به في تَسَلسُلها؛ مثل إلقاء أخوته له في الجُبِّ؟ نقول: لم يُرِدْ يوسف أن يذكر ما يُكدِّر صَفْو اللقاء بين العائلة من بعد طول فراق. ولكنه جاء بما مرّ به من بعد ذلك، من أنه صار عبداً، وكيف دخل السجن؛ لأنه لم يستسلم لِغُواية امرأة العزيز، وكيف مَنَّ الله عليه بإخراجه من السجن، وما أن خرج من السجن حتى ظهرت النعمة، ويكفي أنه صار حاكماً. وقد يقول قائل: إن القصة هنا غير مُنْسجمة مع بعضها، لأن بعضاً من المواقف تُذكر؛ وبعضها لا يُذْكر. نقول: إن القصة مُنْسجمة تماماً، وهناك فارق بين قصص التاريخ كتاريخ؛ وبين قَصص يوضح المواقف الهامة في التاريخ. والمناسبة في هذه الآية هي اجتماع الإخوة والأب والخالة، ولا داعي لذكر ما يُنغِّص هذا اللقاء؛ خصوصاً؛ وأن يوسف قد قال من قبل:

стр. 8182

﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] وسبق أن قال لهم بلطف من يلتمس لهم العذر بالجهل: ﴿ ... هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] وهو هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يذكر إحسان الحق سبحانه له فيقول: ﴿هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً. . .﴾ [يوسف: ١٠٠] ويُثني على الله شاكراً إحسانه فيقول: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ... ﴾ [يوسف: ١٠٠] وهو إحسان له في ذاته، ثم يذكر إحسان الله إلى بقية أهله: ﴿وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو ... ﴾ [يوسف: ١٠٠] وكلمة «أحسن» كما نعلم مرة تتعدى ب إلى، فتقول: «أحسن إليه» ، ومرة تتعدى بالباء، فنقول: «أحسن به» ، وهو هنا في مجال «أحسن بي» . أي: أن الإحسان بسببه قد تعلَّق بكل ما اتصل به؛ فجعله حاكماً، وجاء بأهله من البدو؛ أما الإحسان إليه فيكون محصوراً في ذاته لا يتعداه.

стр. 8183

وجعل الحق سبحانه الإحسان هنا قسمين: قسم لذاته؛ وقسم للغير، واعتبر مجيء الأهل من البدو إحساناً إليه، لأن البَدْو قوم يعيشون على الفطرة والانعزالات الأسرية، ولا تَوطُّن لهم في مكان، ولا يضمُّهم مجتمع، وليس لهم بيوتٌ مبنية يستقِرُّون فيها، ولكنهم يتبعون أرزاقهم من منابت الكلأ ومساقط المياه، ويحملون رِحَالهم إلى ظهر الجمال متنقلين من مكان لآخر. وتخلو حياتهم من نِعَم الحضارة. ففي الحضارة يحضر إليك كل ما تطلب، ولكن الحياة في البدو تُحتِّم أن يذهب الإنسان إلى حيث يجد الخير؛ ولذلك تستقر الحياة في الحضر عنها في البادية. ويعطينا الشاعر أحمد شوقي رحمة الله عليه صورة تبين الفارق بين البدو والحضر، حين صنع مناظرة بين واحدة تتعصب للبدو، وأخرى تتعصب للحضر. فقال: فأنا مِنَ البِيدِ يا ابن جُرَيج ... ومن هذه العِيشَة الجَافِيه ومن حَالبِ الشاة في موضعٍ ... ومن مُوقِد النارِ في نَاحِيه مُغَنِّيكُمو معبدٌ والغَريق ... وقَيْنتنا الضبع العَاوِيه هُمْ يأكلونَ فُنونَ الطهاةِ ... ونحن نأكل ما طَهَتِ المَاشِيه فابن جريج يشكو السَّأَم من حياة البادية، حيث لا يرى إلا المناظر المُعَادة من حَلْبٍ لشاة، أو إشعال نار، ولا يسمع كأهل

