← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

ونعلم أن «لولا» إذا دخلت على جملة اسمية فلها وَضْع يختلف عنه وَضْعها إذا دخلتْ على جملة فعلية، فحين نقول: «لولا زيد عندك لَزُرْتُكَ» يعني امتناع حدوث شيء لوجود شيء آخر. وحين نقول: لولا تُذاكِر دروسك. فهذا يعني حضاً على الفعل. والحق سبحانه يقول: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون﴾ [النور: ١٣] والجملة التي دخلت عليها «لولا» في هذه الآية هي جملة فعلية، وكأن الحق سبحانه يحضُّنا هنا على أن نلتفتَ إلى الآية الكبرى التي نزلت عليه ﷺ َ، وهي القرآن. وقد تساءل الكافرون كَذِباً عن مجيء آية؛ وكان تساؤلهم بعد مجيء القرآن، وهذا كذب واقع؛ يناقضون به أنفسهم؛ فقد قالوا:

стр. 8437

﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وهم بذلك قد اعترفوا أن القرآن بلغ حَدَّ الإعجاز وتمنَّوْا لو أنه نزل على واحد من عظماء القريتين مكة أو الطائف. وهم مَنْ قالوا أيضاً: ﴿وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ثم يعودون هنا لينكروا الاعتراف بالقرآن كمعجزة، على الرغم من أنه قد جاء من جنس ما نبغوا فيه، فهم يتذوقون الأدب، ويتذوقون البيان، ويتذوقون الفصاحة؛ ويقيمون الأسواق ليعرضوا إنتاجهم في البلاغة والقصائد، فهم أمة تطرَبُ فيها الأذن لما ينطقه اللسان. ولكنهم هنا يطلبون آية كونية كالتي نزلت على الرسل السابقين ﵈، ونَسُوا أن الآية الكونية عمرها مَقْصور على وقت حدوثها؛ ومَنْ رآها هو مَنْ يصدقها، أو يصدقها مَنْ يُخبره بها مصدر موثوق به. ولكن رسول الله ﷺ َ هو المبعوث لتنظيم حركة الحياة في دنيا الناس إلى أنْ تقوم الساعة؛ ولو أنه قد جاء بآية كونية؛ لأخذتْ زمانها فقط. ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يأتي بآية معجزة باقية إلى أنْ تقومَ الساعةُ، فضلاً عن أنه ﷺ َ قد جاءتْ له معجزات حِسيِّة؛ كتفجُّر

стр. 8438

الماء من بين أصابعه؛ وحفنة الطعام التي أشبعتْ جيشاً؛ وأظلَّتْه السحابة؛ وحَنَّ جِذْع الشجرة حنيناً إليه ليقف من فوقه خطيباً وجاءه الضَّبُّ مسلماً. كل تلك آيات كونية هي حُجَّة على مَنْ رآها، وكذلك معجزات الرُّسل السابقين، ولولا أنَّ رواها لنا القرآن لَمَا آمنَّا بها، وكانت الآيات الكونية التي جاءت مع الرسل هي مجرد إثبات لِمَنْ عاشوا في أزمان الرسل السابقين على أن هؤلاء الرسل مُبلِّغون عن الله. وقد شرح الحق سبحانه هذا الأمر بالنسبة لرسول الله ﷺ َ حين قال: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ... ﴾ [الإسراء: ٥٩]

стр. 8439

أي: أن الرسل السابقين الذين نزلوا في أقوامهم وصحبتْهم الآياتُ الكونية قابلوا أيضاً المُكذِّبين بتلك الآيات، وقوم رسول الله ﷺ َ قالوا أيضاً: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٢] ويقول الحق سبحانه في موقع آخر: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا ... ﴾ [الأنعام: ١١١] وهكذا يُبيِّن لنا الحق سبحانه أنهم غارقون في العِنَاد ولن يؤمنوا، وأن أقوالهم تلك هي مجرد حُجَج يتلكأون بها. وهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقولون: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ... ﴾ [الرعد: ٢٧] وهكذا نجد أنهم يعترفون أن له رباً؛ على الرغم من أنهم قد اتهموه من قبل أنه ساحر، وأنه والعياذ بالله كاذب، وحين فَتَر

стр. 8440

عنه الوحي قالوا: «إن ربَّ محمد قد قَلاَه» . وأنزل الحق سبحانه الوحي: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥] أي: أن الوَحْي سوف يستمر، وهكذا فضح الله كَذِبهم على مَرِّ سنوات الرسالة المحمدية. وهم هنا يتعنتون في طَلبِ الآية الحِسِّية الكونية؛ وكلمة آية كما عرفنا من قبل هي: إما آية كونية تُلفِت إلى وجود الخالق. أو: آية من القرآن فيها تفصيلٌ للأحكام؛ وليستْ تلك هي الآية التي كانوا يطلبونها. أو: آية معجزة تدلُّ على صِدقْ الرسالة. وكأنَّ طلبَ الآيات إنما جاء لأنهم لم يقتنعوا بآية القرآن؛ وهذا دليل غبائهم في استقبال أدلَّة اليقين بصدق الرسول ﷺ َ؛ لأن القرآن جاء معجزةً، وجاء منهجاً. والمعجزة كما أوضحنا إنما تأتي من جنس ما نبغ فيه القوم، ولا يأتي سبحانه بمعجزة لقوم لم يُحْسِنوا شيئاً مثلها ولم ينبغُوا فيه.

