Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.
стр. 8401
وهذا صَبْر الذَّات على الذات. ولكن هناك صَبْر آخر؛ صبر منك على شيء يقع من غيرك؛ ويُخرِجك هذا الشيء عن استقامة نفسك وسعادتها.
وهو ينقسم إلى قسمين: قسم تجد فيه غريماً لك؛ وقسم لا تجد فيه غريماً لك.
فالمرض الذي يُخرِج الإنسان عن حَيِّز الاستقامة الصِّحية ويُسبِّب لك الألم؛ ليس لك فيه غريم؛ لكنك تجد الغريم حين يعتدي عليك إنسانٌ بالضرب مثلاً؛ ويكون هذا الذي يعتدي عليك هو الغريم لك.
وكل صبر له طاقة إيمانية تحتمله؛ فالذي يَقْدر على شيء ليس فيه غريم؛ يكون صَبْره معقولاً بعض الشيء؛ لأنه لا يوجد له غريم يهيج مشاعره.
أما صبر الإنسان على أَلم أوقعه به مَنْ يراه أمامه؛ فهذا يحتاج إلى قوة ضَبْط كبيرة؛ كي لا يهيج الإنسان ويُفكِّر في الانتقام.
ولذلك تجد الحق يفصل بين الأمرين؛ يفصل بين شيء أصابك ولا تجد لك غريماً فيه، وشيء أصابك ولك من مثلك غريمٌ فيه.
ويقول سبحانه عن الصبر ليس لك غريم فيه: ﴿ ... واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [لقمان: ١٧]
ويقول عن الصبر الذي لك فيه غريم، ويحتاج إلى كَظْم الغيظ، وضبط الغضب:
стр. 8402
﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: ٤٣]
وحينما يريد الحق سبحانه منك أن تصبر؛ فهو لا يطلب ذلك منك وحدك؛ ولكن يطلب من المقابلين لك جميعاً أنْ يصبروا على إيذائك لهم؛ فكأنه طلب منك أنْ تصبر على الإيذاء الواقع من الغير عليك؛ وأنت فرد واحد.
وطلب من الغير أيضاً أنْ يصبر على إيذائك، وهذا هو قمة التأمين الاجتماعي لحياة النفس الإنسانية، فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تصبر على من آذاك؛ فقد طلب مَنْ الناس جميعاً أن يصبروا على آذاك لهم.
فإذا بدرتْ منك بادرة من الأغيار؛ وتخطئ في حق إنسان آخر وتؤلمه؛ فإن لك رصيداً من صبر الآخرين عليك؛ لأن الحق سبحانه طلب من المقابل لك أن يصبر عليك وأنْ يعفو.
وإذا كان لك غريم؛ فالصبر يحتاج منك إلى ثلاث مراحل: أن تصبر صبراً أولياً بأن تكظم في نفسك؛ ولكن الغيظ يبقى، وإن منعت الحركة النُّزوعية من التعبير عن هذا الغيظ؛ فلم تضرب ولم تَسُبّ؛ ويسمى ذلك: ﴿الكاظمين الغيظ ... ﴾ [آل عمران: ١٣٤]
والكَظْم مأخوذ من عملية رَبْط القِرْبة التي نحمل فيها الماء؛ فإنْ لم نُحْكِم ربطها انسكب منها الماء؛ ويُقال «كظم القربة» أي: أحكم ربطها.
ثم يأتي الحق سبحانه بالمرحلة الثانية بعد كظم الغيظ فيقول:
стр. 8403
﴿والعافين عَنِ الناس ... ﴾ [آل عمران: ١٣٤]
وهنا تظهر المسألة الأَرْقى، وهي إخراج الغيظ من الصدر؛ ثم التسامي في مرتبة الصِّديقين؛ فلا ينظر إلى مَنْ كظم غيظه عنه أولاً؛ بل يعفو عنه، ولا ينظر له بعداء، بل بنظرة إيمانية.
والنظرة الإيمانية هي أن مَنْ آذاك إنما يعتدي على حَقِّ الله فيك؛ وبذلك جعل الله في صَفِّك وجانبك؛ وهكذا تجد أن مَنْ ظلمك وأساء إليك قد جعلك في معية الله وحمايته؛ وعليك أن تُحسِن له.
والصبر له دوافع؛ فهناك من يصبر كي يُقال عنه: إنه يملك الجَلَد والصبر؛ وليبين أنه فوق الأحداث؛ وهذا صبر ليس ابتغاء لوجه الله؛ بل صبر كيلا يَشْمت فيه أعداؤه.
وصبر لأنه قد توصل بعقله أن جزعه لن ينفعه، ولو كان حصيفاً لَصبر لوجه الله، لأن الصبر لوجه الله يخفف من قَدَر الله.
ومَنْ يصبر لوجه الله إنما يعلم أن لله حكمة أعلى من الموضوع الذي صبر عليه؛ ولو خُيِّر بين ما كان يجب أن يقع وبين ما وقع؛ لاختار الذي وقع.
والذي يصبر لوجه الله إنما ينظر الحكمة في مَوْرد القضاء الذي وقع عليه، ويقول: أحمدُكَ ربي على كل قضائك وجميل قَدَرتك؛ حَمْدَ الرضى بحكمك لليقين بحكمتك.
فمَنْ يصبر على الفاقة؛ ويقول لنفسك: «اصبري إلى أن
стр. 8404
يفرجها الله» ولا يسأل أحداً؛ سيجد الفرج قد أتى له من الله.
انظر إلى الشاعر وهو يقول:
إذَا رُمْتَ أنْ تستخرِجَ المالَ مُنْفقاً ... عَلى شَهَواتِ النفْسِ في زَمَنِ العُسْرِ
فَسَلْ نفسَكَ الإنفاقَ مِنْ كَنزِ صَبْرِها ... عليْكَ وإنذاراً إلى سَاعةِ اليُسْرِ
فَإنْ فعلْتَ كنتَ الغنيَّ وإنْ أبيْتَ ... فَكلُّ مُنوَّع بعدَها وَاسِعُ العُذْرِ
أي: إنْ راودتْك نفسك لتقترض مالاً لتنفقه على شهوات النفس، ورفضتَ تلك المُرَاودة، وطلبت من نفسك أنْ تعطيك من كَنْز الصبر الذي تملكه؛ وإنْ فعلتَ ذلك كنت الغنيَّ، لأنك قدرتَ على نفسك.