стр. 8184

الحضر صوت المُغنِّين المشهورين في ذلك الزمن؛ بل يسمع صوت الضِّبَاع العاوية، ولا يأكل مثل أهل الحضر ما قام بِطَهْيهِ الطُّهاة؛ بل يأكل اللبن وهو ما تقدمه لهم الماشية. وتردُّ ليلى المتعصِّبة للبادية: قد اعتسفتْ هِنْدُ يا ابنَ جرَيج ... وكانت على مَهْدِها قَاسيه فَمَا البِيِد إلاّ دِيَارُ الكِرَام ... ومنزِلةُ الذِّمَمِ الوَاقِيه لها قِبْلةُ الشمسِ عند البُزُوغِ ... وللحضر القبلة الثانيه ونحنُ الرَّياحِين مِلْء الفضاءِ ... وهُنَّ الرَّياحِينُ في آنِيه ويَقْتُلنا العِشْقُ والحَاضِراتُ ... يَقُمْنَ من العِشق في غَامِيه وقولها «اعتسفت» يعني «ظلمت» ، أي: أن هنداً ظلمت البيد يا ابن جريج، ثم جاءت بميزات البدو؛ فأوضحت أن بنات البادية كالرياحين المزروعة في الفضاء الواسع، عكس بنات الحَضَر التي تشبه الواحدة منهن الريحانة المزروعة في أُصص الزرع، أو أي آنية أخرى. ثم تأتي إلى القيم؛ فتفخر أن بنت البادية يقتلها العِشْق، ولا تنال ممَّنْ تعشق شيئاً؛ فتنسلّ وتموت، أما بنت الحضر؛ فصحتها تأتي على الحب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يشكر يوسف ما مَنَّ به الله عليه، وعلى أهله الذين جاء بهم سبحانه من البادية، ليعيشوا في مصر ذات الحضارة الواسعة؛ وبذلك يكون قد ضخَّم

стр. 8185

الفرق بين ما كانوا يعيشون فيه من شَظَف العيش إلى حياة اللين والدَّعة. ثم يلمس ما كان من إخوته تجاهه فيقول: ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي ... ﴾ [يوسف: ١٠٠] وهذا مَسٌّ لطيف لما حدث، وقد نسبه يوسف للشيطان؛ وصَوَّره على أنه «نَزْغ» . أي: أنه لم يكن أمراً مستقراً على درجة واحدة من السوء. أي: أن ما فعله الشيطان هو مجرد وَخْزة تُنبِّه إلى الشيء الضار فيندفع له الإنسان، وهي مأخوذة من المِهْماز الذي يُروِّض به مدرب الخيل أيَّ حصان، فهو ينغزه بالمِهْماز نزغة خفيفة، فيستمع وينفذ ما أمره به، فالنَّغْز تنبيه لمهمة، ويختلف عن الطَّعْن. والحق سبحانه ينبهنا إلى ما يفعله الشيطان؛ فيقول لنا: ﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله ... ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وكُلٌّ منا يعلم أن الشيطان عدوٌّ له عداوة مُسبقة، وحين تستعيذ بالله من الشيطان، فأنت تكتسب حَصَانه من الشيطان. وسبحانه القائل:

стр. 8186

﴿ ... إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] أي: أن الإنسان حين يتذكر العداوة بينه وبين الشيطان؛ فعليه أن يشحن نفسه بالمناعة الإيمانية ضد هذا النَّزْغ. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقول يوسف: ﴿ ... إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم﴾ [يوسف: ١٠٠] فسبحانه هو المدير الذي لا تَخْفى عليه خافية أبداً، وكلمة «لُطْف» ضد كلمة «كثافة» فاللطيف هو الذي له جِرْم دقيق، والشيء كلما لَطُف عَنُفَ؛ لأنه لا توجد عوائق تمنعه. ولا شيء يعوق الله أبداً، وهو العليم بموقع وموضع كل شيء، فهو يجمع بين اللطف والخبرة، فلُطْفه لا يقف أمامه أي شيء، ولا يوجد ما هو مستور عنه، ولا يقوم أمام مراده شيء، وسبحانه خبير بمواضع الأشياء، وعلْمه سبحانه مُطْلق، وهو حكيم يُجرِي كل حَدَث بمراد دقيق، ولا يضيف إليه أحد أيَّ شيء، فهو صاحب الكمال المطلق. ويذكر الحق سبحانه بعد ذلك مناجاة يوسف لله سبحانه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك ... ﴾

