Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.
стр. 9136
﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] .
أي: أنه يعلم ما نُسِره في أنفسنا، ويعلم أيضاً ما يمكن أن يكون سِراً قبل أن نُسِرَّه في أنفسنا، وهو سبحانه لا يعلم السِّر فقط؛ بل يعلم العَلَن أيضاً.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن. .﴾ .
стр. 9137
أي: أنهم لا يستطيعون أنْ يخلقوا شيئاً؛ بل هم يُخْلقون، والأصنام كما قُلْنا هي أدنى مِمَّنْ يخلقونها، فكيف يستوي أنْ يكونَ المعبود أَدْنى من العابد؟ وذلك تسفيهٌ لعبادتهم.
ولذلك يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم ﵇ لحظةَ أنْ حطَّم الأصنام، وسأله أهله: مَنْ فعل ذلك بآلهتنا؟ وأجاب: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] .
فقالوا له: إن الكبير مجرَّد صنم، وأنت تعلم أنه لا يقدر على شيء.
ونجد القرآن يقول لأمثال هؤلاء:
стр. 9138
﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] .
فهذه الآلهة إذن لا تخلق بل تُخلق، ولكن الله هو خالق كل شيء، وسبحانه القائل: ﴿ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] .
ويذكر الحق سبحانه من بعد ذلك أوصاف تلك الأصنام: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ... ﴾ .
стр. 9139
وهم بالفعل أموات؛ لأنهم بلا حِسٍّ ولا حركة، وقوله:
﴿غَيْرُ أَحْيَآءٍ. .﴾ [النحل: ٢١] .
تفيد أنه لم تكُنْ لهم حياة من قَبْل، ولم تثبت لهم الحياة في دورة من دورات الماضي أو الحاضر أو المستقبل.
وهكذا تكتمل أوصاف تلك الأصنام، فهم لا يخلقون شيئاً، بل هم مخلوقون بواسطة مَنْ نحتُوهم، وتلك الأصنام والأوثان لن تكون لها حياة في الآخرة، بل ستكون وَقُوداً للنار.
стр. 9140
والحق سبحانه هو القائل: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] .
وبطبيعة الحال لن تشعرَ تلك الحجارةُ ببعْث مَنْ عبدوها.
ويُصفِّي الحق سبحانه من بعد ذلك المسألة العقدية، فيقول: ﴿إلهكم إله وَاحِدٌ ... ﴾ .
стр. 9141
وقَوْله الحق:
﴿إلهكم إله وَاحِدٌ ... ﴾ [النحل: ٢٢] .
تمنع أنْ يكونَ هناك أفراد غيره مثله، وقد يتصوَّر البعض أنها تُساوي كلمة «أحد» . وأقول: إن كلمة «أحد» هي منع أن يكونَ له أجزاء؛ فهو مُنزَّه عن التَّكْرار أو التجزيء.
وفي هذا القول طَمْأنةٌ للمؤمنين بأنهم قد وصلوا إلى قِمَّة الفهم والاعتقاد بأن الله واحد.
أو: هو يُوضِّح للكافرين أن الله واحدٌ رغم أنوفكم، وستعودون
стр. 9142
إليه غَصْباً، وبهذا القول يكشف الحق سبحانه عن الفطرة الموجودة في النفس البشرية التي شهدتْ في عالم الذَّرِّ أن الله واحد لا شريك له، وأن القيامة والبعث حَقٌّ.
ولكن الذين لا يؤمنون بالله وبالآخرة هم مَنْ ستروا عن أنفسهم فطرتهم، فكلمة الكفر كما سبق أنْ قلنا هي ستر يقتضي مستوراً، والكفر يستر إيمانَ الفطرة الأولى.
والذين يُنكرون الآخرة إنما يَحْرِمون أنفسهم من تصوُّر ما سوف يحدث حَتْماً؛ وهو الحساب الذي سيجازي بالثواب والحسنات على الأفعال الطيبة، ولعل سيئاتهم تكون قليلة؛ فيجبُرها الحق سبحانه لهم وينالون الجنة.
والمُسْرفون على أنفسهم؛ يأملون أن تكون قضيةُ الدين كاذبة، لأنهم يريدون أن يبتعدوا عن تصوُّر الحساب، ويتمنَّوْنَ ألاَّ يوجدَ حساب.
ويَصِفُهم الحق سبحانه:
﴿قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
أي: أنهم لا يكتفُون بإنكار الآخرة فقط؛ بل يتعاظمون بدون وجه للعظمة.
و «استكبر» أي: نصَّب من نفسه كبيراً دون أنْ يملكَ مُقوِّمات الكِبر، ذلك أن «الكبير» يجب أن يستندَ لِمُقوِّمات الكِبَر؛ ويضمن لنفسه أنْ تظلَّ تلك المُقوِّمات ذاتيةً فيه.
