Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.
стр. 8786
﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ ... ﴾
стр. 8787
ولو كان لمكرهم مفعولٌ أو فائدة لَمَا قال الحق سبحانه أن وعده لرسله لن يُخْلفَ، ولكن مكرَهم فاسدٌ من أوله وبلا مفعول، وسبحانه هو القائل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] .
إذن: فوَعْد الله لرُسله لا يمكن أن يُخْلفَ.
الوعود في القرآن كثيرة؛ فهناك وَعْد الشيطان لأوليائه، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً ... ﴾ [البقرة: ١٦٨]
وهناك وَعْد من الله للمؤمنين: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض ... ﴾ [النور: ٥٥] .
стр. 8788
فإذا كان الحق سبحانه لا يُخلِف وَعْده لأتباع الرسول؛ أيُخلِف وَعْده للرسول؟
طبعاً لا؛ لأن الوعد على إطلاقه من الله؛ مُوفّى؛ فكيف إذا كان للرسل وللمؤمنين؟ يقول الحق : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ [غافر: ٥١] والنصر يقتضي هزيمة المقابل، ويحتاج النصر لصفة تناسبه؛ والصفة المناسبة هي صدوره من عزيز لا يُغلب؛ والهزيمة لمن كفروا تحتاج إلى صفة؛ والصفة المناسبة هي تحقُّق الهزيمة بأمر مُنتقِم جبّار.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض ... ﴾ .
стр. 8789
ويُخوّفهم الحق سبحانه هنا من يوم القيامة بعد أن صَوّر لهم ما سوف يدّعونه، بأن يُؤخّر الحق حسابهم، وأنْ يُعيدهم إلى الدنيا لعلّهم يعملون عملاً صالحاً، ويجيبوا دعوة الرسل.
ويوضح سبحانه هنا أن الكون الذي خلقه الله سبحانه، وطرأ
стр. 8790
عليه آدم وخلفتْه من بعده ذريته؛ قد أعدّه سبحانه وسخَّره في خدمة آدم وذريته من بعده؛ وهم يعيشون في الكون بأسباب الله المَمْدودة في أنفسهم، والمنثورة في هذا الكون لكل مخلوق لله، مؤمنهم وكافرهم؛ فمَنْ يأخذ بتلك الأسباب هو مَنْ يغلب.
وسبحانه القائل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
وهكذا شاء الله أنْ يهبَ عباده الارتقاء في الدنيا بالأسباب؛ أما حياة الآخرة فنحن نحياها بالمُسبِّب؛ وبمجرد أنْ تخطرَ على بال المؤمن رغبةٌ في شيء يجده قد تحقق.
وهذا أمر لا يحتاج إلى أرض قَدَّر فيها الحق أقواتها، وجعل فيها رواسي؛ وأنزل عليها من السماء ماء، إذن: فهي أرض غير الأرض؛ وسماء غير السماء؛ لأن الأرض التي نعرفها هي أرض أسباب؛ والسماء التي نعرفها هي سماء أسباب.
وفي جنة الآخرة لا أسبابَ هناك؛ لذلك لا بُدّ أن تتبدَّل الأرض، وكذلك السماء.
وقوله الحق:
﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
فهو يعني ألا يكون هناك أحد معهم سوِى ربهم؛ لأن البروز هو الخروج والمواجهة.
стр. 8791
والمؤمن وجد ربه إيماناً بالغيب في دُنْياه؛ وهو مؤمن به وبكل ما جاء عنه؛ كقيام الساعة، ووجود الجنة والنار.
وكلنا يذكر «حديث رسول الله ﷺ َ مع أحد أصحابه حين سأله الرسول ﷺ َ: كيف أصبحتَ؟ فقال الصحابي: أصبحت مؤمناً بالله حقاً. فقال له الرسول ﷺ َ: لكل حق حقيقة؛ فما حقيقة إيمانك؟ قال الصحابي: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها - أي: تساوي الذهب بالتراب - وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون. فقال له الرسول الكريم ﷺ َ:» عرفت فالزم «.
هذا هو حال المؤمن، أما الكافر فحاله مختلف. فهو يبرز ليجد الله الذي أنكره، وهي مواجهة لم يَكُنْ ينتظرها، ولذلك قال الحق سبحانه في وَصْف ذاته هنا:
﴿الواحد الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
وليس هناك إله آخر سيقول له» اتركهم من أجل خاطري «.
وفي آية أخرى يقول عن هؤلاء: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ ... ﴾ [النور: ٣٩] .
стр. 8792
أي: أنه يُفَاجأ بمثل هذا الموقف الذي لم يستعِد له.
وقوله:
﴿الواحد الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
أي: القادر على قَهْر المخلوق على غير مُرَاده.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَتَرَى المجرمين ... .﴾ .
стр. 8793
والمجرم هو مَن ارتكب ذنباً، وهو هنا مَنِ ارتكب ذنب القِمّة. وهو الكفر بالله، ومن بعده َمَنِ ارتكب الذنوب اليت دون الكفر، وتراهم جميعاً مجموعين بعضهم مع بعض في «قرنٍ» وهو الحبل أو الَيْد الذي يُقيَّدون.
