← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

ويقول الحق سبحانه متابعاً: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل ... ﴾ [الحجر: ٣] أي: أن يَنصبوا لأنفسهم غايات سعيدة؛ تُلهِيهم عن وسيلة ينتفعون بها؛ ولذلك يقول المثل العربي: «الأمل بدون عمل تلصُّص» فما دُمْت تأمل أملاً؛ فلا بُدَّ أن تخدمه بالعمل لتحققه. ولكن المثل على الأمل الخادع هو ما جاء به الحق سبحانه على لسان مَنْ غَرَّتْه النعمة، فقال: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ... ﴾ [الكهف: ٣٥٣٦] ولكن الساعة ستقوم رَغْماً عن أَنْف الآمال الكاذبة، والسراب المخادع. ويقول الحق سبحانه: ﴿ ... وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وكلمة (سوف) تدل على أن الزمن مُتراخٍ قليلاً؛ فالأفعال مثل «يعلم» تعني أن الإنسان قد يعلم الآن؛ ويعلم من بَعْد الآن بوقت قصير، أما حين نقول «سوف يعلم» فتشمل كل الأزمنة. فالنصر يتحقق للمؤمنين بإذن من الله دائماً؛ أما غير المؤمنين فلسوف يتمنَّوْنَ الإيمان؛ كما قُلْنا وأوضحنا من قبل. وهكذا نرى أن قوله: ﴿ ... فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]

стр. 8822

يشمل كُلّ الأزمنة. وقد صنع الحق سبحانه في الدنيا أشياء تُؤذِن بصِدْق وَعْده، والذين يظنُّون أنهم يسيطرون على كُلِّ الحياة يُفاجِئهم زلزال؛ فيهدم كل شيء، على الرغم من التقدُّم فيما يُسمّى «الاستشعار عن بعد» وغير ذلك من فروع العلم التطبيقي. وفي نفس الوقت نرى الحمير التي نتهمها بأنها لا تفهم شيئاً تهُبُّ وهي الماشية من قبل الزلزال لتخرج إلى الخلاء بعيداً عن الحظائر التي قد تتهدم عليها، وفي مثل هذا التصرُّف الغريزي عند الحيوانات تحطيمٌ وأدبَ للغرور الإنساني، فمهما قاده الغرور، وادعى أنه مالك لناصية العلم، فهو مازال جاهلاً وجهولاً. وكذلك نجد مَنْ يقول عن البلاد المُمطرة: إنها بلاد لا ينقطع ماؤها، لذلك لا تنقطع خُضْرتها. ثم يصيب تلك البلاد جفافٌ لا تعرف له سبباً، وفي كل ذلك تنبيهٌ للبشر كي لا يقعوا أسْرى للغرور. ويقول سبحانه من بعد ذلك ضارباً لهم المثل: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ ... ﴾

стр. 8823

أي: أنه سبحانه لا يأمر بهلاك أيّ قرية إلا في الأجل المكتوب لها. ويجعلها من المُثل التي يراها مَنْ يأتي بعدها لعله يتعظ ويتعرَّف على حقيقة الإيمان. وقد قال الحق سبحانه:

стр. 8824

﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] والمثل القريب من الذاكرة «لبنان» التي عاشت إلى ما قبل الخمسينات كبلد لا تجد فيه فندقاً لائقاً، ثم ازدهرتْ وانتعشتْ في الستينات والسبعينات؛ واستشرى فيها الفساد؛ فقال أهل المعرفة بالله: «لابُدَّ أن يصيبها ما يصيب القرى الكافرة بأنعُمِ الله» . وقد حدث ذلك وقامت فيها الحرب الأهلية، وانطبق عليها قول الحق سبحانه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ... ﴾ [الأنعام: ٦٥] وهذا ما يحدث في الدنيا، وهي مُقدّمات تُؤكّد صدْق ما سوف يحدث في الآخرة. وسبحان القائل: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ [الإسراء: ٥٨] وبطبيعة الحال؛ فهذا ما يحدث لأيِّ قرية ظالم أهلُها؛ لأن الحق سبحانه لا يظلم مِثْقال ذرة. وأذكر أن تفسير النسفي قد صُودِر في عصر سابق؛ لأن