ولكِنَّا نحن البشر أبناءُ أغيارٍ؛ لذلك لا يصِحُّ لنا أنْ نتكَبَّر؛
стр. 9143
فالواحد مِنَّا قد يمرض، أو تزول عنه أعراض الثروة أو الجاه، فصفات وكمالات الكبر ليست ذاتية في أيٍّ مِنَّا؛ وقد تُسلب ممَّنْ فاء الله عليه بها؛ ولذلك يصبح من اللائق أن يتواضعَ كُلٌّ مِنَّا، وأنْ يستحضرَ ربَّه، وأنْ يتضاءلَ أمام خالقه.
فالحق سبحانه وحده هو صاحب الحق في التكبُّر؛ وهو سبحانه الذي تبلغ صفاته ومُقوِّماته منتهى الكمال، وهي لا تزول عنه أبداً.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ الله ... ﴾ .
стр. 9144
وساعة نرى ﴿لاَ جَرَمَ﴾ فمعناها أنَّ ما يأتي بعدها هو حَقٌّ ثابت، ف «لا» نافية، و «جرم» مأخوذة من «الجريمة» ، وهي كَسْر شيء مُؤْمَن به لسلامة المجموع. وحين نقول «لا جرم» أي: أن ما بعدها حَقٌّ ثابت.
وما بعد ﴿لاَ جَرَمَ﴾ هنا هو: أن الله يعلم ما يُسِرون وما يُعلِنون.
وكُلُّ آيات القرآن التي ورد فيها قوله الحق ﴿لاَ جَرَمَ﴾ تُؤدِّي هذا المعنى، مثل قوله الحق: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] .
стр. 9145
وكذلك قوله الحق: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون﴾ [النحل: ١٠٩] .
وقد قال بعض العلماء: إن قوله الحق ﴿لاَ جَرَمَ﴾ يحمل معنى «لا بُدَّ» ، وهذا يعني أن قوله الحق: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ... ﴾ [النحل: ٢٣] . .
لا بُدَّ أن يعلم الله ما يُسِرون وما يُعلِنون، ولا مناصَ من أن الذين كفروا هم الخاسرون. وقد حَلَّلَ العلماء اللفظ لِيصِلوا إلى أدقِّ أسراره.
وعِلْم الله لا ينطبق على الجَهْر فقط، بل على السِّر أيضاً؛ ذلك أنه سيحاسبهم على كُلِّ الأعمال. ويُنهِي الحق سبحانه الآية بقوله:
﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾ [النحل: ٢٣] .
وإذا سألنا: وما علاقةُ عِلْم الله بالعقوبة؟ ونقول: ألم يقولوا في أنفسهم: ﴿لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ. .﴾ [المجادلة: ٨] .
وإذا ما نزل قول الحق سبحانه لِيُخبرهم بما قالوه في أنفسهم؛ فهذا دليل على أن مَنْ يُبلِغهم صادقٌ في البلاغ عن الله، ورغم ذلك فقد استكبروا؛ وتأبَّوْا وعاندوا، وأخذتهم العزة بالإثم، وأرادوا بالاستكبار الهرب من الالتزام بالمنهج الذي جاءهم به الرسول ﷺ َ.
стр. 9146
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ... ﴾ .
стр. 9147
وقوله الحق:
﴿مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ... ﴾ [النحل: ٢٤] .
يُوضِّح الاستدراك الذي أجراه الله على لسان المُتكلِّم؛ ليعرفوا أن لهم رباً. ولو لم يكونوا مؤمنين بِرَبٍّ، لأعلنوا ذلك، ولكنهم من غفلتهم اعترضوا على الإنزال، ولم يعترضوا على أن لهم رباً.
وهذا دليل على إيمانهم بربٍّ خالق؛ ولكنهم يعترضون على محمد ﷺ َ وما أُنزِل إليه من الله.
و:
﴿قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] .
والأساطير: هي الأكاذيب، ولو كانوا صادقين مع أنفسهم لَمَا أقرُّوا بالألوهية، ورفضوا أيضاً القول المُنْزل إليهم.
ومنهم من قال: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] .
стр. 9148
ولكن هناك جانب آخر كان له موقف مختلف سيأتي تبيانه من بعد ذلك، وهم الجانب المُضَادَّ لهؤلاء؛ حيث يقول الحق سبحانه: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] .
ووراء ذلك قصة تُوضِّح جوانب الخلاف بين فريق مؤمن، وفريق كافر.