والأصفاد جمع صَفَد، وهو القيد الذي يوضع في الرِّجلْ؛ وهو مِثْل الخُلْخال؛ وهناك مَنْ يُقيّدون في الأصفاد أي: من أرجلهم، وهناك مَنْ يقيد بالأغلال. أي: أنْ توضع أيديهم في سلاسل، وتُعلَّق تلك السلاسل في رقابهم أيضاً.
وكلُّ أصحاب جريمة مُعيّنة يجمعهم رباط واحد، ذلك أن أهل كل جريمة تجمعهم أثناء الحياة الدنيا - في الغالب - مودَّة وتعاطف، أما هنا فسنجدهم متنافرين، وعلى عداء، ويلعن كل منهم الآخر؛ وكل
стр. 8794
منهم يناكف الآخر ويضايقه، ويعلن ضِيقة منه، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] .
وكأن كلاً منهم يُعذّب الآخر من قبل أنْ يذوقوا جميعاً العذاب الكبير.
ولذلك نجدهم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين﴾ [فصلت: ٢٩] .
ويقولون: ﴿رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨] .
ويستكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء المُذْنبين: فيقول: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ... .﴾ .
стр. 8795
و «السرابيل» جمع «سِرْبال» وهو ما يلي الجسد، وهو ما نسميه في عصرنا «قميص» . وإذا كان السِّرْبال من قطران؛ فهو أسود لاذع نتن الرائحة سريع الاشتعال؛ وتلك صفات القطران، وهو شيء يسيل من بعض أشجار البادية وتلك صفاته، وهم يستخدمونه لعلاج الجمال من الجرب.
وعادة يضرب الحق سبحانه المثل من الصورة القريبة إلى الذِّهن من التي يراها العربي في بيئته.
ويقول عنهم الحق سبحانه أيضاً:
﴿وتغشى وُجُوهَهُمُ النار﴾ [إبراهيم: ٥٠] .
والإنسان إذا ما تعرّض لأمر يصيبه بالعطب، فأوَّل ما يحاول الحفاظ عليه هو وجهه، ذلك أن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان، فما بالنا حين تغشى وجوه الكفرةِ النارُ؟ إن مجرد تخيُّل ذلك أمر مؤلم.
وسبحانه يقول في آية اخرى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة ... ﴾ [الزمر: ٢٤] .
وكأن الواحد منهم من فَرْط شدة العذاب يحاول أن يدفَع هذا العذاب بوجهه، وهكذا نجد أحاسيسَ شتَّى لهذا العذاب؛ وهو مُؤلِم أشدّ الألم.
ويقول سبحانه في موقع آخر: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ ... ﴾ [القمر: ٤٨] .
стр. 8796
وهكذا نجد أن الوجه قد جاء في أكثر من صورة؛ من صور هذا العذاب.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ ... ﴾ .
стр. 8797
والجزاء أمر طبيعي في الوجود، وحتى الذين لا يؤمنون بإله؛ ويديرون حركة حياتهم بتقنينات من عندهم قد وضعوا لأنفسهم قوانين جزاء تحدد كل جريمة والعقاب المناسب لها.
وبطبيعة الحال لا يكون أمراً غريباً أن يضع خالق الكون نظاماً للجزاء ثواباً وعقاباً، ولو لم يَضَعْ الحق سبحانه نظاماً للجزاء بالثواب والعقاب؛ لَنالَ كل مُفسدِ بُغْيته من فساده؛ ولأحسّ أهل القيم أنهم قد خُدِعُوا في هذه الحياة.
وما دام الجزاء أمراً طبيعياً؛ فلا ظُلْم فيه إذن؛ لأنه صادر عَمَّنْ قال: ﴿لاَ ظُلْمَ اليوم ... ﴾ [غافر: ١٧] .
ولا يجازي الحق سبحانه الجزاء العنيف إلا على الجريمة العنيفة:
وقوله سبحانه:
стр. 8798
﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ... ﴾ [إبراهيم: ٥١] .
يعني أن المؤمن أو الكافر سَيلْقي جزاء ما فعل؛ إنْ ثواباً أو عقاباً.
والكسب - كما نعلم - هو أن تأخذ زائداً عن الأصل، فأنت حين تحرم نفسك من شيء في الدنيا؛ ستأخذ جزاء هو الثواب وما يزيد عن الأصل.
ومَنْ كسب سيئة سيأخذ عقاباً عليها، ويُقَال «كسب السيئة» ولا يقال «اكتسبها» ذلك أن ارتكابه للسيئة صار دُرْبة سلوكية؛ ويفرح بارتكابها، ولا بُدَّ إذن من الجزاء؛ والجزاء يحتاج حساباً، والحساب يحتاج ميزاناً.
وقد يقول المؤمن: إنِّي أُصدِّق ربي، ولن يظلم ربِّي أحداً. ونقول: إن المقصود بالميزان هو إقامة الحجة؛ ولذلك نجده سبحانه يقول: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦ - ٧] .
ويقول أيضاً: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨ - ٩] .
