← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

أي: أن أهل التوراة والإنجيل يفرحون بما جاء يا محمد من القرآن، والإنسان لا يفرح بشيء إلا إذا حقَّق له غايةً تُسْعِده، ولابُدَّ أن تكون هذه الغاية منشورة ومعروفة. وهم قد فرحوا بما نزل إلى رسول الله ﷺ َ؛ لأنه حقق لهم ما جاء في كتبهم من نبوءة به. ومعنى ذلك أن كتبهم قد صدقتْ، ومَنْ جاء بالرسالة الخاتم صادق، وكان عليهم أن يكونوا أول المُبَادرين إلى الإيمان به. ذلك أن الفرحة هي العملية التعبيرية أو النُّزوعية من مواجيد الحب، والإنسان إنما يفرح بتحقيق أمر طيِّب كان ينتظره. ولذلك كان يجب أن يُهروِلوا للإيمان بالدين الجديد، وأنْ يعلنوا الإيمان به مثلما فعل كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي الذي جاب أغلب البلاد باحثاً عن الدين الحق. وهؤلاء هم مجرد أمثلة لِمَنْ أرادوا أنْ يُعبِّروا بالفرحة واستقبال مَدَدِ السماء عَبْر مجيء النبي الخاتم محمد بن عبد الله ﷺ َ، وأعلنوا البيعة للرسول الجديد كما بشَّرَتْ به الكتب السماوية السابقة على بعثته، ثم وقفوا موقف العداء من الذين لم يفرحوا بِمقْدمِ الرسول، ثم غيَّروا ما جاء في كتبهم السماوية طمعاً في السلطة الزمنية.

стр. 8507

وعرف مَنْ آمنوا برسالة رسول الله ﷺ َ أن الذين أنكروا نبوة محمد بن عبد الله قد دَلَّسوا على أنفسهم وعلى غيرهم، وأتوْا بأشياء لم تكن موجودة في كتبهم المُنزَّلة على رسلهم كادعائهم أن لله أبناء، وسبحانه مُنزَّه عن ذلك. ولذلك جاء قول الحق سبحانه: ﴿والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦] تلك عدالة من القرآن؛ لأن القرآن لم ينكر الكتب السماوية السابقة بأصولها، لكنه أنكر التحريف في العقائد، وأنكر مواقف مَنْ حرَّفوا وادَّعوْا كذباً أن هناك بنوة لله. هذا التحريف لم يَنَلْ من القرآن إنكاراً لكل ما جاء بالكتب السابقة على القرآن؛ ولكنه أنكر التحريف فقط. وقد أثبتَ القرآن ما لله وما للرسول، وأنكر التحريف الذي أرادوا به السلطة الزمنية؛ وادعاء القداسة، والتجارة بصكوك الغفران وبيع الجنة، وتلقِّي الاعترافات، وغير ذلك مما لم ينزل به كتاب سماوي. وحين جاء الإسلام لِيُحرِّم ذلك دافعوا عن سلطتهم التي يتاجرون بها في أمور الدين، وهي ليست من الدين.

стр. 8508

وانظر إلى قول الحق سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ ... ﴾ [الرعد: ٣٦] وهذا القول دليلٌ على أن هؤلاء المُغيّرين في الكتب السماوية أو الذين أنكروا وحدانية الله؛ هؤلاء جاء لهم بالقول الفَصْل: ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ... ﴾ [الرعد: ٣٦] أي: أنه يُقِر بأن هناك ديناً قد اُختِير له من قِبَل مُرَبٍّ؛ ولم يَختَرْ محمد شيئاً أعجبه ليعبده، ولكنه كرسول من الله يَشْرُف بالانتماء لما جاءه الأمر به من السماء، وهو لا يشرك به أحد. ونجد الرسول ﷺ َ يتعصَّب لِمَا يتعلق بربه؛ وقد يتهاون بما يتعلق بشخصه. ولذلك وجدنا بعض الملاحدة وقد قالوا له: نحن نؤمن بالله وبالسماء والوحي وبكل شيء، لَكِنّا لا نؤمن بك أنت، ولم يغضب رسول الله ﵊ ُ، ولو كان يُدخِل ذاته أو أنانيته في الأمر لَغضِب، ولكنه لم يغضب. والدليل على هذا هو أن مواجيده ﷺ َ كانت مع الروم المؤمنين بكتاب سماوي ضد المشركين الذين لا يؤمنون بدين سماوي وهم الفُرْس؛ وحزن ﷺ َ حين غُلبت الروم، فنزل إليه القول الحق بنبأ النصر القادم في بِضْع سنين؛ تسليةً له ﷺ َ: ﴿الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الروم: ١ - ٥]

стр. 8509

وهؤلاء في قلب رسول الله كانوا أقربَ من غيرهم؛ لأنهم يتبعون ديناً سماوياً؛ وساعة يرى رائحة صاحب خير يرجحه على صاحب الشر؛ فهو يطلب لهم النصر ويُبشِّره الله بخير نصرهم في بِضْع سنين، وهم يحملون رائحة الخير، رغم أنهم لم يؤمنوا برسول الله ﷺ َ. ومعنى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ ... ﴾ [الرعد: ٣٦] أي: أنني سأعبد الله وحده، ولن أعطف على عبادته شيئاً؛ ويدعو لعبادته وحده؛ لأنه يعلم أنه سيؤوب إليه، كما سيؤوب إليه كُلُّ إنسان؛ فلا أحدَ ينفلِتُ من ربه وخالقه، ولابُدَّ لكل إنسان أن يُعِد عُدَّته لهذا المآب. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ... ﴾

стр. 8510

والمقصود ب «كذلك» إشارة إلى إرسال الرسل المُتقدِّمين بمعجزات شاءها الحق سبحانه، ولم يقترحها أحد. وقوله: ﴿أَنزَلْنَاهُ ... ﴾ [الرعد: ٣٧] ساعةَ نسمعه نرى أن هناك مكانة عَلِِيّة يُنزِل منها شيئاً لمكانة

