← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

ونعلم أن اللغة بدأت توقيفية حين علَّمها الله لآدم، ثم تكلَّمها آدم فسمعتْها بيئته؛ فصارتْ وضعية من بعد ذلك، واختلفت اللغة من مجتمع إلى آخر. وهنا قال الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ... ﴾ [إبراهيم: ٤] . وجاء بعد ذلك مباشرة بالتعليل: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ... ﴾ [إبراهيم: ٤] . وهكذا أوضح جَلَّ وعلاَ السبب في إرسال كل رسول بلسان قومه، وهناك آية يقول فيها سبحانه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩] . وقال أيضاً: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ... ﴾ [فصلت: ٤٤] . فهناك مَنْ يستقبل القرآن كدليل هداية ويُنقِّي نفسه من الكَدَر، وهناك مَنْ يستقبل القرآن فيكون عليه عمى وعلى سمعه غِشَاوة وخوف وعدم ارتياح، ذلك أنه كافر.

стр. 8577

والسبب - كما نعلم - أن حدوث الحادث مِن آمرِ به يحتاج إلى فاعل وإلى قابل للفعل. وسبق أن ضربتُ مثلاً بمَنْ يشرب الشاي؛ فينفخ فيه ليُبرده قليلاً؛ ونفس هذا الإنسان حين يخرج في صباح شتوى فهو ينفخ في يديه لِيُدفئهما، وهكذا ينفخ مرة ليبرد شيئاً؛ وينفخ أخرى مُستدعياً الدفء. والمسألة ليستْ في أمر النفخ؛ ولكن في استقبال الشاي للهواء الخارج من فَمِك، الشاي أكثر حرارة من حرارة الجسم فيبرد بالنفخ، بينما اليد في الشتاء تكون أكثر برودة من الجسم؛ فتستقبل النفخ لها برفع درجة حرارتها لتتساوى مع حرارة الجسم. وهكذا تجد أن القرآن واحدٌ؛ لكن المؤمن يسمعه فيفرح به، والكافر يسمعه فيتعب ويرهق منه. وسبحانه يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً ... ﴾ [محمد: ١٦] . وهكذا نجد مَنْ يستقبل القرآن، ولا ينصاع إلى معانيه؛ ونجد مَن يستمع إلى القرآن فيخشع قلبه وينفعل بالاستجابة لِمَا يوُصي به الحق سبحانه. إذن: عرفنا الآن أن اللغة بدأتْ توقيفية وانتهتْ اصطلاحية؛ فقد أخذنا من الله ما علَّمه لآدم من أسماء؛ وتغيَّرت الألسن من جماعة

стр. 8578

إلى أخرى، وهكذا اختلفتْ ألسنة الرُّسُل حَسْب القوم المرسلين إليهم. وكل رسول يُبيِّن للقوم منهجَ الله؛ فإذا بيَّن هذا المنهج، استقبله البعض بالإيمان بما جاء به والهداية، واستقبله البعضُ الآخر بالكُفْر والضَّلال. فالذي هداه الله استشرف قلبُه إلى هذا المنهج؛ وأخرج من قلبه أيّ عقيدة أخرى، وبحثَ فيما جاء به الرسول، وملأ قلبه بالمنهج الذي ارتاح له فهماً وطمأنينة. وهو عكس مَنْ تسكن قلبه قضية مخالفة، ويُصرُّ عليها، لا عن قناعة، ولكن عن عدم قدرة على التمحيص والدراسةَ والاستشراف. وكان عليه أنْ يُخرِج القضية المُضِلة من قلبه، وأن يبحث ويقارن ويستشف ويُحسِن التدبر؛ ثم يُدخل إلى قلبه القضية الأكثر قبولاً، ولكنه لا يفعل، عكس مَنْ هداه الله. ولا يقولن أحد «ما دام قد أضلنا الله فلم يعذبنا؟» ولكن ليعلم كل إنسان أن المشيئة لقابلية الإيمان موجودة، ولكنه لم يَسْتدعها إلى قلبه. والحق سبحانه يقول: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ ... ﴾ [محمد: ١٧] . ويقول: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] .

