Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.
стр. 8121
وقد يكون كبيرهم هو أكبرهم عمراً؛ أو هو رئيس الرحلة، وحين رآهم قد قَبِلوا فكرة العودة دون أخيهم الذي احتجزه عزيز مصر؛ قال لهم رأيه الذي حذرهم فيه أنْ يغفلوا عن أن أباهم قد أخذ منهم موثقاً من الله إلا أنْ يُحَاط بهم؛ كما يجب ألا ينسوا أن لهم سابقة حين أخذوا يوسف وضيَّعوه.
وبناءً على ذلك استقر قراره ألاّ يبرحَ المكان، ولن يعود إلى أبيه إلا إنْ أذِنَ له بذلك؛ أو أن يحكمَ الله له بأن يُسلِّمه عزيزُ مصر أخاه، أو أن يموت هنا في نفس البلد.
وهذا القول في ظاهره دفاع عن النفس؛ وخجل من أن يعود إلى أبيه بدون بنيامين؛ ولذلك ترك أخوته يتحملَّون تلك المواجهة مع الأب.
وتبدو هذه المسألة أكثر قسوة على الأب؛ لأنه فقد في الرحلة الأولى يوسف، وفي الرحلة الثانية يفقد ابنه بنيامين، وكذلك الابن الكبير الذي يرأس الرحلة.
وفي هذا تصعيد للقسوة على الأب، وكان المفروض أن تدور مُدَاولَة بين الأخوة في تلك المُنَاجاة، ولكن الأخ الكبير أو رئيس الرحلة حسم الأمر.
وحين سألوه: ماذا نفعل يا كبيرنا؟ جاء قوله الذي أوردته الآية التالية:
стр. 8122
﴿ارجعوا إلى أَبِيكُمْ ... ﴾ .
стр. 8123
وهكذا أمر الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة إخوته أن يرجعوا إلى أبيهم، ويقولوا له ما حدث بالضبط، فقد اتُّهم ابنه بالسرقة، ونحن لا نقول هذا الكلام إلا بعد أن وجد فِتيان العزيز صُوَاع الملك في رَحْلِه، ولا نعلم هل دَسَّها أحد له؟ وهل هي حِيلة ومكيدة؟
ونحن لا نقول لك يا أبانا إلا ما وصل إلينا من معلومات، وقد أخذه العزيز طبقاً لشريعتنا، ونحن بخبرتنا بأخينا لا نشهد عليه بالسرقة، إلا أن ثبوتَ وجود صُواع الملك في رَحْله هو السبب في كل ذلك.
ويعلم الأخ الأكبر أن يعقوب ﵇ قد يُكذِّب أولاده؛ لأن هناك سوابقَ لهم؛ لذلك أوصاهم الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة أن يقولوا لأبيهم إنْ كَذَّبهم ما جاء به الحق على ألسنتهم: ﴿وَسْئَلِ القرية ... ﴾ .
стр. 8124
أي: أنك يا أبانا إنْ كنتَ تشك في أقوالنا؛ يمكنك أن تطلب أدلة أخرى من المكان الذي كنا فيه؛ لأن هذا الموضوع قد أحدث ضجَّة وحدث أمام جمع كبير من الناس، والقوافل التي كانت معنا شهدتْ الواقعة؛ فقد أذَّن مُؤذِّن بالحادث، وتَمَّ تفتيش العِير علناً.
فإذا أردتَ أن تتأكد من صدق أقوالنا، فاسأل العِير التي كانت تسير معنا في الطريق، وهم يعرفون هذه القضية كما نعرفها، أو اسأل أهل القرية التي جئنا منها.
ونلحظ هنا أن الحق سبحانه أورد كلام أخوة يوسف لأبيهم يعقوب:
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا. .﴾ [يوسف: ٨٢] .
ونحن نعلم أن كل حَدَثٍ من الأحداث لا بُدَّ له من فاعل، ومن مفعول يقع عليه، ومن مكان يقع فيه، ومن زمان يقع فيه؛ ومن سبب يُوجِبه، ومن قوة تنهض به.
وفي بعض الحالات نجد أن المكان هو الأمر الظاهر والقوي في الحدث، فننسبه إليه، فيُقال:
﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
والمراد بطبيعة الحال أن يَسأل أهل القرية، أو: أن المسألة كانت واضحة تماماً لدرجة أن الجماد يعرف تفاصيلها، أو: أنك نبيٌّ ويوحي لك الله فَسَلْهُ أن يجعل الأرض تخبرك بما وقع عليها.
وكذلك قولهم:
стр. 8125
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير﴾ [يوسف: ٨٢] .
