← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ [المائدة: ٨٣] . والصنف الآخر استمع إلى القرآن، فكانت قلوبهم كالحجارة، وفيهم قال الحق سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] . ذلك أن قلوبهم مُمْتلئة بالكفر؛ وقد دخلوا ومعهم حكم مُسْبق، فلم يقيموا ميزانَ العدل ليقيسوا به فائدة ما يسمعون. ولذلك أوضح الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ ألا يحزن، فالمسألة لها سوابق مع غيرك من الرسل؛ فقد نزل كل رسول بكتاب يحمل المنهج، ولكن الناس استقبلوا تلك الكتب كاستقبال قومك لِمَا نزل إليك بين كافر ومؤمن، واختلفوا في أمور الكُتب المنزَّلة إلى رسلهم. وكان انقسامهم كانقسام قومك حول الكتاب المُنزَّل إليك، فلا تحزنْ إنِ اتهموك بأنك ساحرٌ، أو أن ما نزل إليك كتابُ شعر، أو أنك تمارس الكهانة؛ أو فقدوا القدرة على الحكم عليك واتهموك بالجنون. وهكذا قَسَّموا القرآن المُنزَّل من الله سبحانه إلى أقسام هي: السِّحْر، والكهانة، والشعر، والجنون، كما فعل من قبلهم أقوام أخرى:

стр. 9032

فمنهم مَنْ قال، وأثبته القرآن عليهم: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] . وهكذا تعلم يا رسول الله أنك لست بِدْعاً من الرسل، ذلك أن الرسل لا يأتون أقوامهم إلا وقد طَمَّ الفساد والبلاء، ولا يوجد فساد إلا بانتفاع واحد بالفساد بينما يضرُّ بالآخرين. وإذا ما جاء رسول ليصلح هذا الفساد يهُبُّ أهل الاستفادة من الفساد ليقاوموه ويضعوا أمامه العراقيل؛ مثلما حدث معك يا رسول الله حين قال بعضهم: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] . ومثل هذا القول إنما يدلُّ على أنهم لو صَفُّوا نفوسهم، واستمعوا للقرآن لاهتدوا؛ لذلك يقول لهم سادتهم: ﴿والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] . أي: شَوِّشوا عليه.

стр. 9033

وهكذا فالاقتسام الذي استقبل به الكفار القرآن سبق وأنْ حدث مع الرسل الذين سبقوك. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿الذين جَعَلُواْ ... ﴾ .

стр. 9034

وكلمة (عضين) تعني القطع؛ فيُقال للجزار حين يذبح الشاة أو العجل أنه قد جعله عِضين. أي: فصَل كُلَّ ذراع عن الآخر، وكذلك قطع الفخذ؛ أي: أنه جعل الذبيحة قِطَعاً قِطَعاً بعد أنْ كانت أعضاء مُتصلة. وكذلك كان القرآن حينما نزل كياناً واحداً؛ فأراد بعض من الكفار أن يُقطِّعوه إلى أجزاء. والمقصود هنا هم جماعة من اليهود

стр. 9035

وجماعة من النصارى الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ َ وأرادوا أنْ يُقطِّعوا القرآن كما فعلوا مع الكتابين اللذين نزلا على موسى، وهما التوراة؛ والإنجيل الذي جاء به عيسى. وقد قال الحق سبحانه فيهما: ﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] . أي: أن بعضاً من اليهود قد نَسُوا بعضاً من التوراة، وكذلك نسى البعض من أتباع عيسى بعضاً من الإنجيل الذي نزل عليه. وإنْ وجدنا لهم العذر في النسيان؛ فماذا عن الذي كتموه من تلك الكتب؟ وماذا عن الذي بدَّلوه وحرَّفوه من كلمات تلك الكتب؟ وماذا عن الذي أضافوه عليه، ولم ينزل من عند الله؟ وقد فضح سبحانه كل ذلك في القرآن. أو: أن اليهود استقبلوا القرآن استقبالَ مَنْ يُصدِّق بعضه مِمَّا

стр. 9036

لا يتعبهم، وكذَّبوه في البعض الذي يتعبهم، فقد كذَّبوا مثلاً أن كتابهم قد بشَّرهم بمحمد ﵊ ُ. وهكذا نرى كيف حاولوا أن يجعلوا القرآن عِضين، أي: قطعاً مفصولة عن بعضها البعض، وقد حاولوا ذلك بعد أن تبيَّن لهم أن القرآن مُؤثِّر وفاعل. وشاء الحق سبحانه للقرآن أن يحمل النذارة والبشارة؛ فالرسول نذير بالقرآن المبين الواضح لِمَنِ اقتسموا الأمر بالنسبة لمحمد ﵊ ُ - فقِسْم منهم تفرَّغ للاستهزاء بمحمد ومَنْ آمنوا معه؛ وجماعة أخرى قسَّمتْ أعضاءها ليجلسوا على أبواب مكة أثناء موسم الحج، ويستقبلون القادمين للحج من البلاد المختلفة ليحذروهم من الاستماع لمحمد ﵊ ُ. ومن هؤلاء مَنْ وصف الرسولَ صلى الله عليه وسم بالجنون؛ ومنهم مَنْ وصف القرآن بأنه شِعْر؛ ومنهم مَنْ وصفَ الرسول بأنه ساحر. ثم يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ ... ﴾ .