стр. 8187

ونعلم أن الربوبية تعني الخَلْق من عدم، والإمداد من عدم؛ والإقاتة لاستبقاء الحياة، والتزاوج لاستباق النسل، وتسير كل هذه العمليات في تناسق كبير. فالحق سبحانه أوجد من عدم، واستبقى الحياة الذاتية بالقوت، واستبقى الحياة النوعية بما أباح من تزاوج وتكاثر. وكل مخلوق له حَظٌّ في عطاء الربوبية، مؤمناً كان أم كافراً، وكل مخلوقات الكون مُسخَّرة لكل الخلق، فسبحانه هو الذي استدعى الخَلْق إلى الوجود؛ ولذلك تكفل بما يحقق لهم الحياة. ويختص الحق سبحانه عباده المؤمنين بعطاء آخر بالإضافة لعطاء الربوبية؛ وهو عطاء الألوهية المتمثل في المنهج. يقول يوسف ﵇ مناجياً ربه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك ... ﴾ [يوسف: ١٠١] أي: أنه سبحانه هو الذي أعطاه تلك السيادة، وهذا النفوذ والسلطان؛ فلا أحد يملك قَهْراً عن الله، وحتى الظالم لا يملك قهراً عن الله؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى من القرآن: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] وإتيان المُلْك لا توجد فيه مقاومة ممَّنْ يملك؛ ولكن نَزْع المُلْك هو الذي يقاومه المنزوع منه.

стр. 8188

والحق سبحانه هو أيضاً الذي يُعِز مَنْ يشاء، وهو الذي يُذل مَنْ يشاء. وحين تتغلغل هذه الآية في نفس المؤمن؛ فهو يُوقِن أنه لا مفرَّ من القدر، وأن إيتاء المُلْك خير، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير والإذلال خير؛ كي لا يطغى الإنسان، ولا يتكبر، ولا يُعدِّل في إيمان غيره. وكان بعض الناس يقولون: لابد أن تُقدر محذوفاً في الآية. وهم قد قالوا ذلك بدعوى الظن أن هناك خيرين في الآية وشَرَّيْن محذوفين. وأقول: لا، إن ما تظنه أيها الإنسان أنه شر إنما هو خير يريده الله؛ فكل ما يُجريه الله خير. وقول يوسف ﵇: ﴿آتَيْتَنِي مِنَ الملك ... ﴾ [يوسف: ١٠١] يقتضي أن نفهم معنى «المُلْك» ؛ ومعنى «المِلْك» ، ولنا أن نعرف أن كل إنسان له شيء يملكه؛ مثل ملابسه أو قلمه أو أثاث بيته، ومثل ذلك من أشياء، وهذا ما يُسمَّى: «المِلْك» . أما «المُلْك» فهو أن تملك مَنْ يملك. وقد ملَّك الله بعضاً من خَلْقه لخلقه، ملَّكهم أولاً ما في حوزتهم، وملَّكهم غيرهم، وسبحانه ينزع المُلْك من واحد ويهبه لآخر، كي لا تصبح المسألة رَتَابة ذات.

стр. 8189

ومثال هذا: هو ما حدث لشاه إيران، وكان له المُلْك، وعنده كل أسباب الحضارة، وفي طَوْعه جيش قوي، ثم شاء الحق سبحانه أن ينزع منه المُلْك، فقام غيره بتفكيك المسامير غير المرئية التي كان الشاه يُثبِّت بها عرشه؛ فزال عنه المُلْك. وأنت في هذه الدنيا تملك السيطرة على جوارحك؛ تقول لليد «إضربي فلان» فتضرب يدُك فلاناً، إلى أن يأتي اليوم الآخر فلا يملك الإنسان السيطرة على جوارحه؛ لأن المُلْك يومها يكون لله وحده، فسبحانه القائل: ﴿ ... لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] ففي اليوم الآخر تنتفي كل الولايات، وتكون الولاية لله وحده. وبجانب «المُلْك» و «المِلْك» ؛ هناك الملكوت، وهو ما لا تراه بأجهزة الحواس. وسبحانه يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض ... ﴾ [الأنعام: ٧٥] أي: أن الحق سبحانه قد كشف لإبراهيم أسرار العالم الخفية من المخلوقات، وأنت ترى العلماء وهم يتتبعون أسرار ممالك النباتات والحيوانات؛ فتتعجب من دِقَّة خَلْق الله. ومَنْ وهبه الله دِقَّة العلم وبصيرة العلماء، يرى بإشعاعات البصر والعلم عالم الملكوت، ويستخرج الأسرار، ويستنبط الحقائق. ويضيف يوسف ﵇ في مناجاته لربه:

стр. 8190

﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ... ﴾ [يوسف: ١٠١] وهو يعترف بفضل الله عليه حين اختصّه بالقدرة على تأويل الأحاديث؛ تلك التي أوَّل بها رُؤْيا الفتييْنِ اللذين كانا معه في السجن؛ وأوَّل رؤيا المِلَك؛ هذا التأويل الذي قاده إلى الحكم، وليس هذا غريباً أو عجيباً بالنسبة لقدرة الله سبحانه. ويقول يوسف شاكراً لله: ﴿فَاطِرَ السماوات والأرض ... ﴾ [يوسف: ١٠١] ومادام سبحانه هو خالق كل شيء؛ فليس غريباً أن يُعلِّمه سبحانه ما شاء، وكأن إيمان يوسف قد وصل به إلى أن يعلم ما قاله الحق سبحانه: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] ونحن في حياتنا نجد الذي صنع جهازاً يستفيد منه غيره؛ يوضح مواصفات استعمال الجهاز أو الأداة، حتى ولو كانت نورجاً أو مِحْراثاً؛ وذلك ليضمن للجهاز الحركة السَّوِيَّة التي يؤدي بها الجهاز عمله. والواحد منا إن تعطلت منه السيارة يستدعي الميكانيكي الذي ينظر ما فيها؛ فإن كان أميناً، فهو يُشخِّص بدِقَّة ما تحتاجه السيارة، ويُصلِحها، وإن كان غير أمين ستجده يُفسد الصالح، ويزيد من الأعمال التي لا تحتاجها السيارة.

стр. 8191

وهكذا نرى أن كل صانع في مجاله يعلم أسرار صنعته، فما بالنا بالخالق الأعظم ؟ إنه خبير عليم بكل شيء. ولماذا قال يوسف عن الحق سبحانه: ﴿فَاطِرَ السماوات والأرض ... ﴾ [يوسف: ١٠١] لأنه يعلم أن الحق سبحانه قد خلق الإنسان؛ والإنسان له بداية ونهاية، لا يعلمها أحد غير الله سبحانه، فقد يموت الإنسان وعمره يوم، أو يموت في بطن أمه، أو بعد مائة سنة، وتمر على الإنسان الأغيار. أما السماوات والأرض فهي مخلوقات ثابتة، فالشمس لا تحتاج إلى قطعة غيار، ولم تقع، وتعطي الدفء للأرض، وهي مرفوعة عن الأرض؛ لا تقع عليها بمشيئة الله. والحق سبحانه هو القائل: ﴿ ... وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] واسمع قوله الحق: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] فالإنسان يتغير ويموت؛ أما السماوات والأرض فثابتة إلى ما شاء الله.

стр. 8192

ويقول يوسف ﵇ مواصلاً المناجاة لله: ﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة ... ﴾ [يوسف: ١٠١] وصحيح أن الحق سبحانه وليّ ليوسف في الدنيا، وقد نصره وقرَّبه وأعانه؛ بدليل كل ما مَرَّ به من عقبات، ويرجو يوسف ويدعو ألاّ يقتصر عطاء الله له في الدنيا الفانية، وأن يثيبه أيضاً في الباقية، والآخرة. ومادام سبحانه وليَّه في الدنيا والآخرة؛ فيوسف يدعوه: ﴿ ... تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١] وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً ... ﴾ [يوسف: ١٠١] إنما بسبب أن يكون أهلاً لعطاء الله له في الآخرة؛ فقد أخذ يوسف عطاء الدنيا واستمتع به، ومَتّع به، ومشى فيه بما يُرضِى الله. وعند تمنِّي يوسف للوفاة وقف العلماء، وقالوا: ما تمناها أحد إلا يوسف. فالإنسان إن كان مُوفّقاً في الدنيا، تجده دائم الطموح، وتوَّاقاً إلى المزيد من الخير. وتحمل لنا ذاكرة التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه قَبِل الإمارة، حينما كانوا يجيئون له بثوب ناعم؛ كان يطلب

