← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

وقد سبق أنْ تحدثنا عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] . فهذه مشاهدة ولقطات تُبيّن الموقف الذي انتهى بأنْ أقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. وهذه الآياتُ نزلتْ في جماعة كانوا داخلين مكة. . وعلى أبوابها التي يأتي منها أهل البوادي، وقد قسَّم الكافرون أنفسهم على مداخل مكة ليصدوا الداخلين إليها عن سماع خبر أهل الإيمان بالنبي الجديد. وكان أهل الإيمان من المسلمين يتحيَّنون الفرصة ويخرجون على مشارف مكة بحجة رَعْي الغنم مثلاً ليقابلوا هؤلاء السائلين ليخبروهم خبر النبي ﷺ َ وخبر دعوته. مما يدلُّ على أن الذي يسأل عن شيء لا يكتفي بأول عابر يسأله، بل يُجدِّد السؤال ليقف على المتناقضات. . فحين سألوا الكافرين قالوا:

стр. 9172

﴿قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] . فلم يكتفوا بذلك، بل سألوا أهل الإيمان فكان جوابهم: ﴿قَالُواْ خَيْراً ... ﴾ [النحل: ٣٠] . هذا لنفهم أن الإنسانَ إذا صادف شيئاً له وجهتان متضادتان فلا يكتفي بوجهة واحدة، بل يجب أن يستمع للثانية، ثم بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل. إذن: حينما سأل الداخلون مكة أهل الكفر: ﴿مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] . وحينما سألوا أهلَ الإيمان والتقوى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ [النحل: ٣٠] . ونلاحظ هنا في ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا. .﴾ [النحل: ٣٠] . أن الحق سبحانه لم يوضح لنا مَنْ هم، ولم يُبيّن هُويَّتهم، وهذا يدلُّنا على أنهم كانوا غير قادرين على المواجهة، ويُدارون أنفسهم لأنهم ما زالوا ضِعَافاً لا يقدرون على المواجهة. وقد تكرر هذا الموقف موقف السؤال إلى أنْ تصل إلى الوجهة الصواب حينما عَتَب الحق ﵎ على نبي من أنبيائه هو سيدنا داود ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا

стр. 9173

بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ [ص: ٢١ - ٢٣] . فماذا قال داود ﵇؟ ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] . وواضحٌ في حكم داود ﵇ تأثُّره بقوله (له تسع وتسعون) ولنفرض أنه لم يكُنْ عنده شيء، ألم يظلم أخاه بأخْذ نعجته؟! إذن: تأثر داود بدعوى الخصم، وأدخل فيه حيثية أخرى، وهذا خطأ إجرائي في عَرْض القضية؛ لأن (تسع وتسعون) هذه لا دَخْل لها في القضية. . بل هي لاستمالة القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه، ولبيان أن الخَصْم غني ومع ذلك فهو طماع ظالم. وسرعان ما اكتشف داود ﵇ خطأه في هذه الحكومة، وأنها كانت فتنة واختباراً من الله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ... ﴾ [ص: ٢٤] . أي: اختبرناه كي نُعلِّمه الدرس تطبيقاً. . أيحكم بالحق ويُراعي جميع نواحي القضية أم لا؟ وانظر هنا إلى فطنة النبوة، فسرعان ما عرف داود ما وقع فيه واعترف به، واستغفر ربّه وخَرَّ له راكعاً مُنيباً.

стр. 9174

وقال تعالى: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] . إذن: الشاهد هنا أنه كان على داود ﵇ أن يستمع إلى الجانب الآخر والطرف الثاني في الخصومة قبل الحكم فيها. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ... ﴾ [النحل: ٣٠] . ما هو الخير؟ الخير كُلُّ ما تستطيبه النفس بكل مَلكَاتها. . لكن الاستطابة قد تكون موقوتة بزمن، ثم تُورث حَسْرة وندامة. . إذن: هذا ليس خيراً؛ لأنه لا خيرَ في خير بعده النارُ، وكذلك لا شَرَّ في شر بعده الجنة. إذن: يجب أن نعرف أن الخير يظل خُيْراً دائماً في الدنيا، وكذلك في الآخرة، فلو أخذنا مثلاً متعاطي المخدرات نجده يأخذ متعة وقتية ونشوة زائفة سرعان ما تزول، ثم سرعان ما ينقلب هذا الخير في نظره إلى شر عاجل في الدنيا وآجل في الآخرة. إذن: انظر إلى عمر الخير في نفسك وكيفيته وعاقبته. . وهذا هو الخير في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ خَيْراً﴾ [النحل: ٣٠] . إذن: هو خير تستطيبه النفس، ويظل خيراً في الدنيا، ويترتب عليه خير في الآخرة، أو هو موصول بخير الآخرة. . ثم فسَّره الحق ﵎ في قوله سبحانه:

стр. 9175

﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ ... ﴾ [النحل: ٣٠] . ونفهم من هذه الآية أنه على المؤمن ألاَّ يترك الدنيا وأسبابها، فربما أخذها منك الكافر وتغلَّب عليك بها، أو يفتنك في دينك بسببها، فمَنْ يعبد الله أَوْلى بسرِّه في الوجود، وأسرارُ الله في الوجود هي للمؤمنين، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الأخذ بأسباب الدنيا للكافرين. اجتهد أنت أيها المؤمن في أسباب الدنيا حتى تأمنَ الفتنة من الكافرين في دُنْياك. . ولا يخفي ما نحن فيه الآن من حاجتنا لغيرنا، مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا ومقدراتنا. لذلك يقول سبحانه: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠] . أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم اليَدُ العليا بما اجتهدوا، وبما عَمِلوا في دنياهم، وبذلك ينفع الإنسانُ نفسه وينفع غيره، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا، وكان ثوابك وخَيْرك موصولاً بخير الآخرة. لذلك يقول النبي ﷺ َ: «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» . ومن هذه الآية أيضاً يتضح لنا جانب آخر، هو ثمرة من ثمرات

стр. 9176

الإحسان في الدنيا وهي الأمن. . فمَنْ عاش في الدنيا مستقيماً لم يقترف ما يُعَاقب عليه تجدْه آمناً مطمئناً، حتى إذا داهمه شر أو مكروه تجده آمنا لا يخاف، لأنه لم يرتكب شيئاً يدعو للخوف. خُذْ مثلاً اللص تراه دائماً مُتوجِّساً خائفاً، تدور عَيْنه يميناً وشمالاً، فإذا رأى شرطياً هلع وترقَّب وراح يقول في نفسه: لعله يقصدني. . أما المستقيم فهو آمن مطمئن. ومن ثمرات هذا الإحسان وهذه الاستقامة في الدنيا أن يعيش الإنسان على قَدْر إمكاناته ولا يُرهق نفسه بما لا يقدر عليه، وقديماً قالوا لأحدهم: قد غلا اللحم، فقال: أَرْخِصوه، قالوا: وكيف لنا ذلك؟ قال: ازهدوا فيه. وقد نظم ذلك الشاعرُ فقال: وَإِذَا غَلاَ شَيءٌ عَلَيَّ تركْتُه ... فيكونُ أرخصَ ما يكونُ إِذَا غَلاَ ولا تَقُلْ: النفس توَّاقة إليه راغبة فيه، فهي كما قال الشاعر: وَالنفْسُ رَاغِبةٌ إِذَا رغَّبْتَها ... وَإِذَا تُرَدّ إلى قَلِيل تَقْنَعُ وفي حياتنا العملية، قد يعود الإنسان من عمله ولمَّا ينضج الطعام، ولم تُعَد المائدة وهو جائع، فيأكل أيَّ شيء موجود وتنتهي المشكلة، ويقوم هذا محل هذا، وتقنعُ النفسُ بما نالتْه. ولكي يعيش الإنسان على قَدْر إمكاناته لا بُدَّ له أنْ يوازن بين

стр. 9177

دَخْله ونفقاته، فمَنْ كان عنده عُسْر في دَخْله، أو ضاقت عليه منافذ الرزق لا بُدَّ له من عُسْر في مصروفه، ولا بُدَّ له أنْ يُضيِّق على النفس شهواتها، وبذلك يعيش مستوراً ميسوراً، راضي النفس، قرير العين. والبعض في مثل هذه المواقف يلجأ إلى الاستقراض للإنفاق على شهوات نفسه، وربما اقترض ما يتمتع به شهراً، ويعيش في ذلة دَهْراً؛ لذا من الحكمة إذن قبل أن تسأل الناس القرض سَلْ نفسك أولاً، واطلب منها أن تصبر عليك، وأن تُنظرك إلى ساعة اليُسْر، ولا تُلجئك إلى مذلَّة السؤال. . وقبل أن تلوم مَنْ منعك لُمْ نفسك التي تأبَّتْ عليك أولاً. وما أبدع شاعِرنا الذي صاغ هذه القيم في قوله: إذَا رُمْتَ أنْ تستقرضَ المالَ مُنفِقاً ... على شَهَواتِ النفسِ فِي زَمَنِ العُسْر فَسَلْ نفسَكَ الإنفاقَ من كَنْز صَبْرِها ... عليْكَ وإنظاراً إلى سَاعةِ اليُسْرِ فَإِنْ فعلْتَ كنتَ الغني، وإنْ أبَتْ ... فكُل مَنُوع بعدها وَاسِعُ العُذْر ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] . والخير في الآخرة من الله، والنعيم فيها على قَدْر المنعِم ﵎، دون تعب ولا كَدٍّ ولا عمل.