стр. 9037

وهنا يُقسِم الحق سبحانه بصفة الربوبية التي تعهدتْ رسوله بالتربية والرعاية ليكون أهلاً للرسالة أنه لن يُسلِمه لأحد، وهو سبحانه مَنْ قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٩] . أي: أن كل رسول هو مصنوع ومَحْميّ بإرادته سبحانه؛ وتلك

стр. 9038

عناية الحماية للمنهجية الخاصة، وعناية المصطفين الذين يحملونَ رسالته إلى الخَلْق؛ فقد رزق سبحانه خَلْقه جميعاً؛ والرسل إنما يأتون لمهمة تبليغ المنهج الذي يُدير حركة الحياة؛ لذلك لا بُدَّ أن يُوفّر لهم الحق سبحانه عناية من نوع خاص. وقَوْل الحق سبحانه هنا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] . يُبيِّن لنا أنه سيسألهم سبحانه عن أدقِّ التفاصيل؛ ومجرد توجيه السؤال إليهم فيه لَوْن من العذاب. ويحاول البعض مِمَّنْ يريدون أنْ يعثروا على تعارض في القرآن أن يقولوا: كيف يقولَ الله مرة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] . ويقول في اكثر من موقع بالقرآن أنه سيسأل هؤلاء المُكذِّبين؛ فكيف يُثبِت السؤالَ مرة، وينفيه مرة أخرى؟ ونقول لهؤلاء: أنتم تستقبلون القرآن بسطحية شديدة، فهذا الذي تقولون إنه تعارض إنما هو مجرد ظاهر من الأمر، وليس تعارضاً في حقيقة الأمر. ونحن نعلم أن السؤال أيّ سؤال له مُهِمتان، المُهِمة الأولى: أن تعلم ما تجهل. والمهمة الثانية: لتقرَّ بما تعلم. والحق سبحانه حين ينفي سؤالاً فهو ينفي أن أحداً سيُخبره بما لا يعلم سبحانه؛ وحين يثبت السؤال؛ فهذا يعني أنه سيسألهم سؤالَ الإقرار.

стр. 9039

وهكذا نعلم أن القرآن إذا أثبت حدثاً مرة ونفَاهُ مرة أخرى، فاعلم أن الجهة مُنفكّة، أي: أن جهة النفي غَيْر جهة الإثبات، وكُلٌّ منهما لها معنًى مختلف. وقوله هنا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] . يعني أن الضَّال والمُضِلْ، والتابع والمتبوع سَيُسألون عَمَّا عملوا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 9040

والعمل كما نعلم هو اتجاه جارحة إلى مُتعلّقها؛ فجارحةُ العين مُتعلِّقها أنْ ترى؛ وجارحةُ اللسان مُتعلِّقها أن تتكلم، وجارحةُ اليد إما أنْ تُربّت، وإما أنَ تبطشَ. وهكذا فكُلُّ ما تصنعه ملكَاتُ الإدراك في النفس البشرية نُسمِّيه عملاً. وسبق أن علمنا أن العمل ينقسم إلى قول وفعل. ويقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] . أي: تذكَّروا أن الله لا يغيب عنه شيء، وأن كل ما تعملونه يعلمه، وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ ... ﴾ .

стр. 9041

أي: افرغ لِمُهمتك؛ فالصّدع تصنع شقاً في متماسك، كما نشق زجاجاً بالمشرط الخاص بذلك، أو ونحن نصنع شقاً في حائط. والرسول ﷺ َ قد جاء لِيشقَّ الكفر ويهدم الفساد القوي المتماسك الذي يَقْوي بقوة صناديد قريش. وقد شاع ذلك المصطلح «الصدع» في الزجاج؛ لأن أيَّ شقٍّ في أيِّ شيء من الممكن أنْ يلتئمَ إلا في الزجاج؛ لأنه يصعب أن يجمع الإنسان الفتافيت والقطع الصغيرة التي تنتج من صدعه، وقد جاء الإيمان ليصدع بنيان الكفر والفساد المتماسك. وقول الحق سبحانه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ [الحجر: ٩٤] . أي: أَعْطِهم عرض كتفيك، ولا تسأل عنهم؛ فَهُم لن يُسلِموا لك، ذلك أنهم مستفيدون من الفساد الذي جِئْتَ أنت لتهدمه، ولكنهم سيأتون لك تباعاً بعد أن تتثبت دعوتُك، وتصل قلوبهم إلى تيقُّن أن ما جئتَ به هو الحق. والمثَل هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؛ فقد قالا: «لقد استقر الأمر لمحمد، ولم تَعُدْ معارضتنا له تفيد أحداً» ، ودخلاَ الإسلام. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:

стр. 9042

﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ ... ﴾ .