والذي يلفت إلى الحَدَث وحده يتعب؛ والذي يلتفت إلى الحدث مقروناً بواقعه من ربه؛ ويقول: «لابد أن هناك حكمة من الله وراء ذلك» فهو الذي يصبر ابتغاء وجهه الله. ويريد الله أنْ يخُصَّ مَنْ يصبر ابتغاء وجهه بمنزلة عالية؛ لأنه يعلم أن الله له حكمة فيما يُجريه من أقدار.
ويتابع سبحانه وَصْف أُولي الألباب: ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ... ﴾ [الرعد: ٢٢]
وسبق أن قلنا في الصلاة أقوالاً كثيرة؛ وأن مَنْ يؤديها على
стр. 8405
مطلوبها؛ فهو مَنْ يعلم أنها جَلْوة بين العبد وربه، ويكون العبد في ضيافة ربه.
وحين تُعْرَض الصَّنْعة على صانعها خمس مرات في اليوم فلابد أنْ تنال الصَّنْعة رعاية وعناية مَنْ صمَّمها وخلقها، وكما أن الله غَيْبٌ عنك؛ فكذلك أسباب شفائك من الكروب يكون غيباً عنك.
وقد علَّمنا رسول الله ﷺ َ ذلك «فكان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة» . ومن عظمة الإيمان أن الله هو الذي يدعوك إلى الصلاة؛ وهو سبحانه لا يمنع عنك القُرْب في أيِّ وقت تشاء؛ وأنت الذي تُحدِّد متى تقف بين يديه في أي وقت بعد أن تُلبِّي دعوته بالفروض؛ لتؤدي ما تحب من النوافل؛ ولا يُنهِي سبحانه المقابلة معك كما يفعل عظماء الدنيا؛ بل تُنهِي أنت اللقاء وقَتَ أنْ تريد.
ولقد تأدَّب رسول الله ﷺ َ بأدب ربه؛ وتخلَّق بالخلُق السامي؛ فكان إذا وضع أحد يده في يد الرسول ﷺ َ؛ فهو لا ينزع يده من يد مَنْ يُسلِّم عليه؛ إلا أنْ يكون هو النازع.
وقول الحق سبحانه: ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ... ﴾ [الرعد: ٢٢]
стр. 8406
يعني: أنك لا يجب أن تنظر إلى ما يؤخذ منك، ولكن انظر إلى أنك إنْ وصلتَ إلى أن تحتاج من الغير سيؤخذ لك، وهذا هو التأمين الفعال، ومَنْ يخاف أن يترك عيالاً دون قدرة، ولو كان هذا الإنسان يحيا في مجتمع إيماني، لوجد قول الحق مُطبَّقاً: ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء: ٩]
وبذلك لا يشعر اليتيم باليُتْم؛ ولا يخاف أحد على عياله، ولا يسخط أحد على قَدَر الله فيه. وسبحانه يضع الميزان الاقتصادي حين يطلب منا الإنفاق، والإنفاق يكون من مال زائد؛ أو مال بلغ النصاب، ولذلك فعليك أنْ تتحرك حركة نافعة للحياة، ويستفيد منها الغير، كي يكون لك مال تُنفِق منه، وعلى حركتك أن تَسعَكَ وتسَعَ غيرك.
وهناك مَنْ ينفق مِمَّا رزقه الله بأن يأخذ لنفسه ما يكفيها، وينفق الباقي لوجه الله؛ لأنه يضمن أن له إلهاً قادراً على أن يرزقه، والمضمون عند الله أكثر مما في يده.
«وها هو رسول الله ﷺ َ يسأل أبا بكر فيما ناله من غنائم ويقول له: ماذا صنعتَ بها يا أبا بكر؟ فيقول أبو بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
стр. 8407
وأرضاه: تصدَّقْتُ بها كلها. فيقول الرسول: وماذا أبقيت؟ يقول أبو بكر: أبقيت الله ورسوله.
وسأل رسول الله عمر بن الخطاب ﵁: وماذا فعلتَ يا عمر؟ فيقول ابن الخطاب: تصدقْتُ بنصفها ولله عندي نصفها.
وكأنه يقول للرسول:» إن كان هناك مصرف تريدني أن أصرف فيه النصف الباقي لله عندي؛ فلسوف أفعل «.
وهكذا رأينا مَنْ يصرف مِمَّا رزقه الله؛ بكل ما رزقه سبحانه، وهو أبو بكر الصديق؛ ونجد مَنْ ينفق مِمَّا رزقه الله ومستعد لأن ينفق الباقي إن رأى رسول الله مصرفاً يتطلب الإنفاق.
ونجد من توجيهات الإسلام أن مَنْ يراعى يتيماً؛ فليستعفف فلا يأخذ شيئاً من مال اليتيم إنْ كان الوليُّ على اليتيم له مال؛ وإن كان الولي فقيراً فليأكل بالمعروف.
ولقائل أنْ يسأل: ولماذا نأتي بالفقير لتكون له ولاية على مال اليتيم؟
وأقول: كي لا يحرم المجتمع من خبرة قادرة على الرعاية؛ فيأتي الفقير صاحب الخبرة؛ وليأْكل بالمعروف.
стр. 8408
ونلحظ أن الحق سبحانه قال: ﴿وارزقوهم فِيهَا ... ﴾ [النساء: ٥]
ولم يَقُلْ» ارزقوهم منها «أي: خُذوا الرزق من المَطْمور فيها يملكون بالحركة في هذا المال.