стр. 8511

أدْنَى، ومثل ذلك أمر معروف في الحِسِّيات، وهو معروف أيضاً في المعنويات. بل وقد يكون هذا الشيء لم يَصِل إلى السماء؛ ولكنه في الأرض، ومع ذلك يقول فيه الحق سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ... ﴾ [الحديد: ٢٥] وهو إنزالٌ، لأنه أمر من تدبير السماء، حتى وإنْ كان في الأرض: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ... ﴾ [الرعد: ٣٧] والحكم هو المُعْنى، والمقصود بالإنزال هنا هو القرآن، وهو كتاب؛ والكتاب مَبْنى ومَعْنى، وشاء الحق سبحانه هنا أن يأتي بوصف المبالغة ليأتي الوصف وكأنه الذات، أي: أنه أنزل القرآن حُكْماً؛ وهذا يعني أن القرآن في حَدِّ ذاته حكم. وأنت حين تصف قاضياً يحكم تمام العدل؛ لا تقول «قَاضٍ عادلٌ» بل تقول «قََاضٍ عَدْل» أي: كأن العدل قد تجسم في القاضي؛ وكأن كل تكوينه عدل. والحق سبحانه هنا يوضح أن القرآن هو الحكم العدل، ويصفه بأنه: ﴿حُكْماً عَرَبِيّاً ... ﴾ [الرعد: ٣٧] لأن اللسان الذي يخاطب به الرسول القوم الذين يستقبلون بآذانهم ما يقوله لهم لابد أن يكون عربياً.

стр. 8512

ولذلك يقول في آية أخرى. ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: أنه شرفٌ كبير لك ولقومك، أن نزل القرآن بلغة العرب. وقد حفظ القرآن لنا اللغة العربية سليمة صافيةً؛ بينما نجد كل لغات العالم قد تشعَّبتْ إلى لهجات أولاً، ثم استقلتْ كل لهجة فصارتْ لغة، مثل اللغة اللاتينية التي خرجتْ منها أغلب لغات أوربا المعاصر من: إنجليزية وفرنسية وإيطالية، ووجدنا تلك اللغات تتفرَّق إلى لغات استقلالية، وصار لكل منها قواعد مختلفة. بل إن اللغة الإنجليزية على سبيل المثال صارت «إنجليزية إنجليزية» يتكلم بها أهل بريطانيا؛ و «إنجليزية أمريكية» يتكلم بها أهل الولايات المتحدة. ولو تركنا نحن لغة التخاطب بيننا كمسلمين وعرب إلى لغة التخاطب الدارجة في مختلف بلادنا؛ فلن يفهم بعضنا البعض، ومرجع تفاهمنا مع بعضنا البعض حين نتكلم هو اللغة الفصحى. ودليلنا ما رأينا في مغربنا العربي، فنجد إنساناً تربَّى على اللغة الفرنسية، أو تكون لغة جَمْعاً بين لهجات متعددة من البربرية والفرنسية وبقايا لغة عربية، فإذا حدثته باللغة العامية لا يفهم منك شيئاً، وإن تحدثت معه باللغة العربية استجاب وأجاب؛ لأن فطرته تستقبل الفصحى فهماً وإدراكاً.

стр. 8513

وهكذا رأينا كيف صان القرآن الكريم اللغة العربية واللسان العربي. ومن ضمن معاني قول الحق سبحانه: ﴿حُكْماً عَرَبِيّاً. . .﴾ [الرعد: ٣٧] أي: أن الذي يصُون ويعصِم هذا اللسان العربي هو القرآن الكريم. ويتابع سبحانه بقوله: ﴿ ... وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] وهذا خطاب مُوجَّه منه سبحانه لرسوله ﷺ َ يكشف فيه الحق سبحانه أمام رسوله ﷺ َ مَضارّ وخطورة اتباع الهوى؛ وهو خطاب يدل على أن الدين الذي نزل على موسى ثم عيسى، وهما السابقان لرسول الله؛ لم يَعُدْ كما كان على عهد الرسولين السابقين؛ بل تدخَّل فيه الهوى؛ ولم يَعُدْ الدين متماسكاً كما نزل من السماء. ولذلك يقول سبحانه في آية أخرى: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض ... ﴾ [المؤمنون: ٧١] ذلك أنه سبحانه لو اتبع أهواءهم لَضَاع نظام الكون؛ ألم يقولوا لرسول الله ﷺ َ:

стр. 8514

﴿أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ... ﴾ [الإسراء: ٩٢] ولو استجاب الحق مثلاً لهذه الدعوة، ألم تكن السماء لتفسد؟ إذن: فبعد أن نزل القرآن من السماء حكماً وعلماً ومنهجاً يسهل عليهم فهمه، لأنه بلُغتِهم، وهم يحمل كامل المنهج إلى أن تقوم الساعة، وفيه دليل السعادة في الدنيا والآخرة. لذلك فليس لأحد أن يتبع هواه؛ فالهوى كما نعلم يختلف من إنسان لآخر، والخطاب المُوجَّه لرسول الله ﷺ َ يتضمن في طيّاته الخطاب لأمته ﷺ َ. ومن يفعل ذلك فليس له من دون الله وليّ يؤازره أو ينصره، أو يقيه عذاب الحق: شقاءً في الدنيا، وإلقاءً في الجحيم في الآخرة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ ... ﴾

стр. 8515

وأنت يا محمد لست بِدْعاً من الرسل في مسألة الزواج والإنجاب. وهي تحمل الرد على مَنْ قالوا:

стр. 8516

﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق ... ﴾ [الفرقان: ٧] ومنهم مَنْ قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللائق أن يتفرغ لدعوته؟ وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد تزوَّجوا وأنجبوا. وحين تكون حياة الرسول قريبةً كمثال واضح من حياة الناس الذين أُرسل إليهم؛ ليكون أُسْوة لهم؛ فالأُسْوَة تتأتِّى بالجنس القابل للمقارنة؛ وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام؛ كأبٍ وزوجٍ، فالأسوة تكون واضحة للناس. ونعلم أن هناك مَنْ جاء إلى رسول الله؛ ليطلب الإذن بالتفرُّغ التامّ للعبادة من: صوم وصلاة وزُهْد عن النساء، فنهى الرسول ﷺ َ عن ذلك وقال في حديث شريف: «إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