стр. 8825

صاحب التفسير قال عند تفسيره لهذه الآية: «حدثني فلان عن فلان أن البلد الفلاني سيحصل فيه كذا؛ والبلد الآخر سوف يحدث فيه كذا إلى أن جاء إلى مصر وقال بالنص: ويدخل مصر رجل من جهينة، فويْل لأهلها، ووَيْل لأهل سوريا، ووَيْل لأهل الرَّمْلة، ووَيْل لأهل فلسطين، ولا يدخل بيت المقدس» . ومادام الحق سبحانه قد قال: ﴿ ... كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُورا﴾ [الإسراء: ٥٨] فهو يُعلّم بعضاً من خلقه بعضاً من أسراره، فلا مانعَ من أن نرى بعضاً من تلك الأسرار على ألسنتهم. وحين ذاعت تلك الحكاية، وقالوها للرئيس الذي كان موجوداً، وقالوا له: أنت من جهينة وهم يقصدونك. صُودِر تفسير النسفي. إذن: فقد ترك الحق سبحانه لنا في الدنيا مثلاً يؤكد صِدْقه فيما يحكيه عن الوعيد لبعض القرى حتى نُصدّق ما يمكن أن يكون بعد يوم القيامة. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فليس لأحد أن يقول: «إن ذلك لم يحدث للبلد الفلاني» لأن كُلَّ أَمْر له أجَل. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾

стр. 8826

أي: أنه سبحانه قد جعل لكل أمة أجلاً، وغاية، فإذا ما انتهى الأجل المعلوم جاءتْ نهايتها؛ فلا كائنَ يتقدّم على أجله، ولا أحدَ يتأخر عن موعد نهايته. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزِّلَ ... ﴾

стр. 8827

وهم هنا يسخرون من الرسول ومن القرآن؛ ذلك أنهم لو كانوا يؤمنون بالقرآن وبالرسول؛ لَمَا وصفوه ﷺ َ بالجنون. والذين قالوا ذلك هم أربعة من كبار الكفار: عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة. وقيل عن ابن عباس: إنهم الوليد بن المغيرة المخزومي؛ وحبيب بن عمرو الثقفي. وقيل عن مجاهد: إنهم عتبة بن ربيعة، وكنانة بن عبد ياليل. والظاهر من قولهم هو التناقض الواضح؛ فَهُمْ شاءوا أم أبَوْا يعترفون بالقرآن بأنه «ذِكْر» ، والذِّكْر في اللغة له عدة مَعَانٍ، منها الشرف، وقد أُطلِق على القرآن، كما قال الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وسبق لهم أن تلمَّسُوا في هذا القرآن هناتٍ؛ فلم يجدوا، فكيف يَصِفون مَنْ نُزِّل عليه هذا القرآن بالجنون؛ وهم الذين شهدوا له من قَبْل بالصدق والأمانة. وقد شاء الحق سبحانه أن يُنصِف رسوله ﷺ َ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]

стр. 8828

وهم في اتهامهم للرسول ﷺ َ لم يلتفتوا إلى أنهم قد خاطبوه بقولهم: (يا أيها) ، وهو خطاب يتطابق مع نفس الخطاب الذي يخاطبه به الله؛ وهكذا أجرى الحق سبحانه على ألسنتهم توقيراً واحتراماً للرسول ﷺ َ دون أنْ يشعروا، وذلك من مشيئته سبحانه حين يُنطِق أهل العناد بالحق دون أن يشعروا. فقد قال الحق سبحانه عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ ... ﴾ [المنافقون: ٧] أي: لا تنفقوا على مَنْ عند النبي ﷺ َ، حتى يجوعوا، فينفضوا من حوله. وهم يقولون عنه «رسول الله» ، فهل آمنوا بذلك؟ أم أن هذا من غلبة الحق؟ ويتابع سبحانه ما جاء على ألسنتهم: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة ... ﴾

стр. 8829

ونعلم أن في اللغة ألفاظاً تدل على الحَثِّ وعلى رغبة المُتكلِّم في أن يُوجد السامع ما بعدها، ومن هذه الألفاظ «لولا» و «لوما» . و «لولا» تجئ للتمنِّي ورغبة ما يكون بعدها، وإن كان ما بعدها نفياً فهو رغبة منك ألا يكون، مثل قولك «لو جاء زيد لأكرمته» لكن لمجيء لم يحدث، وكذلك الإكرام. وقد قال الكفار هنا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة ... ﴾ [الحجر: ٧]