ونجد القسمة العقلية في الميزان واضحة فهي مرة «ثَقُلَت»
стр. 8799
ومرة «خَفّت» . أما مَنْ تساوت كِفَّتا ميزانه؛ فَفَسرت حالته سورة الأعراف التي قال فيها الحق سبحانه: ﴿وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ... ﴾ [الأعراف: ٤٦] .
وما دام الحق سبحانه سيحاسب كل نَفْس بما كسبتْ؛ فقد يظنُّ البعض أن ذلك سيستغرق وقتاً؛ ولذلك يتابع سبحانه:
﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ [إبراهيم: ٥١] .
ليبين لنا أنه سبحانه سُيحاسِب كل الخَلْق من لَدُن آدم إلى أنْ تقومَ الساعة بسرعة تناسب قدرته المطلقة.
وحين سأل الناسُ الإمام - علياً - كرَّم الله وجهه -: كيف سيحاسب الله الخلق كلهم دفعة واحدة؟ أجاب الإجابة الدَّالة الشافية، وقال: «كما يرزقهم جميعاً» .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ ... .﴾ .
стр. 8800
وهذه الآية هي مِسْك الختام لسورة إبراهيم، ذلك أنها ركَّزَتْ الدعوة؛ بلاغاً صدر عن الله ليبلغه لرسوله الذي أُيِّد بالمعجزة؛ لِيحمِلَ منهج الحياة للإنسان الخليفة في الأرض.
وإذا ما صدرتْ قوانينُ حركة الحياة للإنسان الخليفة في الأرض المخلوق لله، وجب ألاَّ يتزيّد عليها أحدٌ بإكمال ولا بإتمام؛ لأن الذي خلق هو الذي شرَّع، وهذه مسألة يجب أن تكون على ذِكْر من بَالِ كل إنسان مُكلَّف.
وحين تقرأ هذا القَوْل الحكيم:
﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ... ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
تجد أنه يحمل إشارة إلى القرآن كله؛ ذلك أن حدود البلاغ هو كل شيء نزل من عند الله.
وقول الحق سبحانه:
﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ... ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
قد أعطانا ما يعطيه النص القانوني الحديث، ذلك أن النصَّ القانوني الحديث يوضح أنه لا عقوبةَ إلا بنصٍّ يُجرِّم الفعل، ولا بُدَّ من إعلان النصِّ لكافَّة الناس؛ ولذلك تُنشَر القوانين في الجريدة الرسمية للدولة، كي لا يقولَ أحد: أنا أجهل صدور القانون.
وكلنا يعلم أن الحق سبحانه قد قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] .
стр. 8801
فمهمة الرسول - إذنْ - هي البلاغ عن الله لمنهج الحياة الذي يصون حركة الحياة.
ويقول سبحانه عن مهمة الرسول: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] .
ويقول سبحانه: ﴿الذين يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ... ﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
ويقول الحق سبحانه على لسان الرسول: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ... ﴾ [الأعراف: ٩٣] .
ويقول أيضاً: ﴿أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ... ﴾ [هود: ٥٧] .
وهكذا لا توجد حُجّة لقائل: إني أُخِذْتُ بذنب لم أعرف أنه ذنبٌ وقْتَ التكليف. لا حُجّة لقائلِ هذا القول؛ لأن الحق سبحانه يقول في نفس الآية:
﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ. .﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
والإنذار: تخويف بشرٍّ سوف يقع من قبل زمنه، ليوضح لك
стр. 8802
بشاعة المخالفة، وكذلك التبشير هو تنبيه لخير قادم لم يَأتِ أوانه كي تستعدّ لاستقباله.
وقَوْل الحق سبحانه:
﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ... ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
يتضمن البشارة أيضاً؛ ولكنه يرتكز ويؤكد من بعد ذلك في قوله:
﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ... ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
لأن الخيبة ستقع على مرتكب الذنوب.
وأقول: إن الإنذار هنا هو نعمة؛ لأنه يُذكِّر الإنسان فلا يُقدِم على ارتكاب الذنب أو المعصية، فساعةَ تُقدم للإنسان مغبة العمل السيء؛ فكأنك تُقدم إليه نعمة، وتُسدي إليه جميلاً ومعروفاً.
ويتابع سبحانه:
﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ. .﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
وهذه هي القضية العقدية الأولى، والتي تأتي في قِمّة كل القضايا؛ فهو إله واحد نصدر جميعاً عن أمره؛ لأن الأمر الهام في هذه الحياة أن تتضافر حركة الأحياء وتتساند؛ لا أن تتعاند. ولا يرتقي بنيان، ما إذا كنتَ أنت تبني يوماً ليأتي غيرك فيهدم ما بنيتَ.
стр. 8803
ومهمة حركة الحياة أن نُؤدِّي مهمتنا كخلفاء لله في الأرض؛ بأن تتعاضدَ مواهبنا، لا أن تتعارضَ، فيتحرك المجتمع الإنساني كله في اتجاه واحد؛ لأنه من إله واحد وأمر واحد.
وحين يقول الحق سبحانه:
﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ... ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
فهو يحدد لنا قِوَام الدين بعد تلقّيه من رسول الله ﷺ َ أنْ يُبلّغه مَنْ سمعه لمن لم يسمعه.