стр. 8517

ويتابع الحق سبحانه: ﴿ ... وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] أي: ما كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أيّ رسول من الرسل، ولم يكُنْ لأيِّ رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له. وبهذا القول حسم الحق سبحانه قضية طلب المشركين لآيات الرسول ﷺ َ؛ لأن كل رسول جاء لزمنه ولقومه؛ وكل معجزة كانت من اختيار الله، وكل رسول يؤدي ما يُكلِّفه به الله؛ وليس للرسول أن يقترح على الله آيةً ما؛ لأن الخالق الأعلى هو الأعلم بما يصلح في هذه البيئة على لسان هذا الرسول. ونأخذ من قوله الحق: ﴿ ... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] أن لكل رسالة رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمد ﷺ َ وما اختاره الله له؛ في المكان الذي شاءه سبحانه، وفي الزمان؛ وفي المعجزة المصاحبة له ﷺ َ. ولكن، أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه: ﴿ ... لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] نعم هناك تغيير، وانظروا إلى قول الحق سبحانه من بعد ذلك:

стр. 8518

﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ ... ﴾

стр. 8519

والمَحْو كما نعلم هو الإزالة، والتثبيت أي: أن يُبقِي الحق ما يراه ثابتاً. وقد فهم بعض الناس خطأ أن كل حُكْم في القرآن قد جاء ليثبُتَ وسيظلّ هكذا أبدَ الدهر؛ ولكن عند التطبيق ظهر أن بعض الأحكام يقتضي تغييرها يغيرها الله لحكمة فيها خير البشرية. ونقول: لا، لم يحدث ذلك، ولكن كانت هناك أحكام مَرْحلية؛ ولها مُدَّة مُحدَّدة؛ ولذلك جاء قول الحق سبحانه: ﴿ ... وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] أي: عنده اللوح المحفوظ الذي تحدَّدتْ فيه الأحكام التي لها مُدَّة مُحدّدة؛ وما أن تنتهي إلا وينزل حُكْم آخر مكانها، وعلى هذا المعنى يمكن أن نقول: إنه لم يوجد نَسْخٌ للأحكام، لأن معنى النَّسْخ أن يُزحزِحَ حُكْماً عن زمانه؛ وهنا لم نجد حُكْماً يتزحزحُ عن زمانه؛ لأن كل حُكْم موقوتٌ بوقت محدود؛ وما أن ينتهي الوقت حتى يبدأ حُكْم جديد. أقول ذلك كي أنبِّه العلماء إلى ضرورة أنْ يجلسوا معاً لدراسة ذلك، حتى لا يختلف العلماء: أهناك نَسْخ أم لا، وأقول: فَلْنُحدد النَّسْخ أولاً، لأن البعض يظن أن هناك حكماً كان يجب أن ينسحب على كل الأزمنة، ثم جاء حُكْم آخر ليحل محله لحكمة تقتضيها مصلحة البشرية والمراد لله منها. ولا يوجد حُكْم أنهى حُكْماً وطرأ عليه ساعة الإنهاء؛ بل كل

стр. 8520

الأحكام كانت مُقدَّرة أَزلاً؛ وعلى ذلك فلا يوجد نَسْخ لأيِّ حُكْم، ولكن هناك أحكام ينتهي وقتها الذي قدّره الله لها؛ ويأتي حُكْم سبق تقديره أزلاً ليواصل الناسُ الأخذ به؛ وما دام الأمر كذلك فلا يوجد نسخ. ولنَنْظُر إلى قول الحق سبحانه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... ﴾ [البقرة: ١٠٦] ويتضح من منطوق الآية ومفهومها أن عند نسخ حكم يأتي الله بمثله أو خير منه. إذن: ليس هناك نسخ وإنما هناك أحكام تؤدي مهمتها في زمن ثم يأتي زمن يحتاج إلى حكم خير منه أو مثله في الحكم، ولكنه يوافق المصالح المرسلة مع مراد الله. ولقائل أنْ يقول: مادام سيأتي بخير من الآية المنسوخة أو المُنْسَأة فذلك افضل، ولكن لماذا يأتي بالمِثْل؟ وأقول: لأنك إنْ جاءك ما هو خَيْر منها قد تَسْتسِيغه، ولكن حين ننتقل إلى مِثْل ما جاءْت به الآية؛ فهذا مَحَكُّ الإيمان. والمثل هو التوجُّه في الصلاة إلى بيت المقدس في أول الدعوة؛ ثم مَجِيء الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة؛ فلا مشقَّة في ذلك. ولكن هنا يتم اختبار الالتزام الإيماني بالتكليف، وهنا الانصياعُ للحكم الذي يُنزِله الله، وهو حُكم مقَّدر أزَلاً؛ وفي هذا اختبار لليقين

стр. 8521

الإيمانيّ في إدارة توجيه المُدبِّر لهذا السير. وكذلك في الحج يأتي الرسول ﷺ َ لِيُقبِّل الحجر الأسود؛ ثم يرجم الحجر الذي يرمز لإبليس، ونحن نفعل ذلك أُسْوة برسول الله ﷺ َ، وكلاهما حجر، ولكِنَّنا نمتثل لأمره ﷺ َ. فتقبيل الحجر الأسود ورجم الحجر الذي يشير إلى رمزية إبليس، كل هذا استجابة لأمر الآمر. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] فهو يعني أنه سبحانه يُنهِي زمن الحكم السابق الذي ينتهي زمنه في أُمِّ الكتاب أي اللوح المحفوظ؛ ثم يأتي الحكم الجديد. والمثال: هو حكم الخمر؛ وقد عالجها الحق سبحانه أولاً بما يتفق مع قدرة المجتمع؛ وكان المطلوب الأول هو تثبيت العقيدة؛ ثم تجيء الأحكام من بعد ذلك. وهناك فرق بين العقيدة وهي الأصل وبين الأحكام، وهي تحمل أسلوب الالتزام العقديّ، وكان الحكم في أمر العقيدة ملزماً ومستمراً. أما الأحكام مثل حكم الخمر فقد تدرج في تحريمها بما يتناسب مع إلْف الناس؛ واعتيادهم؛ فقلَّل الحق سبحانه زمن صُحْبة الخمر؛ ثم جاء التحريم والأمر بالاجتناب، وعدم القُرْب منها. والمثل في حياتنا؛ حيث نجد مَنْ يريد أن يمتنع عن التدخين

