Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.
стр. 9066
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿يُنَزِّلُ الملائكة﴾ [النحل: ٢] .
والآية الإجمالية التي تشرح ذلك هو قَوْلُ الحق سبحانه: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] .
أي: أنه سبحانه يختار ملائكة قادرين على التلقّي منه لِيُعْطوا المصطفين من الناس؛ لِيُبلِّغ هؤلاء المُصْطفين عن الله لبقية الناس.
ذلك أن العُلْويات العالية لا يملك الكائن الأَدْنى طاقة ليتحمَّل ما تتنزَّل به الأمور العُلْوية مباشرة من الحق سبحانه.
وسبق أنْ شبَّهتْ ذلك بالمُحوّل الذي نستخدمه في الكهرباء لينقل من الطاقة العالية إلى الأَدْنى من المصابيح، «وكُلّنا يعلم ما حدث للرسول ﷺ َ حين تلقَّى الوحي عبر جبريل ﵇» فَضمَّني حتى بلغ مِنَّي الجهد «وتفصد جبينه الطاهر عرقاً، وعاد إلى بيته ليقول» زملوني زملوني «و» دثروني دثروني «.
стр. 9067
ذلك أن طاقة عُلْوية نزلت على طاقة بشرية، على الرغم من أن طاقة رسول الله هي طاقة مُصْطفاة. ثم يألف الرسول الوحي وتخفّ عنه مِثْل تلك الأعباء، وينزل عليه قوله الحق:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ [الشرح: ١ - ٦] .
ثم يفتر الوحي لبعض من الوقت لدرجة أن النبي ﷺ َ يشتاق إليه، فلماذا اشتاق للوحي وهو مَنْ قال «دثِّروني دثِّروني» ؟
لقد كان فُتور الوحي بسبب أنْ يتعوّد محمد ﷺ َ على متاعب نُزول المَلَك؛ فتزولُ متاعب الالتقاء وتبقى حلاوة ما يبلغ به.
وقال بعض من الأغبياء: «إن ربَّ محمد قد قلاه» .
فينزل قوله سبحانه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥] .
стр. 9068
وكلمة الروح وردتْ في القرآن بمعَانٍ متعددة، فهي مرَّة الروح التي بها الحياة في المادة ليحدث بها الحسّ والحركة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] .
وهذا النفْخ في المادة يحدثُ للمؤمن والكافر، وهناك رُوح أُخْرى تعطي حياةً أعلى من الحياة الموقوتة: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
إذن: فالملائكة تنزل بالبلاغ عن الله بما فيه حياة أَرْقى من الحياة التي نعيش بها ونتحرَّك على الأرض. وهكذا تكون هناك رُوحان لا روحٌ واحدة؛ رُوح للحِسِّ والحركة؛ وروح تُعطي القِيم التي تقودنا إلى حياة أخرى أَرْقى من الحياة التي نحياها؛ حياةٌ لا فناءَ فيها.
ولذلك يُسمَّى الحق سبحانه القرآن روحاً؛ فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢] .
ويُسمَّى الحق سبحانه الملَكَ الذي ينزل بالقرآن روحاً، فيقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] .
ويشرح الحق سبحانه أن القرآن روحٌ تعطينا حياةً أَرْقى، فيقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
стр. 9069
أي: يدخل بكم إلى الحياة الأبدية التي لا موْتَ فيها ولا خَوْف أن تفقد النعمة أو تذهب عنك النعمةُ.
وهنا يُبلِّغنا سبحانه أن القرآن ينزل مع الملائكة:
﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] .
أي: تنزيلاً صادراً بأمره سبحانه، ويقول الحق سبحانه في موقع آخر: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١] .
والسَّطْحيون لا يلتفتون إلى أنَّ معنى: ﴿مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١] .
هنا تعني أنهم يحفظُونه بأمر من الله.
والأمر هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو ما جاء في الآية الأولى منها: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] .
وهذا الأمر هو نتيجة لِمَا يشاؤه الله من حياة للناس على الأرض، ونعلم أن الحق سبحانه له أوامر مُتعدِّدة يجمعها إبراز المعدوم إلى الوجود؛ فهو سبحانه القائل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
[النحل: ٤٠] .
стр. 9070
فإذا شاء أمراً جزئياً فهو يقول له: كُنْ فيكون، وإذا أراد منهجاً؛ فهو يُنزله، وإذا أراد حساباً وعقاباً وساعةً؛ فهو القائل ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ وهكذا نفهم أن معنى ﴿أَمْرُ الله﴾ هو ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إخراج المعدوم إلى حَيِّز الوجود؛ سواء أكان معدوماً جزئياً، أو معدوماً كلياً، أو معدوماً أزلياً.
وكُلّ ذلك اسمه أمر، ولحظةَ أنْ يأمرَ الله؛ فنحن نَثِقُ أن مأمور الله يبرز؛ ولذلك قال سبحانه: ﴿إِذَا السمآء انشقت وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٢] .
أي: أنها لم تسمع الأمر فقط؛ بل نفّذتْه فَوْر صدوره؛ دون أَدْنى ذرة من تخلُّف، فأمْر الله يُنفَّذ فَوْر صدوره من الحق سبحانه، أما أَمْر البشر فهو عُرْضَة لأنْ يُطَاع، وعُرْضَة لأنْ يُعصَى.
وسبحانه يُنزِّل الملائكة بالرُّوح على مَنْ يشاء لِيُنذِروا؛ ولم يَأْتِ الحق سبحانه بالبشارة هنا؛ لأن الحديث مُوجّه للكفار في قوله: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ... ﴾ [النحل: ١] .
ونزَّه ذاته قائلاً:
﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١] .
أو: أن الحق يُنبّه رسوله، إنْ دخلتَ عليهم فُفسِّر لهم مُبْهَم ما لا يعرفون. وهم لا يعرفون كيفية الاصطفاء. وهو الحق الأعلم بمَنْ يصطفي.