стр. 8830

وسبق لهم أنْ قالوا: ﴿ ... لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٧] وكأنهم يطلبون نزول ملَك مع الرسول ليُؤنسه ولِيُصدّقوا أنه رسول من عند الله، فهل كان تصديقهم المُعلَّق على هذا الشرط؛ تصديقاً للرسول، أم تصديقاً للملك؟ وسبق أن تناول القرآنُ هذا الأمر في قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٤] وكأنهم علقوا الإيمان بالرسول على شرط أنه ليس ملكاً؛ بل من صنف البشر، وجاء الرد عليهم: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٥] إذن: فلو نزل رسول من السماء ملَكاً؛ لَمَا استطاع أن يمشي في الأرض مطمئناً؛ فضلاً عن أنه لا يمكن أن يكون أُسْوة وقدوة للبشر؛ لأنه من جنس آخر غير البشر. ولو نزل عليهم ملك كما زعموا، وقال لهم: افعل ولا تفعل، واستقيموا واستغفروا، وسبِّحوه بُكْرة وأصيلا، لردُّوا عليه قائلين أنت ملَكَ ينطبق عليك قول الحق: ﴿ ... لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وأنت لا تصلح أُسْوة لنا. ثم كيف تتكلمون مع ملَك وهو من طبيعة مختلفة، ولن يستطيع البشر أن يرتفعوا إلى مُسْتواه ليأخذوا

стр. 8831

منه، وهو لن يستطيع أن ينزلَ إلى مستوى البشرية ليأخذوا منه؛ ولذلك شاء الحق سبحانه أن يرسل الرسول من جنس البشر. وهكذا أبطل الحق سبحانه حُجّتهم في عدم الإيمان بالرسول؛ لأنه لم يأْتِ من جنس الملائكة؛ وأبطل حُجّتهم في طلبهم أن ينزل مع الرسول ملائكة؛ لِيُؤيّدوه في صِدْق بلاغه عن الله. ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق ... ﴾

стр. 8832

وهكذا يُعلِّمنا الحق سبحانه أنه لا يُنزّل الملائكة إلا بمشيئة حكمته سبحانه، ولو نزل الملَك كما طلبوا لمساعدة رسول الله ﷺ َ في البلاغ عن الله، فالملَك إما أن يكون على هيئة البشر؛ فلن يستطيعوا تمييز المَلَك من البشر، وإما أن يكون على هيئة الملك، فلا يستطيع البشر أنْ يروْه؛ وإلاَّ هلكوا. ذلك أن البشر لا تستطيع تحمُّل التواصل مع القوة التي أودعها الله في الملائكة. والحق سبحانه هو القائل: ﴿ ... وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨]

стр. 8833

ولو جعله الحق سبحانه في هيئة البشر وتواصلوا معه لالتبس عليهم الأمر، ولَظنّوا أن الملَك بشرٌ مثلهم. وفي هذا يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] لم يُنزِل الحق سبحانه الملائكة؛ لأنه لم يَشَأْ أن يُهِلكهم ورسولُ الله فيهم، فالحق سبحانه قد قال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقد آمن معظمهم ودخلوا في دين الله من بعد ذلك واستغفروا لذنوبهم، وكان الله غفوراً رحيماً؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. وحين ننظر إلى صَدْر الآية نجد أنه سبحانه قال: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق ... ﴾ [الحجر: ٨] فلو نزلت الملائكة لكان عذاباً لهم، فالحق سبحانه إذا أعطى قوماً آية طلبوها، فإما أن يؤمنوا، وإما أن يهلكهم، ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ... ﴾ [الإسراء: ٥٩]

стр. 8834

فالحق سبحانه لم يُجبهم إلى الآيات والمعجزات التي طلبوها؛ لأن السابقين لهم، كذَّبوا بها قبل ذلك، وهم يريدون أن يُكذّبوا أيضاً، فحتى لو نزلت الآية فسيكذبونها، وحين يكذبون في آية مقترحة من عندهم، فلا بُدَّ أن نهلكهم. أما لو كذبوا في آية مُنزّلة من عند الله فإن الله يمهلهم. إذن: فلو نزلنا الملائكة كما يريدون فسننزلهم بالحق، والحق هو أن نهلكهم إذا كذَّبوا. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ ... وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] أي: ما كان أجَلُ المشركين قد حانَ ليُنزل الله لهم الملائكة لإهلاكهم، كما سبق وأهلك الأمم السابقة التي طلبتْ الآيات، فنزلت لهم كما طلبوها، ولَمّا لم يُصدِّقوا ويؤمنوا أهلكهم الله. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ... ﴾

стр. 8835

والقرآن قد جاء بعد كُتب متعددة، وكان كل كتاب منها يحمل منهج الله؛ إلا أن أيَّ كتاب منها لم يَكُنْ معجزة؛ بل كانت المُعْجزة تنزل مع أيِّ رسول سبق سيدنا رسول الله ﷺ َ، وعادة ما تكون المعجزة من صنف ما نبغ فيه القوم الذين نزل فيهم. وما دام المنهج مفصولاً عن المعجزة؛ فقد طلب الحق سبحانه من الحاملين لكتب المنهج تلك أنْ يحافظوا عليها، وكان هذا تكليفاً