فحين دعا رسول الله ﷺ َ قومه وعشيرته إلى الإيمان بالله الواحد الذي أنزل عليه منهجاً في كتاب مُعجز، بدأت أخبار رسول الله ﷺ َ تنتشر بين قبائل الجزيرة العربية كلها، وأرسلت كُلَّ قبيلة وفداً منها لتتعرف وتستطلع مسألة هذا الرسول.
ولكن كُفَّار قريش أرادوا أن يصدُّوا عن سبيل الله؛ فقسَّموا أنفسهم على مداخل مكة الأربعة، فإذا سألهم سائل من وفود القبائل «ماذا قال ربكم الذي أرسل لكم رسولاً؟» .
هنا يرد عليهم قسم الكفار الذي يستقبلهم: «إنه رسول كاذب، يُحرِّف ويُجدِّف» . والهدف طبعاً أنْ يصُدّ الكفار وفود القبائل.
ويخبر الحق سبحانه رسوله ﷺ َ بما حدث، وإذا قيل للواقفين على أبواب مكة من الوفود التي جاءت تستطلع أخبار للرسول: ماذا أنزل ربُّكم؟ يردُّون «إنه يُردِّد أساطير الأولين» .
стр. 9149
وهذا الجواب الواحد من الواقفين على أبواب مكة الأربعة يدلُّ على أنها إجابة مُتفق عليها، وسبق الإعداد لها، وقد أرادوا بذلك أنْ يَصرِفوا وفود القبائل عن الاستماع لرسول الله ﷺ َ فشبَّهوا الذِّكْر المُنزَّل من الله بمثل ما كان يرويه لهم على سبيل المثال النضر ابن الحارث من قصص القدماء التي تتشابه مع قصص عنترة، وأبي زيد الهلالي التي تروي في قُرَانا. وهذه هي الموقعة الأولى في الأخذ والرد.
ويُعقِّب الحق سبحانه على قولهم هذا: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ... ﴾ .
стр. 9150
وانظر إلى قوله سبحانه:
﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ... ﴾ [النحل: ٢٥] .
لترى كيف يُوضّح الحق سبحانه أن النفس البشرية لها أحوال متعددة؛ وإذا أسرفتْ على نفسها في تلك الجوانب؛ فهي قد تُسرف في الجانب الأخلاقي؛ والجانب الاجتماعي؛ وغير ذلك، فتأخذ وِزْر كُلّ ما تفعل.
ويُوضِّح هنا الحق سبحانه أيضاً أن تلك النفس التي ترتكب الأوزار حين تُضِل نفساً غيرها فهي لا تتحمل من أوزار النفس التي أضلَّتها إلا ما نتجَ عن الإضلال؛ فيقول:
стр. 9151
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] .
ذلك أن النفس التي تمَّ إضلالها قد ترتكب من الأوزار في مجالات أخرى ما لا يرتبط بعملية الإضلال.
والحق سبحانه أعدل من أنْ يُحمّل حتى المُضِل أوزاراً لم يكُنْ هو السبب فيها؛ ولذلك قال الحق سبحانه هنا:
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ [النحل: ٢٥] .
أي: أن المُضِلّ يحمل أوزار نفسه، وكذلك يحمل بعضاً من أوزار الذين أضلّهم؛ تلك الأوزار الناتجة عن الإضلال.
وفي هذا مُطْلق العدالة من الحق ، فالذين تَمَّ إضلالهم يرتكبون نوعين من الأوزار والسيئات؛ أوزار وسيئات نتيجة الإضلال؛ وتلك يحملها معهم مَنْ أضلوهم.
أما الأوزار والسيئات التي ارتكبوها بأنفسهم دون أنْ يدفعهم لذلك مَنْ أضلُّوهم؛ فهم يتحمَّلون تَبِعاتها وحدهم، وبذلك يحمل كُلُّ إنسان أحمال الذنوب التي ارتكبها.
وقد حسم رسول الله ﷺ َ ذلك حين قال: «والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رُغَاء، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر» .
وقِسْ على ذلك من سرق في الطوب والأسمنت والحديد وخدع الناس.
стр. 9152
وحين يقول الحق سبحانه:
﴿الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ [النحل: ٢٥] .
إنما يلفتنا إلى ضرورة ألاَّ تُلهينا الدنيا عن أهمِّ قضية تشغل بال الخليقة، وهي البحث عن الخالق الذي أكرم الخَلْق، وأعدَّ الكون لاستقبالهم.
وكان يجب على هؤلاء الذين سمعوا من كفار قريش أن يبحثوا عن الرسول، وأن يسمعوا منه؛ فهم أُميون لم يسبق أنْ جاءهم رسول؛ وقد قال فيهم الحق سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] .