стр. 8193

الأكثر منه نعومة، وإذا جِيءَ له بطعام ليِّن؛ كان يطلب الأكثر لُيونة. وحين صار خليفة؛ كانوا يأتونه بالثوب؛ فيطلب الأكثر خشونة وظن مَنْ حوله أنه لم يَعُدْ منطقياً مع نفسه، ولم يفهموا أن له نفساً توَّاقة إلى الأفضل؛ تستشرف الأعلى دائماً، فحينما تَاقَ إلى الإمارة جاءتْه؛ وحين تاق إلى الخلافة جاءتْه، ولم يَبْقَ بعدها إلا الجنة. ونجد ميمون بن مهران وكان ملازماً له؛ ﵄؛ دخل عليه مرة فوجده يسأل ربَّه الموت. فقال: يا أمير المؤمنين، أتسأل ربك الموت وقد صنع الله على يديك خيراً كثيراً؛ فأحيَيْتَ سُنناً وأَمَتَّ بِدعاً؛ وبقاؤك خير للمسلمين؟ فقال عمر بن عبد العزيز: ألا أكون كالعبد الصالح حينما أتمَّ الله عليه نعمته قال: ﴿ ... تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١] وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً ... ﴾ [يوسف: ١٠١] مكونة من شِقَّين: الشق الأول: طلب الموت. والشق الثاني: أن يموت مسلماً. وكُلُّنا يُتوفَّى دون أن يطلب، وعلى ذلك يكون الشق الأول غير

стр. 8194

مطلوب في ذاته؛ لأنه واقع لا محالة، ويصبح المطلوب إذن هو الشق الثاني، وهو أن يتوفاه الله مسلماً؛ ولذلك حين نأتي إلى القبور نقول: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون. وإنْ قال سائل: ولماذا نقول إن شاء الله بكم لاحقون، رغم أننا سنموت حَتْماً؟ نقول: إن قولنا «إن شاء الله» سببه هو رغبتنا أن نلحق بهم كمؤمنين. وأيضاً قد يسأل سائل: لماذا يقول نبي لربه: ﴿ ... وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١] وهل هناك صالح يأتي إلى هذا العالم دون أن يهتدي بمنهج نبي مرسل؟ نقول: إن كلمة «الصالحين» تضم الأنبياء وغيرهم من الذين آمنوا برسالة السماء. وهكذا انتهت قصة يوسف ﵇؛ ولذلك يتجه الحق

стр. 8195

سبحانه من بعد تلك النهاية إلى المُرَاد من القصة التي جاءتْ مكتملة في سورة كاملة، غير بقية قَصَص القرآن التي تتناثر أيٌّ منها في لقطات متفرقة بمواقع مختلفة من القرآن الكريم. وذلك باستثناء قصة نوح التي جاءت مكتملة أيضاً، لدرجة أن بعض السطحيين قالوا «إن هذا تكرار للقصة في لقطات مختلفة» ودائماً أقول رداً على ذلك: إنه تأسيس للقطات؛ إن اجتمعت جاءت القصة كاملة. وشاء الحق سبحانه أن تأتي اللقطات متفرقة؛ لأن كل لَقْطة إنما جاءت لمناسبة ما، وكل القَصَص القرآني قد جاء لتثبيت فؤاد رسول الله ﷺ َ؛ لأنه خلال عمره الرِّسالي الذي استمر ثلاثة وعشرين عاماً تعرَّض لأحداث جِسَام. وكل لحظة كانت تحتاج لتثبيت، فيُنزِل الحق سبحانه ما يُثبِّت به فؤاد رسوله ﷺ َ فيوضح له في موقع ما: لا تحزن؛ لأن مَنْ سبقك من الرسل حدث معهم كذا. بل قد تجد في الواقعة الواحدة لقطتيْن، مثلما جاء في العداوة بين موسى وفرعون. قال الحق سبحانه: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ... ﴾ [القصص: ٨] وهنا تكون العداوة من طرف موسى.
следующие страницы →