стр. 8579

أي: أن الفسق قد صدر منهم، لأنهم ملأوا أفئدتهم بقضايا باطلة؛ فجاءت قضايا الحق فلم تجد مدخلاً. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: ﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ [إبراهيم: ٤] . فمَنْ يُقبِل على الضلال يزيده الله ضلالاً؛ فلن يزيد إيمانُه مُْلْكَ الله شيئاً، ومَنْ يؤمن فهو يضمن لنفسه سلامة الحياة وما بعد الموت؛ وهو في الحياة عنصر خَيْرٍ؛ وهو من بعد الموت يجد الحياة مع نِعَم المُنعِم سبحانه العزيز الذي لا يُغَلب؛ والحكيم الذي قَدَّر لكلِّ أمر ما يشاء. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ ... ﴾ .

стр. 8580

والآيات التي أرسلها الله مع - موسى ﵇ والمعجزات التي حدثت معه وبيَّنها وأظهرها لقومه كثيرة، ورسولنا ﷺ َ نزل ومعه معجزة واحدة وهي القرآن، أما بقية المعجزات الحسية التي حدثتْ مع رسول الله؛ فهي قد جاءت لتثبيت فؤاد المؤمنين برسالته،

стр. 8581

ولم يَبْقَ لها أثر من بعد ذلك إلا الذكرى النافعة التي يأتنس بها الصالحون من عباد الله. وكثرة المعجزات التي جاءت مع موسى ﵇ تبين أن القوم الذين أُرسل لهم قوم لَجج وجدل، وحين عَدَّد العلماء المعجزات التي جاءت مع موسى وجدها بعضٌ من العلماء تسع آيات؛ ووجدها غيرهم ثلاث عشرة معجزة؛ ووجدها بعضٌ ثالث أربع عشرة. وفي التحقيق لمعرفة تلك الآيات علينا أن نُفرِّق بين الآيات التي صدرت بالنسبة لفرعون؛ والآيات التي جاءتْ لبني إسرائيل. فالعصا التي انقلبت حيَّة تسعى، واليد التي تُضيء هي لفرعون، وعدَّد القرآن الآيات التي جاءت مع موسى لفرعون بتسع آيات، يقول الحق سبحانه: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ... ﴾ [النمل: ١٢] . ولم يكن موسى يطلب من فرعون أن يؤمن؛ فهو لم يُرْسَل لهدايته؛ ولكنه جاء ليُفحمه وليأخذ بني إسرائيل المُرْسَلُ إليهم، والآيات هي: العصا وَوَضْع اليد في الجيب لتخرج بيضاء، ونَقْص الأنفس والثمرات؛ والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم، هذه هي الآيات التسع الخاصة بفرعون. أما بقية الآيات التي جاء بها موسى ﵇ لبني إسرائيل فهي كثيرة مثل:

стр. 8582

﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ... ﴾ [الأعراف: ١٧١] . وأيضاً: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ... ﴾ [البقرة: ٥٧] . وكذلك قوله الحق: ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ... ﴾ [البقرة: ٥٧] . ولذلك أجمل الحق سبحانه الآيات التي جاءت مع موسى لقومه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله ... ﴾ [إبراهيم: ٥] . أي: أَعِدْ إلى بُؤْرة شعورهم ما كان في الحاشية؛ وأنْ يستدعوا من الذاكرة أيام الله، والمراد ما حدث في تلك الأيام، مثلما نقول نحن «يوم بدر» أو «يوم ذي قار» أو «السادس من أكتوبر» أو «العاشر من رمضان» .

стр. 8583

وهنا في القول الكريم إما أن يكون التذكير بتلك الأيام الخاصة بالوقائع التي حدثتْ للأقوام السابقين عليهم كقوم نوح وعاد وثمود، ذلك أن الحق سبحانه قد أعلمهم بقصص الأقوام السابقة عليهم؛ وما حدث من كل قوم تجاه الرسول المُرْسل إليه من الله. أو أن يكون التذكير بالأيام التي أنعم الله فيها على بني إسرائيل بنعمه، أو ابتلاهم فيها بما يُؤلِمهم؛ ذلك أن الحق سبحانه قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] . والصبَّار هو مَنْ يُكثِر الصبر على الأحداث؛ وهي كلمة تُوحيِ بأن هناك أحداثاً مؤلمة وقَعتْ، وتحتاج إلى الصبر عليها، كما تُوحِي كلمة «شكور» بحوادث منعمة تستحق الشكر. وهكذا نجد أن المؤمن يحتاج إلى أمرين؛ صَبْر على ما يُؤلِم، وشُكْر على ما يُرضي، وحين تجتمع هاتان الصفتان في مؤمن؛ يكون مُكتمِلَ الإيمان. وقد قال الحق سبحانه: إن تلك الآيات هي أدلة تُوضِّح الطريق أمام المؤمن، وتُعطي له العِبْرة، لأنه حين يعلم تاريخ الأقوام السابقة؛ ويجد أنَ مَنْ آمنَ منهم قد عانى من بعض الأحداث المؤلمة؛ لكنه نال رضا الله ونعمه؛ ومَنْ كفر منهم قد تمتع قليلاً، ثم تلَّقى نقمة الله وغضبه.