فإذا ما جاءهم الرسول كان عليهم أنْ يبحثوا، وأنْ يسمعوا منه لا نقلاً عن الكفار؛ ولذلك سيعاقبهم الله؛ لأنهم أهملوا قضية الدين، ولكن العقوبةَ الشديدة ستكون لِمَنْ كان عندهم عِلْم بالكتاب.
والحق سبحانه هو القائل: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً. .﴾ [البقرة: ٧٩] .
ويَصِف الحق سبحانه مَنْ يحملون أوزارهم وبعضاً من أوزار مَنْ أضلوهم:
﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] .
أي: ساء ما يحملون من آثام؛ فهم لَمْ يكتفوا بأوزارهم، بل
стр. 9153
صَدُّوا عن سبيل الله، ومنعُوا الغير أنْ يستمعَ إلى قضية الإيمان.
ومن نتيجة ذلك أنْ يبيح مَنْ لم يسمع لنفسه بعضاً مِمَّا حرم الله؛ فيتحمل مَنْ صدَّهم عن السبيل وِزْر هذا الإضلال.
ولذلك نجد رسول الله ﷺ َ يقول: «شَرُّكم مَنْ باع دينه بِدُنْياه، وشَرٌّ منه مَنْ باع دينه بِدُنْيا غيره» .
فمَنْ باع الدين ليتمتع قليلاً؛ يستحق العقاب؛ أما مَنْ باع دينه ليتمتعَ غيرُه فهو الذي سيجد العقاب الأشدَّ من الله.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿قَدْ مَكَرَ الذين ... ﴾ .
стр. 9154
ويأتي الحق سبحانه هنا بسيرة الأولين والسُّنن التي أجراها سبحانه عليهم، ليسلي رسوله ﷺ َ؛ ويُوضِّح له أن ما حدث معه ليس بدْعاً؛ بل سبق أنْ حدث مع مَنْ سبق من الرسل. ويُبلغه أنه
стр. 9155
لم يبعث أيَّ رسول إلا بعد تَعُمّ البَلْوى ويَطم الفساد، ويفقد البشر المناعة الإيمانية، نتيجة افتقاد مَنْ يؤمنون ويعملون الصالحات، ويتواصون بالحقِّ وبالصبر.
والمَثلُ الواضح على ذلك ما حدث لبني إسرائيل؛ الذين قال فيهم الحق سبحانه: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] .
فانصبَّ عليهم العذاب من الله، وهذا مصير كُلِّ أمة لا تتناهى عن المنكر الظاهر أمامها.
ويقول سبحانه هنا:
﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ ... ﴾ [النحل: ٢٦] .
والمكر تبييت خفيّ يُبيِّته الماكر بما يستر عن المَمْكُور به. ولكن حين يمكر أحد بالرسل؛ فهو يمكر بمَنْ يُؤيِّده الله العالم العليم.
وإذا ما أعلم اللهُ رسولَه بالمكر؛ فهو يُلغِي كل أثر لهذا التبييت؛ فقد علمه مَنْ يقدر على إبطاله. والحق سبحانه هو القائل: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] .
وهو القائل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢] .
وطبَّق الحق سبحانه ذلك على رسوله ﷺ َ؛ حين مكر به كفار قريش وجمعوا شباب القبائل ليقتلوه؛ فأغشاهم الله ولم يبصروا
стр. 9156
خروجه للهجرة ولم ينتصر عليه معسكر الكفر بأيِّ وسيلة؛ لا باعتداءات اللسان، ولا باعتداءات الجوارح.
وهؤلاء الذين يمكرون بالرسل لم يتركهم الحق سبحانه دون عقاب:
﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد ... ﴾ [النحل: ٢٦] .
أي: أنهم إنْ جعلوا مكرهم كالبناية العالية؛ فالحقُّ سبحانه يتركهم لإحساس الأمن المُزيف، ويحفر لهم مِنْ تحتهم، فيخِرّ عليهم السقف الذي من فوقهم. وهكذا يضرب الله المثَل المعنوي بأمرٍ مَحَسٍّ.
وقوله الحق:
﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ... ﴾ [النحل: ٢٦] .
يُوضِّح أنهم موجودون داخل هذا البيت، وأن الفوقية هنا للسقف، وهي فوقية شاءها الله ليأتيهم:
﴿العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] .
وهكذا يأتي عذاب الله بَغْتة؛ ذلك أنهم قد بيَّتوا، وظنوا أن هذا التبييت بخفاء يَخْفَى عن الحَيِّ القيوم.
ولَيْتَ الأمرَ يقتصر على ذلك؛ لا بل يُعذِّبهم الله في الآخرة أيضاً:
стр. 9157
﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة ... ﴾ .