стр. 9178

ومعلوم أن كلمة: ﴿قَالُواْ خَيْراً ... ﴾ [النحل: ٣٠] . التي فسَّرها الحق ﵎ بقوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ. .﴾ [النحل: ٣٠] . تقابلها كلمة «شر» ، هذا الشر هو ما جاء في قول الكافرين: ﴿مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النحل: ٢٤] . فهؤلاء قالوا خيراً، وأولئك قالوا شراً. ولكن إذا قيل: ذلك خير من ذلك، فقد توفر الخير في الاثنين، إلا أن أحدهما زاد في الخيرية عن الآخر، وهذا معنى قوله ﷺ َ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» . لذلك لما قال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠] . قال: ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] . أي: خير من حسنة الدنيا، فحسنة الدنيا خير، وأخير منها حسنة الآخرة. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين﴾ [النحل: ٣٠] . أي: دار الآخرة.

стр. 9179

ثم أراد الحق ﵎ أن يعطينا صورة موجزة عن دار المتقين كأنها برقية، فقال سبحانه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ... ﴾ .

стр. 9180

والجنات: تعني البساتين التي بها الأشجار والأزهار والثمار والخضرة، مما لا عَيْن رأتْ، ولا أذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. . ليس هذا وفقط. . هذه الجنة العمومية التي يراها كل مَنْ يدخلها. . بل هناك لكل واحد قصر خاص به، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفوز العظيم﴾ [الصف: ١٢] . إذن: هنا قَدْر مشترك للجميع: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [النحل: ٣١] . ومعنى قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ ... ﴾ [النحل: ٣١] . أي: جنات إقامة دائمة؛ لأن فيها كل ما يحتاجه الإنسان، فلا حاجه له إلى غيرها. . هَبْ أنك دخلْتَ أعظم حدائق وبساتين العالم هايد بارك مثلاً فقصارى الأمر أنْ تتنزَّه به بعض الوقت، ثم يعتريك التعب ويصيبك المَلل والإرهاق فتطلب الراحة من هذه النزهة. . أما الجنة فهي جنة عدن، تحب أن تقيم فيها إقامة دائمة. ويصف الحق سبحانه هذه الجنات فيقول:

стр. 9181

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [النحل: ٣١] . وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار﴾ [التوبة: ١٠٠] . ومعنى «تجري تحتها» أي: أنها تجري تحتها، وربما تأتي من مكان آخر. . وقد يقول هنا قائل: يمكن أن يُمنع عنك جريان هذه الأنهار؛ لذلك جاءت الآية: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [النحل: ٣١] . أي: ذاتية في الجنة لا يمنعها عنك مانع. ثم يقول تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ. .﴾ [النحل: ٣١] . والمشيئة هنا ليست بإرادة الدنيا ومشيئتها، وإنما مشيئة بالمزاج الخصب الذي يتناسب مع الآخرة ونعيمها. . فمثلاً: إذا دخلتَ على إنسان رقيق الحال فَلَك مشيئة على قدر حالته، وإذا دخلتَ على أحد العظماء أو الأثرياء كانت لَكَ مشيئة أعلى. . وهكذا. إذن: المشيئات النفسية تختلف باختلاف المشَاء منه، فإذا كان المشَاء منه هو الله الذي لا يُعجزه شيء تكون مشيئتُك مُطلقة، فالمشيئة في الآية ليستْ كمشيئة الدنيا؛ لأن مشيئة الدنيا تتحدَّد ببيئة الدنيا. . أما مشيئة الآخرة فهي المشيئة المتفتحة المتصاعدة المرتقية كما تترقى المشيئات عند البشر في البشر حَسْب مراتبهم ومراكزهم. ويُرْوى أنه لما أُسِرَتْ بنت أحد ملوك فارس عند رجل، وأرادوا