стр. 8836

من الحق سبحانه لهم. والتكليف كما نعلم عُرْضة أنْ يُطَاع، وعُرْضة أنْ يُعصى، ولم يلتزم أحد من الأقوام السابقة بحفظ الكُتب المنزّلة إليهم. ونجد الحق يقول: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ... ﴾ [المائدة: ٤٤] أي: أن الحق قد كلّفهم وطلب منهم أنْ يحفظوا كتبهم التي تحمل منهجه؛ وهذا التكليف عُرْضة أنْ يطاع، وعُرْضة أنْ يُعصى؛ وهم قد عَصَوا أمر الحق سبحانه وتكليفه بالحفظ؛ ذلك أنهم حرّفوا وبدلوا وحذفوا من تلك الكتب الكثير. وقال الحق سبحانه عنهم: ﴿ ... وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] بل وأضافوا من عندهم كلاماً وقالوا: هو من عند الله؛ لذلك قال فيهم الحق سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]

стр. 8837

وهكذا ارتكبوا ذنوب الكذب وعدم الأمانة، ولم يحفظوا الكتب الحاملة لمنهج الله كما أنزلها الله على أنبيائه ورُسله السابقين على رسول الله ﷺ َ. ولذلك لم يَشَأ الحق سبحانه أن يترك مهمة حفظ القرآن كتكليف منه للبشر؛ لأن التكليف عُرْضة أن يطاع وعُرْضة أنْ يُعصى، فضلاً عن أن القرآن يتميز عن الكتب السابقة في أنه يحمل المنهج، وهو المعجزة الدالة على صِدْق بلاغ رسول الله ﷺ َ في نفس الوقت. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والذِّكْر إذا أُطلِق انصرف المعنى إلى القرآن؛ وهو الكتاب الذي يحمل المنهج؛ وسبحانه قد شاء حِفْظه؛ لأنه المعجزة الدائمة الدالة على صدق بلاغ رسوله ﷺ َ. وكان الصحابة يكتبون القرآن فَوْرَ أن ينزل على رسول الله ﷺ َ، ووجدنا في عصرنا من هم غير مؤمنين بالقرآن؛ ولكنهم يتفنّنون في وسائل حفْظه؛ فهناك مَنْ طبع المصحف في صفحة واحدة؛ وسخَّر لذلك مواهب أُناسٍ غير مؤمنين بالقرآن. وحدث مثل ذلك حين تَمّ تسجيل المصحف بوسائل التسجيل المعاصرة. وفي ألمانيا على سبيل المثال توجد مكتبة يتم حِفْظ كل ما يتعلق بكل آية من القرآن في مكان مُعيّن مُحدّد. وفي بلادنا المسلمة نجد مَنْ ينقطع لحفظ القرآن منذ الطفولة، ويُنهي حِفْظه وعمره سبع سنوات؛ وإنْ سألته عن معنى كلمة يقرؤها فقد لا يعرف هذا المعنى.

стр. 8838

ومن أسرار عظمة القرآن أن البعض مِمَّنْ يحفظونه لا يملكون أية ثقافة، ولو وقف الواحد من هؤلاء عند كلمة؛ فهو لا يستطيع أن يستكملها بكلمةٍ ذات معنى مُقَارب لها؛ إلى أنْ يردّه حافظٌ آخر للقرآن. ولكي نعرف دِقّة حِفْظ الحق سبحانه لكتابه الكريم؛ نجد أن البعض قد حاول أن يُدخِل على القرآن ما ليس فيه، وحاول تحريفه من مدخل، يروْنَ أنه قريب من قلب كل مسلم، وهو توقير الرسول ﷺ َ؛ وجاءوا إلى قول الحق سبحانه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ... ﴾ [الفتح: ٢٩] وأدخلوا في هذه الآية كلمة ليست فيها، وطبعوا مصحفاً غيَّروا فيه تلك الآية بكتابتها «محمد رسول الله ﷺ َ والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم» وأرادوا بذلك أن يسرقوا عواطف المسلمين، ولكن العلماء عندما أمسكوا بهذا المصحف أمروا بإعدامه وقالوا: «إن به شيئاً زائداً» ، فردَّ مَنْ طبع المصحف «ولكنها زيادة تحبونها وتُوقّرونها» ، فردَّ العلماء: «إن القرآن توقيفيّ؛ نقرؤه ونطبعه كما نزل» . وقامت ضَجَّة؛ وحسمها العلماء بأن أيّ زيادة حتى ولو كانت في توقير رسول الله ﷺ َ ومحبته لا تجوز في القرآن، لأن علينا أن نحفظ القرآن كما لقَّنه جبريل لمحمد ﷺ َ. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:

стр. 8839

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ... ﴾

стр. 8840

وهنا يُسلِّى الحق سبحانه رسوله الكريم، ويوضح له أن ما حدث له من إنكار ليس بِدعاً، بل حدث له من إنكار ليس بدعاً، بل حدث مثله مع غيره من الرسل سواء من إنكار أو تجاهل أو سخرية. وإذا كنت أنت سيد الرسل وخاتم الأنبياء؛ فلابُدَّ أن تكون مشقتك على قََدْر مهمتك، ولابُدَّ أن يكون تعبُك على قَدْر جسامة الرسالة الخاتمة. و ﴿شِيَعِ ... ﴾ [الحجر: ١٠] تعني الجماعة الذين اجتمعوا على مذهب واحد؛ سواء كان ضلالاً أم حقاً. والمثَل على مَنِ اجتمعوا على باطل هو قوله الحق: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ... ﴾ [الأنعام: ٦٥] والمثَل على مَنْ اجتمعوا على الحق قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] وهكذا تكون كلمة (شِيع) تعني الجماعة التي اجتمعت على الحق أو الباطل.

стр. 8841

وقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأولين﴾ [الحجر: ١٠] يعني أنك لن تكون أقلّ من الرُّسل السابقين عليك، بل قد تكون رحلتك في الرسالة شاقّة بما يناسب مهمتك، ويناسب إمامتك للرسل وختامك للأنبياء. ويُكمِل سبحانه ما حدث للرسل السابقين على رسالة رسول الله ﷺ َ، فيقول: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ ... ﴾

стр. 8842

ونجد كلمة: ﴿ ... يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] ونجد أن الحق سبحانه قد أوضح هذا الاستهزاء حين قالوا: ﴿ ... ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وكأن الحق سبحانه يُوضّح له أن الاستهزاء قد يزيد، وذلك دليلٌ على أنك قد بلغتَ منهم مَبْلغ الكَيْد، ولو كان كيدُك قليلاً لخفّفوا كَيْدهم؛ ولكنك جئتَ بأمر قاس عليهم، وهدمت لهم مذاهبهم، وهدمت حتى سيادتهم وكذلك سطوتهم، ولم يجدوا غير الاستهزاء ليقاوموك به. ومعنى ذلك أنهم عجزوا عن مقاومة منهجك؛ ويحاولون بالاستهزاء أن يحققوا لك الخور لتضعف؛ معتمدين في ذلك على

стр. 8843

أن كل إنسان يحب أن يكون كريماً في قومه ومعززاً مكرماً. وهنا يريد الحق سبحانه من رسوله أن يُوطِّن نفسه على أنه سيُستهزأ به وسيُحارب؛ وسيُؤْذَى؛ لأن المهمة صعبة وشاقَّة، وكلما اشتدت معاندتك وإيذاؤك، فاعلم أن هذه من حيثيات ضرورة مهمتك. ولذلك نجد الرسول ﷺ َ قبل أن يتأكد من مهمته؛ أخذته زوْجه خديجة بنت خويلد ﵂ عند ورقة بن نوفل؛ وعرف ورقة أنه سَيُؤذَى، وقال ورقة لرسول الله ﷺ َ: ليتني أكون حياً حين يُخرِجك قومك. فتساءل الرسول ﷺ َ: أمُخرِجِيّ هُم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يصحب نزول الرسالة أن يُحصِّنه ضد ما سيحصل له، ليكون عنده المناعة التي تقابل الأحداث؛ فمادام سيصير رسولاً، فليعلم أن الطريق مَحْفوف بالإيذاء، وبذلك لا يُفاجأ بوجود مَنْ يؤذيه. ونحن نعلم أن المناعة تكون موجودة عند مَنْ وبها يستعد لمواجهة الحياة في مكان به وباء يحتاج إلى مَصْل مضاد من هذا الوباء؛ لِيقيَ نفسه منه، وهذا ما يحدث في الماديات، وكذلك الحال في المعنويات.

стр. 8844

ولهذا يُوضِّح سبحانه هذا الأمر لرسوله ﷺ َ، ولتزداد ثقته في الحق الذي بعثه به ربُّه، ويشتدّ في المحافظة على تنفيذ منهجه. والاستهزاء كما نعلم لَوْنٌ من الحرب السلبية؛ فهم لم يستطيعوا مواجهة ما جاء به رسول الله ﷺ َ بالجد، ولا أنْ يردّوا منهجه الراقي؛ لذلك لجئوا إلى السُّخْرية من رسول الله ﷺ َ، ولم تنفعهم سخريتهم في النَّيْل من الرسول، أو النَّيْل من الإسلام وفي هذا المعنى، يقول لنا الحق سبحانه عن مصير الذين يسخرون من الرسول ﷺ َ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ... ﴾