стр. 9158
وهكذا يكون العذاب في الدنيا وفي الآخرة، ويَلْقوْن الخِزْي يوم القيامة. والخِزْي هو الهوان والمَذلَّة، وهو أقوى من الضرب والإيذاء؛ ولا يتجلَّد أمامه أحدٌ؛ فالخِزْي قشعريرة تَغْشَى البدن؛ فلا يُفلت منها مَنْ تصيبه.
وإنْ كان الإنسان قادراً على أنْ يكتمَ الإيلام؛ فالخِزْي معنى نفسي، والمعاني النفسية تنضح على البشرة؛ ولا يقدر أحد أنْ يكتم أثرها؛ لأنه يقتل خميرة الاستكبار التي عاش بها الذي بيَّت ومكر.
ويُوضِّح الحق سبحانه هذا المعنى في قوله عن القرية التي كان يأتيها الرزق من عند الله ثم كفرت بأنعم الله؛ فيقول: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
стр. 9159
أي: كأن الجسد كله قد سار مُمتلِكاً لحاسة التذوق، وكأن الجوع قد أصبح لباساً؛ يعاني منه صاحبه؛ فيجوع بقفاه، ويجوع بوجهه، ويجوع بذراعه وجلده وخطواته، وبكل ما فيه.
وساعة يحدث هذا الخِزي فكُلُّ خلايا الاستكبار تنتهي، خصوصاً أمام مَنْ كان يدَّعي عليهم الإنسان أن عظمته وتجبّره وغروره باقٍٍ، وله ما يسنده.
ويتابع سبحانه متحدياً:
﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] . أي: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم؛ فجعلتم من أنفسكم شُقَّة، وجعلتم من المؤمنين شُقَّة أخرى، وكلمة ﴿تُشَاقُّونَ﴾ مأخوذة من «الشق» ويقال: «شَقَّ الجدار أو شَقَّ الخشب» والمقصود هنا أنْ جعلتم المؤمنين، ومَنْ مع الرسول في شُقَّة تُعادونها، وأخذتُم جانب الباطل، وتركتُم جانب الحق.
وهنا يقول مَنْ آتاهم الله العلم:
﴿قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين﴾ [النحل: ٢٧] .
وكأن هذا الأمر سيصير مشهداً بمحضر الحق سبحانه بين مَنْ مكروا برسول الله ﷺ َ، وسيحضره الذين أتاهم الله العلم.
والعلم كما نعلم يأتي من الله مباشرة؛ ثم يُنقَل إلى الملائكة؛ ثم يُنقَل من الملائكة إلى الرُّسل، ثم يُنقل من الرُّسُل إلى الأُمم التي كلَّفَ الحق سبحانه رسله أنْ يُبلِّغوهم منهجه.
стр. 9160
وكَما شهدتْ الدنيا سقوط المناهج التي اتبعوها من أهوائهم، وسقوط مَنْ عبدوهم من دون الله سيشهد اليوم الآخر الخِزْي والسوء وهو يحيط بهم، وقد يكون الخِزْي من هَوْل الموقف العظيم، ويحمي الله مَنْ آمنوا به بالاطمئنان.
ونعلم أن الرسول ﷺ َ قد قال: «ألا هل بلغت، اللهم فأشهد» .
وكما بلَّغَ رسولُ الله أمته واستجابتْ له؛ فقد طلب منهم أيضاً أن يكونوا امتداداً لرسالته، وأَنْ يُبلِّغوها للناس، ذلك أن الحق سبحانه قد منع الرسالات من بعد رسالة محمد ﵊ ُ. وصار عن مسئولية الأمة المحمدية أنْ تُبلِّغ كل مَنْ لم تبلغه رسالة الرسول ﷺ َ.
وقد قال ﷺ َ: «نَضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فَرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى مِن سامع» .
والحق سبحانه هو القائل:
стр. 9161
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ... ﴾ [النساء: ٤١ - ٤٢] .
أي: يتمنوْنَ أنْ يصيروا تُرَاباً، كما قال تعالى في موقع آخر: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠] .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ... ﴾ .
стр. 9162
يقول تعالى:
﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ [النحل: ٢٨] .
أي: تتوفّاهم في حالة كَوْنهم ظالمين لأنفسهم، وفي آية أخرى قال الحق ﵎: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] .
ومعلوم أن الإنسان قد يظلم غيره لحَظِّ نفسه ولصالحها. . فكيف يظلم هو نفسه، وهذا يسمونه الظلم الأحمق حين تظلم نفسك التي بين جنبيك. . ولكن كيف ذلك؟
стр. 9163
نعرف أن العدو إذا كان من الخارج فسهْلٌ التصدي له، بخلاف إذا جاءك من نفسك التي بين جَنْبَيْك، فهذا عدو خطير صَعْب التصدِّي له، والتخلّص منه.