ونعلم أن العير هي المَطايا؛ سواء أكانت نِياقاً أو كانت من الجمال أو الحمير أو البِغَال التي تحمل البضائع.
وحين يُقَال:
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير ... ﴾ [يوسف: ٨٢] .
أي: أن العير كان لها في الأمر شيء فوق المُلاَبسات كلها.
ومثال هذا ما كان في موقعة بدر؛ فقد خرج رسول الله ﷺ َ ليلقَى العير القادمة من الشام وهي مُحمَّلة بالبضائع؛ ليصادرها إيفاء ما استولى عليه الكافرون من أموال المهاجرين التي كانت بمكة، ولم يكن مع هذه العير إلا قليل من الحرس والرعاة.
ولكن حين تكلم عن المقاتلين الذين قَدِموا من مكة؛ وصفهم بالنفير، أي: الجماعة الذين نفروا لمواجهة معسكر الإيمان.
إذن: فكل حَدَث يأخذ الأمر البارز فيه.
وهنا يورد الحق سبحانه ما جاء على ألسنة إخوة يوسف حينما عادوا ليلقَوْا أباهم، وليس معهم أخوهم بنيامين؛ وكذلك تَخَلُّف أخيهم الكبير أو رئيس الرحلة.
يقول الحق سبحانه: ﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا ... ﴾ [يوسف: ٨٢] .
ويجوز أن تفتيشهم قد تَمَّ في مكان بعيد قليلاً عن العُمْران؛
стр. 8126
وفحص جنود أو مساعدو يوسف أمتعتهم التي عثروا فيها على صواع الملك.
وسُمى المكان «قرية» ، مثلما نفعل نحن حالياً حين نخصص مكاناً للجمارك؛ نفحص فيه البضائع الخارجة أو الداخلة إلى البلد، فقولهم:
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا ... ﴾ [يوسف: ٨٢] .
أي: اسأل أهل الموقع الذي حدث فيه التفتيش.
وكذلك قولهم: ﴿والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
أي: اسأل مَنْ كانوا معنا، وجِئْنا بصحبتهم من أصحاب القوافل الأخرى.
وكرر قولهم:
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
لأنهم علموا سابق كذبهم من قبل ذلك؛ لذلك أرادوا هنا أن يُثبتوا صدقهم؛ وحين يسأل أبوهم يعقوب؛ سيجد أنهم صادقون فعلاً، وهم لم يطلبوا شهادة الغير إلا لأنهم واثقون من صدقهم هذه المرة.
وجاء الحق سبحانه بهذه الجملة الاسمية:
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
لأنهم قد فهموا أن والدهم قد شَكَّ فيهم من قبل، حين جاءوا بدم كذبٍ، وادَّعوا أنه قميص يوسف، وأن الذئب قد أكله.
стр. 8127
ويأتي الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ ... ﴾ .
стр. 8128
الأمور التي تخالف الضمير؛ ويُستحى منها؛ ويُخشى مَغبَّتها؛ هي أمور تستعصي على النفس؛ وتحتاج النفس إلى علاج حتى تبرزها، وتحتاج إلى مَنْ يُيسّر لها، ما أن تُقدِم على فعل الأمر المستهجن، وهذا ما يُقال له: «سَوَّل» .
وقول الحق سبحانه على لسان يعقوب:
﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ... ﴾ [يوسف: ٨٣] .
أي: يسَّرتْ لكم أنفسكم أمراً يصعب أن تقبله النفوس المستقيمة، وسبق أن قال يعقوب لحظةَ أنْ جاءوا له بقميص يوسف وعليه الدم الكاذب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] .
стр. 8129
وهنا طلب يعقوب ﵇ العون مما يدل على أن ما قالوه، وكذلك أحداث القصة لن تقف عند هذا الحّدِّ، بل ستأتي من بعد ما قالوه أحداث تتطلب تجنيد قوى الصبر في النفس، وتتطلب معونة الله.
ويختلف الأمر هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ما جاء بعد الحديث عن تسويل النفس، واستلهام الصبر من الله، فَهِبَات الفرج قد اقتربتْ، فقال:
﴿عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ... ﴾ [يوسف: ٨٣] .
في هذه الآية طلب الأمل الذي يوحي بالفرج، وقد كان.
وبعض من الذين تأخذهم الغفلة يتساءلون:
لماذا قال يعقوب:
﴿عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً. .﴾ [يوسف: ٨٣] .