стр. 8845

و «سلك الشيء» أي: أدخله، كما نُدخِل الخيط في ثقب الإبرة. والحق سبحانه يقول: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣] أي: ما أدخلكم في النار؛ فتأتي إجابتهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ [المدثر: ٤٣] وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ [الحجر: ١٢]

стр. 8846

أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك نُدخِله في قلوب المجرمين. يعني: مشركي مكّة، لأنهم أدخلوا أنفسهم في دائرة الشرك التي دعتهم إلى هذا الفعل، فنالوا جزاءَ ما فعلوا مثل ما سبق من أقوام مثلهم؛ وقد يجد من تلك القلوب تصديقاً يكذبونه بألسنتهم، مثلما قال الحق سبحانه: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ... ﴾ [النمل: ١٤] فهم أمة بلاغة ولغةٍ وبيانٍ؛ وقد أثّر فيهم القرآن بحلاوته وطلاوته؛ ولكنه العناد، وها هو واحد منهم يقول: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لَمُثمِر، وإن أسفله لمغدق» . لقد قال ذلك كافر بالرسول والرسالة. ونعلم أن الذين استمعوا إلى القرآن نوعان؛ والحق سبحانه هو القائل عن أحدهما: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] أي: أن قوله لا يعجبهم وما يتلوه عليهم لا يستحق السماع، فقال الحق سبحانه رداً عليهم:

стр. 8847

﴿ ... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وهي مسألة كما أقول دائماً تتعلق بالقابل الذي يستقبل الحدث؛ إما أنْ يُصفِّي قلبه ليستقبل القرآن؛ وإما أنْ يكون قلبه والعياذ بالله مُمْتلِئاً بالكفر، فلا يستقبل شيئاً من كتاب الحق. وقد حدث أن ادخل الحق سبحانه كتبه السماوية في قلوب الأقوام السابقة على رسول الله، ولكنهم لفساد ضمائرهم وظُلْمة عقولهم؛ سخروا من تلك الكتب، ولم يؤمنوا بها. ويَصِف الحق سبحانه هؤلاء المجرمين بقوله: ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ ... ﴾

стр. 8848

وهكذا يوضح الحق سبحانه أن قلوب الكفرة لا تلين بالإيمان؛ ولا تُحسِن استقبال القرآن، ذلك أن قلوبهم مُمْتلئة بالكفر، تماماً كما حدث من الأقوام السابقة، فتلك سُنة مَنْ سبقوهم إلى الكفر. والسُّنة هي الطريقة التي تأتي عليها قضايا النتائج للمُقدِّمات وهي أولاً وأخيراً قضايا واحدة. ومرة نجد الحق سبحانه يقول: ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦٢]

стр. 8849

ونعلم أن الإضافة تختلف حَسْب ما يقتضيه التعبير. ف (سنة الأولين) تعني الأمور الكونية التي قدرها الله لعباده. و (سنة الله) تعني سُنّة منسوبة لله، ومن سنن الحق سبحانه أن يُهلك المُكذِّبين للرسل إنْ طلبوا آية فجاءتهم، ثم واصلوا الكفر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء ... ﴾

стр. 8850

وهم قد طلبوا أن ينزل إليهم مَلَكٌ من السماء؛ لذلك نجد الحق سبحانه هنا يأتيهم بدليل أقوى مِمَّا طلبوا، ذلك أن نزول مَلَك من السماء هو أسهل بكثير من أن يُنزِلَ من السماء سُلَّماً يصعدون عليه، وفي هذا ارتقاء في الدليل؛ لكنهم يرتقون أيضاً في الكفر، وقالوا: إن حدث ذلك فَلَسوفَ يكون من فعل السحر. ولو كان محمد ﷺ َ ساحراً لَسحرهم، وجعلهم جميعاً مؤمنين، وعلى الرغم من أن مثْل هذا الأمر كان يجب أن يكون بديهياً بالنسبة لهم، لكنهم يتمادوْنَ في الكفر، ويقولون: إنه لو نزَّل سُلَّماً من السماء وصعدوا عليه؛ لَكانَ ذلك بفعل السحر؛ ولكانَ رسول الله هو الذي سحرهم؛ وأعمى أبصارهم، ولَجعلهم يتوهمون ذلك.