стр. 9071
ومشيئته الاصطفاء والاجتباء والاختيار إنما تتِمّ بمواصفات الحق سبحانه؛ فهو القائل: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
وعُلِم أن الكافرين قد قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
وقال الحق سبحانه في رَدِّه عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
فإذا كان الحق سبحانه قد قَسَّم بين الخَلْق أرزاقهم في معيشتهم المادية؛ وإذا كان سبحانه قد رفع بعضهم فوق بَعْض درجات؛ وهو مَنْ يجعل المرفوع مخفوضاً؛ ويجعل المخفوضَ مرفوعاً، فكيف يأتي هؤلاء في الأمور القِيَميّة المُتعلِّقة بالروح وبالمنهج، ويحاولون التعديل على الله؛ ويقولون «نريد فلاناً ولا نريد فلاناً» ؟
أو: أن الحق سبحانه يوضِّح لرسوله: بعد أنْ شرحتَ لهؤلاء أمر الوحي، فعليك أنْ تُبلِّغهم كلمة الله:
﴿لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون﴾ [النحل: ٢] .
وما دام لا يوجد إلهٌ آخر فعلى الرسول أن يُسْدِي لهم النصيحة؛ بأن يقصروا على أنفسهم حَيْرة البحث عن إله، ويُوضِّح لهم أنْ لا إله إلا هو؛ وعليهم أنْ يتقوه.
стр. 9072
وفي هذا حنان من الحق على الخَلْق، وهو الحق الذي منع الكائنات التي تعجبتْ ورفضتْ كُفْر بَعْضٍ من البشر بالله؛ وطلبتْ أن تنتقمَ من الإنسان، وقال لهم: «لو خلقتموهم لرحمتموهم، دَعُوني وخَلْقي؛ إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبُهم؛ وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم» .
وقَوْل الحق سبحانه:
﴿أَنْ أنذروا أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون﴾ [النحل: ٢] .
هو جماعُ عقائدِ السماء للأرض؛ وجماعُ التعبُّداتِ التي طلبها الله من خَلْقه لِيُنظِّم لهم حركة الحياة مُتساندةً لا مُتعاندةً.
فكأن:
﴿أَنْ أنذروا أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون﴾ [النحل: ٢] .
هي تفسيرٌ لِمَا أنزله الله على الملائكة من الرُّوح التي قُلْنا من قبل: إنها الروح الثانية التي يَجِيء بها الوَحْي؛ وتحمِلُ منهجَ الله ليضمن لِلْمُعتنِق حياة لا يزول نَعيمها ولا المُتنعِّم بها؛ وهي غَيْر الروح الأولى التي إذا نفخها الحق في الإنسان، فالحياة تدبُّ فيه حركةً وحِساً ولكنها إلي الفناء.
وكأن الحق سبحانه من رحمته بخَلْقه أن أنزلَ لهم المنهج الذي يهديهم الحياة الباقية بدلاً من أنْ يظلُّوا أَسْرى الحياة الفانية وحدها.
ومن رحمته أيضاً أن حذرهم من المصير السيئ الذي ينتظر مَنْ يكفر به؛ ومثل هذا التحذير لا يصدر إلا مِنْ مُحبٍّ؛ فسبحانه يُحِب خَلْقه، ويُحِب منهم أنْ يكونوا إليه مخلصين مؤمنين، ويحب لهم أنْ ينعموا في آخرة لا أسبابَ فيها؛ لأنهم سيعيشون فيها بكلمة «كُنْ» من المُسبّب.
стр. 9073
فإذا قال لهم ﴿أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ. .﴾ [النحل: ٢] فهو يُوضِّح أنه لا إله غيره، فلا تشركوا بي شيئاً، ولا تكذبوا الرسل وعليكم بتطبيق منهجي الذي يُنظِّم حياتكم وأُجازي عليه في الآخرة.
وإياكم أنْ تغترُّوا بأنِّي خلقتُ الأسباب مُسخرة لكم؛ فأنا أستطيع أن أقبض هذه الأسباب؛ فقد أردتُ الحياة بلاءً واختباراً؛ وفي الآخرة لا سُلْطان للأسباب أبداً: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] .
وظاهر الأمر أن المُلْك لله في الآخرة، والحقيقة أن المُلْك لله دائماً في الدنيا وفي الآخرة؛ ولكنه شاء أنْ يجعلَ الأسباب المخلوقة بمشيئته تستجيب للإنسان؛ فإياك أنْ تظنَّ أنك أصبحتَ قادراً؛ فأنت في الحياة تملك أشياء، ويملكك مَلِك أو حاكم مثلك؛ فسُنَّة الكون أنْ يوجدَ نظامٌ يحكم الجميع.
ولكن الآخرة يختلف الأمر فيها؛ فلا مُلْكَ لأحدٍ غير الله، بل إن الأعضاء نفسها لا تسير بإرادة أصحابها بل بإرادة الحق، تلك الأعضاء التي كانت تخضع لمشيئتك في الدنيا؛ لا حُكْمَ لك عليها في الآخرة، بل ستكون شاهدة عليك.
فإن كان الله قد أعطاك القدرة على تحريك الأعضاء في الدنيا، فإنْ وجَّهتها إلى مأمور الله؛ فأنت من عباده، وإنْ لم تُوجهها إلى مطلوب الله، فأنت من عبيده.
وبعد ذلك يُقدِّم لك سبحانه الحيثية التي تُعزِّز أمره بعبادته
стр. 9074
وحده، وأنْ لا إله غيره؛ فإنه لم يطلب أن نعبده إلا بعد أنْ خلق لنا السماوات والأرض؛ وكل الكون المُعَد لاستقبال الإنسان بالحق؛ أي بالشيء الثابت؛ والقانون الذي ليس في اختيار أحد سواه سبحانه.