ولذلك قال ﷺ َ: «نضَّر الله امْرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى مَنْ لم يسمعها» .
وذلك لتبقى سلسلة البلاغ متصلة، وإنْ لم يُبلغ قوم فالوِزْر على مَنْ لم يُبلّغ، وبذلك يحرم نفسه من شرف التبعية لرسول الله ﷺ َ فَمنْ يعلم حكماً من أحكام الدين؛ فالمطلوب منه هو تبليغه للغير؛ مثلما طلب الحق سبحانه من رسوله أن يُبلِّغ أحكامه.
والحق سبحانه هو القائل:
стр. 8804
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وهكذا شهد الرسول ﷺ َ أنه بلَّغكم وبَقِي على كل مسلم يعلم حُكْما من أحكام الدين أن يُبلِّغه لِمَنْ لا يعرفه؛ فقد ينتفع به أكثر منه؛ وبعد أن سمع الحكم قد يعمل به، بينما مَنْ أبلغه الحكم لا يعمل به.
ولذلك قال ﷺ َ: «رُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامع» .
ولذلك أقول دائماً: إياك أن تخلط بين المعلومة التي تُقال لك: وبين سلوك مَنْ قالها لك، ولنسمع الشاعر الذي قال:
خُذْ عِلْمي ولاَ تركَنْ إلى عَملِي ... وَأجْنِ الثمارَ وخَلِّ العُودَ للحطَبِ
وهكذا يتحمل المسلم مسئولية الإبلاغِ بما يعرف من أحكام الدين لمن لا عِلْمَ لهم بها؛ لتظل الرسالة موصولة، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ... ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
أي: أنكم يا أمة محمد، قد أخذتم مهمة الأنبياء.
стр. 8805
ولأن البلاغ قد جاء من الله على الرسول ﷺ َ، والرسول أمين في تبليغه؛ لذلك لا يمكن أنْ يصدرَ عن الواحد الحكيم أوامر متضاربة، ولكن التضارب إنما ينشأ من اختلاف الآخر؛ أو من عدم حكمة الآمر، ولْنُدقِّق جيداً في قول الحق سبحانه:
﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ... ﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
فكلمة «واحد» جاءت لتمنع مجرّد تصوُّر الشراكة؛ فلا أحدَ مثله، وهو أحدٌ غير مُركَّب من أجزاء؛ فليس له أجهزة تشبه أجهزة البشر مثلاً؛ فلو كان له أجهزة لَكانَ في ذاته يحتاجُ لأبعاضه، وهذا لا يصِحُّ ولا يمكن تخيُّله مع الله .
وتلك هي القضية الأساسية التي يعيها أولو الألباب الذين يستقبلون هذا البلاغ. وأولو الألباب هي جمع، ومفرد «ألباب» هو «لُبّ» ، ولُبّ الشيء هو حقيقة جوهره؛ لأن القشرةَ توجد لتحفظَ هذا اللُّب، والمحفوظ دائماً هو أنفَسُ من الشيء الذي يُغلّفه لِيحفظه.
وهكذا يكون أولو الألباب هم البشر الذين يستقبلون القضية الإيمانية بعقولهم؛ ويُحرِّكون عقولهم ليتذكروها دائماً؛ ذلك أن مشاغل الحياة ومُتعتها وشهواتها قد تَصْرِف الإنسان عن المنهج؛ ولذلك قال الحق سبحانه هنا:
﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ [إبراهيم: ٥٢] .
أي: يتذكر أصحاب العقول أن الله واحدٌ أحد؛ فلا إلهَ إلا هو؛ ولذلك شهد سبحانه لنفسه قبل أنْ يشهدَ له أيُّ كائن آخر، وقال:
стр. 8806
﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ... ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وهذه شهادةُ الذات للذاتِ، ويُضيف سبحانه: ﴿والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: ١٨] .
وشهادة الملائكة هي شهادة المُواجهة التي عايشوها، وشهادة أُولي الألبابِ هي شهادة الاستدلال.
وشهد الحق سبحانه أيضاً لرسوله محمد ﷺ َ أنه رسول: وكذلك شهد الرسول لنفسه، فهو يقول مثلنا جميعاً: «أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» .
وهكذا فعَلى أُولي الألباب مهمة. أنْ يتذكَّروا ويُذكِّروا بأنه إله واحد أحدٌ.
стр. 8807
السورة التي نبدأ خواطرنا عنها هي سورة الحجر تبدأ بالكلام عن جامع البلاغ، ومنهج لحياة الحياة وهو القرآن الكريم الذي قد جاء بالخبر اليقين في قضية الألوهية الواحدة، والتي ذكرنا في آخر السورة السابقة بأن أُولِي الألباب يستقبلونها بتعقولهم.
ويقول الحق سبحانه في مُسْتهل السورة:
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ١]
стр. 8808
والسورة كما نرى قد افْتُتِحَتْ بالحروف التوفيقية؛ والتي قلنا: إن جبريل ﵇ نزل وقرأها هكذا؛ وحفظها رسول الله ﷺ َ وأبلغها لنا هكذا؛ وهي نزلتْ أوَّل ما نزلت على قوم برعوا في اللغة؛ وهم أهل فصاحة وبيان، ولم نجد منهم مَنْ يستنكرها.