والغائب عنه هما يوسف وأخوه؟
ونقول: ولماذا تنسوْنَ كبير الأخوة الذي رفض أن يبرحَ مصر، إلا بعد أن يأذن له يعقوب، أو يفرج عنه الله؟
لقد غاب عن يعقوب ثلاثة من أولاده: يوسف وبنيامين وشمعون؛ لذلك قال:
﴿عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً. .﴾ [يوسف: ٨٣] .
ولم يَقُلْ: يأتيني بهما.
стр. 8130
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
﴿إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم﴾ [يوسف: ٨٣] .
فالله سبحانه يعلم أين هم؛ لأنه العليم بكل شيء، وهو سبحانه حكيم فيما يُجريه علينا من تصرّفات.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وتولى عَنْهُمْ ... ﴾ .
стр. 8131
وأعرض يعقوب ﵇ عنهم؛ فما جاءوا به هو خبر أحزنه، وخَلاَ بنفسه؛ لأنه ببشريته تحسَّر على يوسف، فقد كانت قاعدة المصائب هي افتقاده يوسفَ.
وساعةَ تسمع نداءً لشيء محزن، مثل: «وا حُزْناه» أو «وا أسفاه» أو «وا مُصيبتاه» ؛ فهذا يعني أن النفس تضيق بالأحداث وتقول «يا همّ، هذا أوانك، فاحضر» . أو أنه قال:
﴿ياأسفى عَلَى يُوسُفَ ... ﴾ [يوسف: ٨٤] .
لأن أخاه بنيامين كان أشبهَ الناس به؛ فكان حُزْنه على يوسف
стр. 8132
طاقة من الهَمِّ نزلتْ به، وتبعتها طاقة هَمٍّ أخرى، وهي افتقاد بنيامين.
وقول الحق سبحانه:
﴿وابيضت عَيْنَاهُ﴾ [يوسف: ٨٤] .
أي: أن دموع يعقوب كثُرتْ حتى بَدا الجزء الأسود في العين وكأنه أبيض. أو: ابيضتْ عيناه من فَرْط حُزنه، الذي لا يبثُّه لأحد ويكظمه.
وهو قد يكظم غيظه من كل ما حدث، أما الانفعالات فلا أحد بقادر على أن يتحكم فيها. «ونجد رسولنا ﷺ َ يبكي؛ وتذرف عيناه حُزْناً على موت ابنه إبراهيم، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: أتبكي؟ أو لم تكن نهيْتَ عن البكاء؟ قال:» لا، ولكن نهيتُ عن صوتين أحْمقيْنِ فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان «.
وقد قال رسول الله ﷺ َ:»
стр. 8133
إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون «.
وهكذا نعلم أن الحق سبحانه لا يريد من الإنسان أن يكون جلموداً أو يكون صخراً لا ينفعل للأحداث، بل يريده مُنفعلاً للأحداث؛ لأن هذا لَوْنٌ يجب أن يكون في إنسانيته، وهذه عاطفة يريد الله أن يُبقيها، وعلى المؤمن أن يُعلِيها.
فسبحانه هو الذي خلق العاطفة، والغريزة في الإنسان، ولو أراد الله الإنسانَ بلا عاطفة أو غريزة لَفعلَ ما شاء، لكنه أراد العاطفة والغريزة في الإنسان لمهمة.
ولحظة أن تخرج العاطفة أو الغريزة عن مُهمتها، يقول لك المنهج: لا. لأن مهمة المنهج أن يُهذِّب لك الانفعال.
والمثل الذي أضربه هنا هو حُبُّ الإنسان للاستمتاع بالطعام، يقول له المنهج: كُلْ ما يفيدك ولا تَكُنْ شَرِهاً.
والمثل الآخر: غريزة حب الاستطلاع، يقول لك المنهج: اعرف ما يفيدك؛ ولا تستخدم هذه الغريزة في التجسُّس على الناس.
стр. 8134
وغريزة الجنس أرادها الله لإبقاء النوع، ولتأتي بالأولاد والذرية، لكن لا تستعملها كانطلاقات وحشية. وهكذا يحرس المنهجُ الغرائزَ والعواطفَ لتبقى في إطار مهمتها.
والعاطفة على سبيل المثال هي التي تجعل الأب يَحنُو على ابنه الصغير ويرعاه، وعلى ذلك فالمؤمن عليه أن يُعْلِي غرائزه وعواطفه.
وقول الحق سبحانه عن يعقوب:
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] .
أي: أنه أخذ النزوع على قَدْره. وكلمة» كظيم «مأخوذة من» كظمت القربة «أي: أحكمنا غَلْق فوهة القِرْبة، بما يمنع تسرُّب الماء منها.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿قَالُواْ تَالله ... ﴾ .