стр. 9043

فبعد أنْ قال له: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ [الحجر: ٩٤] . وبعد أن ثبت لكل مَنْ عاش تلك الفترة أن كل مُستهزيء بمحمد ﷺ َ قد ناله عقاب من السماء. فها هو ذا الوليد بن المغيرة الذي يتبختَّر في ثيابه؛ فيسير على قطعة من الحديد، فيأنَفُ أن ينحنيَ لِيُخلّص ثوبه الذي اشتبك بقطعة الحديد؛ فتُجرح قدمه وتُصاب بالغرغرينا ويقطعونها له، ثم تنتشر الغرغرينا في كُلِّ جسده إلي أنْ يموتَ. وها هو الثاني الأسود بن عبد يغوث يُصاب بمرض في عينيه؛ ويُصاب بالعمَى، وكذلك الحارث بن الطلاطلة، والعاصي بن وائل. وكل مستهزيء برسول الله ﷺ َ قد ناله عقابٌ ما، ومَنْ لم تُصِبْه عاهة أو آفة صرعتْه سيوف المسلمين في بدر، لدرجة أن رسول الله ﷺ َ قد حدد المواقع التي سيلْقى فيها كل واحد من صناديد قريش حَتْفه؛ فقال: هنا مصرع فلان، وهناك مصرع فلان. وقد أوضح ﷺ َ تلك المواقع من قبل أن تبدأ المعركة، ونعلم أن الحرب تتطلب كَراً وفَراً، ولكن ما تنبأ به رسول الله ﷺ َ قد حدث بالضبط.

стр. 9044

ويُحدِّد الحق سبحانه نوعية هؤلاء المستهزئين بقوله: ﴿الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله ... ﴾ .

стр. 9045

أي: أن هؤلاء المشركين الذين يَهْزءون بك لهم عذابهم؛ ذلك أنهم أشركوا بالله سبحانه، وحين يقول الحق سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] . ففي هذا القول استيعاب لكل الأزمنة، أي: سيعلمون الآن ومن بعد الآن، فكلمة «سوف» تتسع لكل المراحل، فالحق سبحانه لم يأخذهم جميعاً في مرحلة واحدة، بل أخذهم على فترات. فحين يأخذ المُتطرِّف في الإيذاء؛ قد يرتدع مَنْ يُؤذِي، ويتراجع عن الاستمرار في الإيذاء، وقد يتحوّل بعضهم إلى الإيمان؛ فمَنْ كانت شِدّته على رسول الله ﷺ َ تصبح تلك الشدة في جانب الرسول ﷺ َ. وها هو المثَلُ واضح في عكرمة بن أبي جهل؛ يُصَاب في موقعة اليرموك؛ فيضع رأسه على فَخذِ خالد بن الوليد ويسأله: يا خالد، أهذه ميتة تُرضِي عني رسول الله ﷺ َ؟ فيرد خالد: «نعم» . فيُسلِم الروح مُطْمئناً.

стр. 9046

وهؤلاء المستهزئون؛ قد أشركوا بالله؛ فلم تنفعهم الآلهة التي أشركوها مع الله شيئاً، وحين يتأكد لهم ذلك؛ فَهُمْ يتأكدون من صدق رسول الله ﷺ َ فيما أبلغ عن الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ ... ﴾ .

стр. 9047

وفي هذا القول الكريم يتجلَّى تقدير الحق سبحانه لمشاعر النبوة، فالحق يُكلِّفه أنْ يفعلَ كذا وكذا، وسبحانه يعلم أيضاً ما يعانيه ﷺ َ في تنفيذ أوامر الحق سبحانه. ورد هذا المعنى أيضاً في قوله سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . فأنت يا رسولَ الله أكرم من أنْ تكذبَ، فقد شهدوا لك بحُسْن الصدق عبر معايشتهم لك من قبل الرسالة. وهنا يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] . ومعنى ضيق الصدر أنْ يقِلّ الهواء الداخل عَبْر عملية التنفُّس إلى الرئتين؛ فمن هذا الهواء تستخلص الرئتان الأوكسجين؛ وتطرد ثاني أوكسيد الكربون؛ ويعمل الأكسجين على أنْ يُؤكسِدَ الغذاء لِينتجَ الطاقة؛ فإنْ ضاق الصَّدْر صارت الطاقة قليلة.

стр. 9048

والمثَل يتضح لِمَنْ يصعدون السُّلَّم العالي لأيّ منزل أو أيّ مكان؛ ويجدون أنفسهم ينهجون؛ والسبب في هذا النهجَ هو أن الرئة تريد أنْ تُسرِعِ بالتقاط كمية الهواء أكبر من تلك التي تصل إليها، فيعمل القلب بشدة اكثر كي يُتيح للرئةِ أن تسحبَ كمية أكبر من الهواء. أما مَنْ يكون صدره واسعاً فهو يسحب ما شاء من الهواء الذي يتيح للرئة أن تأخذَ الكمية التي تحتاجها من الهواء، فلا ينهج صاحب الصدر الواسع. فكأن رسول الله ﷺ َ حين كان يُكذِّبه أحد، أو يستهزيء به أحد كان يضيق صَدْره فتضيق كمية الهواء اللازمة للحركة؛ ولذلك يُطمئِنه الحق سبحانه أن مَدَده له لا ينتهي. وأنت تلحظ عملية ضيق الصدر في نفسك حين يُضايقك أحد فتثور عليه؛ فيقول لك: لماذا يضيق صدرك؟ وَسِّع صدرك قليلاً. والحق سبحانه يقول في موقع آخر: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] . أي: يُوسّع صدره، وتزداد قدرته على فَهْم المعاني التي جاء بها الدين الحنيف. ويقول أيضاً:

стр. 9049

﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وهنا نجد أن الحق سبحانه يشرح عملية الصعود وكأن فيها مجاهدةً ومكابدةً، وهذا يخالف المسألة المعروفة بأنك إذا صعدتَ إلى أعلى وجدتَ الهواء اكثرَ نقاءً. وقد ثبت أن الإنسان كلما صعد إلى أعلى في الفضاء فلن يجد هواء. ويدلُّ الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسم على علاج لمسألة ضيق الصدر حين يُحزنه أو يؤلمه مُكذّب، أو مُسْتهزيء؛ فيقول سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ. .﴾ .