وهنا نطرح سؤالاً: ما الظلم؟ الظلم أنْ تمنعَ صاحب حَقٍّ حَقَّه، إذن: ماذا كان لنفسك عليك حتى يقال: إنك ظلمتها بمنعها حَقِّها؟
نقول: حين تجوع، ألاَ تأكل؟ وحين تعطش أَلاَ تشرب؟ وحين تُرْهق من العمل أَلاَ تنام؟
إذن: أنت تعطي نفسك مطلوباتها التي تُريحها وتسارع إليها، وكذلك إذا نِمْتَ وحاولوا إيقاظك للعمل فلم تستيقظ، أو حاولوا إيقاظك للصلاة فتكاسلت، وفي النهاية كانت النتيجة فشلاً في العمل أو خسارة في التجارة. . الخ.
إذن: هذه خسارة مُجمعة، والخاسر هو النفس، وبهذا فقد ظلم الإنسانُ نفسه بما فاتها من منافع في الدنيا، وقِسْ على ذلك أمور الآخرة.
وانظر هنا إلى جُزْئيات الدنيا حينما تكتمل لك، هل هي نهاية كل شيء، أم بنهايتها يبتديء شيء؟ بنهايتها يبتديء شيء، ونسأل: الشيء الذي سوف يبدأ، هل هو صورة مكررة لما انتهى في الدنيا؟
ليس كذلك، لأن المنتهي في الدنيا مُنقطع، وقد أخذت حَظِّي منه على قَدْر قدراتي، وقدراتي لها إمكانات محدودة. . أما الذي سيبدأ أي في الآخرة ليس بمُنْتهٍ بل خالد لا انقطاع له، وما فيه من
стр. 9164
نعيم يأتي على قَدْر إمكانات المنعِم ربك .
إذن: أنت حينما تُعطِي نفسك متعة في الدنيا الزائلة المنقطعة، تُفوِّت عليها المتعة الباقية في الآخرة. . وهذا مُنتهى الظلم للنفس.
ونعود إلى قوله تعالى:
﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ... ﴾ [النحل: ٢٨] .
أثبتت هذه الآية التوفِّي للملائكة. . والتوفِّي حقيقة لله تعالى، كما جاء في قوله: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس ... ﴾ [الزمر: ٤٢] .
لكن لما كان الملائكة مأمورين، فكأن الله تعالى هو الذي يتوفَّى الأنفُسَ رغم أنه قال: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس﴾ [الزمر: ٤٢] .
وقال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] .
وقال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ... ﴾ [الأنعام: ٦١] .
إذن: جاء الحَدثُ من الله تعالى مرة، ومن رئيس الملائكة عزرائيل مرة، ومن مُسَاعديه من الملائكة مرة أخرى، إذن: الأمر إما للمزاولة مباشرة، وإما للواسطة، وإما للأصل الآمر. وقوله تعالى:
﴿تَتَوَفَّاهُمُ ... ﴾ [النحل: ٢٨] .
стр. 9165
معنى التوفيّ من وفَّاه حقَّه أي: وفَّاه أجله، ولم ينقص منه شيئاً، كما تقول للرجل وَفَّيتُك دَيْنك.
. أي: أخذت ما لك عندي.
﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ [النحل: ٢٨] .
نلاحظ أنها جاءت بصيغة الجمع، و ﴿ظَالِمِي﴾ يعني ظالمين و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ جمع، وحين يُقَابَل الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً أي: أن كلاً منهم يظلم نفسه.
ثم يقول الحق سبحانه:
﴿فَأَلْقَوُاْ السلم ... ﴾ [النحل: ٢٨] .
أي: خضعوا واستسلموا ولم يَعُدْ ينفعهم تكبّرهم وعجرفتهم في الدنيا. . ذهب عنهم كل هذا بذَهَاب الدنيا التي راحتْ من بين أيديهم. وما داموا ألقوا السَّلم الآن، إذن: فقد كانوا في حرب قبل ذلك كانوا في حرب مع أنفسهم وهم أصحاب الشِّقاق في قوله تعالى: ﴿تُشَاقُّونَ﴾ [النحل: ٢٧] .
أي: تجعلون هذا في شِقٍّ، وهذا في شِقٍّ، وكأن الآية تقول: لقد رفعوا الراية البيضاء وقالوا: لا جَلَد لنا على الحرب.
ثم يقول الحق ﵎:
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء. .﴾ [النحل: ٢٨] .
هذا كقوله تعالى في آية أخرى:
стр. 9166
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
والواقع أنهم بعد أنْ ألقَوا السلم ورفعوا الراية البيضاء واستسلموا، أخذهم موقف العذاب فقالوا محاولين الدفاعَ عن أنفسهم:
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء. .﴾ [النحل: ٢٨] .