стр. 8522

وهو يُوسِّع من الفجوة الزمنية بين سيجارة وأخرى، إلى أن يقلع عنها بلطف، وينفيها من حياته تماماً. ونجد القرآن يقول في الخمر: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ... ﴾ [النحل: ٦٧] وهنا يمتنُّ الله عليهم بما رزقهم به؛ ولكن أهل الذَّوْق يلتفتون إلى أنه لم يَصِف الخمر بأنها من الرزق الحسن؛ ووصف البلح والعنب بأنه رزق حسن؛ لأن الإنسان يتناوله دون أن يفسده. وهكذا يلتفت أهل الذوق إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك، ثم يُنزِل الحق سبحانه عظة تقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ... ﴾ [البقرة: ٢١٩] وهكذا أوضح الحق سبحانه ميْل الخمر والميسر إلى الإثم أكثر من مَيْلهما إلى النفع، ثم جاء من بعد ذلك قوله بحكم مبدئي: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ... ﴾ [النساء: ٤٣] ومعنى ذلك أن تتباعد الفترات بين تناول الخمر، فلا يحتسي أحد الخمر طوال النهار وجزء من الليل، وفي ذلك تدريب على الابتعاد عن الخمر.

стр. 8523

ثم يأتي التحريم الكامل للخمر في قوله تعالى: ﴿ ... إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وهكذا أخذ الحكم بتحريم الخمر تدرّجه المناسب لعادات الناس، وتمَّ تحريم الخمر بهوادة وعلى مراحل. وهكذا نفهم النَّسْخ على أنه انتهاء الحكم السابق زمناً وبداية الحكم الجديد، وهذا يعني أن الحكم الأول لم يكن مُنْسحِباً على كل الزمن ثم أزلناه وجئنا بحكم آخر؛ ولكن توقيت الحكم الأول أزلاً قد انتهى؛ وبدأ الحكم الجديد. وهكذا لا يوجد مجال للاختلاف على معنى النسخ، ذلك أن الحق سبحانه أرجع المَحْو والإثبات إلى أم الكتاب؛ ففيها يتحدد ميعاد كل حكم وتوقيته؛ وميعاد مجيء الحكم التالي له. وما دام كل أمر مرسوم أزلاً؛ فعلى مَنْ يقولون أن البَدَاء محرم على الله أن ينتبهوا إلى أن هذا المحو والإثبات ليس بَداءً؛ لأن البداء يعني أن تفعل شيئاً، ثم يبدو لك فسادُه فتُغيِّره. والحق سبحانه لم يظهر له فساد ما أنزل من أحكام أو آيات؛ بل هو قدَّر كل شيء أزلاً في أم الكتاب، وجعل لكل حكم ميقاتاً وميلاداً ونهاية. ويصح أن يتسع معنى قول الحق سبحانه: ﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] ليشمل نسخ رسالة برسالة أخرى؛ فيكون قد محا شيئاً وأثبت

стр. 8524

شيئاً آخر، وكل شيء فيه تغيير إلى الخير ويصِحَ فيه المَحْو والإثبات، وهو من عند الرقيب العتيد: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] أي: أنه القادر على أن يأمر الرقيب العتيد بأن يُثبتا الواجبات والمحرمات، وأنْ يتركا الأمور المباحة، وهو القادر على أنْ يمحوَ ما يشاء من الذنوب، ويُثبت ما يشاء من التوبة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ ... ﴾

стр. 8525

هذه الآية تُحدِّد مهمة الرسول ﷺ َ في أن يُبلِّغ منهج الله، فمن شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر، إلا أن قول الحق سبحانه في رسوله ﷺ َ: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] جعله هذا القول متعلقاً بهداية قومه جميعاً، وكان يرجو أن يكون الكل مهتدياً؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله في موقع آخر:

стр. 8526

﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] أي: أنك لستَ مسئولاً عن إيمانهم، وعليك ألاَّ تحزن إنْ لم ينضمُّوا إلى الموكب الإيماني، وكُلُّ ما عليك أن تدعوهم وتُبلِّغهم ضرورة الإيمان؛ والحق سبحانه هو الذي سوف يحاسبهم إما في الدنيا بالمحو والإهاب، أو في الآخرة بأن يَلْقَوْا عذاب النار. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] فنحن نعلم أن كل دعوة من دعوات الخير تكبُر يوماً بعد يوم؛ ودعوات الشر تبهت يوماً بعد يوم. ومَنْ يدعو إلى الخير يُحِب ويتشوق أنْ يرى ثمار دعوته وقد أينعتْ، ولكن الأمر في بعض دعوات الخير قد يحتاج وَقْتاً يفوق عمر الداعي. ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ... ﴾ [الرعد: ٤٠] أي: اغرس الدعوة، ودَعْ مَنْ يقطف الثمرة إلى ما بعد ذلك، وأنت حين تتفرَّغ للغَرْس فقط؛ ستجد الخير والثمار تأتي حين يشاء الله؛ سواء شاء ذلك إبَّان حياتك أو من بعد موتك. وأنت إذا نظرتَ إلى الدعوات التي تستقبلها الحياة تجد أن لكل