стр. 9050

وهكذا يمكن أن تُذْهب عنك أيَّ ضيق، أن تسبح الله. وإذا ما جافاكَ البِشْر أو ضايقك الخَلْق؛ فاعلم أنك قادر على الأُنْس بالله عن طريق التسبيح؛ ولن تجد أرحم منه سبحانه، وأنت حين تُسبِّح ربك فأنت تُنزِّهه عن كُلِّ شيء وتحمده، لتعيش في كَنَف رحمته. ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] . ولذلك إذا ضاق صدرك في الأسباب فاذهب إلى المُسبِّب.

стр. 9051

ونحن دائماً نقرن التسبيح بالحمد، فالتنزيه يكون عن النقائص في الذات أو في الصفات أو في الأفعال، وسبحانه كاملٌ في ذاته وصفاته وأفعاله، فذاتُه لا تُشْبِه أيَّ ذات، وصفاته أزلية مُطْلقة، أما صفات الخَلْق فهي موهبة منه وحادثة. وأفعال الحق لا حاكمَ لها إلا مشيئته سبحانه، ولذلك نجده جَلَّ وعَلا يقول في مسألة التسبيح: ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا. .﴾ [يس: ٣٦] . وهو القائل: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (الروم: ١٧] . وكُلٌّ من المساء والصباح آية منه سبحانه؛ فحين تغيب الشمس، فهذا إذْنٌ بالراحة، وحين تصبح الشمس فهذا إِذْنٌ بالانطلاق إلى العمل، وتسبيح المخلوق للخالق هو الأمر الذي لا يشارك اللهَ فيه أحدٌ من خَلْقه أبداً. فكأن سَلْوى المؤمن حين تضيق به أسباب الحياة أنْ يفزَع إلى ربه من قسوة الخَلْق؛ ليجد الراحة النفسية؛ لأنه يَأْوي إلى رُكْن شديد. ونجد بعضاً من العارفين بالله وهم يشرحون هذه القضية ليوجدوا عند النفس الإيمانية عزاءً عن جَفْوة الخَلْق لهم؛ فيقولون: «إذا أوحشك من خَلْقه فاعلم أنه يريد أن يُؤنسك به» . وأنت حين تُسبِّح الله فأنت تُقِرّ بأن ذاته ليستْ كذاتِك، وصفاته

стр. 9052

ليست كصفاتك، وأفعاله ليست كأفعالك؛ وكل ذلك لصالحك أنت؛ فقدرتك وقدرة غيرك من البشر هي قدرة عَجْز وأغيار؛ أما قدرته سبحانه فهي ذاتية فيه ومُطْلقة وأَزلية، وهو الذي يأتيك بكُل النِّعم. ولهذا فعليك أنْ تصحبَ التنزيه بالحمد، فأنت تحمد ربك لأنه مُنزَّه عن أنْ يكونَ مثلك، والحمد لله واجب في كل وقت؛ فسبحانه الذي خلق المواهب كلها لِتخدُمَك، وحين ترى صاحب موهبة وتغبطه عليها، وتحمد الله أنه سبحانه قد وهبه تلك الموهبة؛ فخيْرُ تلك النعمة يصِل إليك. وحين تُسبِّح بحمد الله؛ فسبحانه لا يُخلِف وَعْده لك بكل الخير؛ فَكُلُّنا قد نُخلِف الوعد رغماً عَنَّا، لأننا أغيار؛ أما سبحانه فلا يُخلِف وعده أبداً؛ ولذلك تغمرك النعمة كلما سبَّحْتَ الله وحمدته. وزِدْ خضوعاً للمُنْعِم، فاسجُدْ امتثالاً لأمره تعالى: ﴿وَكُنْ مِّنَ الساجدين﴾ [الحجر: ٩٨] . فالسجود هو المَظْهر الواسع للخضوع، ووجه الإنسان كما نعلم هو ما تظهر به الوجاهة؛ وبه تَلْقَى الناس؛ وهو أول ما تدفع عنه أيَّ شيء يُلوِّثه أو ينال من رضاك عنه. ومَنْ يسجد بأرقى ما فيه؛ فهذا خضوع يُعطي عِزّة، ومَنْ يخضع لله شكراً له على نعمه فسبحانه يعطيه من العزة ما يكفيه كل

стр. 9053

أَوْجُه السجود، وكُلُّنا نذكر قَوْل الشاعر: وَالسُّجود الذِي تَْجتوِيه فِيهِ ... مِْن أُلوفِ السُّجودِ نََجاةٌ والسجود هو قمة الخضوع للحق سبحانه. والإنسان يكره لفظ العبودية؛ لأن تاريخ البشرية حمل كثيراً من المظالم نتيجة عبودية البشر للبشر. وهذا النوع من العبودية يعطي كما نعلم خَيْر العبد للسيد؛ ولكن العبوديةَ لله تعطي خَيْره سبحانه للعباد، وفي ذلك قِمَّة التكريم للإنسان. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿واعبد رَبَّكَ ... ﴾ .