وتعجب من كَذِب هؤلاء على الله في مثل هذا الموقف، على مَنْ تكذبون الآن؟!
فيرد عليهم الحق سبحانه:
﴿بلى. .﴾ [النحل: ٢٨] .
وهي أداةُ نفي للنفي السابق عليها، ومعلومٌ أن نَفْي النفي إثبات، ف ﴿بلى﴾ تنفي:
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء. .﴾ [النحل: ٢٨] .
إذن: معناها. . لا. . بل عملتم السوء. ثم يقول الحق سبحانه:
﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] .
ومن رحمة الله تعالى أنه لم يكتَفِ بالعلم فقط، بل دوَّن ذلك عليهم وسَجَّله في كتاب سَيُعرض عليهم يوم القيامة، كما قال تعالى:
стр. 9167
﴿وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤] .
ويحلو للبعض أنْ ينكر إمكانية تسجيل الأعمال وكتابتها. . ونقول لهؤلاء: تعالوا إلى ما توصل إليه العقل البشريّ الآن من تسجيل الصور والأصوات والبصمات وغيرها. . وهذا كله يُسهِّل علينا هذه المسألة عندما نرقي إمكانات العقل البشري إلى الإمكانات الإلهية التي لا حدود لها.
فلا وجه إذن لأنْ ننكر قدرة الملائكة «رقيب وعتيد» في تسجيل الأعمال في كتاب يحفظ أعماله ويُحصى عليه كل كبيرة وصغيرة. ثم يقول تعالى: ﴿فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ... ﴾ .
стр. 9168
سبق أنْ قُلْنا في شرح قوله تعالى في وصف جهنم:
стр. 9169
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] .
أي: أن لكل جماعة من أهل المعصية باباً معلوماً. . فبابٌ لأهل الربا. . وبابٌ لأهل الرِّشوة. . وباب لأهل النفاق وهكذا. . ولك أن تتصور ما يُلاقيه مَنْ يجمع بين هذه المعاصي! ﴿إنه يدخل هذا الباب ثم يخرج منه ليدخل باباً آخر. . حقاً ما أتعس هؤلاء﴾
وهنا يقول تعالى:
﴿فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [النحل: ٢٩] .
فجاءت أيضاً بصورة الجمع. إذن: كل واحد منكم يدخل من بابه الذي خُصِّص له. ثم يقول سبحانه:
﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ [النحل: ٢٩] .
والمثوى هو مكان الإقامة، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾ [النحل: ٢٣] .
فتكبَّر واستكبر وكل ما جاء على وزن (تفعَّل) يدل على أن كِبْرهم هذا غير ذاتيّ؛ لأن الذي يتكبر حقّاً يتكّبر بما فيه ذاتيّاً لا يسْلُبه منه أحد، إنما مَنْ يتكبر بشيء لا يملكه فتكبّره غيرُ حقيقيّ، وسرعان ما يزول ويتصاغر هؤلاء بما تكبَّروا به في الدنيا، وبذلك لا يكون لأحد أنْ يتكبّر لأن الكبرياءَ الحقيقي لله .
ثم يقول الحق سبحانه:
стр. 9170
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا ... ﴾ .
стр. 9171
وقد سبق أنْ تحدثنا عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] .
فهذه مشاهدة ولقطات تُبيّن الموقف الذي انتهى بأنْ أقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين.
وهذه الآياتُ نزلتْ في جماعة كانوا داخلين مكة. . وعلى أبوابها التي يأتي منها أهل البوادي، وقد قسَّم الكافرون أنفسهم على مداخل مكة ليصدوا الداخلين إليها عن سماع خبر أهل الإيمان بالنبي الجديد.
وكان أهل الإيمان من المسلمين يتحيَّنون الفرصة ويخرجون على مشارف مكة بحجة رَعْي الغنم مثلاً ليقابلوا هؤلاء السائلين ليخبروهم خبر النبي ﷺ َ وخبر دعوته.
مما يدلُّ على أن الذي يسأل عن شيء لا يكتفي بأول عابر يسأله، بل يُجدِّد السؤال ليقف على المتناقضات. . فحين سألوا الكافرين قالوا:
стр. 9172
﴿قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] .
فلم يكتفوا بذلك، بل سألوا أهل الإيمان فكان جوابهم:
﴿قَالُواْ خَيْراً ... ﴾ [النحل: ٣٠] .
هذا لنفهم أن الإنسانَ إذا صادف شيئاً له وجهتان متضادتان فلا يكتفي بوجهة واحدة، بل يجب أن يستمع للثانية، ثم بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل.
إذن: حينما سأل الداخلون مكة أهل الكفر: ﴿مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] .