وهي حروف مُقطّعة تنطَق بأسماء الحروف لا مُسمَّياتها، ونعلم أن لكل حرف اسماً، وله مسمى؛ فحين نقول أو نكتب كلمة «كتب» ؛ فنحن نضع حروفاً هي الكاف والباء والتاء بجانب بعضها البعض، لتكون الكلمة كما ننطقها أو نقرؤها.
ويقال عن ذلك إنها مُسمَّيات الحروف، أما أسماء الحروف؛ فهي «كاف» و «باء» و «تاء» . ولا يعرف أسماء الحروف إلا المُتعلِّم؛ ولذلك حين تريد أن تختبر واحداً في القراءة والكتابة تقول له: تَهَجَّ حروف الكلمة التي تكتبها، فإن نطق أسماءَ الحروف؛ عرفنا أنه يُجيد القراءة والكتابة.
وهذا القرآن كما نعلم نزل مُعجِزاً للعرب الذين نبغوا في اللغة، وكانوا يقيمون لها أسواقاً؛ مثل المعارض التي نقيمها نحن لصناعاتنا المتقدمة.
ولذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغوا فيه، فلو كانت المعجزة من جنسٍ غير ما نبغوا فيه ولم يَألفوه لَقَالوا: لو تعلمنا هذا الأمر لَصنعْنَا ما يفوقه.
وجاءتهم معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغُوا فيه؛
стр. 8809
وباللغة العربية وبنفس المُفْردات المُكوّنة من الحروف التي تُكوِّنون منها كلماتكم، والذي جعل القرآن مُعْجِزاً أن المُتكلّم به خالق وليس مخلوقاً. وفي «الر» نفس الخامات التي تصنعون منها لُغَتكم.
وهذا بعض ما أمكن أن يلتقطه العلماء من فواتح السور. علينا أن نعلم أن لله في كلماته أسراراً؛ فهو سبحانه: ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ... ﴾ [آل عمران: ٧]
أي: أن القرآن به آيات مُحْكمات، هي آيات الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب، أما الآيات المتشابهات فهي مثل تلك الآيات التي تبدأ بها فواتح بعض السور؛ ومَنْ في قلوبهم زَيْغ يتساءلون: ما معناها؟
وهم يقولون ذلك لا بَحْثاً عن معنى؛ ولكن رغبةً للفتنة.
ولهؤلاء نقول: أتريدون أنْ تفهموا كل شيء بعقولكم؟ إن العقل ليس إلا وسيلةَ إدراك؛ مِثْله مِثْل العين، ومِثْل الأذن.
فهل ترى عيناك كل ما يمكن أن يُرَى؟ طبعاً لا؛ لأن للرؤية
стр. 8810
بالعين قوانينَ وحدوداً، فإنْ كنتَ بعيداً بمسافة كبيرة عن الشيء فلن تراه؛ ذلك أن العين لا ترى أبعد من حدود الأفق.
وكل إنسان يختلف أُفْقه حسب قوة بصره؛ فهناك مَنْ أنعم الله عليه ببصر قوي وحادٍّ؛ وهناك مَنْ هو ضعيفُ البصرِ؛ ويحتاج إلى نظارة طبية تساعده على دِقّة الإبصار.
فإذا كانت للعين وهي وسيلة إدراك المرائي حدود، وإذا كانت للأذن، وهي وسيلة إدراك الأصوات بحد المسافة الموجية للصوت؛ فلابُدَّ أن تكون هناك حدود للعقل، فهناك ما يمكن أن تفهمه؛ وهناك مَا لا يمكن أن تفهمه.
والرسول ﷺ َ قال عن آيات القرآن: «ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به» .
وذلك حفاظاً على مواقيت ومواعيد ميلاد أيِّ سِرٍّ من الأسرار المكنونة في القرآن الكريم، فلو أن القرآن قد أعطى كل أسراره في أول قَرْن نزل فيه؛ فكيف يستقبل القرونَ الأخرى بدون سِرٍّ جديد؟
إذن: فكٌلَّما ارتقى العقل البشري؛ كلما أَذِن الله بكشف سِرٍّ من أسرار القرآن. ولا أحد بقادر على أن يجادل في آيات الأحكام.
стр. 8811
ويقول الحق سبحانه عن الآيات المتشابهة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ... ﴾ [آل عمران: ٧]
وهناك مَنْ يقرأ هذه الآية كالآتي: «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم م» وتناسى مَنْ يقرأ تلك القراءة أن مُنْتهى الرسوخ في العلم أن تؤمن بتلك الآيات كما هي.
والحق سبحانه يقول: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ١]
و (تلك) إشارة لما سبق ولِمَا هو قادم من الكتاب، و (آيات) جمع «آية» . وهي: الشيء العجيب الذي يُلْتفت إليه. والآيات إما أنّ تكونَ كونية كالليل والنهار والشمس والقمر لتثبت الوجود الأعلى، وإما أنْ تكونَ الآيات المُعْجزة الدالة على صِدْق البلاغ عن الله وهي معجزات الرسل، وإما أن تكونَ آيات القرآن التي تحمل المنهج للناس كافّة.