стр. 9054

ونعرف أن العبادة هي إطاعة العابد لأوامر المعبود إيجاباً أو سَلْباً، وتطبيق «افعل» و «لا تفعل» ، وكثيرٌ من الناس يظنون أن العبادة هي الأمور الظاهرية في الأركان الخمسة من شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة؛ وإيتاء الزكاة؛ وصوم رمضان؛ وحِجّ البيت لِمَن استطاع إليه سبيلاً. ونقول: لا، فهذه هي الأُسس التي تقوم عليها العبادة. أي: أنها البِنْية التي تقوم عليها بقية العبادة، وهكذا تصبح العبادة هي، كُل ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، أي: أن حركة الحياة كلها حتى كَنْس الشوارع، وإماطة الأذى عن الطريق هي عبادة،

стр. 9055

كل ما يُقصد به نَفْع الناس عبادة، كي لا يصبح المسلمون عالة على غيرهم. وفي إقامة الأركان إظهارٌ لقوة المسلمين، حين يُظهِرون كامل الولاء لله بإقامة الصلاة خمس مرات في اليوم الواحد، فيترك المسلم عمله فَوْر أنْ يسمع النداء ب «الله أكبر» فيخرج المسلم من صراعات الحياة، ويعلن الولاء للخالق المنعم. وحين يصوم المسلم شهراً في السنة؛ فهو يُعلِن الولاء للخالق الأكرم، ويصوم عن أشياء كثيرة كانت مُبَاحة؛ وأوَّل ما يأتي موعد الإمساك من قَبْل صلاة الفجر بقليل؛ فهو يمتنع فوراً. وهذا الامتثال لأوامر الحق سبحانه يُذكِّرك بنعمه عليك؛ فأنت في يومك العادي لا تقرب المُحرَّمات التي أخذتْ وقتاً أثناء بدايات الدين إلى أن امتنع عنها المسلمون، فلا أحدَ من المسلمين يُفكِّر في شُرْب الخمر؛ ولا أحدَ منهم يُفكِّر في لعب المَيْسِر، وانطبعتْ تلك الأمور؛ وصارتْ عادة سلوكية في إلْف ورتَابة عند غالبية المسلمين مِمَّنْ يُنفِّذون شريعة الله، ويُطبّقون «افعل» و «لا تفعل» . وعندما يأتي الصوم فأنت تمتنع عن أشياء هي حلال لك طوال العالم، وتقضي أي نهار في رمضان ونفسُك تستشرف سماع أذان المغرب لِتُفطر. وهكذا تمتثل للأمر بالامتناع والإمساك والأمر بالإفطار، وذلك لِيعُوّدك على الكثير من الطاعات التي تصير عند المؤمنين عادةً؛ وسبحانه يريد أنْ يُديم عليك لذَّة التكليف العبادي.

стр. 9056

وبعْضٌ من الناس يذهبون مذاهب الخطأ عندما يفسرون بأهوائهم قوله الحق: ﴿واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] . ويقول الواحد من هؤلاء مخادعاً الغير «لقد وصلت إلى مرتبة اليقين» ، ويمتنع عن أداء الفروض من صلاة وصوم وزكاة وحِجِّ إلى بيت الله الحرام رغم استطاعته، ويدَّعِي أن التكليف قد سقط عنه؛ لأن اليقين قد وصله. ونقول لمن يدَّعي ذلك: أَتُخادع الله ورسوله؟ وكُلُّنا يعلم أن رسول الله ﷺ َ ظَلَّ يُؤدِّي الفرائض حتى آخر يوم في حياته. وكُلُّنا يعلم أن اليقين المُتفق عليه والمُتيقن من كل البشر، ولا خلافَ عليه أبداً هو الموت. أما اليقين بالغيبيات فهو من خُصوصيات المؤمن؛ فما أنْ بلغه أمرها من القرآن فقد صَدَّقها، ولم يسأل كيف يتأتَّى أمرُها. والمثَلُ الواضح هو أبو بكر الصديق حينما كانوا يُحدِّثونه بالأمر الغريب من رسول الله ﷺ َ، فكان يقول «مادام قد قال فقد صدق» . أما الكافر والعياذ بالله فهو يشكُّ في كل شيء غيبيّ أو حتى ماديّ ما لم يكن محسوساً لديه، ولكن ما أنْ يأتيه الموت حتى يعلمَ أنه اليقين الوحيد. ولذلك نجد عمر بن عبد العزيز يقول: «ما رأيت يقيناً أشبه بالشكِّ من يقين الناس بالموت» .