ويقول سبحانه: ﴿خَلَقَ السماوات والأرض ... ﴾ .
стр. 9075
أي: تنزَّه سبحانه عَمَّا يشركون معه من آلهة، فلا أحدَ قد ساعده في خَلْق الكون وإعداده؛ فكيف تجعلون أنتم معه آلهة غيره؟ وسبحان مُنزَّه عن أنْ يكون معه آلهة أخرى، وسبحانه قد خلق لنَا من قبل أن يخلقنا؛ خلق السماوات والأرض وقدَّر الأرزاق، ولو نظرتَ إلى خَلْقك أنت لوجدت العَالَم الكبير قد انطوى فيك؛ وهو القائل: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
وأنت مخلوق من ماذا؟
ها هو الحق سبحانه يقول: ﴿خَلَقَ الإنسان ... .﴾ .
стр. 9076
والنطفة التي نجيء منها، وهي الحيوان المَنَويّ الذي يتزاوج مع البويضة الموجودة في رَحم المرأة فتنتج العلقة، وسبحانه القائل: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٩] .
بل إن القَذْفة الواحدة من الرجل قد يوجد فيها من الأنسال ما يكفي خَلْق الملايين؛ ولا يمكن للعين المُجرَّدة أنْ ترى الحيوان المنويّ الواحد نظراً لِدقَّته المتناهية.
وهذه الدقَّة المُتناهية لا يمكن أنْ تُرى إلا بالمجاهر المُكَّبرة، ومطمور في هذا الحيوان المنويّ كُل الخصائص التي تتحد مع الخصائص المَطْمورة في بُويْضة المرأة ليتكوَّن الإنسان.
وقد صدق العقاد ي ﵀ حين قال: «إن نصف كستبان الخياطة لو مُلِيء بالحيوانات المنوية لَوُلِد منه أنسال تتساوى مع تعداد البشر كلهم» .
وقد شاء الحق سبحانه ألا ينفُذَ إلى البويضة إلا الحيوانُ المنويّ القوي؛ لِيُؤكِّد لنا أن لا بقاءّ إلا للأصلح، فإنْ كان الحيوان المنويّ يحمل الصفات الوراثية لميلاد أنثى جاء المولد أنثى؛ وإنْ كان يحمل الصفات الوراثية لميلاد الذَّكَر جاء المولود ذكراً.
وأنت ترى مِثْل ذلك في النبات؛ فأوَّل حبَّة قمح كانت مثل آدم كأول إنسان بالطريقة التي نعرفها؛ وفي تلك الحبَّة الأولى أوجد
стр. 9077
الحق سبحانه مضمون كل حبوب القمح من بعد ذلك، وإلى أنْ تقومَ الساعة، وتلك عظمةُ الحق سبحانه في الخَلْق.
وقد أوضح لنا الحق سبحانه في اكثر من موضع بالقرآن الكريم مراحل خَلْق الإنسان؛ فهو: ﴿مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] .
وهو من نطفة، ومن علقة، ثم مضغة مُخلَّقة وغير مُخلَّقة.
والحيوان المنويّ المُسمَّى «نُطْفة» هو الذي يحمل خصائص الأنوثة أو الذكورة كما أثبت العلم الحديث، وليس للمرأة شَأْنٌ بهذا التحديد، وكأن في ذلك إشارةً إلى مهمة المرأة كسكَنٍ؛ لأن البُويْضة تتلقَّى الحيوان المنويّ وتحتضنه؛ ليكتمل النمو إلي أنْ يصير كائناً بشرياً: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] .
وهو الحق سبحانه القائل: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٨] .
والعلقة جاء اسمها من مهمتها، حيث تتعلق بجدار الرَّحمِ كما أثبت العِلْم المعاصر، يقول سبحانه: ﴿فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] .
стр. 9078
والمُضغْة هي الشيء المَمْضُوغ؛ ثم يَصِف سبحانه المضغة بأنها: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] .
ولقائل أن يتساءل: نحن نفهم أن المُضْغة المُخلَّقة فيها ما يمكن أن يصير عيناً أو ذراعاً؛ ولكن ماذا عن غير المُخلّقة؟
ونقول: إنها رصيد احتياطيّ لصيانة الجسم، فإذا كنتَ أيها المخلوق حين تقوم ببناء بَيْت فأنت تشتري بعضاً من الأشياء الزائدة من الأدوات الصحية على سبيل المثال تحسُّباً لما قد يطرأ من أحداث تحتاج فيها إلى قطع غيار؛ فما بالنا بالحق الذي خلق الإنسان؟
لقد جعل الله تلك المُضْغة غير المُخلَّقة رصيداً لصيانة، أو تجديداً لما قد يطرأ على الإنسان من ظروف؛ وتكون زائدة في الجسم وكأنها مخزنٌ لقطع الغيار.
والمثل هو الجروح التي تصيب الإنسان، ثم يتركها ليعالجها الجسمُ بنفسه، نجدها تلتئم دون أنْ تتركَ نَدْبة أو علامة، ذلك أنه قد تَمَّ علاجها من الصيدلية الداخلية التي أودعها الحق سبحانه في الجسم نفسه.
стр. 9079
والمفاجأة هي أن هذا الإنسانَ المخلوق لله:
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ٤] .
ويتمرَّد على خالقه، بل وينكر بعضٌ من الخَلْق أن هناك إلهاً؛ متجاهلين أنهم بقوة الله فيهم يتجادلون. والخصيم هو الذي يُجادل ويُنكِر الحقائق؛ فإذا حُدِّث بشيء غيبي، يحاول أنْ يدحضَ معقوليته.
ويقول سبحانه في سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] .