стр. 8812
ويضيف الحق سبحانه: ﴿ ... قُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ١]
فهل الكتاب هو شيء غير القرآن؟ ونقول: إن الكتاب إذا أُطلِق؛ فهو ينصرف إلى كل ما نزل من الله على الرسل؛ كصحف إبراهيم، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى؛ وكل تلك كتب، ولذلك يسمونهم «أهل الكتاب» .
أما إذا جاءت كلمة «الكتاب» مُعرَّفة بالألف واللام؛ فلا ينصرف إلا للقرآن، لأنه نزل كتاباً خاتماً، ومُهيْمناً على الكتب الأخرى.
وبعد ذلك جاء بالوصف الخاص وهو (قرآن) ، وبذلك يكون قد عطف خاصاً على عامٍّ، فالكتاب هو القرآن، ودلَّ بهذا على أنه سيكتب كتاباً، وكان مكتوباً من قبل في اللوح المحفوظ.
وإن قيل: إن الكتب السابقة قد كُتِبت أيضاً؛ فالردّ هو أن تلك الكتب قد كُتِبت بعد أن نزلتْ بفترة طويلة، ولم تُكتب مِثْل القرآن ساعة التلقِّي من جبريل ﵇، فالقرآن يتميز بأنه قد كُتب في نفس زمن نُزوله، ولم يُترك لقرون كبقية الكتب ثم بُدئ في كتابته.
والقرآن يُوصف بأنه مُبِين في ذاته وبين لغيره؛ وهو أيضاً مُحيط بكل شيء.
وسبحانه القائل: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ... ﴾ [الأنعام: ٣٨]
стр. 8813
وأيُّ أمر يحتاج لحكم؛ فإما أن تجده مُفصَّلاً في القرآن، أو نسأل فيه أهل الذكر، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿ ... فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ... ﴾
стр. 8814
و «رُبَّ» حرف يستعمل للتقليل، ويُستعمل أيضاً للتكثير على حَسْب ما يأتي من بعده، وهو حَرْفٌ الأصل فيه أن يدخلَ على المفرد. ونحن نقول «رُبَّ أخٍ لك لم تلدْه أمك» وذلك للتقليل، مثلما نقول «ربما ينجح الكسول» .
ولكن لو قُلْنا «ربما ينجح الذكي» فهذا للتكثير، وفي هذا استعمال للشيء في نقيضه، إيقاظاً للعقل كي ينتبه.
وهنا جاء الحق سبحانه:
ب «رُب» ومعها حرف «ما» ومن بعدهما فعل. ومن العيب أن تقول: إن «ما» هنا زائدة؛ ذلك أن المتكلم هو ربُّ كل العباد.
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]
стр. 8815
فهل سيأتي وقت يتمنى فيه أهل الكفر أنْ يُسلموا؟ إن «يودّ» تعني «يحب» و «يميل» و «يتمنى» ، وكل شيء تميل إليه وتتمناه يسمى «طلب» .
ويقال في اللغة: إن طلبت أمراً يمكن أن يتحقق، ويمكن ألاّ يتحقق؛ فإنْ قُلْتَ: «يا ليت الشبابَ يعود يوماً» فهذا طَلبٌ لا يمكن أن يتحققَ؛ لذلك يُقال إنه «تمني» . وإنْ قلت «لعلِّي أزور فلاناً» فهذا يُسمّى رجاء؛ لأنه من الممكن أن تزور فلاناً. وقد تقول: «كم عندك؟» بهدف أن تعرف الصورة الذهنية لمَنْ يجلس إليه مَنْ تسأله هذا السؤال، وهذا يُسمّى استفهاماً.
وهكذا إنْ كنت قد طلبتَ عزيزاً لا يُنال فهو تمنٍّ؛ وإن كنت قد طلبتَ ما يمكن أن يُنَال فهو الترجي، وإن كنتَ قد طلبتَ صورته لا حقيقته فهو استفهام، ولكن إنْ طلبت حقيقة الشيء؛ فأنت تطلبه كي لا تفعل الفعل.
والطلب هنا في هذه الآية؛ يقول: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]
فهل يتأتَّى هذا الطلب؟
وَلنر متى يودُّون ذلك. إن ذلك التمنِّي سوف يحدث إنْ وقعتْ لهم أحداثٌ تنزع منهم العناد؛ فيأخذون المسائل بالمقاييس الحقيقية.
والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ... ﴾ [النمل: ١٤]
стр. 8816
وقد حدث لهم حين وقعت غزوة بدر، ونال منهم المسلمون الغنائم أنْ قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، وأخذنا تلك الغنائم.
أي: أن هذا التمنِّي قد حدث في الدنيا، ولسوف يحدث هذا عند موت أحدهم.