стр. 8584

هذا يُقبِل المؤمن على تحمُّل مَشَاقٍّ الإيمان؛ لأنه يثق في أن الحق سبحانه لا يُضِيع أجْر مؤمنٍ؛ ولا بُدَّ لموكب الإيمان أنْ ينتصر؛ ولذلك فالمؤمن يصبر على المحن، ويشكر على النِّعَم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا ... ﴾ .

стр. 8585

وهكذا نجد الحق سبحانه وقد جاء بنموذج من أيام معاناتهم من جبروت فرعون، وكيف خلَّصهم سبحانه من هذا الجبروت، وكان فرعون يُسلَّط عليهم أقسى ألوان العذاب، ف «سام» الشيء أي: طلبه؛ و «سام سوء العذاب» أي: طلب العذاب السيء. قد ذَبَّح فرعون أبناءهم الذكور، ولم يُذبِّح الإناث لتصبح النساء بلا عائل ويستبيحهُنَّ، وفي هذا نِكَاية شديدة.

стр. 8586

ووقف بعض المستشرقين عند هذه الآية، وقالوا: لقد تعرض القرآن من قبل لهذه الآية في سورة البقرة؛ حين قال: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] . فهل هذه الآية في سورة إبراهيم هي البليغة، أم الآية التي في سورة البقرة؛ خصوصاً وأن الفرق بينهما هو مجيء «الواو» كحرف عطف على ذبح الأبناء باستباحة النساء؟ وأضاف هذا المستشرق: ولسوف أتنازل عن النظر إلى ما جاء في سورة الأعراف حين قال القرآن: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٤١] . وبطبيعة الحال، فهذا المستشرق لم يأخذ فَهْم القرآن عن مَلَكةٍ عربية، ذلك أنه لو كان قد امتلك هذه القدرة على الفَهْم؛ لَعرفَ أن الكلام لم يصدر في الآيات عن مصدر واحد، بل صدر عن مصدرين. ففي آية سورة البقرة كان المصدر المتكلم هو الله سبحانه ولذلك قال: ﴿نَجَّيْنَاكُم ... ﴾ [البقرة: ٤٩] . ولكن المصدر المتكلم في سورة إبراهيم هو موسى ﵇؛ لم يَقًُلْ أنه هو الذي أنجاهم بل يُعدِّد النعم التي مَنَّ الله بها

стр. 8587

عليهم؛ ويمتنّ بها عليهم. وعِلَّة ذلك أن العظيم حين يمتنُّ على غيره لا يمتنُّ إلا بالعظائم، أما دون العظيم فقد يمتنُّ بما دون ذلك. وأسوق هذا المَثل لمزيد من الإيضاح لا للتشبيه؛ فسبحانه مُنزَّه عن التشبيه، وأقول: هَبْ أن إنساناً غنياً له أخ رقيق الحال، وقد يُمد الغنيُّ أخاه الفقير بأشياء كثيرة، وقد يعتني بأولاده؛ ويقوم برعايته ورعاية أولاده رعاية كاملة. ويأتي ابن الفقير ليقول لابن الغني: لماذا لا تسألون عنا؟ فيقول ابن الغني: ألم يَأْتِ أبي لك بهذا القلم وتلك البذلة، بالإضافة إلى الشقة التي تسكنون فيها؟ ولكن العَمَّ الغنيّ يكتفي بأنْ يقول: أنا أسأل عنكم، بدليل أنِّي أحضرت لكم الشقة التي تسكنون فيها. إذن: فالكبير حقاً هو الذي يذكر الأمور الكبيرة، أما الأقل فهو من يُعدِّد الأشياء. وهنا يصف الحق سبحانه سوْم العذاب وذَبْح الأبناء بالبلاء العظيم في قوله تعالى: ﴿ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٦] . وهكذا نرى مظهرية الخير التي مَنَّ الله بها عليهم، وهي الإنجاء من ذبح الأبناء واستباحة النساء؛ وكان ذلك نوعاً من مظهرية الشر. وهذا ابتلاء صعب.