وقد يكون من المقبول أن تكون خَصْماً لمساويك؛ ولكن من غير المقبول أن تكون خصيماً لِمَنْ خلقك فسوَّاكَ فَعَدلك، وفي أيِّ صورة ما شاء رَكَّبك.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ ... .﴾ .
стр. 9080
والدِّفْءُ هو الحرارة للمبرود، تماماً مثلما نعطي المحرور برودة، وهذا ما يفعله تكييف الهواء في المنازل الحديثة. نجد الحق سبحانه هنا قد تكلَّم عن الدفء ولم يتكلم عن البرد، ذلك أن المقابل معلوم، وهو في آية أخرى يقول: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر ... ﴾ [النحل: ٨١] .
стр. 9081
وهذا ما يحدث عندما نسير في الشمس الحارة؛ فنضع مِظلة فوق رؤوسنا لتقينا حرارة الشمس الزاعقة الشديدة. ونحن في الشتاء نلبس قلنسوة أي: نلفّ شيئاً حول رؤوسنا، وهكذا نعلم أن اللباس يفعل الشيء ومقابله، بشرط أن يختار الإنسانُ اللباسَ المناسب للجوِّ المناسب.
وفي الأنعام منافع كثيرة؛ فنحن نشرب لبنها، ونصنع منه الجُبْن والسمن؛ ونجزّ الصوف لنغزل وننسج منه ملابس صوفية، وتحمل الأثقال، ونستفيد من ذريتها؛ وكذلك نأكل لحومها.
ونحن نعلم أن الأنعام قد جاء تفصيلها في موقع آخر حين قال الحق سبحانه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ... ﴾ [الأنعام: ١٤٣] .
وهي الضَّأن والمَعْز والإبل والبقر.
ونعلم أن الدِّفْءَ يأتي من الصُّوف والوَبَر والشَّعْر، ومَنْ يلاحظ شعر المَعْز يجد كل شَعْرة بمفردها؛ لكن الوبر الذي نجزه من الجمل يكون مُلبداً؛ وهذا دليل على دِقّة فَتْلته، أما الصوف فكل شعرة منه أنبوبة أسطوانية قَلْبُها فارغ.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ... ﴾ .
стр. 9082
وهنا نجد أن الحق سبحانه قد أعطانا الترف أيضاً بجانب الضروريات، فالدِّفْء والمنافع والأكل ضروريات للحياة، أما الجَمال فهو من تَرَف الحياة، والجمال هو ما تراه العين، فيتحقق السرور في النفس. والدِّفْء والمنافع والأكل هي أمور خاصة لِمَنْ يملك الأنعام؛ أما الجمال فمشاع عَامٌّ للناس، فحين ترى حصاناً جميلاً؛ أو البقرة المَزْهُوة بالصحة؛ فأنت ترى نعمة الله التي خلقها لِتسُرّ الناظر إليها.
ونلحظ هذا الجمال في لحظات سروح البهائم ولحظات رواحها. ونقول في الريف «سرحت البهائم» أي: خرجتْ من الحظائر لترعى وتأكل. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قدَّم الرَّواح أي العودة إلى الحظائر عن السُّروح؛ لأن البهائم حين تعود إلى حظائرها بعد أنْ ترعى تكون بطونُها ممتلئةً وضُروعها رابِية حافلة باللبن؛ فيسعد مَنْ يراها حتى قبل أنْ يطعمَ من ألبانها.
ومَنْ يخرج ببهائمه في الصباح من بيته، ويصحبها من زرائبها إلى الحقل، يجد جمالاً مع هيبة ومنعة مع أصوات تحقق للرجل المالك الهيبة، ومَنْ لا يملك يمكن أنْ يشاهد جمال تلك الأنعام.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى ... ﴾ .
стр. 9083
ونعلم أن الإنسانَ في حياته بين أمرين؛ إما ظَاعن أي: مسافر. وإما مقيم. وفي حالة المقيم، فالأنعامُ تُحقِّق له الدِّفْء والطعام والمَلْبس. وعادةً ما يكتفي متوسطُ الحال بأنْ يستقرّ في مكان إقامته وكذلك الفقير.
أما المُقْتدر الغنيّ؛ فأنت تجده يوماً في القاهرة، وآخر في الإسكندرية، أو طنطا، وقد يسافر إلى الخارج، وكلُّ ذلك ميسور في زمن المواصلات الحديثة. وقديماً كانت وسائل المواصلات شاقة، ولا يقدر على السفر إلا مَنْ كانت لديه إبل صحيحة أو خيول قوية، أما مَنْ لم يكن يملك إلا حماراً أعجف فهو لا يفكر إلا في المسافات القصيرة.
ولذلك نجد القرآن حين تكلم عن أهل سبأ يقول: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وظلموا أَنفُسَهُمْ ... ﴾ [سبأ: ١٩] .
وهم قد قالوا ذلك اعتزازاً بما يملكونه من خَيْل ووسائل سفر من دوابّ سليمة وقوية، تُهيِّئ السفر المريح الذي ينمُّ عن العِزّ والقوة والثراء.
وقوله الحق:
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ ... ﴾ [النحل: ٧] .
يعني وضع ما يَثْقل على ما يُثَقّل؛ ولذلك فنحن لا نجد إنساناً
стр. 9084
يحمل دابته؛ بل نجد مَنْ يحمل أثقاله على الدابة ليُخفِّف عن نفسه حَمْل أوزانٍ لا يقدر عليها.
ونعلم أن الوزن يتبع الكثافة؛ كما أن الحجمَ يتبع المساحة؛ فحين تنظر إلى كيلوجرام من القطن، فأنت تجد حجم كيلوجرام القطن أكبرُ من حجم الحديد؛ لأن كثافة الحديد مطمورة فيه، أما نفاشات القطن فهي التي تجعله يحتاج حيزاً اكبر من المساحة.