стр. 8441

فالذين كانوا يمارسون السِّحْر جاءتْ المعجزة مع الرسول المرْسَل إليهم من نفس النوع، والذين كانوا يعرفون الطبَّ، جاء لهم رسول، ومعه معجزة مما نبغُوا فيه. وقد جاءت معجزة رسول الله ﷺ َ من جنس ما نبغُوا فيه؛ فضلاً عن أن القرآن معجزة ومنهج في آنٍ واحد، بخلاف معجزة التوقيت والتقيد في زمن. ومع ذلك، فإن كفار مكة تعنتُوا، ولم يكتفُوا بالقرآن معجزةً وآيات تدلُّهم إلى سواء السبيل؛ بل اقترحوا هم الآية حسب أهوائهم؛ ولذلك نجدهم قد ضَلُّوا. ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: ﴿ ... قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] وهنا نقف وَقْفة؛ لأن البعض يحاول أن يُسقِط عن الإنسان مسئولية التكليف؛ ويدَّعي أن الله هو الذي يمنع هداية هؤلاء الكافرين. ونقول: إننا إن استقرأنا آياتِ القرآن؛ سنجد قَوْل الحق سبحانه: ﴿ ... والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤]

стр. 8442

ونجد قول الحق سبحانه: ﴿ ... إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [المائدة: ٥١] ويقول سبحانه أيضاً: ﴿ ... والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٨] ومن كل ذلك نفهم أن العمل السابق منهم هو الذي يجعله سبحانه لا يهديهم، لأن الإنسان مادام قد جاء له حُكْم أعلى، ويؤمن بمصدر الحكم؛ فمن أنزل هذا الحكم يُعطِي للإنسان معونة، لكن مَنْ يكذب بمصدر الحُكْم الأعلى فسبحانه يتركه بلا معونة. أما مَنْ يرجع إلى الله؛ فسبحانه يهديه ويدلُّه ويعينه بكل المَدَد. ويواصل الحق ما يمنحه سبحانه من اطمئنان لمن يُنيب إليه، فيقول: ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ ... ﴾

стр. 8443

ومعنى الاطمئنان سكونُ القلب واستقراره وأُنْسُه إلى عقيدة لا تطفو إلى العقل ليناقشها من جديد. ونعلم أن الإنسانَ له حواسٌّ إدراكية يستقبل بها المُحسَّات؛ وله عقل يأخذ هذه الأشياء ويهضمها؛ بعد إدراكها؛ ويفحصها جيداً، ويتلمس مدى صِدْقها أو كَذِبها؛ ويستخرج من كل ذلك قضية

стр. 8444

واضحة يُبقِيها في قلبه لتصبح عقيدة، لأنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لاختيار المحبوب. وهكذا تمرُّ العقيدة بعدة مراحلَ؛ فهي أولاً إدراك حِسِّي؛ ثم مرحلة التفكّر العقلي؛ ثم مرحلة الاستجلاء للحقيقة؛ ثم الاستقرار في القلب لتصبح عقيدة. ولذلك يقول سبحانه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ [الرعد: ٢٨] فاطمئنان القلب هو النتيجة للإيمان بالعقيدة؛ وقد يمرُّ على القلب بعضٌ من الأغيار التي تزلزل الإيمان، ونقول لمن تمرُّ به تلك الهواجس من الأغيار: أنت لم تُعْطِ الربوبية حقها؛ لأنك أنت الملوم في أي شيء يَنَالُكَ. فلو أحسنتَ استقبال القدر فيما يمرُّ بك من أحداث، لَعلِمْتَ تقصيرك فيما لك فيه دَخْل بأيِّ حادث وقع عليك نتيجة لعملك، أما مَا وقع عليك ولا دَخْل لك فيه؛ فهذا من أمر القَدَر الذي أراده الحقُّ لك لحكمة قد لا تعلمها، وهي خير لك. إذن: استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك، وإن كان من داخل النفس فهو عليك. ولو قُمْتَ بإحصاء ما ينفعك من وقوع القدر عليك لَوجدتَّه أكثرَ بكثير مما سَلَبه منك. والمَثَل هو الشاب الذي استذكر دروسه واستعدَّ للامتحان؛ لكن مرضاً داهمه قبل الامتحان ومنعه من أدائه.

стр. 8445

هذا الشاب فعلَ ما عليه؛ وشاءَ الله أن ينزل عليه هذا القدر لحكمة ما؛ كأنْ يمنع عنه حسَد جيرانه؛ أو حسدَ مَنْ يكرهون أًمه أو أباه، أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه مُعتمِد على الأسباب لا على المُسبِّب. أو تأخير مرادك أمام مطلوب الله يكون خيراً. وهكذا فَعَلى الإنسان المؤمن أن يكون موصولاً بالمُسبِّب الأعلى، وأنْ يتوكل عليه سبحانه وحده، وأن يعلم أنْ التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح، وأنْ تتوكَّل القلوب؛ لأن التوكل عملٌ قلبي، وليس عملَ القوالب. ولينتبه كُلٌّ مِنّا إلى أن الله قد يُغيب الأسباب كي لا نغتر بها، وبذلك يعتدل إيمانك به؛ ويعتدل إيمان غيرك. وقد ترى شاباً ذكياً قادراً على الاستيعاب، ولكنه لا ينال المجموع المناسب للكلية التي كان يرغبها؛ فيسجد لله شكراً؛ مُتقبِّلاً قضاء الله وقَدَره؛ فَيُوفِّقه الله إلى كلية أخرى وينبغ فيها؛ ليكون أحدَ البارزين في المجال الجديد. ولهذا يقول الحق سبحانه: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] وهكذا نجد أن مَنْ يقبل قَدر الله فيه، ويذكر أن له رباً فوق كل الأسباب؛ فالاطمئنان يغمرُ قلبه أمام أيِّ حدَثٍ مهْمَا كان. وهكذا يطمئن القلب بذكر الله؛ وتهون كُلّ الأسباب؛ لأن الأسباب إنْ عجزتْ؛ فلن يعجز المُسبِّب. وقد جاء الحق سبحانه بهذه الآية في مَعرِض حديثه عن التشكيك

стр. 8446

الذي يُثيره الكافرون، وحين يسمع المسلمون هذا التشكيك؛ فقد توجد بعض الخواطر والتساؤلات: لماذا لم يَأْتِ لنا رسول الله ﷺ َ بمعجزة حِسِّية مثل الرُّسُل السابقين لتنفضّ هذه المشكلة، وينتهي هذا العناد؟ ولكن تلك الخواطر لا تنزع من المؤمنين إيمانهم؛ ولذلك يُنزِل الحق سبحانه قوله الذي يُطمئِن: ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله ... ﴾ [الرعد: ٢٨] والذِّكْر في اللغة جاء لِمَعَانٍ شتّى؛ فمرّة يُطلق الذِّكر، ويُرَاد به الكتاب أي: القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ويأتي الذكر مرّة، ويُرَاد به الصِّيت والشهرة والنباهة، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: أنه شَرَفٌ عظيم لك في التاريخ، وكذلك لقومك أنْ تأتي المعجزة القرآنية من جنس لغتهم التي يتكلمون بها. وقد يطلق الذكر على الاعتبار؛ والحق سبحانه يقول: ﴿ ... ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨]