стр. 8135
ولقائل أن يسأل: ومَنِ الذين قالوا ليعقوب ذلك، وقد ذكرت الآية السابقة أنه تولَّى عنهم؟
стр. 8136
نقول: لقد عاش يعقوب مع أبنائه وأحفاده، ويُقَال في الأثر: إن يعقوب دخل عليه بعض الناس، فقالوا له «تالله انهشمت يا يعقوب، ولم تبلغ سِنَّ أبيك إسحاق» .
والمعنى: أنك صِرْت عجوزاً عاجزاً، مهشماً. قال: إنما هشَّمني يوسف. فعتب عليه الله في هذه القَوْلة، وأوضح له: أتشكو ربك لخلقه؟ فرفع يده وقال: خطيئة أخطأتها يا رب فاغفرها لي. قال: غفرتُها لك.
وقد نبَّهه بعض أبنائه أو أحفاده فقالوا:
﴿تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ [يوسف: ٨٥] .
أي: لا تزال تذكر يوسف وما حدث له، حتى تُشرف على الهلاك. و «الحَرَض» كما نعلم هو المُشْرِف على الهلاك، أو يهلك بالفعل.
وجاء الرد من يعقوب ﵇، وأورده الحق سبحانه:
стр. 8137
﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُواْ ... ﴾ .
стр. 8138
وشكاية الأمر إلى الله لَوْن من العبادة لله، والبَثُّ: هي المصيبة التي لا قُدرة لأحد على كتمانها؛ فينشرها، وإذا أصاب الأعلى الأدنى بما يراه الأدنى سوءً، يتفرع الأدنى إلى نوعين: نوع يتودد إلى الأقوى، ويتعطفه ويلين له، ويستغفره ويستميحه، ونوع آخر يتأبى على المُبْتَلى. ويتمرد، ولسان حاله يقول: «فليفعل ما يريد» .
والحق ﵎ يقول في كتابه: ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ [الأنعام: ٤٣] .
فساعة يأتي البأْسُ ونتضرع إلى الله؛ يكون البأس قد غسلنا من الذنوب ونسيان الذِّكْر؛ وأعادنا إلى الله الذي لن يزيل البأس إلا هو.
أما الذي يتمرد ويستعلي على الأحداث، فويل له من ذلك التمرد. والحق سبحانه حين يصيب إنساناً بمصيبة، فهو يلطف بِمَنْ يدعوه.
وتساءَل بعضهم: ولماذا لم يَقُلْ يعقوب ما علَّمنا إياه رسولنا ﷺ َ: ﴿الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
стр. 8139
ونقول: إن هذا من النعم التي اختصَّ بها الحق سبحانه أمةَ محمد ﷺ َ؛ وحين دخل بعضهم على عليّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه وأرضاه وكان يعاني من وَعْكة، وكان يتأوه، فقالوا له: يا أبا الحسن أتتوجَّع؟ قال: أنا لا أشجع على الله.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يعلن يعقوب ﵇ أنه لا يشكو حُزْنه وهَمَّه إلا إلى الله، فهو القادر على كشف الضُّرِّ؛ لأن يعقوب ﵇ يعلم من الله ما لا يعلم أبناؤه أو أحفاده.
فقد كان يشعر بوجدانه، وبما كان لديه من شكوك لحظة إبلاغهم له بحكاية الذئب المكذوبة أن يوسف ما زال حياً، وأن الرُّؤيا التي حكى يوسف عنها لأبيه، سوف يأذن الحق بتحقيقها.
ويذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان يعقوب فيقول: ﴿يابنى اذهبوا ... ﴾ .
стр. 8140
ونلحظ أن الذين غابوا هم ثلاثة: يوسف، وبنيامين، والأخ
стр. 8141
الأكبر الذي أصرَّ على ألاَّ يبرح مصر إلا بعد أن يأذنَ أبوه، أو يأتي فرج من الله.
وهنا في هذه الآية جاء ذِكْر يوسف وأخيه، ولم يَأْتِ ذِكْر الأخ الكبير أو رئيس الرحلة. ونقول: إن يوسف وأخاه هما المعسكر الضعيف الذي عانى من مناهضة بقية الأخوة، وهما قد فارقا الأب صغاراً، أما الأخ الأكبر فيستطيع أن يحتال، وأن يعود في الوقت الذي يريد.
وقول يعقوب:
﴿اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ. .﴾ [يوسف: ٨٧] .
نجد فيه كلمة (تحسسوا) ، وهي من الحسِّ، والحسُّ يُجمع على «حواس» ، والحواس هي منافذ إدراك المعلومات للنفس البشرية، فالمعلومات تنشأ عندنا من الأمور المُحسَّة، وتدركها حواسنا لتصير قضايا عقلية.