ويتابع الحق سبحانه قوله في الآية الكريمة:
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس ... ﴾ [النحل: ٧] .
ومَنْ يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول: «إن عَجُزَ الآية غَيْر متفق مع صَدْرها» .
ونقول لمثل صاحب هذا القول: أنت لم تفطن إلى المِنّة التي يمتنُّ بها الله على خَلْقه، فهم لم يكونوا بالغين لهذا البلد دون أثقالَ إلا بمشقَّة؛ فما بالنا بثِقَل المشقة حين تكون معهم أثقال من بضائع ومتاع؟
إنها نعمة كبيرة أنْ يجدوا ما يحملون عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون.
وكلمة ﴿بِشِقِّ﴾ [النحل] مصدرها شَق وهو الصِّدْع بين شيئين؛ ويعني عَزْل متصلين؛ وسبحانه هو القائل: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] .
стр. 9085
وهناك «شَق» وهو الجهد، و «شقَّة» . والإنسان كما نعلم هو بين ثلاث حالات: إمَّا نائم؛ لذلك لا يحتاج إلى طاقة كبيرة تحفظ له حياته؛ وأيضاً وهو مُتيقِّظ فأجهزته لا تحتاج إلى طاقة كبيرة؛ بل تحتاج إلى طاقة مُتوسِّطة لتعملَ؛ أما إنْ كان يحمل أشياءَ ثقيلة فالإنسان يحتاج إلى طاقة أكبر لتعمل أجهزته.
وكذلك نجد الحق سبحانه يقول: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة﴾
[التوبة: ٤٢] .
والمعنىّ هنا بالشُّقة هي المسافة التي يشقُّ قطعُها، ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] .
والصفتان هنا هما الرأفة والرحمة، وكل منهما مناسب لِمَا جاء بالآية؛ فالربُّ هو المُتولِّي التربية والمَدَد، وأيُّ رحلة لها مَقْصِد، وأيُّ رحلة هي للاستثمار، أو الاعتبار، أو للاثنين معاً.
فإذا كانت رحلةَ استثمار فدابّتُك يجب أن تكون قويةً لتحمل ما معك من أثقال، وتحمل عليها ما سوف تعود به من بضائع.
وإنْ كانت الرحلةُ للاعتبار فأنت تزيل بهذا السفر ألم عدم المعرفة
стр. 9086
والرغبة في الوصول إلى المكان الذي قصدته.
وهكذا تجد الرأفةَ مناسبةً لقضاء النفع وتحقيق الحاجة وإزالة الألم. وكلمة رحيم مناسبة لمنع الألم بتحقيق الوصول إلى الغاية.
وتوقَّفَ بعضٌ من العلماء عند مَقْصِد الرحلة؛ كأن تكون مسافراً للاتجار أو أن تكونَ مسافراً للاعتبار. ولكن هذا سفرٌ بالاختيار؛ وهناك سفر اضطراري؛ كالسفر الضروري إلى الحج مرة في العمرة.
والحق سبحانه يزيل ألم الحَمْل الثقيل، وبذلك تتحقق رأفته؛ وهو رحيم لأنه حقَّق لكم أُمنية السفر.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿والخيل والبغال ... ﴾ .
стр. 9087
وبعد أن ذكر لنا الحق سبحانه الأنعام التي نأخذ منها المأكولات، يذكر لنا في هذه الآية الأنعام التي نستخدمها للتنقل أو للزينة؛ ولا نأكل لحومها وهي الخَيْل والبِغَال والحمير؛ ويُذكِّرنا بأنها للركوب والمنفعة مع الزينة؛ ذلك أن الناس تتزيَّن بما تَرْكب؛
стр. 9088
تماماً كما يفخر أبناءُ عصرِنا بالتزيُّن بالسيارات الفارهة.
ونَسَقُ الآية يدلُّ على تفاوت الناس في المراتب؛ فكلُّ مرتبة من الناس لها ما يناسبها لِتركبه؛ فالخَيْل للسادة والفِرْسان والأغنياء؛ ومَنْ هم أقلُّ يركبون البغال، ومَنْ لا يملك ما يكفي لشراء الحصان أو البغل؛ فيمكنه أنْ يشتريَ لنفسه حماراً.
وقد يملك إنسانٌ الثلاثة ركائب، وقد يملك آخرُ اثنتين منها؛ وقد يملك ثالثٌ رُكوبة واحدة، وهناك مَنْ لا يملك من المال ما يُمكِنه أنْ يستأجرَ ولو رُكوبة من أيّ نوع.
وشاء الحق سبحانه أن يقسم للناس أرزاق كل واحد منهم قِلَّةً أو كثرةً، وإلا لو تساوى الناس في الرزق، فمَنِ الذي يقوم بالأعمال التي نُسمِّيها نحن بالخطأ أعمالاً دُونية، مَنْ يكنس الشوارع، ومَنْ يحمل الطُّوب للبناء، ومَنْ يقف بالشَّحْم وسط ورش إصلاح السيارات؟
وكما نرى فكلُّ تلك الأعمال ضرورية، ولولا رغبةُ الناس في الرزق لَمَا حَلَتْ مثل تلك الأعمال، وراقتْ في عُيون مَنْ يُمارِسونها، ذلك أنها تَقِيهم شَرَّ السُّؤال.
ولولا أن مَنْ يعمل في تلك الأعمال له بطنٌ تريد أنْ تمتليءَ بالطعام، وأولاد يريدون أنْ يأكلوا؛ لَمَا ذهب إلي مشقَّات تلك الأعمال. ولو نظرتَ إلى أفقر إنسان في الكون لوجدتَ في حياته فترة حقَّق فيها بعضاً من أحلامه.