يقول الحق سبحانه: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ... ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]
ويعلق الحق سبحانه على هذا القول: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ... ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]
وسيتمنون أيضاً أن يكونوا مسلمين، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾
[السجدة: ١٢]
إذن: فسيأتي وقت يتمنّى فيه الكفار أن يكونوا مسلمين، إذَا مَا عاينوا شيئاً ينزع منهم جحودهم وعنادهم، ويقول لهم: إن الحياة التي كنتم تتمسَّكون بها فانية؛ ولكنكم تطلبون أن تكونوا مسلمين وقت أنْ زال التكليف، وقد فات الأوان.
ويكفي المسلمين فَخْراً أن كانوا على دين الله، واستمسكوا بالتكليف، ويكفيكم عاراً أنْ خَسِرْتم هذا الخسران المبين، وتتحسروا على أنكم لم تكونوا مسلمين.
стр. 8817
وفي اليوم الآخر يُعذِّب الحق سبحانه العصاة من المسلمين الذين لم يتوبوا من ذنوبهم، ولم يستغفروا الحق سبحانه، أو ممَّنْ لم يغفر لهم ذنوبهم؛ لعدم إخلاص النية وحُسْن الطوية عند الاستغفار، ويدخل في ذلك أهل النفاق مصداقاً لقوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٨٠]
فيدخلون النار ليأخذوا قدراً من العذاب على قدر ما عَصَوْا وينظر لهم الكفار قائلين:
ما أغنتْ عنكم لا إله إلا الله شيئاً، فأنتم معنا في النار.
ويطلع الحق سبحانه على ذلك فيغار على كل مَنْ قال لا إله إلا الله؛ فيقول: أخرجوهم وطهِّروهم وعُودوا بهم إلى الجنة، وحينئذ يقول الكافرون: يا ليتنا كنا مسلمين، لنخرج من النار، ونلحق بأهل الجنة.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ... ﴾
стр. 8818
و (ذرهم) أمْر بأن يدعَهم ويتركهم. وسبحانه قال مرة (ذرهم) ، ومرة قال: ﴿وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة ... ﴾ [المزمل: ١١]
стр. 8819
أي: اتركهم لي، فأنا الذي أعاقبهم، وأنا الذي أعلم أجلَ الإمهال، وأجل العقوبة.
ويستعمل من «ذَرْهم» فعل مضارع هو «يَذَر» ، وقد قال الحق سبحانه: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ... ﴾ [الأعراف: ١٢٧]
ولم يستعمل منها في اللغة فِعْل ماضٍ، إلا فيما رُوِى من حديث رسول الله ﷺ َ «ذروا اليمن ما ذروكم» ، أي: اتركوهم ما تركوكم.
ويشارك في هذا الفعل فعل آخر هو «دَعْ» بمعنى «اترك» . وقيل: أهملت العرب ماضي «يدع» و «يذر» إلا في قراءةٍ في قول الحق سبحانه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: ٣]
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ... ﴾ [الحجر: ٣]
ونحن أيضاً نأكل، وهناك فرْق بين الأكل كوقود للحركة وبين الأكل كلذّة وتمتُّع، والحيوانات تأكل لتأخذ الطاقة بدليل أنها حين تشبع؛ لا يستطيع أحد أنْ يُجبرها على أكل عود برسيم زائد.
أما الإنسان فبعد أن يأكل ويغسل يديه؛ ثم يرى صِنْفاً جديداً
стр. 8820
من الطعام فهو يمدُّ يده ليأكلَ منه؛ ذلك أن الإنسان يأكل شهوةً ومتعةً، بجانب أنه يأكل كوقود للحركة.
والفرق بيننا وبينهم أننا نأكل لتتكوَّن عندنا الطاقة، فإنْ جاءت اللذة مع الطعام فأهلاً بها؛ ذلك أننا في بعض الأحيان نأكل ونتلذذ، لكن الطعام لا يمري علينا؛ بل يُتعِبنا؛ فنطلب المُهْضِمات من مياه غازية وأدوية.
ولذلك نجد رسول الله ﷺ َ يقول: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» .
أي: أنه ﷺ َ ينهانا عن أن نأكل بالشهوة واللذة فقط.
ولنلحظ الفارق بين طعام الدنيا وطعام الجنة في الآخرة؛ فهناك سوف نأكل الطعام الذي نستلذّ به ويَمْري علينا؛ بينما نحن نُضطر في الدنيا في بعض الأحيان أن نأكلَ الطعام بدون مِلْح ومسلوقاً كي يحفظ لنا الصحة؛ ولا يُتعِبنا؛ وهو أكل مَرِىء وليس طعاماً هنيئاً، ولكن طعام الآخرة هَنِىءٌ ومَرِىءٌ.
وعلى ذلك نفهم قول الحق سبحانه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ... ﴾ [الحجر: ٣]
أي: أن يأكلوا أكْلاً مقصوداً لذات اللذَّة فقط.
стр. 8821
ويقول الحق سبحانه متابعاً: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل ... ﴾ [الحجر: ٣]
أي: أن يَنصبوا لأنفسهم غايات سعيدة؛ تُلهِيهم عن وسيلة ينتفعون بها؛ ولذلك يقول المثل العربي: «الأمل بدون عمل تلصُّص» فما دُمْت تأمل أملاً؛ فلا بُدَّ أن تخدمه بالعمل لتحققه.