وهكذا نعلم أن الحواس هي قنواتُ المعرفة، وهي غير مقصورة على الحواس الخمس الظاهرة؛ بل اكتشف العلماء أن هناك حواسَّ أخرى غير ظاهرة، وسبق أن تعرضنا لهذا الأمر في مراتٍ كثيرة سابقة.
وقوله:
﴿فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ. .﴾ [يوسف: ٨٧] .
يعني أعملوا حواسكم، بكل ما فيها من طاقة، كي تصلوا إلى الحقيقة.
стр. 8142
ونعلم أن كلمة «الجاسوس» قد أُطلِقَتْ على مَنْ يتنصَّتْ ويرى ويشُمُّ رائحة الأخبار والتحرُّكات عند معسكر الأعداء؛ ويقال له «عين» أيضاً.
وفي عُرْفنا العام نقول لمن يحترف التقاط الأخبار «شَمْ شِمْ لنا على حكاية الأمر الفلاني» .
وتابع يعقوب القول:
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧] .
أي: إياكم أن تقولوا أننا ذهبنا وتعبنا وتحايلنا؛ ولم نجد حلاً، لأن الله موجود، ولا يزال لله رحمة.
والأثر يقول: «لا كَرْبَ وأنت رَبُّ» .
وما يَعِزُّ عليك بقانونك الجأ فيه إلى الله.
وقد علَّمنا رسول الله ﷺ َ «أنه كلما حَزَبه أمر قام وصلى» .
وبهذا لجأ إلى ربِّ الأسباب، وسبحانه فوق كل الأسباب، وجَرِّبوا ذلك في أيِّ أمر يُعضِلكم، ولن ينتهي الواحد منكم إلى نهاية الصلاة إلا ويجد حَلاّ لِمَا أعضلَه.
стр. 8143
وكلمة «رَوْح» نجدها تُنطَق على طريقتين «رَوْح» و «رُوح» ، و «الرَّوْح» هي الرائحة التي تهبُّ على الإنسان فيستروح بها، مثلما يجلس إنسان في يوم قَيْظ؛ ثم تهبُّ نسمة رقيقة ينتعش بها.
والحق سبحانه يقول: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] .
ونأخذ لهذه الروح مثلاً من المُحسَّات حين يشتد القيظ، ونجلس في بستان، وتهبُّ نسمة هواء؛ فيتعطر الجو بما في البستان من زهور.
والرُّوح هي التي ينفخها الحقُّ سبحانه في الجماد فيتحرك.
ويأتي هنا يعقوب ﵇ بالقضية والمبدأ الذي يسير عليه كل مؤمن، فيقول:
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧] .
لأن الذي ليس له رَبٌّ هو مَنْ ييأس، ولذلك نجد نسبة المنتحرين بين الملاحدة كبيرة، لكن المؤمن لا يفعل ذلك؛ لأنه يعلم أن له رباً يساعد عباده.
وما دام المؤمن قد أخذ بالأسباب؛ فسبحانه يَهبُه ممَّا فوق الأسباب.
стр. 8144
وسبحانه يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] .
وهذه مسألة تحدث لمن يتقي الله. أتحدى أن يوجد مؤمن ليس في حياته مثل هذه الأمور، ما دام يأخذ بالأسباب ويتقي الله، وسوف يجد في لحظة من لحظات الكرب أن الفرج قد جاء من حيث لا يحتسب؛ لأن الله هو الرصيد النهائي للمؤمن.
وهَبْ أنك سائر في الطريق، وفي جيبك جنيه واحد، وليس عندك غيره وضاع منك؛ هل تحزن؟ نعم سوف تحزن، ولكن إن كان في بيتك عشرة جنيهات فحزنك يكون خفيفاً لضياع الجنيه، ولو كان رصيدك في البنك ألف من الجنيهات، فلن تحزن على الجنيه الذي ضاع.
ومَنْ له رَبٌّ، يبذل الجَهْد في الأخذ بالأسباب؛ سيجد الحل والفرج من أيِّ كرب مِمَّا هو فوق الأسباب.
ولماذا ييأس الإنسان؟
إن المُلحِد هو الذي ييأس؛ لأنه لا يؤمن بإله، ولو كان يؤمن بإله، وهذا الإله لا يعلم بما فيه هذا الكافر من كَرْب، أو هو إله يعلم ولا يساعد مَنْ يعبده؛ إما عجزاً أو بُخْلاً، فهو في كل هذه الحالات ليس إلهاً، ولا يستحق أن يُؤمَن به.