стр. 8447

أي: نسوا العِبَر التي وقعتْ للأمم التي عاشتْ من قبلهم؛ فنصَر الله الدينَ رغم عناد هؤلاء. وقد يطلق الذكر على كُلِّ ما يبعثه الحق سبحانه على لسان أيِّ رسول: ﴿ ... فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقد يُطلق الذِّكْر على العطاء الخيّر من الله. ويُطْلق الذِّكْر على تذكر الله دائماً؛ وهو سبحانه القائل: ﴿فاذكروني أَذْكُرْكُمْ ... ﴾ [البقرة: ١٥٢] أي: اذكروني بالطاعة أذكرْكُم بالخير والتجليّات، فإذا كان الذِّكْر بهذه المعاني؛ فنحن نجد الاطمئنان في أيٍّ منها، فالذكر بمعنى القرآن يُورثِ الاطمئنان. ويقول الحق سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤١٤٣] فكُلُّ آية تأتي من القرآن كانت تُطمئِنُ الرسول ﷺ َ أنه صادقُ البلاغِ عن الله؛ فقد كان المسلمون قلة مُضطهدة، ولا يقدرون على حماية أنفسهم، ولا على حماية ذَوِيهم. ويقول الحق سبحانه في هذا الظرف: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥]

стр. 8448

ويتساءل عمر ﵁: أيُّ جمع هذا، ونحن لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا؛ وقد هاجر بعضنا إلى الحبشة خوفاً من الاضطهاد؟ ولكن رسول الله ﷺ َ يسير إلى بدر، ويُحدِّد أماكن مصارع كبار رموز الكفر من صناديد قريش؛ ويقول: «هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان» ؛ بل ويأتي بالكيفية التي يقع بها القتل على صناديد قريش؛ ويتلو قول الحق سبحانه: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم﴾ [القلم: ١٦] وبعد ذلك يأتون برأْس الرجل الذي قال عنه رسول الله ذلك؛ فيجدون الضربة قد جاءت على أنفه. فمنْ ذَا الذي يتحكم في مواقع الموت؟

стр. 8449

إن ذلك لا يتأتى إلاَّ من إله هو الله؛ وهو الذي أخبر محمداً ﷺ َ بهذا الخبر: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] وقد طمأنَ هذا القولُ القومَ الذين اتبعوا رسول الله ﷺ َ الذي لا يعلم الغيب، ولا يعلم الكيفية التي يموت عليها أيُّ كافر وأيُّ جبار؛ وهو ﷺ َ يخبرهم بها وهُمْ في منتهى الضَّعْف. وهذا الإخبار دليل على أن رصيده قويّ عند علاَّم الغيوب. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿ ... أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] يعني: أن القلوب تطمئن بالقرآن وما فيه من أخبار صادقة تمام الصدق، لتؤكد أن محمداً ﷺ َ مُبلِّغ عن ربِّه؛ وأن القرآن ليس من عند محمد ﷺ َ بل هو من عند الله. وهكذا استقبل المؤمنون محمداً ﷺ َ وصَدَّقوا ما جاء به؛ فها هي خديجة ﵂ وأرضاها لم تكُنْ قد سمعت القرآن؛ وما أنْ أخبرها رسول الله ﷺ َ بمخاوفه من أنَّ ما يأتيه قد يكون جناً، فقالت: «إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقْري الضَّيْف، وتُعينَ على نوائب الحق، واللهِ ما يخزَيك الله أبداً» .

стр. 8450

وهاهو أبو بكر ﵁ وأرضاه يصدق أن محمداً رسول من الله، فَوْرَ أن يخبره بذلك. وهكذا نجده ﷺ َ قد امتلك سِمَاتاً؛ وقد صاغ الله لرسوله أخلاقاً، تجعل مَنْ حوله يُصدِّقون كُلَّ ما يقول فَوْر أنْ ينطق. ونلحظ أن الذين آمنوا برسالته ﷺ َ؛ لم يؤمنوا لأن القرآن أخذهم؛ ولكنهم آمنوا لأن محمداً ﷺ َ لا يمكن أن يَكْذِبهم القول، وسيرته قبل البعثة معجزة في حَدِّ ذاتها، وهي التي أدَّتْ إلى تصديق الأوَّلين لرسول الله ﷺ َ. أما الكفار فقد أخذهم القرآن؛ واستمال قلوبهم، وتمنَّوا لو نزل على واحد آخر غير محمد ﷺ َ. وحين يرى المؤمنون أن القرآن يُخبرهم بالمواقف التي يعيشونها، ولا يعرفون لها تفسيراً؛ ويخبرهم أيضاً بالأحداث التي سوف تقع، ثم يجدون المستقبل وقد جاء بها وِفْقاً لما جاء بالقرآن، هنا يتأكد لهم أن القرآنَ ليس من عند محمد، بل هو من عند رَبِّ محمد ﷺ َ.

стр. 8451

ولذلك فحين يُثير الكفار خزعبلاتهم للتشكيك في محمد ﷺ َ يأتي القرآن مُطَمْئِناً للمؤمنين؛ فلا تؤثر فيهم خزعبلات الكفار. والمؤمن يذكر الله بالخيرات؛ ويعتبر من كل ما يمرُّ به، وبكل ما جاء بكتاب الله؛ وحين يقرأ القرآن فقلبه يطمئِنُّ بذكر الله؛ لأنه قد آمن إيمانَ صِدْقٍ. وقد لمس المؤمنون أن أخبار النبي التي يقولها لهم قد تعدَّتْ محيطهم البيئيّ المحدود إلى العالم الواسع بجناحَيْه الشرقي في فارس، والغربي في الروم. وقد أعلن لهم رسول الله ﷺ َ على سبيل المثال خبر انتصار الروم على الفرس، حين أنزل الحق سبحانه قوله: ﴿الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ. .﴾ [الروم: ١ - ٤] فأروني أيّ عبقرية في العالم تستطيع أن تتحكم في نتيجة معركة بين قوتين تصطرعان وتقتتلان؛ وبعد ذلك يحدد مِنَ الذي سينتصر، ومنِ الذي سَيُهزم بعد فترة من الزمن تتراوح من خَمْس إلى تِسَع سنوات؟ وأيضاً تأتي الأحداث العالمية التي لا يعلم عنها رسول الله ﷺ َ شيئاً، وتوافق ما جاء بالقرآن. وكُلُّ ذلك يجعل المؤمنين بالقرآن في حالة اطمئنان إلى أن هذا القرآن صادق، وأنه من عند الله، ويُصدّق هذا قول الحق سبحانه:

стр. 8452

﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] ونعلم أن الكون قد استقبل الإنسان الأول وهو آدم ﵇ استقبالاً، وقد هُيِّئ له فيه كُلُّ شيء من مُقوِّمات الحياة؛ وصار الإنسانُ يعيش في أسباب الله، تلك الأسباب المَمْدودة من يَدِ الله؛ فنأخذ بها وتترقَّى حياتنا بِقَدْر ما نبذل من جَهْد. وما أنْ نموتَ حتى نصِلَ إلى أرْقى حياة؛ إنْ كان عملُنا صالحاً وحَسُنَ إيماننا بالله؛ فبعد أنْ كُنّا نعيش في الدنيا بأسباب الله الممدودة؛ فنحن نعيش في الآخرة بالمُسبِّب في جنته التي أعدَّها للمتقين. وقول الحق سبحانه: ﴿ ... أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] يعني: أن الاطمئنان مُستْوعِب لكل القلوب؛ فكل إنسان له زاوية يضطرب فيها قلبه؛ وما أنْ يذكر الله حتى يجِدَ الاطمئنان ويتثبتَ قلبه. وقد حاول المستشرقون أن يقيموا ضَجَّة حول قوله تعالى: ﴿ ... أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] وتساءلوا: كيف يقول القرآن هنا أن الذِّكْر يُطمئِن القلب؛ ويقول في آية أخرى:

стр. 8453

﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٢] فأيُّ المعنيَيْنِ هو المراد؟ ولو أن المستشرقين قد استقبلوا القرآن بالمَلَكة العربية الصحيحة لَعلِموا الفارق بين: ﴿ ... أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] وبين قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٢] فكأنه إذا ذُكِر الله أمام الناس؛ وكان الإنسان في غَفْلة عن الله؛ هنا ينتبه الإنسان بِوجَلٍ. أو: أن الحق سبحانه يخاطب الخَلْق جميعاً بما فيهم من غرائز وعواطف ومواجيد؛ فلا يوجد إنسان كامل؛ ولكُلِّ إنسان هفوة إلا مَنْ عصم الله. وحين يتذكر الإنسانُ إسرافه من جهة سيئة؛ فهو يَوْجَل؛ وحين يتذكر عَفْو الله وتوبته ومغفرته يطمئن. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ... ﴾

стр. 8454

وطُوبَى من الشيء الطيِّب؛ أي: سيُلاقُونَ شيئاً طيباً في كُلِّ مظاهره: شكلاً ولَوْناً وطَعْماً ومزاجاً وشهوة، فكُلُّ ما يشتهيه الواحد منهم سيجده طيباً؛ وكأن الأمر الطيب موجوداً لهم. وقول الحق سبحانه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] أي: حُسْنُ مرجعهم إلى مَنْ خلقهم أولاً، وأعاشهم بالأسباب؛ ثم أخذهم ليعيشوا بالمُسبِّب الأعلى؛ وبإمكانية «كُنْ فيكون» . ويريد الحق سبحانه من بعد ذلك أنْ يُوضِّح لرسوله ﷺ َ أنه رسول من الرُّسُل؛ وكان كل رسول إلى أيِّ أمة يصحب معه معجزة من صِنْف ما نبغ فيه قومه. وقد أرسل الحق سبحانه محمداً ﷺ َ ومعه المعجزة التي تناسب قومه؛ فَهُمْ قد نبغوا في البلاغة والبيان وصناعة الكلام، وقَوْل القصائد الطويلة وأشهرها المُعلَّقات السبع؛ ولهم أسواقٌ أدبية مثل: سوق عكاظ، وسوق ذي المجاز. ولذلك جاءت معجزته ﷺ َ من جنس ما نبغُوا فيه؛ كي تأتيهم الحُجَّة والتعجيز. ولو كانت المعجزة في مجال لم ينبغوا فيه؛ لقالوا: «لم نعالج أمراً مثل هذا من قبل؛ ولو كُنَّا قد عالجناه لَنبغْنَا فيه» . وهكذا يتضح لنا أن إرسالَ الرسولِ بمعجزة في مجال نبغَ فيه

стр. 8455

قومه هو نَوْعٌ من إثبات التحدِّي وإظهار تفوُّق المعجزة التي جاء بها الرسول. وهكذا نرى أن إرسال محمد ﷺ َ بالقرآن وإنْ لم يُقنِع الكفار إنما كان مُطَابقاً لمنطق الوحي من السماء للرسالات كلها. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ ... ﴾

стр. 8456

فكما أرسلك الله إلى أمتك؛ فقد سبق أنْ أرسل سبحانه رُسُلاً إلى الأمم التي سبقتْ؛ ولم يُرسِل مع أيٍّ منهم معجزة تناقض ما نبغَ فيه قومُه؛ كَيْ لا يقولَ واحدٌ أن المعجزة التي جاءتْ مع الرسول تتناولُ ضَرْباً لم يَأْلفوه؛ ولو كانوا قد أَلِفوه لَمَا تفوَّق عليهم الرسول. وقول الحق: ﴿كَذَلِكَ ... ﴾ [الرعد: ٣٠] يعني: كهذا الإرسال السابق للرسل جاء بَعْثُكَ إلى أمتِك، كتلك الأمم السابقة. ويأتي الحق سبحانه هنا بالاسم الذي كان يجب أن يَقْدروه حَقَّ قَدْره وهو «الرحمن» فلم يَقُلْ: وهم يكفرون بالله بل قال: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن ... ﴾ [الرعد: ٣٠]