ولكن المثل على الأمل الخادع هو ما جاء به الحق سبحانه على لسان مَنْ غَرَّتْه النعمة، فقال: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ... ﴾ [الكهف: ٣٥٣٦]
ولكن الساعة ستقوم رَغْماً عن أَنْف الآمال الكاذبة، والسراب المخادع.
ويقول الحق سبحانه: ﴿ ... وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]
وكلمة (سوف) تدل على أن الزمن مُتراخٍ قليلاً؛ فالأفعال مثل «يعلم» تعني أن الإنسان قد يعلم الآن؛ ويعلم من بَعْد الآن بوقت قصير، أما حين نقول «سوف يعلم» فتشمل كل الأزمنة.
فالنصر يتحقق للمؤمنين بإذن من الله دائماً؛ أما غير المؤمنين فلسوف يتمنَّوْنَ الإيمان؛ كما قُلْنا وأوضحنا من قبل.
وهكذا نرى أن قوله: ﴿ ... فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]
стр. 8822
يشمل كُلّ الأزمنة. وقد صنع الحق سبحانه في الدنيا أشياء تُؤذِن بصِدْق وَعْده، والذين يظنُّون أنهم يسيطرون على كُلِّ الحياة يُفاجِئهم زلزال؛ فيهدم كل شيء، على الرغم من التقدُّم فيما يُسمّى «الاستشعار عن بعد» وغير ذلك من فروع العلم التطبيقي.
وفي نفس الوقت نرى الحمير التي نتهمها بأنها لا تفهم شيئاً تهُبُّ وهي الماشية من قبل الزلزال لتخرج إلى الخلاء بعيداً عن الحظائر التي قد تتهدم عليها، وفي مثل هذا التصرُّف الغريزي عند الحيوانات تحطيمٌ وأدبَ للغرور الإنساني، فمهما قاده الغرور، وادعى أنه مالك لناصية العلم، فهو مازال جاهلاً وجهولاً.
وكذلك نجد مَنْ يقول عن البلاد المُمطرة: إنها بلاد لا ينقطع ماؤها، لذلك لا تنقطع خُضْرتها. ثم يصيب تلك البلاد جفافٌ لا تعرف له سبباً، وفي كل ذلك تنبيهٌ للبشر كي لا يقعوا أسْرى للغرور.
ويقول سبحانه من بعد ذلك ضارباً لهم المثل: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ ... ﴾
стр. 8823
أي: أنه سبحانه لا يأمر بهلاك أيّ قرية إلا في الأجل المكتوب لها. ويجعلها من المُثل التي يراها مَنْ يأتي بعدها لعله يتعظ ويتعرَّف على حقيقة الإيمان.
وقد قال الحق سبحانه:
стр. 8824
﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]
والمثل القريب من الذاكرة «لبنان» التي عاشت إلى ما قبل الخمسينات كبلد لا تجد فيه فندقاً لائقاً، ثم ازدهرتْ وانتعشتْ في الستينات والسبعينات؛ واستشرى فيها الفساد؛ فقال أهل المعرفة بالله: «لابُدَّ أن يصيبها ما يصيب القرى الكافرة بأنعُمِ الله» .
وقد حدث ذلك وقامت فيها الحرب الأهلية، وانطبق عليها قول الحق سبحانه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ... ﴾ [الأنعام: ٦٥]
وهذا ما يحدث في الدنيا، وهي مُقدّمات تُؤكّد صدْق ما سوف يحدث في الآخرة.
وسبحان القائل: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ [الإسراء: ٥٨]
وبطبيعة الحال؛ فهذا ما يحدث لأيِّ قرية ظالم أهلُها؛ لأن الحق سبحانه لا يظلم مِثْقال ذرة.
وأذكر أن تفسير النسفي قد صُودِر في عصر سابق؛ لأن
стр. 8825
صاحب التفسير قال عند تفسيره لهذه الآية: «حدثني فلان عن فلان أن البلد الفلاني سيحصل فيه كذا؛ والبلد الآخر سوف يحدث فيه كذا إلى أن جاء إلى مصر وقال بالنص: ويدخل مصر رجل من جهينة، فويْل لأهلها، ووَيْل لأهل سوريا، ووَيْل لأهل الرَّمْلة، ووَيْل لأهل فلسطين، ولا يدخل بيت المقدس» .
ومادام الحق سبحانه قد قال: ﴿ ... كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُورا﴾ [الإسراء: ٥٨]
فهو يُعلّم بعضاً من خلقه بعضاً من أسراره، فلا مانعَ من أن نرى بعضاً من تلك الأسرار على ألسنتهم. وحين ذاعت تلك الحكاية، وقالوها للرئيس الذي كان موجوداً، وقالوا له: أنت من جهينة وهم يقصدونك. صُودِر تفسير النسفي.
إذن: فقد ترك الحق سبحانه لنا في الدنيا مثلاً يؤكد صِدْقه فيما يحكيه عن الوعيد لبعض القرى حتى نُصدّق ما يمكن أن يكون بعد يوم القيامة. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]
فليس لأحد أن يقول: «إن ذلك لم يحدث للبلد الفلاني» لأن كُلَّ أَمْر له أجَل.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾
следующие страницы →