стр. 9057

وكلنا نتيقن أننا سوف نموت؛ لكِنَّا نُزحزِح مسألة اليقين هذه بعيداً عَنَّا رَغْم أنها واقعةٌ لا محالةَ. فإذا ما جاء الموت، نقول: ها هي اللحظة التي لا ينفع فيها شيء إلا عمل الإنسان إنْ كان مؤمناً مُؤدِّياً لحقوق الله. ولذلك أقول دائماً: إن اليقين هو تصديق الأمر تصديقاً مؤكداً، بحيث لا يطفو إلى الذهن لِيُناقش من جديد، بعد أن تكون قد علمته من مصادر تثق بصدق ما تَبلغك به. أما عَيْن اليقين؛ فهي التي ترى الحدث فتتيقّنه، أو هو أمر حقيقيّ يدخل إلى قلبك فَتُصدقه، وهكذا يكون لليقين مراحل: أمر تُصدِّقه تَصديقاً جازماً فلا يطفو إلى الذهن لِيُناقَش من جديد، وله مصادر عِلْم مِمَّنْ تثق بصدقه، أو: إجماع من أناس لا يجتمعون على الكذب أبداً؛ وهذا هو «علم اليقين» ؛ فإنْ رأيتَ الأمر بعينيك فهذا هو حق اليقين. والمؤمن يُرتِّب تصديقه وتيقّنه على ما بلغه من رسول الله ﷺ َ. وها هو الإمام عليّ كرَّم الله وجهه وأرضاه يقول: «ولو أن الحجاب قد انكشف عن الأمور التي حدثنا بها رسول الله غيباً ما ازددتُ يقيناً» . «وها هو سيدنا حارثة ﵁ يقول:» كأنِّي أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون، فيقول له رسول الله ﷺ َ: «عرفت فالزم» . وذلك هو اليقين كما آمنَ به صحابة رسول الله ﷺ َ.

стр. 9058

هكذا تبدأ السورة الجليلة؛ مُوضِّحةً أن قضاءَ الله وحُكْمه بنصر الرسول والمؤمنين لا شَكَّ فيه ولا محَالة؛ وأن هزيمة أهل الكفر قادمة، ولا مَفرَّ منها إنْ هُم استمرُّوا على الكفر.

стр. 9059

وقد سبق أنْ أنذرهم الرسول ﷺ َ بما نَزل عليه من آيات الكتاب؛ أنذرهم في السورة السابقة ببعض العذاب الدنيوي، كنصر الإيمان على الكفر، وأنذرهم مِنْ قَبْل أيضاً ببعض العذاب في الآخرة، كقوْل الحق سبحانه: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] . وكذلك قوله الحق: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] . وهكذا وعد الحق سبحانه رسوله ﷺ َ أنْ يهزِم معسكر الكفر، وأنْ ينصرَ معسكر الإيمان؛ وإما أنْ يرى ذلك بعينيه أو إنْ قبض الحق أجلَه فسيراها في الآخرة. وعن حال الرسول ﷺ َ قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين﴾ [الحجر: ٩٥] . وأنذر الحق سبحانه أهل الشرك بأنهم في جهنم في اليوم الآخر، وهنا يقول سبحانه: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] . وهذا إيضاحٌ بمرحلة من مراحل الإخبار بما يُنذِرون به، كما قال مرة:

стр. 9060

﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] . أي: اقتربتْ ساعة القيامة التي يكون من بعدها حسابُ الآخرة والعذاب لِمَنْ كفر، والجنة لِمَنْ آمنَ وعمِل صالحاً، فاقترابُ الساعة غَيْر مُخيف في ذاته، بل مُخيف لِمَا فيه من الحساب والعقاب. وقيل: إن أهلَ الكُفْر لحظة أنْ سَمِعوا قول الحق سبحانه: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] . قالوا: «فلننتظر قليلاً؛ فقد يكون ما يُبلِّغ به محمد صحيحاً» وبعد أن انتظروا بعضاً من الوقت، ولم تَأْتِ الساعة كما بَشَّر الرسول الكريم ﷺ َ قالوا: انتظرنا ولم تَأْتِ الساعة، فنزل قول الحق سبحانه: ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] . وهذا حديث عن الأمر الذي سيحدث فوْرَ قيام الساعة، فَهَادنُوا وانتظروا قليلاً، ثم قالوا: أيْنَ الحساب إذن؟ فنزل قوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله. .﴾ [النحل: ١] . وساعة سَمِع الكُلُّ ذلك فَزِعوا؛ بمن فيهم من المسلمين؛ وجاء الإسعاف في قوله من بعد ذلك: ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ... ﴾ [النحل: ١] .

стр. 9061

أي: أن الأمر الذي يُعلنه محمد ﷺ َ لا يعلم ميعادَه إلا الله سبحانه؛ واطمأنَّ المسلمون. وكُلُّ حدث من الأحداث كما نعلم يحتاج كُلٌّ منها لظرفيْن؛ ظرْفِ زمانٍ؛ وظرْفِ مكان. والأفعال التي تدلُّ على هذه الظروف إما فِعْل مَاض؛ فظرْفُه كان قبل أن نتكلَم، وفعلٌ مضارع. أي: أنه حَلَّ، إلا إنْ كان مقروناً ب «س» أو ب «سوف» . أي: أن الفعل سيقع في مستقبل قريب إنْ كان مقروناً ب «س» أو في المستقبل غير المحدد والبعيد إن كان مسبوقاً ب «سوف» ، وهكذا تكون الأفعال ماضياً، وحاضراً، ومستقبلاً. وكلمة (أتى) تدلُّ على أن الذي يُخبرك به وهو الله سبحانه إنما يُخبِرك بشيء قد حدث قبل الكلام، وهو يُخبِر به، والبشر قد يتكلَّمون عن أشياءَ وقعتْ؛ ويُخبِرون بها بعضَهم البعض. ولكن المتكلِّم هنا هو الحقُّ سبحانه؛ وهو حين يتكلَّم بالقرآن فهو سبحانه لا ينقص عِلْمه أبداً، وهو علم أَزَليٌّ، وهو قادر على أن يأتيَ المستقبل وَفْق ما قال، وقد أعدَّ توقيت ومكان كُل شيء من قبل أنْ يخلقَ؛ وهو سبحانه خالق من قبل أن يخلق أي شيء؛ فالخَلْق صفة ذاتية فيه؛ وهو مُنزَّه في كل شيء؛ ولذلك قال: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ١] . أي: أنه العليمُ بزمن وقوع كُلِّ حدَث، وقد ثبت التسبيح له ذاتاً من قَبْل أن يوجد الخَلْق؛ فهو القائل:

стр. 9062

﴿يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] . ثم خلق السماوات وخلق الأرض وغيرهما. أي: أنه مُسبِّح به من قَبْل خَلْق السماوات والأرض، وهو القائل سبحانه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الحشر: ١] . ولكن هل انتهى التسبيح؟ لا، بل التسبيح مُستمِرٌّ أبداً، فهو القائل: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الجمعة: ١] . إذن: فقد ثبتتْ له «السُّبْحَانية» في ذاته، ثم وجد الملائكة يُسبِّحون الليلَ والنهارَ ولا يفترُون، ثم خلق السماء والأرض، فسبَّح ما فيهما وما بينهما؛ وجاء خَلْقه يُسبِّحون أيضاً فيا مَنْ آمنتَ بالله إلهاً سَبِّح كما سَبَّحَ كُلُّ الكون. ولقائل أنْ يسألَ: وما علاقة « » بما يُشرِكون؟ ونعلم أنهم أشركوا بالله آلهةً لا تُكلِّفهم بتكليف تعبُّدي، ولم تُنزِل منهجاً؛ بل تُحلِّل لهم كُلَّ مُحرَّم، وتنهاهم عن بعضٍ من الحلال، وتخلوْا بذلك عن اتباع ما جاء به الرُّسل مُبلِّغين عن الله من تكليف يحمل مشقَّة الإيمان. وهؤلاء هم مَنْ سيلقوْنَ الله، وتسألهم الملائكة: أين هم الشركاء الذين عبدتموهم مع الله؟ ولن يدفَع عنهم أحدٌ هَوْلَ ما يلاقونه من العذاب.

стр. 9063

وهكذا تعرَّفْنا على أن تنزيه الله ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً هو أمر ثابتٌ له قَبْل أنْ يُوجَد شيء، وأمرٌ قد ثبت له بعد الملائكة، وثبتَ له بعد وجود السماوات والأرض. وهو أمر طلب الله من العبد المُخيَّر أن يفعله؛ وانقسم العبادُ قسمين، قِسْم آمن وسبَّح، وقِسْم له يُسبِّح فتعالى عنهم الحق سبحانه لأنهم مُشْركون. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿يُنَزِّلُ الملائكة ... ﴾ .

стр. 9064

وساعة نقرأ قوله ﴿يُنَزِّلُ﴾ فالكلمة تُوحِي وتُوضِّح أن هناك عُلواً يمكن أن ينزِلَ منه شيء على أسفل. والمَثلُ الذي أُحِبّ أنْ أضربه هنا لأوضحَ هذا الأمر هو قَوْل الحق سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] . أي: أقبلوا لتسمعوا مِنِّي التكليفَ الذي نزل لكم مِمَّنْ هو أعلى منكم، ولا تظلُّوا في حضيض الأرض وتشريعاتها، بل تَساموا وخُذوا الأمر مِمَّنْ لا هَوى لَه في أموركم، وهو الحق الأعلى. أما مَنْ ينزلون فَهُم الملائكة، ونعلم أن الملائكة خَلْق غيبيّ آمنَّا به؛ لأن الله سبحانه قد أخبرنا بوجودهم. وكُلَّ ما غاب عن الذِّهْن

стр. 9065

ودليله السماع مِمَّنْ تثق بصدقه، وقد أبلغنا ﷺ َ ما نزلَ به القرآن وأنبأنا بوجود الملائكة، وأن الحق سبحانه قد خلقهم؛ ورغم أننا لا نراهم إلا أننا نُصدِّق ما جاء به البلاغ عن الحق من الصادق الصَّدُوق محمد ﷺ َ. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] . فنحن نعلم أنه لا يمكن أنْ ينزلَ شيءٌ من أعلى إلى الأدْنى إلا بواسطة المُقربات. وقد اختار الحق سبحانه ملكاً من الملائكة لِيُبلّغ رُسُله بالوحي من الله، والملائكة كما أخبرنا الحق سبحانه: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] . ويقول في آية أخرى: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . وهم من نور، ولا تصيبهم الأغيار، ولا شهوةَ لهم فلا يتناكحون ولا يتناسلون؛ وهم أقربُ إلى الصَّفَاء. وهم مَنْ يُمكِنهم التلقِّي من الأعلى ويبلغون الأَدْنى.