стр. 8145
أما المؤمن الحق فهو يعلم أنه يعبد إلهاً قادراً، يعطي بالأسباب، وبما فوق الأسباب؛ وهو حين يمنع؛ فهذا المَنْع هو عَيْنُ العطاء؛ لأنه قد يأخذ ما يضره ولا ينفعه.
وينقلنا الحق سبحانه إلى نَقْلة أخرى؛ وهي لحظة أنْ دخلوا على يوسف ﵇ في مقرِّه بمصر؛ ونقرأ قوله الحق: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ ... ﴾ .
стр. 8146
ولم يذكر الحق سبحانه اسم مَنْ دخلوا عليه، لأنه بطل القصة، والضمير في «عليه» لا بُدَّ أن يعود إلى معلوم، ونادوه بالتفخيم قائلين:
﴿ياأيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر﴾ [يوسف: ٨٨] .
أي: أن الجوع صَيَّرنا إلى هُزَال، وبدأوا بترقيق قلب مَنْ يسمعهم؛ بعد تفخيمهم له؛ فهو الأعلى وهُم الأدنى.
ويستمر قولهم:
стр. 8147
﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: ٨٨] .
ونعلم أنهم قد جاءوا ليتحسسوا أمر يوسف وأخيه، وقد اختاروا مَدْخل الترقيق والتفخيم كَلَوْن من المَكْر، فالتفخيم بندائه بلقب العزيز؛ أي: المالك المُتمكِّن؛ ويعني هذا النداء أن ما سوف يطلبونه منه هو أمر في متناول سلطته.
والترقيق بشكوى الحال من جوع صار بهم إلى هُزال، وأعلنوا قدومهم ومعهم بضاعة مزجاة، أي: بضاعة تُستخدم كأثمان لِمَا سوف يأخذونه من سِلَع.
وكلمة: ﴿مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] .
أي: مدفوعة من الذي يشتري أو يبيع.
والحق سبحانه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ [النور: ٤٣] .
وكلمة «يزجي» بمعنى: يدفع.
إذن: فما معنى قول الحق سبحانه:
﴿بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] .
стр. 8148
ولكي تعرف المعنى بإحساسك؛ جَرِّب هذا الأمر في نفسك، وراقب كيف تدفع ثمن أيَّ شيء تشتريه؛ فإنْ كان معك نقود قديمة ونقود جديدة؛ ستجد أنك تدفع قيمة ما تشتريه من النقود القديمة؛ وسوف تجد نفسك مرتاحاً لاحتفاظك بالنقود الجديدة لنفسك.
وقد يقول لك مَنْ تشتري منه: «خذ هذه الورقة النقدية القديمة التي تدفعها لي، واستبدلها لي بورقة جديدة» .
فما دامت النقود سوف تُدفع؛ فأنت تريد أن تتخلص من النقود القديمة؛ وتفعل ذلك وأنت مُرتاح، وبذلك يمكننا أن نفهم معنى:
﴿بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] .
على أنها بِضَاعة رديئة.
فكأن الضُّرَّ الذي أصابهم جعلهم عاجزين عن دفع الأثمان للمَيْرة التي سوف يأخذونها، مثل الأثمان السابقة التي تميزت بالجودة.
ويتابع الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم:
﴿فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ [يوسف: ٨٨] .
أي: أنهم يرجونه أن يُوفِّي لهم الكيل ولا ينقصه؛ إنْ كان ما جاءوا به من أثمان لا يُوفى ما تساويه المَيْرة، وطالبوه أن يعتبر تلك التَّوْفِية في الكَيْل صدقة.
وبذلك رَدُّوه إلى ثمن أعلى مما حملوه من أثمان، وفوق قدرة البشر على الدَّفْع؛ لأن الصدقة إنما يُثيب عليها الحق .
стр. 8149
ولقائل أن يسأل: أليسوا أبناء نبوة، ولا تجوز عليهم الصدقة؟
نقول: إن عدم جواز الصدقة هو أمر اختصَّ به الحق سبحانه آل محمد ﷺ َ، وهو أمر خاص بأمة محمد ﷺ َ، فقد قال ﷺ َ: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» .
وانظر إلى ما فعلته الترقيقات التي قالوها؛ نظر إليهم يوسف ﵇ وتبسم، ولما تبسَّم ظهرت ثناياه، وهي ثنايا مميزة عن ثنايا جميع مَنْ رأوه.
وجاء الحق سبحانه بما قاله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ... ﴾ .
стр. 8150
ومجيء هذا القول في صيغة السؤال؛ يدفعهم إلى التأمل والتدقيق؛ لمعرفة شخصية المُتحدِّث.