стр. 8851

وكأن معنى هذا القول الكريم: لو ارتقينا في مطلبهم، وأنزلنا لهم سُلَّماً يصعدون به إلى أعلى؛ ليقولوا: إن الحق هو الذي بعث محمداً بالرسالة، بدلاً من أن ينزل إليهم ملك حسب مطلبهم؛ لَمَا آمنوا بل لقالوا: إن هذا من فعل سحر قام به محمد ضدهم. وهكذا يرتقون في العناد والجحود. ولابُدَّ أن نلحظ أن الحق سبحانه قد جاء هنا بكلمة: ﴿فَظَلُّواْ ... ﴾ [الحجر: ١٤] ولم يقل «وكانوا» ، ذلك أن «كان» تُستخدمِ لِمُطلْق الزمن، و «ظل» للعمل نهاراً، و «أمسى» للعمل ليلاً، أي: أن كل كلمة لها وَقْت مكتوب، والمقصود من «ظَلُّوا» هنا أن الحق سبحانه لن ينزل لهم السُّلَّم الذي يعرجُون عليه إلا في منتصف النهار، ولكنهم أصرُّوا على الكفر. لذلك قال سبحانه: ﴿ ... فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] أي: لن نأخذهم بالليل، حتى لا يقولوا إن الدنيا كانت مظلمة ولم نر شيئاً، ولكنه سيكون في وضح النهار. أي: أن الله حتى لو فتح باباً في السماء يصعدون منه إلى الملأ الأعلى في وضح النهار لكذَّبوا. وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الكون لِيُرينَا عجيبَ آياته، فيقول: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء ... ﴾

стр. 8852

والبروج تعني المباني العالية، والحق سبحانه هو القائل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ... ﴾ [النساء: ٧٨] وهو سبحانه القائل: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ [البروج: ١] والمعنى الجامع لكل هذا هو الزينة المُلْفتة بجِرْمها العالي؛ وقد تكون مُلْفِتة بجمالها الأخَّاذ. والبروج هي جمع بُرْج؛ وهي منازل الشمس والقمر؛ فكلما تحركت الشمس في السماء تنتقل من برج إلى آخر؛ وكذلك القمر، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿ ... كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وهو سبحانه القائل: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ... ﴾ [يونس: ٥] أي: لنضبط كل التوقيتات على ضَوْء تلك الحركة لكل من الشمس والقمر، ونحن حين نفتح أيَّ جريدة نقرأ ما يُسمَّى بأبواب الطالع، وفيه أسماء الأبراج: برج الحَمَل، وبرج الجدي، وبرج العذراء؛ وغيرها، وهي أسماء سريانية للمنازل التي تنزلها أبراج النجوم. ويقول الشاعر:

стр. 8853

حَملَ الثورُ جَوْزَة السرطَانِ ... ورعَى الليْثُ سُنبل المِيزَانِ عقربَ القوس جَدي دَلْو ... وحُوت ما عرفنَا من أُمة السّريّانِ. وهم اثنا عشر برجاً، ولكل برج مقاييس في الجو والطقس. وحين نقرأ القرآن نجد قول الحق سبحانه: ﴿وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] والبعض يحاول أن يجد تأثيراً لكل برج على المواليد الذين يُولدون أثناء ظهور هذا البرج، ولعل مَنْ يقول ذلك يصل إلى فَهْم لبعض من أسرار الله في كونه؛ ذلك أنه سبحانه قد أقسم بمواقع النجوم، وقال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] وهناك مَنْ يقول: إن لكل إنسان نجماً يُولَد معه ويموت معه؛ لذلك يُقَال «هوى نجم فلان» ، ونحن لا نجزم بصِحة أو عدم صِحّة مثل هذه الأمور؛ لأنه لم تثبُت علمياً، والحق سبحانه أعلم بأسراره، وقد يُعلمها لبعضٍ من خَلْقه. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد قول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً ... ﴾ [الحجر: ١٦] أي: أن هناك تأكيداً لوجود تلك البروج في السماء، وليس هذا

стр. 8854

الجَعْل لتأثيرها في الجو، أو لأنها علامات نهتدي بها، فضلاً عن تأثيرها على الحرارة والرطوبة والنباتات، ولكنها فوق كل ذلك تؤدي مُهمة جمالية كبيرة، وهي أن تكون زينة لكل مَنْ ينظر إليها. لذلك قال الحق سبحانه: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] ذلك أن الشيء قد يكون نافعاً؛ لكن ليس له قيمة جمالية؛ وشاء الحق سبحانه أن يجعل للنجوم قيمة جمالية، ذلك أنه قد خلق الإنسان، ويعلم أن لنفسه مَلكاتٍ مُتعددة، وكُلّ مَلَكةٍ لها غذاء. فغذاءُ العين المنظر الجميل؛ والأذن غذاؤها الصوت الجميل، والأنف غذاؤه الرائحة الطيبة؛ واللسان يعجبه المذاق الطيب، واليد يعجبها المَلْمَس الناعم؛ وهذا ما نعرفه من غذاء المَلَكات للحواس الخمس التي نعرفها. وهناك مَلَكات أخرى في النفس الإنسانية؛ تحتاج كل منها إلى غذاء معين، وقد يُسبّب أخذ مَلَكة من مَلَكات النفس لأكثر المطلوب لها من غذاء أن تَفْسد تلك المَلَكة؛ وكذلك قد يُسبِّب الحرمان لِملَكة ما فساداً تكوينياً في النفس البشرية. والإنسان المتوازن هو مَنْ يُغذّي مَلَكاته بشكل مُتوازن، ويظهر المرض النفسي في بعض الأحيان نتيجةً لنقص غذاء مَلَكة ما من المَلَكات النفسية، ويتطلب علاجُ هذا المرض رحلةً من البحث عن المَلَكة الجائعة في النفس البشرية. وهكذا نجد في النفس الإنسانية مَلَكة لرؤية الزينة، وكيف