стр. 8457

فهم يعيشون رغم كُفْرهم في رزق من الله الرحمن، وكُل ما حولهم وما يُقيتهم وما يَسْتمتعون به من نِعَم عطاءاتٌ من الله. وهم لا يقومون بأداء أيٍّ من تكاليف الله؛ فكان من اللياقة أن يذكروا فَضْل الله عليهم؛ وأنْ يؤمنوا به؛ لأن مطلوب الألوهية هو القيام بالعبادة. وهو سبحانه هنا يأتي باسمه «الرحمن» ؛ والذي يفيد التطوع بالخير؛ وكان من الواجب أن يقدرُوا هذا الخيْر الذي قدَّمه لهم سبحانه، دون أن يكون لهم حَوْلٌ أو قوة. وكان يجب أن يعتبروا ويعلنوا أنهم يتجهون إليه سبحانه بالعبادة؛ وأنْ يُنفّذوا التكليف العباديّ. وفي صُلْح الحديبية دارتْ المفاوضات بين المسلمين وكفار قريش الذين منعوا رسول الله ﷺ َ من دخول مكة، ولكنهم قَبِلوا التعاهد معه، فكان ذلك اعترافاً منهم بمحمد ﷺ َ وصَحْبه الذين صاروا قوة تُعاهِدُ؛ تأخذ وتعطي. ولذلك نجد سيدنا أبا بكر ﵁ يقول: «ما كان في الإسلام نصرٌ أعظم من نَصْر الحديبية» . فقد بدأتْ قريش في الحديبية الاعترافَ برسول الله وأمة الإسلام؛ وأخذوا هُدْنة طويلة تمكَّن خلالها محمد ﷺ َ وصحابته من أنْ يغزُوا القبائل التي تعيش حول قريش؛ حيث كانت تذهب سَرِية ومعها مُبشِّر بدين الله؛ فتُسلِم القبائل قبيلة من بَعْد قبيلة.

стр. 8458

وهكذا كانت الحديبية هي أعظم نصْر في الإسلام؛ فقد سكنتْ قريش؛ وتفرَّغ رسول الله ﷺ َ ومَنْ معه لدعوة القبائل المحيطة بها للإسلام. ولكن الناس لم يتسع ظنُّهم لما بين محمد وربِّه. والعباد دائماً يَعْجلون، والله لا يَعْجل بعَجلةِ العباد حتَّى تبلغَ الأمورُ ما أراد. «وحين جاءت لحظة التعاقد بين رسول الله ﷺ َ وبين قريش في الحُديْبية، وبدأ عليُّ بن أبي طالب في كتابة صيغة المعاهدة، كتب» هذا ما صَالح عليه محمد رسول الله «فاعترض سهيل بن عمرو وقال: لو شهدتُ أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب:» هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو «. وأصر صحابة رسول الله ﷺ َ على أن تُكتب صفة محمد كرسول، لكن النبي ﷺ َ قال:» والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله «. ولكن علياً كرَّم الله وجهه يُصِرُّ على أن يكتب صفة محمد كرسول من الله؛ فيُنطق الحق سبحانه رسوله ﷺ َ ليقول لعليّ:» ستسام مثلها فتقبل

стр. 8459

«. ولما تولَّى عليٌّ كرم الله وجهه بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين، وقامت المعركة بين علي ومعاوية؛ ثم اتفق الطرفان على عَقْد معاهدة؛ وكتب الكاتب» هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «فقال عمرو بن العاص مندوب معاوية:» اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم وليس أميرنا «. وهنا تذكَّر علي كرم الله وجهه ما قاله سيدنا رسول الله ﷺ َ:» سَتُسَام مثلها فتقبَّل «وقَبِلها فقال:» امْحُ أمير المؤمنين، واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب «» . وتحققت مقولة الرسول ﷺ َ. ومن الوقائع التي تُثبِّتُ الإيمانَ؛ نجد قصة عمار بن ياسر، وكان ضمن صُفوف علي كرَّم الله وجهه وأرضاه في المواجهة مع معاوية؛ وقتله جُنود معاوية؛ فصرخ المسلمون وقالوا: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية. وهكذا كان رسول الله ﷺ َ قد قال. وبذلك فَهِم المسلمون أن الفئة الباغية هي فئة معاوية، وانتقل كثير من المسلمين الذين كانوا في صَفِّ معاوية إلى صَفِّ علي بن أبي طالب؛ فذهب عمرو بن العاص إلى معاوية وقال: تفشَّت في

стр. 8460

الجيش فَاشِية، إن استمرتْ لن يبقى معنا أحد؛ فقد قتلنا عمار بن ياسر؛ وذكر صحابة رسول الله ﷺ َ قوله:» وَيْحَ عمار، تقتله الفِئة البَاغِية «وقد فَهِم المقاتلون معنا أن الفئة الباغية هي فئتنا. وكان معاوية من الدهاء بمنزلة؛ فقال: اسْعَ في الجيش وقُلْ:» إنما قتله مَنْ أخرجه «ويعني عليّاً. ولما وصل هذا القول لعليٍّ قال: ومَنْ قتل حمزة بن عبد المطلب، وقد أخرجه للقتال محمد ﷺ َ؟! وهنا في قول الحق سبحانه: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ ... ﴾ [الرعد: ٣٠] إنما يعني أن الحق قد أرسلك يا محمد بمعجزة تُناسب ما نبغَ فيه قومك، وطَلَبُ غير ذلك هو جَهْل بواقع الرسالات وتعَنُّتٌ يُقصَد منه مزيدٌ من ابتعادهم عن الإيمان. وقول الحق سبحانه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن قُلْ هُوَ رَبِّي. . .﴾ [الرعد: ٣٠] أي: أنهم حين يُعلنون الكفر فأنت تصادمهم بإعلان الإيمان، وتقول: ﴿هُوَ رَبِّي لا إله إِلاَّ هُوَ ... ﴾ [الرعد: ٣٠] وكلمة «ربي» تنسجم مع كلمة «الرحمن» الذي يُنعِم بالنعم كلها؛ وهو المُتولِّي تربيتي؛ ولو لم يفعل سِوَى خَلْقي وتربيتي ومَدّي بالحياة ومُقوِّماتها؛ لَكانَ يكفي ذلك لأعبده وحده ولا أشرك به أحداً.