стр. 8527

دعوة أنصاراً أو مؤيدين، وأن القائمين على تلك الدعوات قد تعجَّلوا الثمرة؛ مع أنهم لو تمهَّلوا ليقطفها مَنْ يأتي بعدهم لنَجحتْ تلك الدعوات. ونحن في الريف نرى الفلاح يغرس؛ ومن خلال غَرْسه نعرف مراداته، هل يعمل لنفسه، أو يعمل من أجل من يأتي بعده؟ فَمنْ يغرس قمحاً يحصد بسرعة تفوق سرعة مَنْ يغرس نخلة أو شجرة من المانجو، حيث لا تثمر النخلة أو شجرة المانجو إلا بعد سنين طويلة، تبلغ سبع سنوات في بعض الأحيان، وهذا يزرع ليؤدي لِمَنْ يجئ ما أداه له مَنْ ذهبَ. ونحن نأكل من تَمْرٍ زَرَعه لنا غيرنا مِمَّنْ ذهبوا، ولكنهم فكّروا فيمَنْ سيأتي من بعدهم، ومَنْ يفعل ذلك لابُدَّ وأن يكون عنده سِعَة في الأرض التي يزرعها؛ لأن مَنْ لا يملك سِعَة من الأرض فهو يفكر فقط فيمَنْ يعول وفي نفسه فقط؛ لذلك يزرع على قَدْر ما يمكن أن تعطيه الأرض الآن. أما مَنْ يملك سِعَة من الأرض وسِعَة في النفس؛ فهو مَنْ وضع في قلبه مسئولية الاهتمام بمَنْ سيأتون بعده. وأنْ يردّ الجميل الذي أسداه له مَنْ سبقوه، بأن يزرع لغيره ممَّنْ سيأتون من بعده. ودعوة محمد ﵊ ُ شِهدتْ له بأنه لم يبحثْ لنفسه عن ثمرة عاجلة؛ بل نجد الدعوة وهي تُقابل الصِّعاب تِلْو الصعاب، ويَلْقي ﷺ َ ما تلقَّى من العنت والإرهاق والجهد؛ بعد أنْ جهر بالدعوة في عشيرته الأقربين. ثم ظلَّتْ الدعوة تتسع في بعض العشائر والبطون إلى أن دالت

стр. 8528

عاصمة الكفر؛ وصارت مكة بيت الله الحرام كما شاء الله، وأسلمتْ الجزيرة كلها لمنهج الله، وأرسل ﷺ َ الكتب إلى الملوك والقياصرة، وكلها تتضمن قوله ﷺ َ «أسلم تسلم» . ودَلَّتْ هذه الكتب على أن الدعوة الإسلامية هي دعوة مُمتدَّة لكل الناس؛ تطبيقاً لِمَا قاله الحق لرسوله ﷺ َ أنه: «رسول للناس كافة» . قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ... ﴾ [سبأ: ٢٨] وفَهِم الناس الفَارِق بين رسالته ﷺ َ وبين كَافّة الرسالات السابقة، فإلى قوم عاد أرسل هوداً ﵇. يقول الحق سبحانه: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ... ﴾ [الأعراف: ٦٥] وقال عن أهل مَدْين: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ... ﴾ [الأعراف: ٨٥] وقال عن بَعْثة موسى: ﴿وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ ... ﴾ [آل عمران: ٤٩] وهكذا حدَّد الحق سبحانه زمان ومكان القوم في أيِّ رسالة سبقتْ رسالة محمد بن عبد الله ﷺ َ. لكن الأمر يختلف حين أرسل سبحانه محمداً ﷺ َ رسولاً وجعله للناس كَافَّة، فقد علم سبحانه أزلاً أن هذا هو الدين الخاتم؛ لذلك أرسل رسول الله إلى حُكَّام العالم المعاصرين له دعوةً لدخول الدين الخاتم.

стр. 8529

وقد ترك الرسول ﷺ َ تلك المهمة لمَنْ يخلفونه، ودعا ﷺ َ الجزيرة العربية تحت لواء «لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» بعد أن كانت قبائل متعددة. كل قبيلة كانت لا تُلزِم نفسها بعبادة إله القبيلة الأخرى؛ وكل قبيلة لا تلزم نفسها بتقنين القبيلة الأخرى، ولم يجمعهم أبداً شَمْل، ولا استيطانَ لهم إلا في بعض القُرَى، ذلك أن أغلبهم من البَدْو الرُّحَّل؛ كل واحد منهم يحمل بيته الخيمة على ظهر بعيره، ويمشي بحثاً عن الكلأ والماء لأغنامه وماشيته. فلم يكن عندهم انتماء وطني؛ فضلاً عن القبائل التي كانت تتقاتل فيما بينها في تارات عنيفة، وامتدت الحرب فيما بين بعض القبائل إلى أربعين عاماً في بعض الأحيان. استطاع ﷺ َ أن يُوظِّف ما كانوا عليه من تدريب وعَتَاد وعُدَّة لِنُصْرة دين الله؛ فحين إعداده للغزوات أو اختياره للسرايا كان يجد المقاتلين في كامل لياقتهم. وحين استدعاهم إلى الحرب لم يُجْر لهم تدريبات؛ فقد كان الكل مُدرَّباً على القتال. وهكذا صارتْ القبائل أمة واحدة بعد أن جمعهم محمد رسول الله ﷺ َ في وحدة التكامل العقدي تحت راية الإسلام، وهذه الأمة الأمية، قال فيها الحق سبحانه: ﴿هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ ... ﴾ [الجمعة: ٢]

стр. 8530

وكانت هذه الأمية شرفاً لهم كَيْلا يُقََال: إنهم أصحاب قَفْزة حضارية من أمة مُتمدينة. وكانت هذه الأمية مُلْفتة، لأن ما جاء في تلك الأمة من تشريعات وقفتْ أمامه الأمم الأُخرى إلى زماننا هذا باندهاش وتقدير. وشاء الحق سبحانه لهذه الأمة أن تحمِلَ رسالة السماء لكل الأرض، وبعد أن نزل قول الحق سبحانه: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ... ﴾ [المائدة: ٣] فَهِم بعض الناس أن الرسول ﷺ َ ينعِي نفسه لأمته. ومن بعد رحيله ﷺ َ إلى الرفيق الأعلى انساح صحابته بالدين الخاتم في الدنيا كلها، وخلال نصف قرن من الزمان صار للإسلام جناحان؛ جناح في الشرق، وجناح في الغرب. وهزم اكبر إمبراطوريتين متعاصرتين له؛ هما إمبراطورية فارس بحضارتها وإمبراطورية الروم. وكانت البلاد تتخطَّف الإسلامَ كمنهج حياة، حدث ذلك بعد أن حارب الإسلامُ الإمبراطوريتين في آنٍ واحد، وأقبل الناس على الإسلام لِيتحقَّقوا من معجزته التي لَمسُوها في خُلُق مَنْ سمِعوا القرآن وحَملوا رسالته؛ ثم في اكتشافهم لعدالة القرآن في إدارة حركة الحياة.