стр. 8855

تستميل الزينة النفس البشرية؟ ونجد المثَل الواضح على ذلك هو وجود مهندسي ديكور يقومون بتوزيع الإضاءة في البيوت بأشكال فنية مختلفة. ولذلك يقول الحق سبحانه عن أبراج النجوم: ﴿ ... وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] ونجده سبحانه يقول عن بعض نِعَمه التي أنعم بها علينا: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ... ﴾ [النحل: ٨] وهكذا يمتنُّ علينا الحق سبحانه بجمال ما خلق وسخَّره لنا، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل هي في خدمة الإنسان في أمور أخرى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] وهو الذي جعل تلك الدواب لها منظر جميل؛ فهو سبحانه القائل: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] وهو سبحانه لم يخلق النعم لنستخدمها فقط في أغراضها المتاحة؛ ولكن بعضاً منها يروي أحاسيس الجمال التي خلقها فينا سبحانه. وكلما تأثرنا بالجمال وجدنا الجميل، وفي توحيده تفريد لجلاله.

стр. 8856

ويقول سبحانه عن السماء والبروج: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ ... ﴾

стр. 8857

ونعلم أن الشياطين كانوا يسترقون السمع لبعض من منهج الله الذي نزل على الرسل السابقين لرسول الله ﷺ َ؛ وكانوا يحاولون أن يُضيفوا لها من عندهم ما يُفسِد معناها، وما أنْ جاء رسول الله ﷺ َ حتى منع كل هذا بأمر من الحق سبحانه، ويقول جل عُلاَه: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ... ﴾ [الأنعام: ١٢١] ولذلك نجد الشياطين تقول ما ذكره الحق سبحانه على ألسنتهم في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن: ٨ - ١٠] وهكذا علمنا أنهم كانوا يسترقون السمع؛ ويأخذون بِضْعاً من كلمات المنهج ويزيدون عليها؛ فتبدو بها حقيقة واحدة وألف

стр. 8858

كذبة. وشاء الحق سبحانه أن يُكِّذب ذلك؛ فقال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] والشيطان كما نعلم هو عاصي الجن. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿إِلاَّ مَنِ استرق ... ﴾ وكلمة: ﴿استرق ... ﴾ [الحجر: ١٨]

стр. 8859

تُحدِّد المعنى بدقة، فهناك مَنْ سرق؛ وهناك مَنْ استرق؛ فالذي سرق هو مَنْ دخل بيتاً على سبيل المثال، وأخذ يُعبّئ ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد. لكن إنْ كان هناك أحد في المنزل؛ فاللص يتحرك في استخفاء؛ خوفاً من أن يضبطه مَنْ يوجد في المنزل ليحفظه؛ وهكذا يكون معنى «استرقَ» الحصول على السرقة مقرونة بالخوف. وقد كان العاصون من الجِنِّ قبل رسول الله ﷺ َ يسترقون السمع

стр. 8860

للمنهج المُنزّل على الرُّسُل السابقين لرسول الله ﷺ َ؛ واختلف الأمر بعد رسالته الكريمة؛ حيث شاء الحق سبحانه أنْ يحرسَ السماء؛ وما أنْ يقترب منها شيطان حتى يتبعه شهاب ثاقب. والشهاب هو النار المرتفعة؛ وهو عبارة عن جَذْوة تشبه قطعة الفحم المشتعلة؛ ويخرج منه اللهب. وهو ما يُسمّى بالشهاب. أما إذا كان اللهب بلا ذؤابة من دخان؛ فهذا اسمه «السَّمُوم» . وإنْ كان الدخان مُلْتوياً، ويخرج منه اللهب، ويموج في الجو فيُسمى «مارج» حيث قال الحق سبحانه: ﴿ ... مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: «١٥] وهكذا نجد السماء محروسة بالشهب والسَّمُوم ومارج من نار. ويقول سبحان من بعد ذلك: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا ... ﴾
следующие страницы →