وقد نجد إنساناً يكِدُّ عَشْرة سنين؛ ويرتاح بقية عمره؛ ونجد مَنْ يكِدّ عشرين عاماً فيُرِيح نفسه وأولاده من بعده، وهناك مَنْ يتعب ثلاثين عاماً، فيُريح أولاده وأحفاده من بعده. والمهم هو قيمة
стр. 9089
ما يُتقِنه، وأن يرضَى بقدر الله فيه، فيعطيه الله ما دام قد قَبِل قدره فيه.
وأنت إنْ نظرتَ إلى مَنْ فاء الله عليهم بالغِنَى والتَّرف ستجدهم في بداية حياتهم قد كَدُّوا وتَعِبوا ورَضُوا بقدر الله فيهم، ولم يحقدوا على أحد، نجده سبحانه يهديهم طمأنينةَ وراحةَ بالٍ.
وشاء سبحانه أنْ يُنوِّع في مُسْتويات حياة البشر كَيْلا يستنكفَ أحدٌ من خدمة أحد ما دام يحتاج خدماته.
ونجد النصّ التعبيري في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو خَيْل وبِغَال وحمير؛ وقد جعل الحق سبحانه البغال في الوسط؛ لأنها ليست جنساً بل تأتي من جنسين مختلفين.
ويُنبِّهنا الحق سبحانه في آخر الآية إلى أن ذلك ليس نهاية المَطَاف؛ بل هناك ما هو أكثر، فقال:
﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
وجعل الحق سبحانه البُراق خادماً لسيدنا رسول الله ﷺ َ، وجعل بساط الريح خادماً لسليمان ﵇، وإذا كانت مثل تلك المُعْجزات قد حدثتْ لأنبياء؛ فقد هدى البشر إلى أنْ يبتكروا من وسائل المواصلات الكثير من عربات تجرُّها الجِيَاد إلى سيارات وقطارات وطائرات.
وما زال العلم يُطوِّر من تلك الوسائل، ورغم ذلك فهناك مَنْ يقتني الخيْل ويُربّيها ويُروِّضها ويجريّها لجمال منظرها.
وإذا كانت تلك الوسائلُ من المواصلات التي كانت تحمل عنَّا
стр. 9090
الأثقال؛ وتلك المُخْترعات التي هدانا الله إياها؛ فما بالُنَا بالمواصلات في الآخرة؟ لا بد أن هناك وسائلَ تناسب في رفاهيتها ما في الآخرة من متاعٍ غير موجود في الدنيا؛ ولذلك يقول في الآية التالية: ﴿وعلى الله قَصْدُ ... ﴾ .
стр. 9091
والسبيل هو الطريق؛ والقَصْد هو الغاية، وهو مصدر يأخذون منه القول (طريق قاصد) أي: طريق لا دورانَ فيه ولا التفاف. والحق سبحانه يريد لنا أنْ نصلَ إلى الغاية بأقلِّ مجهود.
ونحن في لغتنا العاميّة نسأل جندي المرور «هل هذا الطريق ماشي؟» رغم أن الطريق لا يمشي، بل أنت الذي تسير فيه، ولكنك تقصد أن يكون الطريق مُوصِّلاً إلى الغاية. وأنت حين تُعجِزك الأسباب تقول «خلِّيها على الله» أي: أنك ترجع بما تعجزك أسبابه إلى المُسبِّب الأعلى.
وهكذا يريد المؤمن الوصول إلى قَصْده، وهو عبادة الله وُصولاً إلى الغاية، وهي الجنة، جزاءً على الإيمان وحُسْن العمل في الدنيا.
وأنت حين تقارن مَجْرى نهر النيل تجد فيه التفافاتٍ وتعرُّجات؛ لأن الماء هو الذي حفر طريقه؛ بينما تنظر إلى الريَّاح التوفيقي مثلاً فتجده مستقيماً؛ ذلك أن البشر هم الذين حفروه إلى مَقْصد معين.
стр. 9092
وحين يكون قَصْد السبيل على الله؛ فالله لا هَوى له ولا صاحبَ، ولا ولدَ له، ولا يحابي أحداً، وكلُّ الخَلْق بالنسبة له سواء؛ ولذلك فهو حين يضع طريقاً فهو يضعُه مستقيماً لا عِوجَ فيه؛ وهو الحق سبحانه القائل: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] .
أي: الطريق الذي لا التواءَ فيه لأيِّ غَرَض، بل الغرض منه هو الغاية بأيسرَ طريق.
وقول الحق سبحانه هنا:
﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل ... ﴾ [النحل: ٩] .
يجعلنا نعود بالذاكرة إلى ما قاله الشيطان في حواره مع الله قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] .
وردَّ الحق سبحانه: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] .
والحق أيضاً هو القائل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا للهدى﴾ [الليل: ١٢] .
أي: أنه حين خلق الإنسان أوضح له طريق الهداية، وكذلك يقول سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] .
стр. 9093
أي: أن الحق سبحانه أوضح للإنسان طُرق الحق من الباطل، وهكذا يكون قوله هنا:
﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ [النحل: ٩] .
يدلُّ على أن الطريق المرسوم غايتُه موضوعة من الله سبحانه، والطريق إلى تلك الغاية موزونٌ من الحق الذي لا هَوى له، والخَلْق كلهم سواء أمامه.
وهكذا. . فعلى المُفكِّرين ألاَّ يُرهِقوا أنفسهم بمحاولة وَضْع تقنين من عندهم لحركة الحياة، لأن واجدَ الحياة قد وضع لها قانون صيانتها، وليس أدلّ على عَجْز المفكرين عن وضع قوانين تنظيم حياة البشر إلا أنهم يُغيِّرون من القوانين كل فَتْرة، أما قانون الله فخالد باقٍ أبداً، ولا استدراكَ عليه.
ولذلك فمِنَ المُرِيح للبشر أنْ يسيروا على منهج الله والذي قال فيه الحق سبحانه حكماً عليهم أنْ يُطبِّقوه؛ وما تركه الله لنا نجتهد فيه نحن.