стр. 8531

وهكذا اكتشفوا أن معجزة الإسلام عقلية؛ وأن رسوله ﷺ َ هو الرسول الخاتم الذي لم يَأْتِ لهم بمعجزة حِسِّية، وإذا كان القرآن معجزة في اللغة للقوم الذين نزل فيهم رسول الله ﷺ َ؛ فالقرآن لِمَنْ لم يعرفوا لغة القرآن كان معجزة في العدالة والقيم النابعة منه. وكان الناس يندفعون إلى الإسلام بقوة دَفْع من المؤمنين به، وبقوة جَذْب من غير المؤمنين؛ حين يروْنَ ألاَّ فَرْق بين الأمير وأصغر فَرْد تحت رايته، وحين يلمسون عدالته ومساواته بين البشر. ولم يكن الإسلام معجزة لقومه فقط؛ بل لكل الدنيا، ويتحقق دائماً قول الحق سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ... ﴾ [فصلت: ٥٣] ونجد مُفكّراً كبيراً من الغرب المعاصر يعلن إسلامه، رغم أنه لم يقرأ القرآن؛ بل نظر فقط في المبادئ التي قَنَّنها الإسلام، وكيف تحمل حلولاً لِمَا عجزتْ عنه الحضارات المتعاقبة وأهل القوانين في كل بلاد الأرض. ويعرف أن تلك القوانين قد جاءتْ لرسول ينتمي لأمة لم تبرعْ إلا في البلاغة والأدب، وتضع تلك القوانين حلولاً لمشاكل تعاني منها الدنيا كلها. ورأينا كيف بحثَ رجل عن أعظم مائة في تاريخ البشرية، وكيف جعل محمداً ﷺ َ أولهم، وهذا الباحث لم يقرأ القرآن؛ ولكنه درسَ

стр. 8532

آثار تطبيق القرآن، وبعد أنْ يُعجبَ بالمنهج القرآني نجده يُعجب بالنص القرآني. والمثل: هو دراسة الألمان لعملية إدراكات الحِسِّ؛ وكيف يشعر الإنسان بالألم؟ وكيف يلمس الإنسان بِبَشْرته بملْمسٍ ناعم فيُسَرّ منه، ثم يلمس شيئاً خشناً فيتأذى منه. واستمر الألمان يدرسون ذلك لسنوات؛ كي يعرفوا مناطَ الإحساس وموقعه في الإنسان، هل هو في المُخِّ أم أين؛ إلى أن انتهوْا إلى منَاطَ الإحساس في كُلِّ إنسان هو في الجِلْد، وأنها خلايا مُنبسطة تحت الجِلْد مباشرة؛ بدليل أن الإبرة حين نغرزها في جسم الإنسان؛ فهو يتألم فقط في منطقة دخولها؛ وليس أكثر. ولفتَ ذلك نظر أحد العلماء؛ فقال: لقد تحدث القرآن عن ذلك حين قال: ﴿ ... كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء: ٥٦] ومن الأمثلة المعاصرة في العلوم الجنائية قصة شاب مسلم من سوهاج سافر إلى ألمانيا ليُعد رسالة الدكتوراه في القانون، ووجدهم

стр. 8533

يقفون عند قضية التعسُّف في استعمال الحق، ويعتبرونها من أهم الإنجازات القانونية في القرآن العشرين. فأوضح لهم هذا الشاب أن الإسلام قد سبقهم في تقدير هذه المسألة ووضع الحكم المناسب فيها من أربعة عشر قرناً من الزمان. «» وروى لهم أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ َ قائلاً: إن لفلان عندي في ساحة بيتي نخلة، وهو يدخل بيتي كل ساعة بحجة رعاية تلك النخلة؛ مرة بدعوى تأبيرها؛ وأخرى جَنْي ثمارها. وثالثة بدعوى الاطمئنان عليها حتى جعل النخلة شُغله الشاغل. وشكا الرجل للرسول ﷺ َ أنه يتأذى هو وأهل بيته من اقتحام الرجل للحياة الخاصة له، فأرسل ﷺ َ إلى صاحب النخلة وقال له: أنت بالخيار بين ثلاثة مواقف: إما أن تهبه النخلة وتلك منتهى الأريحية، وإما أنْ تبيعها له، وإما قطعناها «. وهكذا وضع ﷺ َ قواعد للتعامل فيما يسمى» التعسُّف في استعمال الحق «. وفي إنجلترا وجدوا أن القانون التجاري مليء بالثغرات، ومثال هذا أن التعامل في السوق قد يتطلب بعضاً من المرونة بين التجار؛ فهذا يرسل لذلك طالباً من الآخر ألفاً من الجنيهات؛ وفلان يردُّ ما أخذه أو يقايضه.

стр. 8534

واصطدم الواقع بأن بعض التجار لا يعترفون ببعض الديون التجارية التي عليهم، وقديماً كان إذا أراد تاجر أن يقترض من زميل له؛ فهو يكتب الدَّيْن في كمبيالة أو إيصال أمانة؛ وذلك لتوثيق الدَّيْن. ولكن الأمر اليومي في السوق قد يختلف؛ فهذا يحتاج نقوداً لأمر عاجل، وزميله يثق في قدرته على الردِّ والتسديد؛ لأنه قد يحتاج هو الآخر لنقود عاجلة، ويثق أن مَنْ يقرضه الآن، سيقرضه فيما بعد؛ ولذلك أنشأوا ما يُسمَّى بالدَّيْن التجاري، فيفتحون» دفتراً «يُسجِّلون في الديون التجارية؛ لتحكم الدفاتر فيما يعجز عن تذكّره الأشخاص. وذهب شاب مسلم لبعثة دراسية هناك؛ وأوضح لهم أن قضية الدّين أخذت اهتمام الإسلام؛ لدرجة أن أطول آية في القرآن هي الآية التي تحدد التعامل مع الديون؛ وأخذ يترجم لهم قول الحق سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن

стр. 8535

تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وأدنى أَلاَّ ترتابوا إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وظاهر الأمر أنه يحمي الدائن، ولكن الحقيقة أنه يحمي المدين أيضاً؛ لأن المدين إنْ علم أنَّ الدين مُوثَّق؛ فهو سيسعى جاهداً أن يؤديه في موعده، وأيضاً كي لا يأخذ النصَّابون فرصة للهرب من السداد، وبذلك حمى القرآنُ الدائن والمدين معاً كي لا تقف حركة التعامل بين الناس. ومع هذا فإنه لم يمنع الأريحية الإيمانية والمروءة أن تسلك طريقها في عالم الود والإخاء المؤمن؛ فإنْ كان لك قريب أو إنسان لك به صِلَة، وأنت تأمنه على ما اقترض منك؛ يقول لك الحق سبحانه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٣]

стр. 8536

وبهذا القول يشعر مَنْ يحمل أمانة من الغير بالخجل؛ فيعمل على رَدِّها. ثم يضيف الحق سبحانه: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهكذا جاء الإسلام بقوانين لا يمكن أن تخرج من أمة أُميِّة؛ لأنها قوانين تسبق العصور، وهي قوانين تنبع من دين سماوي خاتم. ولذلك عندما سألوني عن موقف الإسلام من التقدمية والرجعية، قلت لهم: إن القياس خاطئ؛ لأنك لن تستطيع أن تقيس فِكْر بشر بما أنزله رَبُّ كل البشر، وإذا كان العالم بشَرقْه وغَرْبه يهتدي إلى أيِّ خير تنتظم به حياته؛ ويجد جذوراً لذلك الخير في الإسلام؛ فهذا دليل على أن العالم يتجه إلى الوسطية. وكان المثل في الشيوعية التي قامت ثورتها الدموية في عام ١٩١٧؛ وقالوا: إنها مُقدّمة للشيوعية؛ وسقطتْ الشيوعية من بعد أن أصيب المجتمع الروسي بالتيبُّس والجمود، والخوف من أسلوب حُكْم الحزب الشيوعي. ونجد الرأسمالية الشرسة، وهي تُهذِّب من شراستها؛ وتعطي العامل حقَّه وتُؤمِّن عليه، وهكذا يتجه العالم إلى الوسطية التي دعا لها الإسلام. وقد نزل الإسلام من قِبَل عالمٍ عليمٍ بكل الأهواء وبكل المراحل.

стр. 8537

ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يُطمئِنُ رسوله ﷺ َ إنْ آذاه أحدٌ في المنهج الذي جاء به؛ لأنه ﷺ َ لم يكن لِيأبه بمَنْ يحاول أن يُؤذِيَه في شخصه، وكان ﷺ َ لا يغضب لنفسه؛ ولكن إنْ تعرَّض أحد للمنهج فغضبه ﷺ َ يظهر جلياً. ومَنْ وقفوا ضد الدين قابلهم الرسول ﷺ َ بالدعوة؛ فمَنْ آمن منهم نال حلاوة الإيمان؛ ومن لم يؤمن فقد توالتْ عليه المصائب من كل جانب، منهم مَنْ رأى النبي ﷺ َ مصارعه. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول لرسوله ﷺ َ: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢] أي: أنه جَلَّ وعلاَ إما أن يُلحِق رسوله بالرفيق الأعلى، وينتقم من الذين وقفوا ضده؛ أو يُريه عذابهم رَأْى العين. وكأن هذا القول هو الذي يشرح قوله سبحانه هنا: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] وعذاب الدنيا كما نؤمن مَهْما بلغ فلن يصلَ إلى مرتبة عذاب الآخرة. ويقول سبحانه من بعد ذلك:

стр. 8538

﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا ... ﴾

стр. 8539

و ﴿يَرَوْاْ﴾ هنا بمعنى «يعلموا» ، ولم يَقُلْ ذلك؛ لأن العلم قد يكون عِلْماً بغيب، ولكن «يروا» تعني أنهم قد علموا ما جاء بالآية عِلْم مشهد ورؤية واضحة، وليس مع العين أَيْن. وإذا جاء قول الحق سبحانه ليخبرنا بأمر حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل؛ ووجدنا فيه فعل الرؤية؛ فهذا يعني أننا يجب أن نؤمن به إيمان مَشْهدٍ، لأن قوله سبحانه أوثق من الرؤية، وعلمه أوثق من عينيك. وسبق أن قال الحق سبحانه لرسوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: ١] ونعلم أن النبي ﷺ َ قد وُلِد في عام الفيل، ولا يمكن أن يكون قد رأى ما حدث لأصحاب الفيل، ولكنه صَدَّق ما جاء به القول الحق وكأنه رؤيا مَشْهدية. وقال الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ... ﴾ [الفرقان: ٤٥]

стр. 8540

وحين يُعبِّر القرآن عن أمر غيبي يأتي بفعل «يرى» مثل قوله الحق: ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ... ﴾ [السجدة: ١٢] وحين يتكلم القرآن عن أمر معاصر يقول: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ ... ﴾ [الأنبياء: ٤٤] وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ... ﴾ [الرعد: ٤١] وهذا قول للحاضر المعاصر لهم. وتعريف الأرض هنا يجعلها مجهولة، لأننا حين نرغب في أن نُعرِّف الأرض؛ قد يتجه الفكر إلى الأرض التي نقف عليها؛ وبالمعنى الأوسع يتجه الفكر إلى الكرة الأرضية التي يعيش عليها كل البشر. وقد تُنسَبُ الأرض إلى بقعة خاصة وقع فيها حَدَثٌ ما؛ مثل قول الحق سبحانه عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض ... ﴾ [القصص: ٨١] ويقول الحق سبحانه عن الأرض كلها: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض ... ﴾ [النور: ٥٥]