стр. 8588

وسبق أنْ أوضحنا أنَّ البلاء يكون بالخير أو بالشر، فقد قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . فلا الخير دليلُ تكريم، ولا الشرَّ دليلُ إهانة؛ فهو القائل: ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦] . فالابتلاء في الأصل هو الامتحان؛ إما أنْ تنجحَ فيه أو ترسبَ؛ ولذلك فهو غَيْر مذموم إلا بالنتيجة التي يَؤُول إليها. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ ... ﴾ .

стр. 8589

ونلحظ أن الآية تبدأ بكلمة «تأذَّن» وكل المادة الألف والذال والنون مأخوذة من الأذن. والأذن آلة السماع، والأذان إعلام، وآذنهم أي أعلمهم. وتأذن أي: اعلم بتوكيد. وهكذا يكون معنى الآية: أني أعلِمكم بتوكيد من ربكم أنكم إنْ شكرتم ليزيدنكم من نعمه وعطائه؛ لأن

стр. 8590

الشكر دليلُ ارتباط بالواهب؛ وأنكم سلختم أنفسكم من الاعتزاز بما أوتيتم، وعلمتم أنه هو وحده الوهاب. والحق سبحانه هو مَنْ قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: ٦٧] . ولو كان الإنسان مربوطاً بالحق سبحانه؛ لما فصل الحقَّ عن نعمه؛ ولظل ذاكراً للحق الذي وهبه النِّعمَ. ولذلك أقول دائماً: إياك أن تشغلك النعمة عن المُنِعم؛ لأن النعمة موهوبة لك؛ وليستْ ذاتية فيك. وتأتي المقابلة من بعد ذلك مباشرة؛ فيقول: ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] . وهنا يثور سؤال: هل الذي لا يشكر نعم الله يكون كافراً؟ وهنا علينا أن نعلم أن هناك فارقاً بين الكفر والكفران، ولكن لفظ الكفر جاء هنا ليغلظ من معنى عدم الشكر، ولم يأت بكلمة كُفْران وجاء بقوله: ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] . والمثل في ذلك قول الحق سبحانه: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧] . ومَنْ لم يحج فهو عَاصٍ؛ وكأن الله يريد أن يُصعِّب عدم القيام

стр. 8591

بالحج. أو: أن الآية تريد حُكْمين: الحكم الأول: الإيمان بفرضية الحج؛ والثاني: القيام بالحج فعلاً. ذلك أن الحق سبحانه قد قال: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ... ﴾ [آل عمران: ٩٧] . فَمنْ يؤمن بأن هذا حُكْم صحيح واجب يؤمن به ولكنه لا يُنفِّذه؛ قد يدخل في المعصية؛ لأنه يستطيع أن يحُجَّ ولم يفعل. أما مَنْ يكفر بالحج نفسه وينكر القضية كلها؛ فهو كافر والعياذ بالله. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] . وهكذا جاء الكفر مقابل الشكر، ولا بُدَّ من عذاب للكفر؛ وعذابُ الله لا بُدَّ أن يكون شديداً؛ لأن العذاب يتناسب بقدرة المعذب، ولا أقدرَ من الله، ونعوذ به سبحانه من عذابه، فهو أمر لا يُطاَق ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ ... ﴾ .

стр. 8592

وقد قال موسى ذلك كي لا يظنّ ظَانٌّ من قومه أن الله في حاجة إلى شكرهم؛ وأنه سيعاقبهم بالعذاب إنْ كفروا بشكره؛ فأراد أنْ ينسخَ هذا الظنَّ من أذهان مَنْ يسمعونه.

стр. 8593

وأوضح لهم أن الحق سبحانه لن يزيده إيمانكم شيئاً؛ ولن يضيف هذا الإيمانُ منهم ومعهم أهل الأرض كلهم لِمُلْكه شيئاً؛ لأن مُلْك الله إنما أبرزه سبحانه بصفات الكمال فيه، وهو ناشيء عن كمال موجود. ولذلك يأتي قوله الحق: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ... ﴾ .