ثم يأتي التلطُّف الجميل منه حين يضيف:
﴿مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] .
وفي هذا القول ما يلتمس لهم به العُذْر بالجهل، ولم يتحدث
стр. 8151
إليهم بعِزَّة الكبرياء، وغرور المكانة التي وصل إليها، وهدفه أن يخفف عَنهم صَدْمة المفاجأة، فذكر لهم أنهم فعلوا ذلك أيام جهلهم.
وهذا مثلما يكون أحدهم قد أخطأ في حقِّك قديماً بسلوك غير مقبول، ولكن الأيام أزالتْ مرارتك من سلوكه، فتُذكِّره بما فعله قديماً وأنت تقول له: إن فعلك هذا قد صدر منك أيام طَيْشك، لكنك الآن قد وصلت إلى درجة التعقُّل وفَهْم الأمور.
وقول يوسف ﵇ لهم هذا الأمر بهذه الصيغة من التلطُّف، إنما يعبر أيضاً عن تأثُّره بشكواهم، ثم تبسُّمه لهم، وظهور ثناياه دفعهم إلى تذكُّره، ودار بينهم وبينه الحوار الذي جاء في الآية التالية: ﴿قالوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ... ﴾ .
стр. 8152
وهكذا انتبهوا إلى شخصية يوسف وتعرَّفوا عليه، وقالوا:
﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ... ﴾ [يوسف: ٩٠] .
وجاء قولهم بأسلوب الاستفهام التقريريّ الذي أكّدوه ب «إنْ» و «اللام» ، وقد قالوا ذلك بلهجة مُمتلئة بالفرح والتعجُّب بنجاحهم في التحسُّس الذي أوصاهم به أبوهم.
فرد عليهم:
﴿أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِي﴾ [يوسف: ٩٠] .
وبطبيعة الحال هم يعرفون أخَ يوسف «بنيامين» ، وجاء ذكْر يوسف له هنا دليلاً على أن بنيامين قد دخل معه في النعمة، وأن الحق سبحانه قد أعزَّ الاثنين.
ويجيء شُكْر يوسف لله على نعمته في قوله:
﴿قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ [يوسف: ٩٠] .
وجاء يوسف بهذا القول الذي يعرض القضية العامة التي تنفعهم كإخوة له، وتنفع أيَّ سامع لها وكل مَنْ يتلوها، وقد قالها يوسف ﵇ بعد بيِّنة من واقع أحداث مرَّتْ به بَدْءً من الرُّؤيا إلى هذا الموقف.
فهو كلام عليه دليل من واقع مُعَاش، فقد مَنَّ الله على يوسف وأخيه مما ابْتُلِيا به واجتمعا من بعد الفُرْقة، وعَلَّل يوسف ذلك بالقول:
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ [يوسف: ٩٠] .
أي: مَنْ يجعل بينه وبين معصية الله وقاية، ويخشى صفات
стр. 8153
الجلال، ويتبع منهجه سبحانه، ويصبر على ما أصابه، ولا تفتُر هِمَّته عن عبادة الله طاعة، ويتجنب كل المعاصي مهما زُيِّنَتْ له.
فسبحانه وتعالى لا يُضيع أجر المحسنين الذين يتقونه، وصاروا بتقواهم مُستحقِّين لرحمته، وإحسانه في الدنيا والآخرة.
ويأتي قول الحق سبحانه بعد ذلك ليحمل لنا ما قاله أخوة يوسف في هذا الموقف: ﴿قَالُواْ تالله ... ﴾ .
стр. 8154
و «تالله» قَسَم بالله.
و ﴿آثَرَكَ الله عَلَيْنَا. .﴾ [يوسف: ٩١] .
أي: خصَّك بشيء فوق ما خَصَّ به الآخرين، وهو لم يُؤثِرْك بظلم لغيرك، ولكنك كنت تستحق ما آثرك به من المُلْك وعلو الشَأن والمكانة.
وهكذا صدَّق إخوة يوسف على ما قاله يوسف، واعترفوا بخطيئتهم، حين حاولوا أن يكونوا مُقرَّبين مثله عند أبيهم، ولكنك يا يوسف وصلت إلى أن تصير مُقرباً مُقدَّماً عند ربِّ أبينا وربِّ العالمين.
والشأن والحال التي كنا فيها تؤكد أننا كنا خاطئين، ولا بُدَّ أن ننتبه إلى الفَرْق بين «خاطئين» و «مخطئين» .
والعزيز قد قال لزوجته:
стр. 8155
﴿واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين﴾ [يوسف: ٢٩] .