وحينما سألوا أهلَ الإيمان والتقوى:
﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ [النحل: ٣٠] .
ونلاحظ هنا في ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا. .﴾ [النحل: ٣٠] .
أن الحق سبحانه لم يوضح لنا مَنْ هم، ولم يُبيّن هُويَّتهم، وهذا يدلُّنا على أنهم كانوا غير قادرين على المواجهة، ويُدارون أنفسهم لأنهم ما زالوا ضِعَافاً لا يقدرون على المواجهة.
وقد تكرر هذا الموقف موقف السؤال إلى أنْ تصل إلى الوجهة الصواب حينما عَتَب الحق ﵎ على نبي من أنبيائه هو سيدنا داود ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا
стр. 9173
بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ [ص: ٢١ - ٢٣] .
فماذا قال داود ﵇؟ ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] .
وواضحٌ في حكم داود ﵇ تأثُّره بقوله (له تسع وتسعون) ولنفرض أنه لم يكُنْ عنده شيء، ألم يظلم أخاه بأخْذ نعجته؟! إذن: تأثر داود بدعوى الخصم، وأدخل فيه حيثية أخرى، وهذا خطأ إجرائي في عَرْض القضية؛ لأن (تسع وتسعون) هذه لا دَخْل لها في القضية. . بل هي لاستمالة القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه، ولبيان أن الخَصْم غني ومع ذلك فهو طماع ظالم.
وسرعان ما اكتشف داود ﵇ خطأه في هذه الحكومة، وأنها كانت فتنة واختباراً من الله:
﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ... ﴾ [ص: ٢٤] .
أي: اختبرناه كي نُعلِّمه الدرس تطبيقاً. . أيحكم بالحق ويُراعي جميع نواحي القضية أم لا؟
وانظر هنا إلى فطنة النبوة، فسرعان ما عرف داود ما وقع فيه واعترف به، واستغفر ربّه وخَرَّ له راكعاً مُنيباً.
стр. 9174
وقال تعالى: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] .
إذن: الشاهد هنا أنه كان على داود ﵇ أن يستمع إلى الجانب الآخر والطرف الثاني في الخصومة قبل الحكم فيها.
وقوله تعالى:
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ... ﴾ [النحل: ٣٠] .
ما هو الخير؟ الخير كُلُّ ما تستطيبه النفس بكل مَلكَاتها. . لكن الاستطابة قد تكون موقوتة بزمن، ثم تُورث حَسْرة وندامة. . إذن: هذا ليس خيراً؛ لأنه لا خيرَ في خير بعده النارُ، وكذلك لا شَرَّ في شر بعده الجنة.
إذن: يجب أن نعرف أن الخير يظل خُيْراً دائماً في الدنيا، وكذلك في الآخرة، فلو أخذنا مثلاً متعاطي المخدرات نجده يأخذ متعة وقتية ونشوة زائفة سرعان ما تزول، ثم سرعان ما ينقلب هذا الخير في نظره إلى شر عاجل في الدنيا وآجل في الآخرة.
إذن: انظر إلى عمر الخير في نفسك وكيفيته وعاقبته. . وهذا هو الخير في قوله تعالى:
﴿قَالُواْ خَيْراً﴾ [النحل: ٣٠] .
إذن: هو خير تستطيبه النفس، ويظل خيراً في الدنيا، ويترتب عليه خير في الآخرة، أو هو موصول بخير الآخرة. . ثم فسَّره الحق ﵎ في قوله سبحانه:
стр. 9175
﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ ... ﴾ [النحل: ٣٠] .
ونفهم من هذه الآية أنه على المؤمن ألاَّ يترك الدنيا وأسبابها، فربما أخذها منك الكافر وتغلَّب عليك بها، أو يفتنك في دينك بسببها، فمَنْ يعبد الله أَوْلى بسرِّه في الوجود، وأسرارُ الله في الوجود هي للمؤمنين، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الأخذ بأسباب الدنيا للكافرين.
اجتهد أنت أيها المؤمن في أسباب الدنيا حتى تأمنَ الفتنة من الكافرين في دُنْياك. . ولا يخفي ما نحن فيه الآن من حاجتنا لغيرنا، مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا ومقدراتنا.
لذلك يقول سبحانه:
﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠] .
أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم اليَدُ العليا بما اجتهدوا، وبما عَمِلوا في دنياهم، وبذلك ينفع الإنسانُ نفسه وينفع غيره، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا، وكان ثوابك وخَيْرك موصولاً بخير الآخرة.
لذلك يقول النبي ﷺ َ: «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» .
ومن هذه الآية أيضاً يتضح لنا جانب آخر، هو ثمرة من ثمرات
следующие страницы →