стр. 8461

ولو أن الإنسان قد أشرك بالله؛ لالتفتَ مرة لذلك الإله؛ ومرة أخرى للإله الآخر؛ ومرة ثالثة للإله الثالث وهكذا، وشاء الله سبحانه أن يريح الإنسان من هذا التشتت بعقيدة التوحيد. ويأتي القرآن ليُطمئن القلوب أيضاً وليذكر: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] وهكذا يعرض لنا القرآن صورتين: الصورة الأولى: لرجل يملكه أكثر من سيد، يعارضون بعضهم البعض. والصورة الثانية: لرجل آخر، يملكه سيد واحد. ولابُدَّ للعقل أن يعلمَ أن السيد الواحد افضل من الأسياد المتعددين؛ لأن تعدُّد الأسياد فساد وإفساد، يقول الحق سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] والعاقل هو مَنْ لا يُسلِّم نفسه إلا لسيّد واحد يثق أنه أمين عليه، ونحن في حياتنا نقول: ما يحكم به فلان أنا أرضى به؛

стр. 8462

وقد وَكَلْته في كذا. ولا أحد مِنّا يُسلِّم نفسه إلا لمَنْ يرى أنه أمين على هذا الإسلام، ولابُدَّ أن يكون أمينا وقوياً، ويقدر على تنفيذ مطلوبه. والرسول ﷺ َ في المعركة العنيفة مع صناديد قريش قال: «إنِّي متوكل على الله» ، وهذه شهادة منه على أنه توكل على القوي الأمين الحكيم؛ والرسول لم يَقُلْ توكلت عليه؛ ولكنه قال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ... ﴾ [الرعد: ٣٠] والفارق بين القَوْلَيْنِ كبير، فحين تقول «عليه توكلت» فأنت تَقْصر التوكُّل عليه وحده؛ ولكن إنْ قُلت: «توكلت عليه» . فأنت تستطيع أن تضيف وتعطف عدداً آخر مِمَّنْ يمكنك التوكل عليهم. ولذلك نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ... ﴾ [الفاتحة: ٥] ونحصر العبادة فيه وله وحده سبحانه؛ فلا تتعداه إلى غيره؛ ولو أنها أُخِرَّتْ لَجازَ أن يعطف عليه. ويُقَال في ذلك «اسم قصر» أي: أن العبادة مَقْصورة عليه؛ وكذلك التوكُّل. ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ... ﴾ [الرعد: ٣٠] أي: أنني لا آخذ أوامري من أحد غيره ومرجعي إليه. ويقول سبحانه من بعد ذلك:

стр. 8463

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال ... ﴾

стр. 8464

و (لو) حَرْف شَرْط يلزم لها جوابُ شَرْطٍ، وقد ترك الحق سبحانه جواب الشَّرْط هنا اعتماداً على يقظة المُسْتمع. وإنْ كان مثل هذا القول ناقصاً حين ننطق نحن به، فهو ليس كذلك حين يأتي من قَوْل الله سبحانه؛ فهو كامل فيمن تكلَّم، وقد تركها ليقظة المُسْتمِع للقرآن الذي يبتدر المعاني، ويتذكَّر مع هذه الآية قوله الحق: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] وكذلك قول الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ

стр. 8465

شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] إذن: من كل نظائر تلك الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نأخذ جواب الشرط المناسب لها من تلك الآيات؛ فيكون المعنى: لو أن قُرْآناً سُيِّرتْ به الجبال، أو قُطِّعَتْ به الأرض، أو كُلِّمَ به المُوْتى لَمَا آمنوا. ويُرْوَى أن بعضاً من مُشْرِكي قريش مثل: أبي جهل وعبد الله ابن أبي أمية جَلَسَا خلف الكعبة وأرسلا إلى رسول الله ﷺ َ؛ وقال له عبد الله: إن سَرَّك أن نتبعك فَسَيِّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عَنَّا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع، فلستَ كما زعمْتَ بأهْونَ على ربِّك من داود حين سخَّر له الجبال تسير معه، وسَخِّر لنا الرِّيح فنركبها إلى الشام نقضي عليها مَيْرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد سخِّرَتْ الريحُ لسليمانَ بن داود، ولسْتَ بأهونَ على ربِّك من سليمان، وأحْيي لنا قَصَبَ جَدِّك، أو مَنْ شئتَ أنت من موتانا نسأله، أحقٌّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يُحيي المُوْتَى، ولستَ بأهونَ على الله منه، فأنزل الحق سبحانه هذه الآية وما قبلها للرد عليهم.

стр. 8466

وكانت تلك كلها مسائل يتلكَّكُونَ بها ليبتعدوا عن الإيمان؛ فالرسول ﷺ َ قد جاء بمعجزة من جِنْس ما نَبِغُوا فيه؛ وجاء القرآن يَحْمِل منهج السماء إلى أنْ تقومَ الساعة. وقد طلبوا أنْ تبتعد جبال مكة ليكونَ الوادي فسيحاً؛ ليزرعوا ويحصدوا؛ وطلبوا تقطيع الأرض، أي: فَصْل بقعة عن بقعة؛ وكان هذا يحدث بِحَفْر جداول من المياه، وقد قال الكافرون: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] والمراد من تقطيع الأرض حسب مطلوبهم أن تقصُرَ المسافة بين مكان وآخر، بحيث يستطيع السائر أنْ يستريح كل فَتْرة؛ فالمسافر يترك في كل خطوة من خطواته أرضاً؛ ويصل إلى أرض أخرى، وكُلٌّ يقطع الأرض على حَسْب قدرته ووسيلة المواصلات التي يستخدمها. فالمُتْرَف يريد أن يكون المسافة كبيرة بين قطعة الأرض والأخرى؛ لأنه يملك الجِيَاد التي يمكن أن يقطع بها المسافة بسهولة، أما مَنْ ليس لديه مطية؛ فهو يحب أن تكون المسافات قريبة ليستطيع أنْ يستريح. ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر، فحين زادَ الترف صارتْ السيارات تقطَع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية دون توقُّف؛ عَكْس ما كان يحدث قديماً حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة ومعها المسافرون بها، فيتوقفون في مُنتصَفِ الطريق.