ولم يَقُلْ لها «كنت من المخطئين» فالمادة واحدة هي: «الخاء» و «الطاء» و «الهمزة» ، ولكن المعنى يختلف، فالخاطئ هو مَنْ يعلم منطقة الصواب ويتعدَّاها، أما المُّخْطئ فهو مَنْ لم يذهب إلى الصواب؛ لأنه لا يعرف مكانه أو طريقه إليه.
ويقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف ﵇ لأخوته بعد أن أقرُّوا بالخطأ: ﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ ... ﴾ .
стр. 8156
والتثريب هو اللوم العنيف، وهو مأخوذ من الثَّرْب؛ فحين يذبحون ذبيحة، ويُخرِجون أمعاءها يجدون حول الأمعاء دُهْناً كثيفاً؛ هذا الدُّهْن يُسمَّى ثَرْب.
أما إن كانت هزيلة، ولم تتغذَّ جيداً، فأمعاؤها تخرج وقد ذاب من عليه هذا الثَّرْب.
والتثريب يعني: أن اللوم العنيف قد أذابَ الشحم من لحمه، وجعل دمه ينزّ، ويكاد أن يصل بالإنسان إلى أن ينزل به ويسلّه.
وفي الحديث عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «
стр. 8157
إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبيَّن زناها فليجلدها الحدّ، ولا يُثرِّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يُثرِّب عليها، ثم إنْ زنت الثالثة فتبيّن زِنَاها فَليبِعْها، ولو بحبل من شعر» .
أي: لا يقولن لها: يا مَنْ فعلت كذا وكذا، بل فليعاقبها بالعقاب الذي أنزله الله لمثل هذه الجريمة؛ فإن لم ترتدع عن الفعل فَلْيبِعْها، وهكذا نفهم أن التثريب أو اللوم العنيف قد يُولِّد العِناد.
وقال يوسف ﵇:
﴿اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] .
ولقائل أن يتساءل: ولماذا قال يوسف ذلك؛ وقد يكونون قد استغفروا الله من قبل؟
ونقول: إن دعوة يوسف بالمغفرة لهم جاءت في حدود معرفته ولتصفية النفوس مما شابها بهذا اللقاء.
وقوله:
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] .
هو فَهْمٌ لحقيقة أن أيَّ رحمة في العالم، أو من أي أحد إنما هي مُستمدَّة من رحمته سبحانه.
стр. 8158
وقد قال يوسف ذلك وهو واثق من إجابة دعوته، لأنه قد غفر لهم خطأهم القديم وعَفَا عنهم؛ والله أَوْلَى منه بالعفو عنهم.
ثم يعود الحديث بينه وبينهم إلى والدهم، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف لإخوته، وهو الذي عَلِم ما حدث لأبيه بعد فراقه له: ﴿اذهبوا بِقَمِيصِي ... ﴾ .
стр. 8159
وكان يوسف ﵇، قد عَلِم أن أباه يربط عينيه من الحزن، وكاد أن يفقد بصره، فأمر أخوته أن يذهبوا بقميصه الذي كان يلبسه إلى أبيه.
وتقول كتب السِّير أن أخاه الأكبر الذي رفض أن يبرح مصر، وقال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي أبي أَوْ يَحْكُمَ الله لِي وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠] .
قد قال ليوسف:
«يا أيها العزيز إنني أنا الذي حملتُ القميص بدم كذب إلى أبي، فدعْني احمل هذا القميص لأبي، كي تمحو هذه تلك» .
стр. 8160
وقال يوسف عن فعل القميص مع الأب:
﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: ٩٣] .
ونلحظ أنه لم يَقُلْ: «وجه أبيكم» .
وفي قوله:
﴿وَجْهِ أَبِي﴾ [يوسف: ٩٣] .
إشارة إلى الحنان الأبوي الذي فقدوه منذ أن غاب يوسف، فغرق والده في الحزن.
و ﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: ٩٣] أي: يرتدّ إليه بصره، أو يراه أمامه سليماً.
ويضيف يوسف:
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] .
هذا تعبير قُرآني دقيق، أن يُحضروا معهم كل مَنْ يَمُتُّ بصلة قرابة لهم أو يعمل معهم، ولم يَقُلْ يوسف «بآلكم» حتى لا يأتوا بالأعيان فقط.
ونلحظ أنه لم يذكر والده في أمر يوسف لأخوته أن يأتوه بكل مَنْ يمُتُّ لهم بصلة قُرْبى؛ لأن في مثل هذا الأمر من موقع عزيز مصر إجباراً للأب على المجيء، وهو يُجِلُّ أباه عن ذلك.
следующие страницы →