وقوله الحق:
﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل ... ﴾ [النحل: ٩] .
أي: أنه هو الذي جعل سبيلَ الإيمان قاصداً للغاية التي وضعها سبحانه، ذلك أن من السُّبل ما هو جائر؛ ولذلك قال:
﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ.
. .﴾ [النحل: ٩] .
ولكي يمنع الجَوْر جعل سبيلَ الإيمان قاصداً، فهو القائل:
стр. 9094
﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض ... ﴾ [المؤمنون: ٧١] .
بينما السبيل العادلة المستقيمة هي السبيل المُتكفّل بها سبحانه، وهي سبيل الإيمان، ذلك أن من السُّبل ما هو جائر أي: يُطِيل المسافة عليك، أو يُعرِّضك للمخاطر، أو توجد بها مُنْحنيات تُضِل الإنسانَ، فلا يسيرُ إلى الطريق المستقيم.
ونعلم أن السبيل تُوصِّل بين طرفين (من وإلى) وكل نقطة تصل إليها لها أيضاً (من وإلى) وقد شاء الحق سبحانه ألاَّ يقهرَ الإنسانَ على سبيل واحد، بل أراد له أنْ يختار، ذلك أن التسخير قد أراده الله لغير الإنسان مِمَّا يخدم الإنسان.
أما الإنسان فقد خلق له قدرة الاختيار، ليعلم مَنْ يأتيه طائعاً ومَنْ يعصي أوامره، وكل البشر مَجْموعون إلى حساب، ومَن اختار طريق الطاعة فهو مَنْ يذهب إلى الله مُحباً، ويُثبِت له المحبوبية التي هي مراد الحق من خَلْق الاختيار، لكن لو شاء أنْ يُثبِتَ لنفسه طلاقة القَهْر لخَلقَ البشر مقهورين على الطاعة كما سخَّر الكائنات الأخرى.
والحق سبحانه يريد قلوباً لا قوالب؛ ولذلك يقول في آخر الآية:
﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] .
وكل أجناس الوجود كما نعلم تسجد لله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
стр. 9095
وفي آية أخرى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] .
إذن: لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي: الإنس والجن، كما هدى كُلَّ الكائنات الأخرى، ولكنه يريد قلوباً لا قوالبَ.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿هُوَ الذي أَنْزَلَ ... ﴾ .
وقوله:
стр. 9096
﴿أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً ... ﴾ [النحل: ١٠] .
يبدو قولاً بسيطاً؛ ولكن إنْ نظرنا إلى المعامل التي تُقطِّر المياه وتُخلِّصها من الشوائب لَعلِمْنَا قَدْر العمل المبذول لنزول الماء الصافي من المطر.
والسماء كما نعلم هي كل ما يعلونا، ونحن نرى السحاب الذي يجيء نتيجة تبخير الشمس للمياه من المحيطات والبحار، فيتكوَّن البخار الذي يتصاعد، ثم يتكثَّف ليصيرَ مطراً من بعد ذلك؛ وينزل المطر على الأرض.
стр. 9097
ونعلم أن الكرة الأرضية مُكوَّنة من محيطات وبحار تُغطِّي ثلاثة أرباع مساحتها، بينما تبلغ مساحة اليابسة رُبْع الكرة الأرضية؛ فكأنه جعل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية لخدمة رُبْع الكرة الأرضية.
ومن العجيب أن المطر يسقط في مواقع قد لا تنتفع به، مثل هضاب الحبشة التي تسقط عليها الأمطار وتصحب من تلك الهضاب مادة الطمي لِتُكوِّن نهر النيل لنستفيد نحن منه.
ونجد الحق سبحانه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ﴾ [النور: ٤٣] .
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] .
ولولا عملية البَخْر وإعادة تكثيف البخار بعد أن يصير سحاباً؛ لَمَا استطاع الإنسانُ أنْ يشربَ الماء المالح الموجود في البحار، ومن حكمة الحق سبحانه أن جعل مياه البحار والمحيطات مالحةً؛ فالمِلْح يحفظ المياه من الفساد.
стр. 9098
وبعد أن تُبخِّر الشمسُ المياه لتصير سحاباً، ويسقط المطر يشرب الإنسانُ هذا الماء الذي يُغذِّي الأنهار والآبار، وكذلك ينبت الماء الزرع الذي نأكل منه.
وكلمة ﴿شَجَرٌ﴾ تدلُّ على النبات الذي يلتفُّ مع بعضه. ومنها كلمة «مشاجرة» والتي تعني التداخل من الذين يتشاجرون معاً.
والشجر أنواع؛ فيه مغروس بمالك وهو مِلْك لِمَنْ يغرسه ويُشرِف على إنباته، وفي ما يخرج من الأرض دون أنْ يزرعه أحد وهو مِلْكية مشاعة، وعادة ما نترك فيه الدَّواب لترعى، فتأكل منه دون أنْ يردَّها أحد.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] .
من سَام الدابة التي تَرْعى في المِلْك العام، وساعة ترعى الدابة في المِلْك العام فهي تترك آثارها من مَسَارب وعلامات. ويُسَمُّون الأرضَ التي يوجد بها نبات ولا يقربها حيوان بأنها «روضة أنُف» بمعنى أن أحداً لم يَأتِ إِليها أو يَقربها؛ كأنها أنفت أنْ يقطف منها شيء.
стр. 9099
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ... .﴾ .
стр. 9100
وهكذا يُعلِمنا الله أن النبات لا ينبت وحده، بل يحتاج إلى مَنْ يُنبِته، وهنا يَخصُّ الحق سبحانه ألواناً من الزراعة التي لها أَثَر في الحياة، ويذكر الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من كل الثمرات.