стр. 8594

وهذه الآية الكريمة أعطتْنا تفسيراً لقوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] . وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ... ﴾ [غافر: ٧٨] . ونعلم أن الحق سبحانه قد أوحى لموسى ﵇ أن

стр. 8595

يُبلغ قومه بقصص بعض من الأنبياء السابقين عليه. وهذا واضح في قوله الحق: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ... ﴾ [إبراهيم: ٩] . ويقول سبحانه عن القوم الذين جاءوا من بعد ذلك: ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات ... ﴾ [إبراهيم: ٩] . أي: أن الرسل قد حملوا منهج الله، وكذلك المعجزات الدالة على صدقهم لِمَنْ جاءوا من بعد ذلك. والبينات إما أن تكون المعجزات الدالة على صدقهم؛ أو: هي الآيات المُشْتملة على الأحكام الواضحة التي تُنظِّم حركة حياتهم لِتُسْعدهم. ولكن هل قَبِلَتْ تلك الأقوامُ تلك البيناتِ؟ لا، لأن الحق سبحانه يقول عنهم: ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ... ﴾ [إبراهيم: ٩] . وهكذا نرى أن الكافرين هم مَنْ وضعوا أيديهم على أفواههم، وإما أنهم عَضُّوا على الأيدي بالنواجذ لأنهم لم يُطِيقوا تطبيق منهج الله؛ ولم يستطيعوا التحكُّم في أنفسهم. أو: أنهم رَدُّوا أيديهم إلى أفواههم بمعنى أن قالوا للرسل: «هس» ، أصمتوا ولا تتكلموا بما جِئْتم به من بلاغ. أو: أن بعضهم قال للرسل «لا فائدة من كلامكم في هؤلاء» .

стр. 8596

والثراء في القرآن يتحمّل كل هذه المعاني؛ والآية تتسِق فيها كل تلك المعاني؛ فالعبارة الواحدة في القرآن تكون شاملة لخيرات تناسب كمالات الله، وستظل كمالات القرآن موجودة يظهر بعضها لنا؛ وقد لا ندرك البعض الآخر إلى أن يُعلِمنا بها الله يوم القيامة. ويأتي قولهم: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ... ﴾ [إبراهيم: ٩] . ليكشف لنا غباءهم، فَهُمْ يعترفون بأن هؤلاء رسل من السماء، وفي نفس الوقت يُنكِرون المنهج، ويُعلنون هذا الإنكار، يكشف لنا ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] . أي: أنهم أعلنوا رأيهم في المنهج، وقالوا: إنهم مُحيَّرون ويشكُّون في هذا المنهج. ويأتي القرآن بردِّ الرسل في قول الحق سبحانه: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ ... ﴾ .

стр. 8597

وقوله: ﴿أَفِي الله شَكٌّ ... ﴾ [إبراهيم: ١٠] هو لوْن من الخطاب الذي لا يترك لمَنْ توجه إليه الكلام أنْ يُجيب إلا كما تريد أنت. وأنت لا تفعل ذلك إلا إذا كُنْتَ واثقاً من أن مَنْ تُوجَّه إليه الكلام سيجيب - إنِ استحضرَ الحق في ذهنه - كما تريد أنت. ولذلك لم يَأْتِ الخطاب هنا بقوله «لا شك في الله» وبذلك يكون الكلام خبرياً، وقد يقول واحد: إن هذا الكلام كاذب، ولكن على الرغم من أن المستمعين من الكفار، إلا أنه يأتي بالقضية في شكل تساؤل يستأمنهم على أنهم سوف يُديرون الكلام في رؤوسهم، وسيعثرون على الإجابة التي لا يمكن أنْ ينكرونها؛ وهي «ليس في الله شك» . وهكذا نجد أن القائل قد سكتَ عن إعلانهم الكفرَ أولاً؛ وجاء لهم بالتساؤل الذي سيجيبون عليه «ليس في الله شك» ، ويأتي لهم بالدليل الذي لا يحتمل أيَّ شكٍّ، وهو قوله الحق: ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض ... ﴾ [إبراهيم: ١٠] . والفاطر هو الذي خلق خَلْقاً على غير مثال سابق، مثلها مثل قوله الحق: ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض ... ﴾ [البقرة: ١١٧] . فلا أحدَ قادرٌ على أن يخلقَ مثل السماوات والأرض؛ وهي مخلوقة على غير مثال سابق. وسبحانه هو مَنْ شاء أن يكون