стр. 9182

شراءها منه وعرضوا عليه ما يريد، فقال: أريد فيها ألف دينار، فأعطوه الألف دينار وأخذوها منه. . فقال له أحدهم: إنها ابنةُ الملك، ولو كنت طلبتَ منه كذا وكذا لم يبخل عليك فقال: والله لو علمتُ أن وراء الألف عدداً لَطلبْته. . فقد طلب قصارى ما وصل إليه علمه. لذلك لما أراد النبي ﷺ َ أن يشرح لنا هذا النص القرآني: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ ... ﴾ [النحل: ٣١] . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] . قال: «فيها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قَلْب بشر» . إذن: تحديد الإطار للآية بقدر ما هم فيه عند ربهم. ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي الله المتقين﴾ [النحل: ٣١] . أي: هكذا الجزاء الذي يستحقونه بما قدموا في الدنيا، وبما حرَمَوا منه أنفسهم من مُتَع حرام. . وقد جاء الآن وقْتُ الجزاء، وهو جزاءٌ أطول وأَدْوم؛ لذلك قال الحق ﵎ في آية أخرى: ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية﴾ [الحاقة: ٢٤] . ثم يقول الحق ﵎:

стр. 9183

﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ ... ﴾ .

стр. 9184

أي: المتقون هم الذين تتوفاهم الملائكة طيبين. ومعنى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾ [النحل: ٣٢] . أي: تأتي لقبْض أرواحهم، وهنا نَسَب التوفّي إلى جملة الملائكة، كأنهم جنود ملَك الموت الأصيل عزرائيل، وقد سبق أنْ قُلْنا: إن الحق ﵎ مرةً ينسب التوفّي إلى الملائكة، ومرة ينسبه إلى مَلك الموت: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ. .﴾ [السجدة: ١١] . ومرّة ينسبه إلى نفسه سبحانه: ﴿الله يَتَوَفَّى﴾ [الزمر: ٤٢] . ذلك لأن الله سبحانه هو الآمر الأعلى، وعزرائيل مَلكُ الموت الأصيل، والملائكة هم جنوده الذين يُنفّذون أوامره. وقوله: ﴿طَيِّبِينَ. .﴾ [النحل: ٣٢] . تقابل الآية السابقة:

стр. 9185

﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] . والطيّب هو الشيء الذي يوجد له خيرٌ دائم لا ينقطع ولا ينقلب خَيْره هذا شراً، وهو الشيء الذي تستريح له النفس راحة تنسجم منها كل مَلكاتها، بشرط أن يكون مستمراً إلى خَيْرٍ منه، ولا يستمر إلى خَيْرٍ منه وأحسن إلا طَيِّب القيم وطَيِّب الدين، أما غير ذلك فهو طيب موقوتٌ سرعان ما يُهجر. ولذلك حينما يدَّعي اثنان المحبة في الله نقول: هذه كلمة تُقال، ومِصْداقها أن ينمو الودُّ بينكما كل يوم عن اليوم الذي قبله؛ لأن الحب للدنيا تشوبه الأطماع والأهواء، فترى الحب ينقص يوماً بعد يوم، حَسْب ما يأخذ أحدهما من الآخر، أما المتحابان في الله فيأخذان من عطاء لا ينفد، هو عطاء الحق ﵎، فإنْ رأيت اثنين يزداد وُدّهما فاعلم أنه وُدٌّ لله وفي الله، على خلاف الوُد لأغراض الدنيا فهو وُدٌّ سرعان ما ينقطع. هل هناك أطيب من أنهم طهَّروا أنفسهم من دَنَس الشرك؟ وهل هناك أطيبُ من أنهم اخلصوا عملهم لله، وهل هناك أطيب من أنهم لم يُسْرفوا على أنفسهم في شيء؟ وحَسْب هؤلاء من الطيب أنهم ساعة يأتي مَلَكُ الموت يمرُّ عليهم شريط أعمالهم، ومُلخّص ما قدّموه في الدنيا، فيرْون خَيْراً، فتراهم مُستبشرين فرحين، يبدو ذلك على وجوههم ساعة الاحتضار، فتراه أبيضَ الوجه مُشْرقاً مبتسماً، عليه خاتمة الخير والطيب والسعادة؛