وهكذا نفهم كيف يُنفق الإنسان المؤمن مِمَّا رزقه الله؛ فهناك مَنْ ينفق كل ما عنده؛ لأنه واثق من رصيده عند ربه، وهناك مَنْ ينفق البعض مما رزقه الله؛ وقد تأخذه الأريحية والكرم فيعطي كل مَنْ يسأله، وقد ينفق كل ما عنده؛ مثل مَنْ يجلس في جُرْن القمح ويريد أن يُزكِّي يوم الحصاد؛ فيعطي كل مَنْ يسأله؛ إلى أن يفرغ ما عنده.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول: ﴿ ... وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين﴾ [الأنعام: ١٤١]
وهنا نجد الحق سبحانه يصف هؤلاء المُنْفِقين في سبيله: ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ... ﴾ [الرعد: ٢٢]
والسر هو الصَّدقة المندوبة، أما الإنفاق في العلانية؛ فهي الصَّدقة الواضحة؛ لأن الناس قد تراك غنياً أو يُشَاع عنك ذلك، ولا يرونك وأنت تُخرِج الزكاة، فتنالك ألسنتهم بالسوء؛ وحين يَرَوْنكَ وأنت تنفق وتتصدَّق؛ فهم يعرفون أنك تؤدي حقَّ الله، وتشجعهم أنت بأن يُنفِقوا مما رزقهم الله.
стр. 8409
وصدقة السِّر وصدقة العَلَن أمرها متروك لتقدير الإنسان؛ فهناك مَنْ يعطي الصدقة للدولة لتتصرف فيها هي؛ ويعطي من بعد ذلك للفقراء سراً؛ وهذا إنفاق في العَلَن وفي السر؛ وجاء الحق بالسر والعلانية؛ لأنه لا يريد أنْ يحجب الخير عن أيِّ أحد بأي سبب.
وقد يقول قائل: إن فلاناً يُخرِج الصدقة رياءً.
وأقول لِمَنْ يتفوَّه بمثل هذا القول: أَلَمْ يَسْتفِد الفقير من الصدقة؟ إنه يستفيد، ولا أحدَ يدخل في النوايا.
ويتابع سبحانه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة ... ﴾ [الرعد: ٢٢]
والدّرْء: هو الدَّفْع بشدة؛ أي: يدفعون بالحسنة السيئة بشدة. وأول حسنة إيمانية هي أنْ تؤمن بالله؛ وبذلك تدفع سيئة الشرك، أو دفعتَ السيئة. أي: دفعتَ الذنب الذي ارتكبته وذلك بالتوبة عنه؛ لأن التوبة حسنة، وحين ترى مُنْكراً، وهو سيئة، فأنت تدفعه بحسنة النُّصْح.
أو: أن يكون معنى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة ... ﴾ [الرعد: ٢٢]
هو إنْ فعلتَ سيئة فأنت تتبعها بحسنة، والكمال المطلق لله وحده ولرسوله؛ لنفترض أن واحداً لديه سيئة مُلِحّة في ناحية من النواحي؛ فالحقُّ سبحانه يأمره أن يدفع السيئة بأن يفعل بجانبها حسنة.
стр. 8410
يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ... ﴾ [هود: ١١٤]
وها هو رسول الله ﷺ َ يقول لمعاذ ﵁: «اتق الله أينما تكون، وأتبع السيئة حسنة تَمْحُها، وخالق الناس بخلق حسن» .
ولذلك، فأنت تجد أغلب أعمال الخير في المجتمع لا تصدر من أيِّ رجل رقيق لا يرتكب السيئات؛ فلا سيئةَ تطارده كي يفعل الحسنة التي يرجو أنْ تمحو السيئة.
فالسيئة ساعةَ تُلهِب ضمير مَن ارتكبها؛ ولا يستطيع أن يدفعها؛ لأنه ارتكبها؛ فهو يقول لنفسه «فَلأبنِ مدرسة» أو «أبني مسجداً» أو «أقيم مستشفى» أو «أتصدق على الفقراء» .
وهكذا نجد أن أغلب حركات الإحسان قد تكون من أصحاب السيئات، فلا أحدَ بقادر على أنْ يأخذ شيئاً من وراء الله؛ فمَنْ يرتكب سيئة لابُدَّ أنْ تُلِحّ عليه بأحاسيس الذَّنْب؛ لتجده مدفوعاً من بعد ذلك إلى فعل الحسنات؛ لعلَّ الحسنات تُعوِّض السيئات.
ومن دَرْء الحسنة بالسيئة أيضاً؛ أنه إذا أساء إليك إنسان فأنت
стр. 8411
تَكْظِم غيظك وتعفو؛ وبذلك فأنت تحسن إليه.
وتجد الحق سبحانه يقول: ﴿ ... ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]
وإذا أنت جرَّبْتَها في حياتك؛ وأخلصْتَ المودة لمن دخل في العداوة معك؛ ستجد أنه يستجيب لتلك المودة ويصبح صديقاً حميماً لك.
ولكن هناك مَنْ يقول: جرَّبْتُ ذلك ولم تنفع تلك المسألة.
وأقول لمن يقول ذلك: لقد ظننتَ أنك قد دفعتَ بالتي هي أحسن، لكنك في واقع الحال كنت تتربص بما يحدث منك تجاه مَنْ دخلتَ معه في عداوة، ولم تُخلص في الدفع بالتي هي أحسن، وأخذت تُجرِّب اختبار قول الله؛ فذهبتْ منك طاقة الإخلاص فيما تفعل؛ وظل الآخر العدو على عداوته.
لكنك لو دفعتَ بالتي هي احسن ستجد أن الآية القرآنية فيها كل الصِّدْق؛ لأن الله لا يقول قضية قرآنية ثم تأتي ظاهرة كونية تُكذِّب القرآن.
ولذلك يقول الشاعر:
يَا مَنْ تُضايِقه الفِعَالُ مِنَ التي ومِنَ الذي ... دفع فِدْيتك بالتي حتَّى نَرى فإذَا الذِي
أي: يا مَنْ تضايقه أفعال الذي بينك وبين عداوة؛ عليك أن
стр. 8412
تُحسن الدَّفْع التي هي أحسن، حتى ترى أن العداوة التي كانت بينك وبين ما ذكره الحق سبحانه في قوله: ﴿ ... فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]
ويتابع الحق سبحانه: ﴿ ... أولئك لَهُمْ عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٢]
أي: أن المتقدمين أولي الألباب الذين اجتمعت لهم تلك الصفات التِسعة؛ بدايةً من أنهم يُوفُون بعهد الله؛ ولا ينقضون الميثاق؛ ويَصِلون ما أمر الله أنْ يُوصَل ويخشوْن ربهم؛ ويخافون سُوء الحساب؛ وصبروا ابتغاء وجه ربهم؛ وأقاموا الصلاة؛ وأنفقوا مما رزقهم الله سراً وعلانية؛ ويَدْرءون بالحسنة السيئةَ، هؤلاء هم الذين لهم عُقْبى الدار.