стр. 8598

الإنسان سيداً لكل الكائنات المخلوقة، وأن تكون تلك الكائنات مُسخّرة لخدمته. وقد يتخيل الإنسان أن خَلْقه أكبر من خَلْق السماوات والأرض؛ لذلك يُنبِّهه الحق سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ... ﴾ [غافر: ٥٧] . ولو نظرت إلى الشمس وسألتَ نفسك؛ كم من الأجيال قد استمتعوا بدفْئها واستفادوا منها؛ فمن المؤكَّد أنك لن تعرف عدد الأجيال؛ لأن الشمس مخلوقة من قَبْل خَلْق البشر، وكل إنسان يستمتع بالشمس ويستفيد منها عدد سنوات حياته، ثم يذهب إلى الموت. ونجد المفسر الجليل الفخر الرازي يضرب المَثل الذي لا يمكن أن يُنكِره أحد، ويدلُّ على الفطرة في الإيمان، ويُوضِّح أن الحق سبحانه لم يُمهل الإنسان إلى أنْ ينضجَ عقله ليشعر بضرورة الإيمان، ويضرب المثل بطفل صغير تسلَّل، وضرب شقيقه؛ هنا لا بُدَّ أن يلتفتَ الشقيق ليكتشف مَنِ الذي ضربه؛ لأن الإنسان من البداية يعلم أنْ لا شيءَ يحدث إلا وله فاعل. وهَبْ أن طفلاً جاء ليجد شقيقه جالساً على كرسي، وهو يريد

стр. 8599

أن يجلس على نفس الكرسي؛ هنا سيقوم الطفل بشدِّ وجَذْب أخيه من على الكرسي ليجلس هو، وكأنه اكتشف بالفطرة أن اثنين لا يمكن أن يستوعبهما حَيِّز واحد. وهكذا يتوصل الإنسان بالفطرة إلى معرفة أن هناك خالقاً أوحد. وهكذا نجد قوله الحق: ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض ... ﴾ [إبراهيم: ١٠] . هو الآية الكونية الواسعة. ويأتي من بعد ذلك بالقول: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ. . .﴾ [إبراهيم: ١٠] . وهذا القول يدل على الرحمة والحكمة والقدرة والحنان؛ وهو هنا يقول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] . ولم يَقُلْ: يغفر لكم ذنوبكم؛ ذلك أنه يخاطب الكفار؛ بينما يقول سبحانه حين يخاطب المؤمنين: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] . وهكذا لا يساوي الحقُّ سبحانه في خطابه بين المؤمنين والكافرين.

стр. 8600

أو: أن المقصود من قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ... ﴾ [إبراهيم: ١٠] . هو غفران الكبائر: ذلك أن صغائر الذنوب إنما يغفرها أداء الفرائض والعبادات؛ فنحن نعلم أن الرسول ﷺ َ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر» . ويتابع سبحانه: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ... ﴾ [إبراهيم: ١٠] . وكلنا نعرف أن الأجل هو الزمن المضروب والمُقرر للحدثِ. وإن شاء الحق سبحانه الإبادة فنجد ما يدل عليه قوله الحق: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: ٨١] . كما فعل مع قارون. أو: أن قوله: ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ... ﴾ [إبراهيم: ١٠] مقصود به يوم القيامة. ولكن الكفار أهل لَدَد وعناد، لذلك نجد قولهم:

стр. 8601

﴿قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] . وهكذا يعلن أهل الكفر لرسلهم أنهم يُفضِّلون أن يكونوا أهل تقليد للآباء، ولو أنهم فكَّروا لَعِلموا أن التقليد لو شاع في المجتمعات لَما ارتقى أحدٌ عن آبائه وأجداده، فالعالم يتطور من تمرُّد جيل على جيل سابق، فلماذا يُصِرّ هؤلاء الكافرون على أن يحتفظوا بتقليد الآباء والأجداد؟ وإذا كان الأبناء يتطورون في كل شيء، فلماذا يحتفظ هؤلاء الكفار بتقليد الآباء في العقائد؟ ولا يكتفي أهل الكُفْر بذلك، بل يطلبون أن يأتيَ لهم الرسل بسلطان مبين، والسلطان يُطلق مرَّة على القهر على الفعل، ويكون الفاعل المقهور كارهاً للفعل. ومرّة يطلق على الحجة التي تُقنع بالفعل، ويكون الفاعل مُحِباً لما يَقْدُم عليه، والدين لا يمكن أن ينتشر قهراً؛ بل لا بُدَّ أن يُقبل الإنسان على الدين بقلبه، وذلك لا يأتي قهراً. لذلك نجد القول الحق: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ... ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . وما دام الرُّشدْ قد ظهر فالإكراه لا مجالَ له؛ لأن الذي يُكْره على شيء لا يمكن له أن يعتنق ما يُكره عليه. وإذا ما دخل الإنسان الدين فعليه أن يلتزَم بما يُكلِّف به الدين؛

стр. 8602

ولذلك فالإنسان لا يمكن أن يدخل إلى الدين مُكْرهاً، بل، لا بُدَّ أن يدخله على بصيرة. ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بما قاله الرسل رداً على قَوْل أهل الكفر: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ ... ﴾ .