стр. 9186

ذلك لما عاينه من طيب عمله، ولما يستبشر به من الجزاء عند الله ﵎. وعلى عكس هذه الحالة تماماً نرى أهل الشقاوة، وما هُمْ عليه ساعةَ الغرغرة من سواد الوجه، وسُوء الخاتمة، والعياذ بالله. ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢] . أي: حينما تتوفّاهم الملائكة يقولون لهم سلام؛ لأنكم خرجتم من الدنيا بسلام، وستُقبِلون على الآخرة بسلام، إذن: سلام الطيبين سلامٌ موصول من الدنيا إلى الآخرة، سلامٌ مُترتِّب على سلامة دينكم في الدنيا، وسلامة إقبالكم على الله، دون خوف في الآخرة. وهنا سلام آخر جاء في قول الحق ﵎: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] . ثم يأتي السلام الأعلى عليهم من الله ﵎؛ لأن كل هذه السلامات لهؤلاء الطيبين مأخوذة من السلام الأعلى: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . وهل هناك افضل وأطيب من هذا السلام الذي جاء من الحق ﵎ مباشرة. وتعجب هنا من سلام أهل الأعراف على المؤمنين الطيبين وهم

стр. 9187

في الجنة، ونحن نعرف أن أهل الأعراف هم قوم تساوتْ حسناتهم وسيئاتهم فحُجِزا على الأعراف، وهو مكان بين الجنة والنار، والقسمة الطبيعية تقتضي أن للميزان كفتين ذكرهما الحق ﵎ في قوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩] . هاتان حالتان للميزان، فأين حالة التساوي بين الكفتين؟ جاءت في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] . أي: يعرفون أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الجنة أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] . ووجه العجب هنا أن أهل الأعراف في مأزق وشدّة وانشغال بما هم فيه من شدة الموقف، ومع ذلك نراهم يفرحون بأهل الجنة الطيبين، ويُبادرونهم بالسلام. إذن: لأهل الجنة سلامٌ من الملائكة عند الوفاة، وسلام عندما يدخلون الجنة، وسلام أعلى من الله ﵎، وسلام حتى من أهل الأعراف المنشغلين بحالهم.

стр. 9188

﴿ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] . أي: لأنكم دفعتم الثمن؛ والثمن هو عملكم الصالح في الدنيا، واتباعكم لمنهج الحق ﵎. وقد يرى البعض تعارضاً بين هذه الآية وبين الحديث الشريف: «لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» . والحقيقة أنه لا يوجد تعارضٌ بينهما، ولكن كيف نُوفِّق بين الآية والحديث؟ الله تعالى يُوحي لرسوله ﷺ َ الحديث كما يُوحي له الآية، فكلاهما يصدر عن مِشْكاة واحدة ومصدر واحد. . على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ... ﴾ [التوبة: ٧٤] . فالحَدثُ هنا واحد، فلم يُغْنِهم الله بما يناسبه والرسول بما يناسبه، بل هو غناء واحد وحَدث واحد، وكذلك ليس ثمة تعارضٌ بين الآية والحديث. . كيف؟ الحق ﵎ كلَّف الإنسان بعد سِنِّ الرُّشْد والعقل، وأخذ يُوالي عليه النعم منذ صِغَره، وحينما كلَّفه كلَّفه بشيء يعود على

стр. 9189

الإنسان بالنفع والخير، ولا يعود على الله منه شيء، ثم بعد ذلك يُجازيه على هذا التكليف بالجنة. إذن: التكليف كله لمصلحة العبد في الدنيا والآخرة. إذن: تشريع الجزاء من الله في الآخرة هو مَحْضُ الفضل من الله، ولو أطاع العبدُ رَبّه الطاعة المطلوبة منه في الأفعال الاختيارية التكليفية لما وَفّى نِعَم الله عليه، وبذلك يكون الجزاء في الجنة فَضْلاً من الله ومنَّة. أو: أنهم حينما قالوا: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] . يريدون أن عملهم سبب عاديّ لدخول الجنة، ثم يكتسبونها بفضل الله. . فتجمع الآية بين العمل والفضل معاً؛ لذلك فإن الحق ﵎ يُقوّي هذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] . فهم لم يفرحوا بالعمل لأنه لا يَفِي بما هم فيه من نعمة، بل الفرحة الحقيقية تكون بفضل الله ورحمته، وفي الدعاء: «اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل» . وأخيراً. . هل كانوا يعملون هكذا من عند أنفسهم؟ لا. . بل بمنهج وضعه لهم ربّهم ﵎. . إذن: بالفضل لا بمجرد العمل. . ومثال ذلك: الوالد عندما يقول لولده: لو اجتهدت هذا العام وتفوقت سأعطيك كذا وكذا. . فإذا تفوَّق الولد كان كل شيء لصالحه: النجاح والهدية.