وعُقْبى مأخوذة من العقب؛ فالقدم له مقدم وله عَقِب، وعقب هو ما يعقب الشيء، ونقول في أفراحنا «والعافية عندكم في المسرات» أي: أننا نتمنى أن تتحقق لكم مَسرَّة مثل التي عندنا، وتكون عقب المَسرَّة التي فرحنا نحن بها.
وهكذا تكون العقبى هي الشيء الذي يعقب غيره، والذي يعقب الدار الدنيا هي الدار الآخرة. ولذلك يقول الحق سبحانه في الآية التالية مُوضِّحاً العاقبة لهؤلاء:
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ... ﴾
стр. 8413
إذن: فالدار الآخرة التي تعقب الدنيا بالنسبة لأولِي الألباب هي جنات عَدْن. و «العَدْن» هو الإقامة الدائمة؛ وجنات عدن هي جنات الإقامة الدائمة، لأن الدنيا ليست دار إقامة.
وكل نعيم في الدنيا إما أن تفوته بالموت أو يفوتك بأغيار الحياة. أما جنات عَدْن فهي دار إقامة دائمة؛ بما أن «عدن» تعني مرافقة دائمة للجنات.
والجنات معناها كما نفهم هي البساتين التي فيها أشجار وفيها ثمار؛ وكل ما تشتهي الأنفس، مع ملاحظة أن هذه الجنَّات ليست هي المساكن؛ بل في تلك الجنات مسكن بدليل قول الحق سبحانه: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ... ﴾ [التوبة: ٧٢]
فالجنات هي الحدائق؛ وفيها مساكن، ونحن في حياتنا الدنيا نجد الفيلات في وسط الحدائق، فما بالنا بما يَعِد به الله من طيب المساكن وسط الجنات؟
لابد أن ينطبق عليه وصف الرسول ﷺ َ للجنة في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه:
«أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .
وهكذا بيَّن الله سبحانه عقبى الدار؛ فهي: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ
стр. 8414
وَذُرِّيَّاتِهِمْ ... ﴾ [الرعد: ٢٣]
وآباء جمع «أب» أي: يدخلها مع أولي الألباب مَنْ كان صالحاً من الآباء مُتبعاً لمنهج الله.
وإنْ سأل سائل: وأين الأمهات؟
أقول: نحن ساعة نثني المتماثلين نُغلِّب الذَّكر دائماً، ولذلك فآباؤهم تعني الأب والأم، ألَمْ يقُلِ الحق سبحانه في سورة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش ... ﴾ [يوسف: ١٠٠]
وهؤلاء هم الذين يدخلون الجنة من أُولِي الأَلْباب الذين استوفَوْا الشروط التسعة التي تحدَّثنا عنها؛ فهل استوفى الآباء والأزواج والأبناء الشروط التسعة؟
ونقول: إن الحقَّ يعامل خَلْقه في الدنيا بمقتضى العواطف الموجودة في الذُّرية؛ فالواحد مِنّا يُحِب أولاده وأزواجه وآباءه؛ ومادام يحبهم وقد صلحوا كُلٌّ حَسْب طاقته؛ فالحق سبحانه يُلحقهم به.
ولذلك تأتي آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه: ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: ٢١]
стр. 8415
وهنا يمسك القرآن القضية العقلية في الإلحاق بمعنى أنْ تُلحِق ناقصاً بكامل، فلو كان مُساوياً له في العمل ما سُمِّي إلحاقاً، فكل إنسان يأخذ حَقَّه؛ وقد اشترط الحق سبحانه شرطاً واحداً في إلحاق الذرية بالآباء، أو إلحاق الآباء بالذرية في الجنة، وهو الإيمان فقط.
وأوضح لنا هنا أن الآباء قد تميَّزوا بعمل إيماني بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ... ﴾ [الطور: ٢١]
فلم يأخذ سبحانه عمل الأب الذي عمل؛ الابن الذي لم يعمل، ومزج الاثنين، ليأخذ المتوسط، لا، وذلك كي لا يظلم مَنْ عمل من الآباء أو الأبناء.
ثم إن ذلك لو حدث؛ لما اعتُبِِر تواجدُ الآباء مع الأبناء في الجنة إلحاقاً؛ لأن الإلحاق يقتضي أن يبقى حَقُّ كل مَنْ عمل؛ ثم يتكرم سبحانه من بعد ذلك بعملية الإلحاق؛ بشرط واحد هو أن يكون الشخص المُلْحق مؤمناً.
وهكذا نفهم قول الحق سبحانه: ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ ... ﴾ [الطور: ٢١]
أي: أن الذرية مؤمنة؛ والأزواج مؤمنون؛ والأهل مؤمنون؛ والأبوين مؤمنان، ولكن الذي يلحق به هو مَنْ يُكرِمه الله بهذا الإلحاق كي يُدخِل الفرح على قَلْب المؤمن حين يرى أولاده معه في الجنة ماداموا مؤمنين؛ وهذه قمة في العدالة، لماذا؟
والمَثل الذي أضربه على ذلك: هَبْ أن أباً قد حرص على أنْ يطعَم أهله من حلال؛ فقد يعيش أولاده في ضيق وشَظَف؛ بينما
стр. 8416
نجد أبناء المنحرف يعيشون في بُحْبُوحَة من العيش؛ وهكذا يتنعَّم أبناء المنحرف الذي يأكل ويطعم أولاده من حرام؛ بينما يعاني أبناء الأمين الذي قد يعتبره البعض مُتزمتاً؛ لأنه يَرْعى حق الله، ويرفض أكل الحرام.
ومادام أولاده الذين يأكلون من حلال قد يُعانون معه من عدم التنعُّم؛ فالحق سبحانه يلحقهم في الجنة بنعيم يعيشه الأب؛ لا يفوتهم فيه شيء؛ ولا يفوته شيء.
وبذلك تسعد الذرية؛ لأنها جاءت من صُلْب رجل مؤمن قضى حياته على جَادة الصواب؛ رغم أن بعض الناس قد اتهمتْه في الدنيا بأنه مُتزمِّت.