стр. 8603

وهكذا أوضح الرسل لأقوامهم: نحن بشر مثلكم، والسلطان الذي نملكه هو المعجزة التي اختص بها الحق سبحانه كُلَّ رسول، والحق سبحانه هو الذي يتفضَّل على عباده؛ فيختار منهم الرسول المناسب لكل قوم؛ ويرسل معه المعجزة الدالة على تلك الرسالة؛ ويقوم الرسول بتبليغ كل ما يأمر به الله. وكل رسول إنما يفعل ذلك ويُقبِل عليه بكل الثقة في أن الحق سبحانه لن يخذله وسينصره؛ فسبحانه هو القائل: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧٣] . ويخبرنا سبحانه بطمأنة الرسول ومَنْ معه لحظةَ أن تزلزلهم

стр. 8604

جِسَام الأحداث؛ وتبلغ قلوبهم الحناجر، ويتساءلون: ﴿متى نَصْرُ الله ... ﴾ [البقرة: ٢١٤] . فتأتي أخبار نَصرْ الحق سبحانه لرسله السابقين لطمأنه المؤمنين، ونجد الحق سبحانه هنا يقول: ﴿وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ [إبراهيم: ١١] . هكذا أعلن كل رسول لِمَنْ آمن به من قومه، فعلَى الله وحده يتوكَّل المؤمنون، ويُفوَّضون كل أمورهم إليه وحده؛ صَبْراً على معاندة الكافرين، وثِقةً في أنه سبحانه ينصر مَنْ أبلغوا رسالته ومنهجه، وينصر معهم مَنْ آمنوا بالمنهج والرسالة. وينقل لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الرسل لأقوامهم: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله ... ﴾ .

стр. 8605

ونلحظ أن الحق سبحانه قد وصف المُتوكِّلين في نهاية الآية السابقة بأنهم المؤمنون؛ وهنا يَصفُهم في نهاية هذه الآية بأنهم المتوكِّلون؛ لأن صفة الإيمان تدخل في صفة التوكل ضِمنْاً. ونعلم أن هناك فارقاً بين التوكل والتواكل؛ فالتوكل يعني أن تستنفد أسباب الله المَمْدودة؛ لأن التوكل عمل القلوب؛ بعد أن تُؤدِّي الجوارحُ ما عليها من عمل وأخْذ بالأسباب؛ فالجوارح تعمل والقلوب هي التي تتوكل.

стр. 8606

ويأتي لنا الحق سبحانه ببقية الحوار بين الذين كفروا من أهل الأقوام السابقة وبين رسلهم، فيقول: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ ... ﴾ .

стр. 8607

وهكذا نرى أن فاشية الخير حين فَشَتْ في الناس؛ يغضب منها المستفيدون من الفساد والذين يعيشون عليه؛ ويتجه تفكير المفسدين إلى ضرورة إخراج خمائر الخير من الأرض التي يعيش المفسدون على الاستفادة من أهلها. وإنْ عَزَّتْ الأرض على خمائر الخير، فعليهم أن يعلنوا عودتهم إلى ديانة الكافرين. ولا يقال: عُدْت إلى الشيء إلا إذا كنتُ في الشيء ثم خرجتُ عنه وعُدْتُ إليه. هل كان الرسل الذين يُهدِّدهم أهل الكفر بالإخراج من البلاد؛ يقبلون العودة إلى ديانة الكفر؟ طبعاً لا؛ ولذلك نفهم من قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ... ﴾ [إبراهيم: ١٣] . بمعنى «أو لتصيرن في ملتنا» . ولم يقبل الرسل تلك المُساوَمة؛ ذلك أن الحق يُنزِل جنود التثبيت والطمأنينة والسكينة على قلوب رُسُله والمؤمنين؛

стр. 8608

فلا يتأثر الرسل ومَنْ معهم بمثل هذا الكلام. وهذا ما يُعبِّر عنه قَوْل الحق سبحانه في آخر الآية: ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين﴾ [إبراهيم: ١٣] . وهكذا يأتي القانون السماوي بالعدل وهو إهلاك الظالمين، وتلك قضية إيمانية باقية ودائمة أبداً. ويكمل الحق سبحانه وعده لرسله ومَنْ معهم من المؤمنين: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن ... .﴾ .