стр. 8467

ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ، يقول الحق سبحانه: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وظلموا أَنفُسَهُمْ ... ﴾ [سبأ: ١٩] أي: اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة، كي يتمتع المُسافِر القادرُ بالمناظر الطيبة. ولاحظنا أيضاً تمادي المشركين من قريش في طلب المعجزات الخارقة؛ بأنْ طلبوا إحياء المَوْتى في قول الحق سبحانه: ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى ... ﴾ [الرعد: ٣١] وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلاب الجد الأكبر لرسول الله ولقريش؛ ليسألوه: أحَقٌّ ما جاء به محمد؟ ولكن القرآن لم يَأْتِ لِمثْل تلك الأمور؛ وحتى لو كان قد جاء بها لَمَا آمنوا. ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خَاتَمٌ صالح لكل عصر؛ وتلك معجزته. ويقول سبحانه: ﴿بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً ... ﴾ [الرعد: ٣١] وكلمة «أمر» تدلُّ على أنه شيء واحد، وكلمة «جميعاً» تدل على مُتعدِّد، وهكذا نجد أن تعدُّد الرسالات والمُعْجِزات إنما يدلُّ على

стр. 8468

أن كُلَّ من أمر تلك الرسالات إنما صدرَ عن الحق سبحانه؛ وهو الذي اختار كلَّ مُعْجزة لتناسب القومَ الذين ينزل فيهم الرسول. ويتابع سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً ... ﴾ [الرعد: ٣١] وكلمة «ييأس» يُقَال إنها هنا بمعنى «يعلم» ؛ فهي لغة بلهجة قريش، أي: ألم يعلم الذين آمنوا أن هؤلاء الكفار لم يهتدوا؛ لأن الله لم يَشَأ هدايتهم. وكان المؤمنون يودُّون أن يؤمنَ صناديدُ قريش كي يَخِفَّ الجهد عن الفئة المسلمة؛ فلا يضطهدونهم، ولا يضايقونهم في أرزاقهم ولا في عيالهم. ويوضح الحق سبحانه هنا أن تلك المسألةَ ليست مُرتبطة برغبة المؤمن من هؤلاء؛ بل الإيمان مسألة تتطلب أنْ يُخرِج الإنسان ما في قلبه من عقيدة، وينظر إلى القضايا بتجرُّد، وما يقتنع به يُدخِله في قلبه. وبذلك يمتلئ الوعَاء العقديّ بما يُفيد؛ كي لا تدخل في قلبك عقيدة، ولا تأتي عقيدة أخرى تطردُ العقيدة، أو تُزيغ قلبك عَمَّا تعتقد، يقول تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ... ﴾ [الأحزاب: ٤] فالوعاء القلبي كالوعاء الماديّ تماماً؛ لا يقبل أنْ يتداخل فيه

стр. 8469

جِرْمَان أبداً، فإنْ دخل جِرْم على جِرْم؛ إنْ كان أقوى فهو يطرد من القلب الأَدْنى منه. والمثَلُ على ذلك: لنفترض أن عندنا إناءً ممتلئاً عن آخره؛ ويحاول واحدٌ منا أنْ يضعَ فيه كُرةً صغيرة من الحديد؛ هنا سيجد أن الماءَ يفيضُ من حَوافِّ الإناء بما يُوازِي حجم كرة الحديد، وهذا ما يحدث في الإناء الماديّ، وكذلك الحال في الإناء العَقَديّ. ولذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: «لا يجتمع حبي وحب الدنيا في قلب» . وهكذا نرى أن هناك حَيِّزاً للمعاني أيضاً مثلما يوجد حَيِّز للمادة، فإذا كنتَ تريد حقيقةَ أن تُدخِل المعاني العَقَدية الصحيحة في قلبك؛ فلابُدَّ لك من أنْ تطردَ أولاً المعاني المناقضة من حَيِّز القلب، ثم ابحَثْ بالأدلة عن مدى صلاحية أيٍّ من المعنيين؛ وما تجده قويَّ الدليل؛ صحيحَ المنطق؛ موفورَ القوة والحُجَّة؛ فَأدخِلْه في قلبك. ولم يفعل الكفار هكذا؛ بل تمادَوْا في الغَيِّ إصراراً على ما يعتقدون من عقيدة فاسدة؛ أما مَنْ أسلم منهم فقد أخرج من قلبه العقيدة القديمة؛ ولم يُصِر على المُعْتَنق القديم؛ بل درسَ وقارنَ؛ فأسرع إلى الإسلام.

стр. 8470

أما مَنْ كان قلبه مشغولاً بالعقيدة السابقة؛ ويريد أنْ يُدخِل العقيدة الإسلامية في قلبه؛ فهو لم ينجح في ذلك؛ لأن قلبه مشغولٌ بالعقيدة القديمة. وإذا كنت يا رسول الله ﷺ َ تريد من هؤلاء أن يؤمنوا؛ فلابد أن يعتمد ذلك على إرادتهم، وأنْ يُخرِجوا من قلوبهم العقيدة الفاسدة؛ وأنْ يبحثوا عن الأصحِّ والأفضل بين العقيدتين. ولذلك يعلمنا الحق سبحانه كيف نصل إلى الحقائق بسهولة، فيقول لرسوله ﷺ َ: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ... ﴾ [سبأ: ٤٦] أي: قُلْ يا محمد لِمَنْ كفر بك: إنِّي أعظكم عِظَة، وأنت لا تَعِظ إلا مَنْ تحب أن يكون على الحق؛ وهذا يُفسر قول الحق سبحانه: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ولهذا يريد ﷺ َ أن تكونوا مؤمنين؛ لذلك يدعوكم أن تقوموا لله؛ لا لِجَاهِ أحد غيره؛ لأن جاه أيِّ كائن سيزول مَهْمَا كان هذا الواحد، ولا تقولن لنفسك: إن العبيد سيتساوون معك. بل قُمْ لله إما مثنى أي أن تكون قائماً ومعك آخر؛ أو يقوم غيرك

стр. 8471

اثنين اثنين ليناقش كل منكم مع من يجلس معه؛ ولا يتحيز أحد منكم لِفكْر مُسْبق بل يُوجِّه فكره كله متجرداً لله. وليتساءل كل واحد: محمد هذا، صفته كذا وكذا، وقد فعل كذا، والقرآن الذي جاء به يقول كذا، وسيجد الواحد منكم نفسه وقد اهتدى للحق بينه وبين نفسه، وبينه وبين مَنْ جلس معه ليناقشه فيستعرضان معه تاريخ محمد ﷺ َ وما جاء به. وحين يتناقش اثنان لن يخاف أيٌّ منهما أن يهزمه الآخر، لكن لو انضمَّ إليهما ثالثٌ؛ فكل واحد يريد أن يعتز برأيه؛ ويرفض أن يقبل رَأْي إنسان غيره، ويخشى أن يُعتبر مهزوماً في المناقشة؛ ويرفض لنفسه احتمال أنْ يستصغره أحد. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ... ﴾ [سبأ: ٤٦] و «الجِنَّة» هي اختلال العقل؛ أي: أن مَنْ به جِنَّة إنما يتصرف ويسلُك بأعمال لا يرتضيها العقل. ويقرن الحق سبحانه بين العقل وبين الخُلُق، فيقول: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ويُقَال: فلان على خُلق. أي: يملك من الصفات ما يجعله على الجَادَّة من الفضائل؛ مثل الصِّدْق والأمانة؛ وهذه صفاتٌ يَنْظِمها في مواقفها الفِكْر العقليّ؛ وهو الذي يُميِّز لنا أيَّ المواقف تحتاج إلى شِدّة؛ أو لِينٍ؛ أو حكمة، وكلُّ هذه أمور يُرتِّبها العقل.