ولقائل أنْ يقول: ألاَ يوجد تناقض بين هذا الإلحاق وبين قول الحق سبحانه: ﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ... ﴾ [لقمان: ٣٣]
وأقول: لا يوجد تناقض؛ لأننا نصلي على الميت صلاة شرَّعها المُشرِّع؛ وفائدتها أنْ تصل الرحمة للميت المؤمن؛ والإيمان من عمله.
ولذلك يضيف له الحقُّ سبحانه فوق رصيد الإيمان ما يشاؤه هو سبحانه من الرحمة بصلاة الجنازة التي أقامها المسلمون عليه:
стр. 8417
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣]
وكلمة «زوج» تعني المرأة التي يتزوجها الرجل؛ وتعني الرجل الذي تتزوجه المرأة، ونحن نخطئ خطأ شائعاً حين نقول «زوجة» ؛ بل الصحيح أن نقول «زوج» عن المرأة المنسوبة لرجل بعلاقة الزواج.
وسبحانه يقول: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٦]
وهكذا نعلم أن جنات عَدْنٍ هي مكان ينتظم كل شيء؛ ولهذا المكان أبواب متعددة؛ هي أبواب الطاعات التي أَدَّتْ إلى خير الجَزَاءات؛ فباب الصلاة يدخله أُناس؛ وباب الزكاة يدخله أُناس؛ وباب الصبر يدخله أُناس؛ وهكذا تتعدد الأبواب؛ وهي إمَّا أبواب الطاعات أو أبواب الجزاءات التي تدخل منها الطيبات: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ... ﴾ [البقرة: ٢٥]
فالبابُ يكون مفتوحاً؛ تأتي منه الفاكهة والثَّمَرات والخيرات على اختلاف ألوانها؛ فمرَّةً تأتي ثمار المانجو من باب؛ وبعد ذلك تأتي ثمار التفاح.
стр. 8418
وتلك الأبواب كما قلت هي إمّا للجزاءات؛ أو هي أبواب الطاعات التي أدَّت إلى الجزاءات، وتدخل عليهم الملائكة من كُلِّ باب؛ فماذا تقول الملائكة؟
يقول الملائكة لأهل الجنة:
﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ... ﴾
стр. 8419
والسلام يعني الاطمئنان والرضا الذي لا تأتي بعده الأغيار؛ لأن السلام في الدنيا قد تُعكِّر أَمْنه أغيارُ الحياة؛ فأنتم أيها المؤمنون الذين دخلتم الجنة بريئون من الأغيار.
وقال ﷺ َ عن لحظات ما بعد الحساب: «الجنة أبداً، أو النار أبداً» .
ولذلك يقول سبحانه عن خيرات الجنة: ﴿لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]
والملائكة كما نعلم نوعان:
الملائكة المهيمون الذين يشغلهم ذكر الله تعالى عن أيِّ شيء ولا يدرون بِنَا؛ ولا يعلمون قصة الخَلْق؛ وليس لهم شَأنٌ بكُلِّ ما يجري؛ فليس في بالهم إلا الله وهم الملائكة العَالُون؛ الذين جاء ذكرهم في قصة السجود لآدم حين سأل الحق سبحانه الشيطان:
стр. 8420
﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ [ص: ٧٥]
أي: أن العالين هنا هم مَنْ لم يشملهم أَمْرُ السجود، وليس لهم علاقة بالخلق، وكُلُّ مهمتهم ذكر الله فقط.
أما النوع الثاني فهم الملائكة المُدبِّرات أمراً، ونعلم أن الحق قد استدعى آدم إلى الوجود هو وذريته، وأعدَّ له كل شيء في الوجود قبل أن يجئ؛ الأرض مخلوقة والسماء مرفوعة؛ والجبال الرَّواسي بما فيها من قُوتٍ؛ والشمس والقمر والنجوم والمياه والسحاب.
والملائكة المُدبِّرات هم مَنْ لهم علاقة بالإنسان الخليفة، وهم مَنْ قال لهم الحق سبحانه: ﴿اسجدوا لأَدَمَ ... ﴾ [البقرة: ٣٤]
وهم الذين يتولَّوْن أمر الإنسان تنفيذاً لأوامر الحق سبحانه لهم، ومنهم الحفظة الذين قال فيهم الحق سبحانه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله ... ﴾ [الرعد: ١١]
أي: أن الأمر صادر من الله سبحانه، وهم بَعْد أنْ يفرغوا من
стр. 8421
مهمتهم كحفظة من رقيب وعتيد على كل إنسان، ولن يوجد ما يكتبونه من بعد الحساب وتقرير الجزاء؛ وهنا سيدخل هؤلاء الملائكة على أهل الجنة ليحملوا ألطاف الله والهدايا؛ فهم مَنُوط بهم الإنسان الخليفة.
وسبحانه حين يُورِد كلمة في القرآن بموقعها البياني الإعرابي؛ فهي تُؤدِّي المعنى الذي أراده سبحانه. والمَثَل هو كلمة «سلام» ؛ فضيف إبراهيم من الملائكة: ﴿قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ... ﴾ [هود: ٦٩]
وكان القياس يقتضي أن يقول هو «سلاماً» ، ولكنها قضية إيمانية، لذلك قال: ﴿سَلاَمٌ ... ﴾ [هود: ٦٩]
فالسلام هنا يَأْتِ منصوباً؛ بل جاء مرفوعاً؛ لأن السلام للملائكة أمرٌ ثابت لهم؛ وبذلك حَيَّاهم إبراهيم بتحية هي احسن من التحية التي حَيَّوه بها.
فنحن نُسلِّم سلاماً؛ وهو يعني أن نتمنى حدوث الفعل، ولكن إبراهيم ﵇ فَطِنَ إلى أن السلام أمرٌ ثابت لهم.
وهكذا الحال هنا حين تدخل الملائكة على العباد المكرمين بدخول الجنة، فَهُمْ يقولون: ﴿سَلاَمٌ ... ﴾ [الرعد: ٢٤] وهي مرفوعة إعرابياً؛ لأن السلام أمر ثابت مُستِقر في الجنة،
стр. 8422
وهم قالوا ذلك؛ لأنهم يعلمون أن السلام أمر ثابت هناك؛ لا يتغير بتغيُّر الأغيار؛ كما في أمر الدنيا.