стр. 8609

وهنا يؤكد الحق سبحانه أن مَنْ يثبت على الإيمان، ويخاف مَقَام الحق سبحانه، ويخشى يوم العَرْض على الحق ويوم الحساب؛ ولم ينكص عن منهج دعوة الحق؛ سيُورثه الحق سبحانه أرض مَنْ كفر بالله؛ فتلك سنة الله؛ لأنه سبحانه قال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا. .﴾ [الأحزاب: ٢٧] . ونعلم أن مَنْ يخاف الله ويخشاه ويؤمن أنه قائم على كُلِّ نفس؛ فسبحانه يجزي مَنْ يعيش حياته في ضَوْء الإيمان بأن يُورِثه أرضَ مَنْ كفر، وقد قال الحق سبحانه لرسوله:

стр. 8610

﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا. .﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿واستفتحوا ... ﴾ .

стр. 8611

و «استفتح» تعني طلب الفتح، وهناك فتح، واستفتح. وكلمة «فتح» تدل على أن شيئاً مُغْلقاً ينفتح، ومرّة يكون المقصود بالكلمة أمراً حسياً؛ وأحياناً يكون الأمر معنوياً، ومرة ثالثة يكون الفتح بمعنى الفصْل والحُكْم. والمثل على الأمر الحِسيّ قول الحق سبحانه: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ... ﴾ [يوسف: ٦٥] . ومرَّة يكون الفَتْح معنوياً؛ وبمعنى سابقة الخير والعلم، كقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ [البقرة: ٧٦] .

стр. 8612

وكذلك قول الحق سبحانه: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ... ﴾ [فاطر: ٢] . أما المَثل على الفَتْح بمعنى الفَصْل في الأمر، فالمثل هو قول الحق سبحانه: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين﴾ [الأعراف: ٨٩] وهكذا نجد للفتْح معاني متعددة، وكلها تدور حول المغاليق هي تٌفَضّ، ويُطلَق الفتح آخر الأمر على النصر، والمثل هو قول الحق سبحانه: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] . وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] . وهم طلبوا الفتح بمعنى طلبوا النصر، وكانت تلك خيبةً من الكفار؛ فَهُمْ طلبوا الفتح أي النصر؛ وهم قد فعلوا ذلك مظنّة أن عندهم ما ينصرهم. وكيف ينصرهم الله وهم كافرون؟ لذلك يُخيِّب الله ظنهم ويحكم عليهم بمصير كل مَنْ عاش جباراً في الأرض، متكبراً عن عبادة ربه.

стр. 8613

ويقول سبحانه: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] . والجبار هو مَنْ يقهر الناس على ما يريده؛ والمقصود هنا هم المُتكبِّرون عن عبادة الحق ، ويعاندون في مسألة الإيمان به سبحانه. وماذا ينتظرهم من بعد ذلك؟ يقول الحق سبحانه: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ... ﴾ .

стр. 8614

أي: من خلف الجبار المُتعنِّت بالكفر جهنمُ، وما فيها من عذاب. وفي العامية نسمع مَنْ يتوعد آخر ويقول له «وراك ... وراك» ويعني بذلك أنه سيُوقع به أذىً لم يَأتِ أوانه بَعْد. وكلمة «وراء» في اللغة لها استخدامات متعددة؛ فمرَّة تأتي بمعنى «بَعْد» والمثل في قوله تعالى عن امرأة إبراهيم ﵇: ﴿وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] .

стр. 8615

أي: جاء يعقوب من بعد إسحق. ومرّة تُطلق «وراء» بمعنى «غير» مثل قول الحق سبحانه: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولئك هُمُ العادون﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧] . وهنا يقول الحق سبحانهك ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ... ﴾ [إبراهيم: ١٦] . ونعلم أن جهنم ستأتي مستقبلاً، أي: أنها أمامه، ولكنها تنتظره؛ وتلاحقه. ويتابع الحق سبحانه: ﴿ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] . والصديد هو الماء الرقيق الذي يخرج من الجُرْح، وهو القَيْح الذي يسيل من أجساد أهل النار حين تُشْوى جلودهم. ولنا أن نتصورَ حجم الألم حين يحتاج أحدهم أن يشرب؛ فيُقدَّم له الصديد الناتج من حَرْق جلده وجُلُود أمثاله. والصديد أمر يُتأفَّفُ من رؤيته؛ فما باَلُنا وهو يشربه، والعياذ بالله. ويقول الحق سبحانه متابعاً لِمَا ينتظر الواحد من هؤلاء حين يشرب الصديد:
следующие страницы →