стр. 9066

ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] . وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الملائكة﴾ [النحل: ٢] . والآية الإجمالية التي تشرح ذلك هو قَوْلُ الحق سبحانه: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] . أي: أنه سبحانه يختار ملائكة قادرين على التلقّي منه لِيُعْطوا المصطفين من الناس؛ لِيُبلِّغ هؤلاء المُصْطفين عن الله لبقية الناس. ذلك أن العُلْويات العالية لا يملك الكائن الأَدْنى طاقة ليتحمَّل ما تتنزَّل به الأمور العُلْوية مباشرة من الحق سبحانه. وسبق أنْ شبَّهتْ ذلك بالمُحوّل الذي نستخدمه في الكهرباء لينقل من الطاقة العالية إلى الأَدْنى من المصابيح، «وكُلّنا يعلم ما حدث للرسول ﷺ َ حين تلقَّى الوحي عبر جبريل ﵇» فَضمَّني حتى بلغ مِنَّي الجهد «وتفصد جبينه الطاهر عرقاً، وعاد إلى بيته ليقول» زملوني زملوني «و» دثروني دثروني «.

стр. 9067

ذلك أن طاقة عُلْوية نزلت على طاقة بشرية، على الرغم من أن طاقة رسول الله هي طاقة مُصْطفاة. ثم يألف الرسول الوحي وتخفّ عنه مِثْل تلك الأعباء، وينزل عليه قوله الحق: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ [الشرح: ١ - ٦] . ثم يفتر الوحي لبعض من الوقت لدرجة أن النبي ﷺ َ يشتاق إليه، فلماذا اشتاق للوحي وهو مَنْ قال «دثِّروني دثِّروني» ؟ لقد كان فُتور الوحي بسبب أنْ يتعوّد محمد ﷺ َ على متاعب نُزول المَلَك؛ فتزولُ متاعب الالتقاء وتبقى حلاوة ما يبلغ به. وقال بعض من الأغبياء: «إن ربَّ محمد قد قلاه» . فينزل قوله سبحانه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥] .

стр. 9068

وكلمة الروح وردتْ في القرآن بمعَانٍ متعددة، فهي مرَّة الروح التي بها الحياة في المادة ليحدث بها الحسّ والحركة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . وهذا النفْخ في المادة يحدثُ للمؤمن والكافر، وهناك رُوح أُخْرى تعطي حياةً أعلى من الحياة الموقوتة: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] . إذن: فالملائكة تنزل بالبلاغ عن الله بما فيه حياة أَرْقى من الحياة التي نعيش بها ونتحرَّك على الأرض. وهكذا تكون هناك رُوحان لا روحٌ واحدة؛ رُوح للحِسِّ والحركة؛ وروح تُعطي القِيم التي تقودنا إلى حياة أخرى أَرْقى من الحياة التي نحياها؛ حياةٌ لا فناءَ فيها. ولذلك يُسمَّى الحق سبحانه القرآن روحاً؛ فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢] . ويُسمَّى الحق سبحانه الملَكَ الذي ينزل بالقرآن روحاً، فيقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] . ويشرح الحق سبحانه أن القرآن روحٌ تعطينا حياةً أَرْقى، فيقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] .

стр. 9069

أي: يدخل بكم إلى الحياة الأبدية التي لا موْتَ فيها ولا خَوْف أن تفقد النعمة أو تذهب عنك النعمةُ. وهنا يُبلِّغنا سبحانه أن القرآن ينزل مع الملائكة: ﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] . أي: تنزيلاً صادراً بأمره سبحانه، ويقول الحق سبحانه في موقع آخر: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١] . والسَّطْحيون لا يلتفتون إلى أنَّ معنى: ﴿مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١] . هنا تعني أنهم يحفظُونه بأمر من الله. والأمر هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو ما جاء في الآية الأولى منها: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] . وهذا الأمر هو نتيجة لِمَا يشاؤه الله من حياة للناس على الأرض، ونعلم أن الحق سبحانه له أوامر مُتعدِّدة يجمعها إبراز المعدوم إلى الوجود؛ فهو سبحانه القائل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .

стр. 9070

فإذا شاء أمراً جزئياً فهو يقول له: كُنْ فيكون، وإذا أراد منهجاً؛ فهو يُنزله، وإذا أراد حساباً وعقاباً وساعةً؛ فهو القائل ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ وهكذا نفهم أن معنى ﴿أَمْرُ الله﴾ هو ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إخراج المعدوم إلى حَيِّز الوجود؛ سواء أكان معدوماً جزئياً، أو معدوماً كلياً، أو معدوماً أزلياً. وكُلّ ذلك اسمه أمر، ولحظةَ أنْ يأمرَ الله؛ فنحن نَثِقُ أن مأمور الله يبرز؛ ولذلك قال سبحانه: ﴿إِذَا السمآء انشقت وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٢] . أي: أنها لم تسمع الأمر فقط؛ بل نفّذتْه فَوْر صدوره؛ دون أَدْنى ذرة من تخلُّف، فأمْر الله يُنفَّذ فَوْر صدوره من الحق سبحانه، أما أَمْر البشر فهو عُرْضَة لأنْ يُطَاع، وعُرْضَة لأنْ يُعصَى. وسبحانه يُنزِّل الملائكة بالرُّوح على مَنْ يشاء لِيُنذِروا؛ ولم يَأْتِ الحق سبحانه بالبشارة هنا؛ لأن الحديث مُوجّه للكفار في قوله: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ... ﴾ [النحل: ١] . ونزَّه ذاته قائلاً: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١] . أو: أن الحق يُنبّه رسوله، إنْ دخلتَ عليهم فُفسِّر لهم مُبْهَم ما لا يعرفون. وهم لا يعرفون كيفية الاصطفاء. وهو الحق الأعلم بمَنْ يصطفي.
следующие страницы →