والسلام في الجنة لهؤلاء بسبب صبرهم، كما قال الحق سبحانه على ألسنة الملائكة: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ... ] [الرعد: ٢٤]
وجاء الصبر في صيغة الماضي، وهي صيغة صادقة؛ فهم قد صبروا في الدنيا؛ وانتهى زمن الصبر بانتهاء التكليف.
وهم هنا في دار جزاء؛ ولذلك يأتي التعبير بالماضي في موقعه؛ لأنهم قد صبروا في دار التكليف على مشقَّات التكليف؛ صبروا على الإيذاء؛ وعلى الأقدار التي أجراها الحقُّ سبحانه عليهم.
وهكذا يكون قول الحق سبحانه: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ... ] [الرعد: ٢٤]
في موقعه تماماً.
وكذلك قوله الحق عمَّنْ توفّرت فيهم التسع صفات، وهم في الدنيا: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ ... ﴾ [الرعد: ٢٢]
وجاء بالصبر هنا في الزمن الماضي؛ رغم أنهم مازالوا في دار التكليف؛ والذي جعل هذا المعنى مُتّسعاً هو مَجِىء كل ما أمر به الله بصيغة المضارع؛ مثل قوله تعالى:
стр. 8423
﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ... ﴾ [الرعد: ٢٠]
وهذه مسألة تحتاج إلى تجديد دائم؛ وقوله: ﴿ ... وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق﴾ [الرعد: ٢٠]
وقوله: ﴿والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ... ﴾ [الرعد: ٢١]
و ﴿وَيَخْشَوْنَ ... ﴾ [الرعد: ٢١] ، ﴿وَيَخَافُونَ ... ﴾ [الرعد: ٢١]
هكذا نرى كل تلك الأفعال تأتي في صيغة المضارع، ثم تختلف الصيغة إلى الماضي في قوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ... ﴾ [الرعد: ٢٢]
والمتأمل لكل ذلك يعلم أن كل تلك الأمور تقتضي الصبر؛ وكأن الصبر يسبق كل هذه الأشياء، وهو القاسم المشترك في كل عهد من العهود السابقة.
وقد عبر الحق سبحانه لأجل هذه اللفْتة بالماضي حين جاء حديث الملائكة لهم وهم في الجنة.
وهكذا تقع كلمة الصبر في موقعها؛ لأن الملائكة تخاطبهم بهذا القول وهم في دار البقاء؛ ولأن المتكلم هو الله؛ فهو يُوضِّح لنا جمال ما يعيش فيه هؤلاء المؤمنون في الدار الآخرة.
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿ ... فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٤]
стр. 8424
وعلمنا أن «عُقْبى» تعني الأمر الذي يجيء في العَقِب، وحين يعرض سبحانه القضية الإيمانية وصفات المؤمنين المعايشين للقيم الإيمانية؛ فذلك بهدف أن تستشرفَ النفس أن تكون منهم، ولابُدّ أن تنفِرَ النفس من الجانب المقابل لهم.
والمثل هو قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]
ويأتي بمقابلها بعدها: ﴿وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤]
وساعة تقارن بأنهم لو لم يكونوا أبراراً؛ لَكَانوا في جحيم؛ هنا نعرف قَدْر نعمة توجيه الحق لهم، ليكونوا من أهل الإيمان.
وهكذا نجد أنفسنا أمام أمرين: سلب مَضرَّة؛ وجَلْب منفعة، ولذلك يقول الحق سبحانه أيضاً عن النار: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ [مريم: ٧١]
أي: كلنا سنرى النار.
ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ [التكاثر: ٧]
وذلك لكي يعرف كل مسلم ماذا صنعتْ به نعمة الإيمان؛ قبل أن
стр. 8425
يدخل الجنة، وبذلك يعلم أن الله سلب منه مَضرَّة؛ وأنعم عليه بمنفعة، سلب منه ما يُشقِى؛ وأعطاه ما يُفيد.
ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ... ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
وإذا كان الحق سبحانه قد وصف أُولي الألباب بالأوصاف المذكورة من قبل؛ فهو يُبيِّن لنا أيضاً خيبة المقابلين لهم؛ فيقول سبحانه:
﴿والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله ... ﴾
стр. 8426
ولقائل أنْ يسأل: وهل آمن هؤلاء وكان بينهم وبين الله عهد ونقضوه؟
ونقول: يصح أنهم قد آمنوا ثم كفروا، أو: أن الكلام هنا ينصرف إلى عهد الله الأزلي.
يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢]
وهنا يوضح سبحانه أن مَنْ ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وتأكيده بالآيات الكونية التي تدل على وجود الخالق الواحد:
стр. 8427
﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ... ﴾ [الرعد: ٢٥]
والمقابل لهم هم أُولو الألباب الذين كانوا يَصِلون ما أمر سبحانه أن يُوصل وهؤلاء الكفرة نقضة العهد: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض ... ﴾ [الرعد: ٢٥]
ولم يَأْتِ الحق سبحانه بالمقابل لكُلِّ عمل أدَّاه أولو الألباب؛ فلم يَقُل: «ولا يخشون ربهم» ؛ لأنهم لا يؤمنون بإله؛ ولم يَقُلْ: «لا يخافون سوء الحساب» لأنهم لا يؤمنون بالبعث.
وهكذا يتضح لنا أن كل شيء في القرآن جاء بِقَدرٍ، وفي تمام موقعه.
ونحن نعلم أن الإفساد في الأرض هو إخراجُ الصَّالح عن صلاحه، فأنت قد أقبلتَ على الكون، وهو مُعَدٌّ لاستقبالك بكل مُقوِّمات الحياة من مأكل ومَشْرب وتنفس؛ وغير ذلك من الرزق، واستبقاء النوع بأن أحلَّ لنا سبحانه أن نتزاوج ذكراً وأنثى.
والفساد في الكون أن تأتي إلى صالح في ذاته فتفسده؛ ونقول دائماً: إن كنت لا تعرف كيف تزيد الصالح صلاحاً؛ فاتركه على حاله؛ واسمع قول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... ﴾ [الإسراء: ٣٦]
فلا تنظر في أيِّ أمر إلى الخير العاجل منه؛ بل انظر إلى ما يؤول إليه الأمر من بعد ذلك؛ أيضرُّ أم ينفع؟
стр. 8428
لأن الضُّرَّ الآجل قد يتلصص ويتسلل ببطء وأنَاة؛ فلا تستطيع له دَفْعاً من بعد ذلك.