стр. 8472

والخُلُق الرفيع لا يصدر عن مجنون؛ لأنه لا يعرف كيف يختار بين البدائل؛ لذلك لا نحاسبه نحن؛ ولا يحاسبه الله أيضاً. وحين يأمرهم الحق سبحانه أن يبحثوا: هل محمد يعاني من جِنَّة؟ فالحق سبحانه يعلم مُقدَّماً أن رسول الله ﷺ َ بشهادتهم يتمتَّع بكمال الخلق؛ بدليل أن أهمَّ ما كانوا يملكونه كانوا يستأمنون عليه رسول الله ﷺ َ. وبدليل أنه ﷺ َ حينما دخل عليهم وكانوا مختلفين في أمر بناء الكعبة؛ ارتضوه حَكَماً. ولذلك يقول سبحانه: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١ - ٢] وهكذا رأينا أن هؤلاء الكفار ما كانوا ليؤمنوا؛ ولم يَكُنِ اللهُ لِيهدِيَهم؛ لأنهم كانوا لا يملكون أَدْنى استعداد للهداية؛ وكأنهم أدمنُوا الكفر والعياذ بالله؛ وقد طبع الله على قلوبهم فزادهم كفراً؛

стр. 8473

فما في تلك القلوب من كفر لا يخرج منها؛ وما بخارجها لا يدخل فيها. وقد ظَنَّ بعض من المسلمين أن كُفْر هؤلاء قد يُشقِي المؤمنين بزيادة العَنتِ من الكافرين ضدهم؛ لذلك يوضح الحق سبحانه لأهل الإيمان أن نَصْره قريب، فيقول سبحانه: ﴿ ... وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ [الرعد: ٣١] أي: اطمئنوا يا أهل الإيمان؛ فلن يظلَّ حال أهل الكفر على ما هو عليه؛ بل ستصيبهم الكوارث وهم في أماكنهم، وسيشاهدون بأعينهم كيف ينتشر الإيمان في المواقع التي يسودونها؛ وتتسع رقعةُ أرض الإيمان، وتضيق رقعة أهل الكفر؛ ثم يأتي نَصْر الله وقد جاء نَصْر الله ولم يَبْقَ في الجزيرة العربية إلا مَنْ يقول: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» . وهكذا تنبأتْ الآية بمجيء الأمل بعد اليأس، كي لا يظلَّ اليأس مُسَيْطراً على حركة المسلمين وعلى نفوسهم، واستجاب الحق سبحانه لدعوته ﷺ َ حين دعاه قائلاً: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» . وقُتِل صناديدُهم واحداً وراء الآخر؛ ولكن عنادهم استمر؛ وبلغ

стр. 8474

العناد حَدَّ أن ابنتَيْ رسول الله ﷺ َ كانتا مُتزوِّجتيْنِ من ابنيْ أبي لَهَبٍ؛ فلما أعلن النبي ﷺ َ رسالته؛ قال أبو لهب وزوجته: لابد أن يُطلِّق أبناؤنا بنات محمد؛ فلما طلَّق أوَّلهما بنت رسول الله ﷺ َ دعا رسول الله ﷺ َ قائلاً: «أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه» . وها هو أبو لهب الكافر يقول: «لا تزال دعوة محمد على ابني تشغل بَالي وتُقلِقني، وأخاف أن أبعث بولدي إلى رحلة الشام كي لا تستجيب السماءُ لدعوة محمد» . وكان من المناسب ألاَّ يخاف، وجاء ميعاد السفر لقافلة الشام. وسافر أبو لَهَبٍ مع ولديه، وحين جاء ميعاد النوم أمر أبو لهب الرجال أن يقيموا سياجاً حول ولده وكأن الرجال حوله كخط بارليف الذي بنتْه إسرائيل على قناة السويس ليمنع عنها صَيْحة النصر التي حملت صرخة الله أكبر ثم أصبح الصبح فوجدوا أن وحشاً قد نهش ابن أبي لَهَب. وقال الناس: كان أبو لَهَب يخشى دعوة محمد؛ ورغم ذلك فقد تحققت. فقال واحد: ولكن محمداً دعا أن ينهشَه كلب وقال له «أكلك كلب من كلاب الله» ولم يَقُلْ فلينهشْكَ سبع، فرد عليه مَنْ

стр. 8475

سمعه: وهل إذا نُسب كلب الله أيكون كلباً؟ لابد أن يكون الكائن المنسوب لله كبيراً. وهكذا دَقَّتْ القارعة بيت الرجل الذي أصرَّ على الكفر، وتحقق قول الله: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ... ﴾ [الرعد: ٣١] نعم، فهم قد أسرفوا في الكُفْر والعِناد؛ فجاءتْهم القارعة؛ والقارعة هي الشيء الذي يطرق بعنف على هادئ ساكن، ومنها نأخذ قَرْع الباب، وهناك فَرْق بين «نَقْر البابِ» و «قَرْع الباب» . وقَوْل الحق سبحانه: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ... ﴾ [الرعد: ٣١] يُوضِّحه أمْر صُلْح الحديبية الذي جاء بشارةً للمسلمين؛ فقد صار كفار قريش يفاوضون رسول الله ﷺ َ، وكان النبي ﷺ َ يبعث بالسرايا إلى المناطق المحيطة بمكة؛ فتأتي القبائل أفواجاً وهي تعلن إسلامها؛ ويبلغ ذلك قريشاً بأن الإسلام يواصل زَحْفه؛ ثم تأتيهم القارعة بأن يدخل الرسول ﷺ َ مكة؛ ويتحقق وعد الله بأن يدخلوا هم أيضاً إلى حظيرة الإسلام. أو: أن يكون المقصود ب:
следующие страницы →