стр. 8541

وبطبيعة الحال هم لن يأخذوا كل الأرض، ولكن ستكون لهم السيطرة عليها. وسبحانه يقول أيضاً: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله ... ﴾ [الأعراف: ٧٣] وهكذا نفهم أن كلمة «الأرض» تطلق على بُقعة لها حَدث خاص، أما إذا أُطلقتْ؛ فهي تعني كل الأرض، مثل قول الحق سبحانه: ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ومثل قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض ... ﴾ [الإسراء: ١٠٤] مع أنه قد قال لهم في آية أخرى: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ... ﴾ [المائدة: ٢١] فبعد أنْ حَدَّد لهم الأرض بموقع معين عاد فأطلق الكلمة، ليدل على أنه قد شاء ألاَّ يكون لهم وَطَن، وأنْ يظلُّوا مُبعْثرين، ذلك انهم رفضوا دخول الموقع الذي سبق وأنْ حَدَّده لهم وقالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ... ﴾ [المائدة: ٢٤]

стр. 8542

ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً ... ﴾ [الأعراف: ١٦٨] أي: جعلنا كل قطعة بما تحويه من تماسك متفرقة عن القطعة الأخرى، وهذا هو حال اليهود في العالم؛ حيث يُوجَدُونَ في أحياء خاصة بكل بلد من بلاد العالم؛ فلم يذوبوا في مجتمع ما. وقوله الحق هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ... ﴾ [الرعد: ٤١] مُوجَّه إلى قريش، فقد كانت لهم السيادة ومركزها مكة، ثم من بعد ذلك وجدوا أن الموقف يتغيَّر في كُلِّ يوم عن اليوم الآخَرِ؛ ففي كل يوم تذهب قبيلة إلى رسول الله ﷺ َ في المدينة لِتعلِنَ إسلامها وتبايعه. وهكذا تنقص أمام عيونهم دائرة الكفر، إلى أن أعلنوا هم أنفسهم دخولهم في الإسلام. وهكذا شاء الحق سبحانه أن نقصتْ أرض الكفر، وازدادتْ أرض الإيمان، ورَأَوْا ذلك بأنفسهم ولم يأخذوا عِبْرة بما رَأَوْه أمام أعينهم

стр. 8543

من أن الدعوة مُمْتدة، ولن تتراجع أبداً، حيث لا تزداد أرض إلا بمكين فيها. والمكين حين ينقص بموقعه من معسكر الكفر فهو يُزيد رُقْعة الإيمان؛ إلى أنْ جاء ما قال فيه الحق سبحانه: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر: ١ - ٣] وهناك أناس مُخْلِصون لدين الله، ويحاولون إثبات أن دين الله فيه أشياء تدلُّ على المعاني التي لم تُكتشَفْ بعد، فقالوا على سبيل المثال فَوْر صعود الإنسان إلى القمر: لقد أوضح الحق ذلك حين قال: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] وقالوا: إنه سلطان العلم. ولكن ماذا يقولون في قوله بعدها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] فهل يعني ذلك أنه أباح الصعود بسلطان العلم كما تقولون؟ ولهؤلاء نقول: نحن نشكر لكم محاولة رَبْطكم للظواهر العلمية بما جاء بالقرآن، ولكن أين القمر بالنسبة لأقطار السماوات

стр. 8544

والأرض؟ إنه يبدو كمكان صغير للغاية بالنسبة لهذا الكون المُتَّسع، فأين هو من النجم المسمَّى بالشِّعْري، أو بسلسلة الأجرام المُسمَّاة بالمرأة المُسلْسلَة؟ بل أين هو من المَجَرَّات التي تملأ الفضاء؟ وحين تنظر أنت إلى النجوم التي تعلوك تجد أن بينك وبينها مائة سنة ضوئية، ولو كنت تقصد أن تربط بين سلطان العلم وبين القرآن، فعليك أنْ تأخذ الاحتياط، لأنك لو كنت تنفذُ بسلطان العلم لما قال الحق سبحانه بعدها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ ... ﴾ [الرحمن: ٣٥] وإنْ سألتَ: وما فائدة الآية التي تحكي عن هذا السلطان؛ فهي قد جاءتْ لأن الرسول قد أخبر القوم أنه صعدَ إلى السماء وعُرِج به، أي: أنه صُعِد وعُرِج به بسلطان الله. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ... ﴾ [الرعد: ٤١] وكلمة «أطراف» تدلنا على أن لكل شيء طُولاً وعَرْضاً تتحدد به مساحته؛ وكذلك له ارتفاع ليتحدد حجمه. ونحن نعرف أن أيَّ طول له طرفان، وإنْ كان الشيء على شكل مساحي تكون أطرافه بعدد الأضلاع. ومادام الحق سبحانه يقول هنا:

стр. 8545

﴿مِنْ أَطْرَافِهَا ... ﴾ [الرعد: ٤١] أي: من كل نقطة من دائرة المحيط تعتبر طرفاً. ومعنى ذلك أنه سبحانه قد شاء أنْ تضيق أرض الكفار، وأنْ يُوسِّع أرض المؤمنين من كل جهة تحيط بمعسكر الكفر، وهذا القول يدل على أنه عملية مُحْدّثة، ولم تكن كذلك من قبل. ويتابع سبحانه من بعد ذلك: ﴿والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ... ﴾ [الرعد: ٤١] أي: أن الموضوع قد بُتَّ فيه وانتهى أمره. . ونحن في حياتنا اليومية نقول: «هذا الموضوع قد انتهى؛ لأن الرئيس الكبير قد عقَّب على الحكم فيه» . ونحن في القضاء نجد الحكم يصدر من محكمة الدرجة الابتدائية، ثم يأتي الاستئناف ليؤيد الحكم أو يرفضه، ولا يقال: إن الاستئناف قد عقَّب على الحكم الابتدائي؛ بل يُقال: إنه حكم بكذا إما تأييداً أو رَفْضاً؛ فما بالنا بحكم مَنْ لا يغفل ولا تخفى عنه خافية، ولا يمكن أن يُعقِّب أحد عليه؟ والمَثلُ في ذلك ما يقوله الحق سبحانه عن سليمان وداود ﵉: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم
следующие страницы →