ويقول الحق سبحانه في آخر الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ ... أولئك لَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سواء الدار﴾ [الرعد: ٢٥]
ونلحظ أن التعبير هنا جاء باللام مِمَّا يدل على أن اللعنة عشقتهم عِشْق المال للملوك: ﴿ ... وَلَهُمْ سواء الدار﴾ [الرعد: ٢٥]
أي: عذابها، وهي النار والعياذ بالله.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
﴿الله يَبْسُطُ الرزق ... ﴾
стр. 8429
والبَسْط هو مَدُّ الشيء.
وقد أقام العلماء معركة عند تحديد ما هو الرزق، فهل الرزق هو ما أحله الله فقط؟ أم أن الرزق هو كل ما ينتفع به الإنسان سواء أكان حلالاً أم حراماً؟
стр. 8430
فمن العلماء مَنْ قال: إن الرزق هو الحلال فقط؛ ومنهم من قال: إن الرزق هو كل ما يُنتفع به سواء أكان حلالاً أم حراماً؛ لأنك إن قُلْتَ إن الرزق محصور في الحلال فقط؛ إذن: فَمنْ كفر بالله من أين يأكل؟
أم يخاطب الحق سبحانه المكابرين قائلاً: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض ... ﴾ [يونس: ٣١]
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨]
ويقول تعالى: ﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣]
إذن: فالرزق هو من الله؛ ومن بعد ذلك يأمر «افعل كذا» و «لا تفعل كذا» .
وقول الحق سبحانه: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ ... ﴾ [الرعد: ٢٦]
أي: أنه سبحانه يمُد الرزق لِمَن يشاء: ﴿وَيَقَدِرُ ... ﴾ [الرعد: ٢٦]
من القَدْر. أي: في حالة إقداره على المُقَدَّر عليه؛ وهو مَنْ يعطيه سبحانه على قَدْر احتياجه؛ لأن القَدْر هو قَطْع شيء على
стр. 8431
مساحة شيء، كأنْ يعطي الفقير ويبسط له الرزق على قَدْر احتياجه.
والحق سبحانه أمرنا أنْ نُعطِي الزكاة للفقير؛ ويظل الفقير عائشاً على فقره؛ لأنه يعيش على الكفاف.
أو: يقدر بمعنى يُضيِّق؛ وساعة يحدث ذلك إياك أنْ تظن أنَّ التضييق على الفقير ليس لصالحه، فقد يكون رزقه بالمال الوفير دافعاً للمعصية؛ ومن العفة ألا يجد.
أو: يقدر بمعنى يُضيِّق على إطلاقها، يقول سبحانه: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٧]
ولأن الله قد آتاه فهذا يعني أنه بَسَط له بقدره.
ويتابع سبحانه: ﴿وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا ... ﴾ [الرعد: ٢٦]
وطبعاً سيفرح بها مَنْ كان رزقه واسعاً؛ والمؤمن هو مَنْ ينظر إلى الرزق ويقول: هو زينة الحياة الدنيا؛ ولكن ما عند الله خَيْر وأبقى.
أما أهل الكفر فقد قالوا: ﴿ ... لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
стр. 8432
ويردُّ الحق سبحانه عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ... ﴾ [الزخرف: ٣٢]
وساعةَ تبحث في تحديد هذا البعض المبسوط له الرزق؛ والبعض المُقدَّر عليه في الرزق؛ لن تجد ثباتاً في هذا الأمر؛ لأن الأغيار قد تأخذ من الغنيّ فتجعله فقيراً؛ وقد تنتقل الثروة من الغنيّ إلى الفقير.
وسبحانه قد ضمن أسباباً عُلْيا في الرزق؛ لكل من المؤمن والكافر؛ والطائع والعاصي؛ وكلنا قد دخل الحياة ليأخذ بيده من عطاء الربوبية؛ فإنْ قصَّر واحد؛ فليس لهذا المَرْء من سبب سوى أنه لم يأخذ بأسباب الربوبية وينتفع بها.
وقد يأخذ بها الكافر وينتفع بها.
والحق سبحانه هو القائل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]
إذن: فليس هناك تضييق إلا في الحدود التي يشاؤها الله، مثل أن يزرع الإنسان الأرضَ، ويتعب في الريِّ والحَرْث؛ ثم تأتي صاعقة أو برد مصحوب بصقيع فيأكل الزرع ويُميته.
وفي هذا لَفْتٌ للإنسان؛ بأنه سبحانه قد أخذ هذا الإنسان من
стр. 8433
رزقه؛ وهو العطاء منه؛ كي لا يُفْتَنَ الإنسان بالأسباب، وقد يأتي رزقه من بعد ذلك من منطقة أخرى، وبسبب آخر. ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا ... ﴾ [الرعد: ٢٦]
والفرح في حَدِّ ذاته ليس ممنوعاً ولا مُحرّماً، ولكن الممنوع هو فرح البطر كفرح قارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ ... ﴾ [القصص: ٧٦]
والحق سبحانه قد قال: ﴿ ... إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين﴾ [القصص: ٧٦]
وهذا هو فرح البطر الذي لا يحبه الله؛ لأنه سبحانه قال في موقع آخر: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]
стр. 8434
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بفرحهم؛ وبسبب هذا الفرح وهو الحياة الدنيا؛ أي: أنه سبب تافه للفرح، لأنها قد تُؤخذ منهم وقد يُؤخَذون منها، ولكن الفرح بالآخرة مختلف، وهو الفرح الحق.
ولذلك يقول فيه الحق سبحانه: ﴿ ... فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]
ويقيس الحق سبحانه أمامنا فرح الحياة الدنيا بالآخرة، فيقول: ﴿ ... وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]
ومتاع الرجل هو ما يعده إعداداً يُنفِقه في سفر قصير، كالحقيقة الصغيرة التي تضع فيها بعضاً من الملابس والأدوات التي تخصُّك لسفر قصير.
والعاقل هو مَنْ ينظر إلى أقصى ما يمكن أنْ يفعله الإنسان في الحياة؛ فقد يتعلم إلى أنْ يصل إلى أرْقى درجات العلم؛ ويسعى في الأرض ما وَسِعه السَّعْي؛ ثم أخيراً يموت.