والزيتون كما نعلم يحتوي على مواد دُهْنية؛ والعنب يحتوي على مواد سُكرية، وكذلك النخيل الذي يعطي البلح وهو يحتوي على مواد سُكرية، وغذاء الإنسان يأتي من النشويات والبروتينات.
وما ذكره الحق سبحانه أولاً عن الأنعام، وما ذكره عن النباتات يُوضِّح أنه قد أعطى الإنسان مُكوِّنات الغذاء؛ فهو القائل: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ١ - ٤] .
أي: أنه جعل للإنسان في قُوته البروتينات والدُّهنيات والنشويات والفيتامينات التي تصون حياته.
стр. 9101
وحين يرغب الأطباء في تغذية إنسان أثناء المرض؛ فهم يُذِيبون العناصر التي يحتاجها للغذاء في السوائل التي يُقطِّرونها في أوردته بالحَقْن، ولكنهم يخافون من طول التغذية بهذه الطريقة؛ لأن الأمعاء قد تنكمش.
ومَنْ يقومون بتغذية البهائم يعلمون أن التغذية تتكَّون من نوعين؛ غذاء يملأ البطن؛ وغذاء يمدُّ بالعناصر اللازمة، فالتبن مثلا يملأ البطن، ويمدُّها بالألياف التي تساعد على حركة الأمعاء، ولكن الكُسْب يُغذِّي ويضمن السِّمنة والوَفْرة في اللحم.
وحين يقول الحق سبحانه:
﴿يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب وَمِن كُلِّ الثمرات﴾ [النحل: ١١] .
فعليك أنْ تستقبلَ هذا القول في ضَوْء قَوْل الحق سبحانه: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٤] .
ذلك أنك تحرثُ الأرض فقط، أما الذي يزرع فهو الحق سبحانه؛ وأنت قد حرثتَ بالحديد الذي أودعه الله في الأرض فاستخرجْتَه أنت؛ وبالخشب الذي أنبته الله؛ وصنعتَ أنت منهما المحراث الذي تحرث به في الأرض المخلوقة لله، والطاقة التي حرثتَ بها ممنوحة لك من الله.
стр. 9102
ثم يُذكِّرك الله بأن كُلَّ الثمرات هي من عطائه، فيعطف العام على الخاص؛ ويقول:
﴿وَمِن كُلِّ الثمرات﴾ [النحل: ١١] .
أي: أن ما تأخذه هو جزء من كل الثمرات؛ ذلك أن الثمرات كثيرة، وهي أكثر من أن تُعَد.
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] .
أي: على الإنسان أنْ يُعمِلَ فكره في مُعْطيات الكون، ثم يبحث عن موقفه من تلك المُعْطيات، ويُحدِّد وَضْعه ليجد نفسه غير فاعل؛ وهو قابل لأنْ يفعَل.
وشاء الحق سبحانه أن يُذكِّرنا أن التفكُّر ليس مهمةَ إنسان واحد بل مهمة الجميع، وكأن الحق سبحانه يريد لنا أنْ تتسانَد أفكارنا؛ فَمْن عنده لَقْطة فكرية تؤدي إلى الله لا بُدَّ أنْ يقولها لغيره.
ونجد في القرآن آيات تنتهي بالتذكُّر والتفكُّر وبالتدبُّر وبالتفقُّه، وكُلٌّ منها تؤدي إلى العلم اليقيني؛ فحين يقول «يتذكرون» فالمعنى أنه سبق الإلمام بها؛ ولكن النسيان محاها؛ فكأن مِنْ مهمتك أنْ تتذكَّر.
стр. 9103
أما كلمة «يتفكرون» فهي أُمّ كل تلك المعاني؛ لأنك حين تشغل فكرك تحتاج إلى أمرين، أنْ تنظرَ إلى مُعْطيات ظواهرها ومُعْطيات أدبارها.
ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ [النساء: ٨٢] .
وهذا يعني ألاَّ تأخذ الواجهة فقط، بل عليك أنْ تنظرَ إلى المعطيات الخلفية كي تفهم، وحين تفهم تكون قد عرفتَ، فالمهمة مُكوَّنة من أربع مراحل؛ تفكُّر، فتدبُّر، فتفقُّه؛ فمعرفة وعِلْم.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل ... ﴾ .
стр. 9104
ونعلم أن الليل والنهار آيتان واضحتان؛ والليل يناسبه القمر، والنهار تناسبه الشمس، وهم جميعاً متعلقون بفعل واحد، وهم نسق واحد، والتسخير يعني قَهْر مخلوق لمخلوق؛ لِيُؤدِّي كُلٌّ مهمته. وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر؛ كُلٌّ له مهمة، فالليل مُهِمته الراحة.
стр. 9105
قال الحق سبحانه: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] .
والنهار له مهمة أنْ تكدحَ في الأرض لتبتغي رِزْقاً من الله وفَضْلاً، والشمس جعلها مصدراً للطاقة والدِّفْء، وهي تعطيك دون أنْ تسألَ، ولا تستطيع هي أيضاً أن تمتنعَ عن عطاء قَدَّره الله.
وهي ليست مِلْكاً لأحد غير الله؛ بل هي من نظام الكون الذي لم يجعل الحق سبحانه لأحد قدرةً عليه، حتى لا يتحكَّم أحدٌ في أحدٍ، وكذلك القمر جعل له الحق مهمة أخرى.
وإياك أنْ تتوهَم أن هناك مهمة تعارض مهمة أخرى، بل هي مهام متكاملة. والحق سبحانه هو القائل: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ١ - ٤] .
أي: أن الليل والنهار وإنْ تقابلا فليسَا متعارضين؛ كما أن الذكر والأنثى يتقابلان لا لتتعارض مهمة كل منهما بل لتتكامل.
ويضرب الحق سبحانه المثل لِيُوضّح لنا هذا التكامل فيقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢] .
следующие страницы →