والمؤمن هو مَن يَصل عمل دُنْياه بالآخرة؛ ليصلَ إلى النعيم الحقيقي، والمؤمن هو مَنْ يبذل الجهد لِيصِلَ نفسه برحمة الله؛ لأنها باقية ببقاء الله، ولأن المؤمن الحق يعلم أن كل غاية لها بَعْد؛ لا تعتبر غاية.
ولذلك فالدنيا في حَدِّ ذاتها لا تصلح غايةً للمؤمن، ولكن الغاية الحَقَّة هي: إمَّا الجنة أبداً، أو النار أبداً.
стр. 8435
يقول الحق سبحانه بعد ذلك:
﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ ... ﴾
стр. 8436
ونعلم أن «لولا» إذا دخلت على جملة اسمية فلها وَضْع يختلف عنه وَضْعها إذا دخلتْ على جملة فعلية، فحين نقول: «لولا زيد عندك لَزُرْتُكَ» يعني امتناع حدوث شيء لوجود شيء آخر. وحين نقول: لولا تُذاكِر دروسك. فهذا يعني حضاً على الفعل.
والحق سبحانه يقول: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون﴾ [النور: ١٣]
والجملة التي دخلت عليها «لولا» في هذه الآية هي جملة فعلية، وكأن الحق سبحانه يحضُّنا هنا على أن نلتفتَ إلى الآية الكبرى التي نزلت عليه ﷺ َ، وهي القرآن.
وقد تساءل الكافرون كَذِباً عن مجيء آية؛ وكان تساؤلهم بعد مجيء القرآن، وهذا كذب واقع؛ يناقضون به أنفسهم؛ فقد قالوا:
стр. 8437
﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
وهم بذلك قد اعترفوا أن القرآن بلغ حَدَّ الإعجاز وتمنَّوْا لو أنه نزل على واحد من عظماء القريتين مكة أو الطائف.
وهم مَنْ قالوا أيضاً: ﴿وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]
ثم يعودون هنا لينكروا الاعتراف بالقرآن كمعجزة، على الرغم من أنه قد جاء من جنس ما نبغوا فيه، فهم يتذوقون الأدب، ويتذوقون البيان، ويتذوقون الفصاحة؛ ويقيمون الأسواق ليعرضوا إنتاجهم في البلاغة والقصائد، فهم أمة تطرَبُ فيها الأذن لما ينطقه اللسان.
ولكنهم هنا يطلبون آية كونية كالتي نزلت على الرسل السابقين ﵈، ونَسُوا أن الآية الكونية عمرها مَقْصور على وقت حدوثها؛ ومَنْ رآها هو مَنْ يصدقها، أو يصدقها مَنْ يُخبره بها مصدر موثوق به.
ولكن رسول الله ﷺ َ هو المبعوث لتنظيم حركة الحياة في دنيا الناس إلى أنْ تقوم الساعة؛ ولو أنه قد جاء بآية كونية؛ لأخذتْ زمانها فقط.
ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يأتي بآية معجزة باقية إلى أنْ تقومَ الساعةُ، فضلاً عن أنه ﷺ َ قد جاءتْ له معجزات حِسيِّة؛ كتفجُّر
стр. 8438
الماء من بين أصابعه؛ وحفنة الطعام التي أشبعتْ جيشاً؛ وأظلَّتْه السحابة؛ وحَنَّ جِذْع الشجرة حنيناً إليه ليقف من فوقه خطيباً وجاءه الضَّبُّ مسلماً.
كل تلك آيات كونية هي حُجَّة على مَنْ رآها، وكذلك معجزات الرُّسل السابقين، ولولا أنَّ رواها لنا القرآن لَمَا آمنَّا بها، وكانت الآيات الكونية التي جاءت مع الرسل هي مجرد إثبات لِمَنْ عاشوا في أزمان الرسل السابقين على أن هؤلاء الرسل مُبلِّغون عن الله.
وقد شرح الحق سبحانه هذا الأمر بالنسبة لرسول الله ﷺ َ حين قال: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ... ﴾ [الإسراء: ٥٩]
стр. 8439
أي: أن الرسل السابقين الذين نزلوا في أقوامهم وصحبتْهم الآياتُ الكونية قابلوا أيضاً المُكذِّبين بتلك الآيات، وقوم رسول الله ﷺ َ قالوا أيضاً:
﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٢]
ويقول الحق سبحانه في موقع آخر: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا ... ﴾ [الأنعام: ١١١]
وهكذا يُبيِّن لنا الحق سبحانه أنهم غارقون في العِنَاد ولن يؤمنوا، وأن أقوالهم تلك هي مجرد حُجَج يتلكأون بها.
وهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقولون: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ... ﴾ [الرعد: ٢٧]
وهكذا نجد أنهم يعترفون أن له رباً؛ على الرغم من أنهم قد اتهموه من قبل أنه ساحر، وأنه والعياذ بالله كاذب، وحين فَتَر
стр. 8440
عنه الوحي قالوا: «إن ربَّ محمد قد قَلاَه» .
وأنزل الحق سبحانه الوحي: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥]
أي: أن الوَحْي سوف يستمر، وهكذا فضح الله كَذِبهم على مَرِّ سنوات الرسالة المحمدية.
وهم هنا يتعنتون في طَلبِ الآية الحِسِّية الكونية؛ وكلمة آية كما عرفنا من قبل هي: إما آية كونية تُلفِت إلى وجود الخالق.
أو: آية من القرآن فيها تفصيلٌ للأحكام؛ وليستْ تلك هي الآية التي كانوا يطلبونها.
أو: آية معجزة تدلُّ على صِدقْ الرسالة.
وكأنَّ طلبَ الآيات إنما جاء لأنهم لم يقتنعوا بآية القرآن؛ وهذا دليل غبائهم في استقبال أدلَّة اليقين بصدق الرسول ﷺ َ؛ لأن القرآن جاء معجزةً، وجاء منهجاً.
والمعجزة كما أوضحنا إنما تأتي من جنس ما نبغ فيه القوم، ولا يأتي سبحانه بمعجزة لقوم لم يُحْسِنوا شيئاً مثلها ولم ينبغُوا فيه.
следующие страницы →