стр. 9190

ثم يقول الحق : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ ... ﴾ .

стр. 9191

بعد أن عرضتْ الآيات جزاء المتقين الذين قالوا خيراً، عادتْ لهؤلاء الذين قالوا ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾ الذين يُصادمون الدعوة إلى الله، ويقفون منها موقف العداء والكَيْد والتربُّص والإيذاء. وهذا استفهام من الحق ﵎ لهؤلاء: ماذا تنتظرون؟ ﴿بعدما فعلتم بأمر الدعوة وما صَدْدتُم الناس عنها، ماذا تنتظرون؟ أتنتظرون أنْ تَرَوْا بأعينكم، ليس أمامكم إلا أمران: سيَحُلاَّن بكم لا محالة: إما أنْ تأتيكم الملائكة فتتوفاكم، أو يأتي أمرُ ربِّك، وهو يوم القيامة ولا ينجيكم منها إلا أنْ تؤمنوا، أم أنكم تنتظرون خيْراً؟﴾ فلن يأتيكم خير أبداً. . كما قال تعالى في آيات أخرى: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] . وقال: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] . وقال: ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] .

стр. 9192

إذن: إنما ينتظرون أحداثاً تأتي لهم بشَرٍّ: تأتيهم الملائكة لقبْض أرواحهم في حالة هم بها ظالمون لأنفسهم، ثم يُلْقون السَّلَم رَغْماً عنهم، أو: تأتيهم الطامة الكبرى وهي القيامة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٣] . أي: ممَّن كذَّب الرسل قبلهم. . يعني هذه مسألة معروفة عنهم من قبل: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ الله﴾ [النحل: ٣٣] . أي: وما ظلمهم الله حين قدَّر أنْ يُجازيهم بكذا وكذا، وليس المراد هنا ظلمهم بالعذاب؛ لأن العذاب لم يحُلّ بهم بعد. ﴿ولكن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] . وهذا ما نُسمِّيه بالظلم الأحمق؛ لأن ظلم الغير قد يعود على الظالم بنوع من النفع، أما ظُلْم النفس فلا يعود عليها بشيء؛ وذلك لأنهم أسرفوا على أنفسهم في الدنيا فيما يخالف منهج الله، وبذلك فَوَّتوا على أنفسهم نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا هو ظلمهم لأنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه:

стр. 9193

﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ... ﴾ .

стр. 9194

أي: أنهم لما ظلموا أنفسهم أصابهم جزاء ذلك، وسُمِّي ما يُفعل بهم سيئة؛ لأن الحق ﵎ يُسمّي جزاء السيئة سيئة في قوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... ﴾ [النحل: ١٢٦] . وهذه تُسمّى المشاكلة، أي: أن هذه من جنس هذه. وقوله تعالى: ﴿مَا عَمِلُواْ﴾ العمل هو مُزَاولة أيِّ جارحة من الإنسان لمهمتها، فكُلُّ جارحة لها مهمة. الرِّجْل واليد والعَيْن والأُذن. . الخ. فاللسان مهمته أن يقول، وبقية الجوارح مهمتها أنْ تفعل. إذن: فاللسان وحده أخذ النصف، وباقي الجوارح أخذتْ النصف الآخر؛ ذلك لأن حصائد الألسنة عليها المعوّل الأساسي. فكلمة الشهادة: لا إله إلا الله لا بُدَّ من النطق بها لنعرف أنه

стр. 9195

مؤمن، ثم يأتي دَوْر الفعل ليُساند هذا القول؛ لذا قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] . وبالقول تبلُغ المناهج للآذان. . فكيف تعمل الجوارح دون منهج؟ ولذلك فقد جعل الحق ﵎ للأذن وَضْعاً خاصاً بين باقي الحواس، فهي أول جارحة في الإنسان تؤدي عملها، وهي الجارحة التي لا تنقضي مهمتها أبداً. . كل الجوارح لا تعمل مثلاً أثناء النوم إلا الأذن، وبها يتم الاستدعاء والاستيقاظ من النوم. وإذا استقرأت آيات القرآن الكريم، ونظرت في آيات الخلق ترى الحق ﵎ يقول: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . ثم هي آلة الشهادة يوم القيامة: ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم. .﴾ [فصلت: ٢٠] . ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً﴾ [الكهف: ١١] . ومعنى: ضربنا على آذانهم، أي: عطلنا الأذن التي لا تعطل حتى يطمئن نومهم ويستطيعوا الاستقرار في كهفهم، فلو لم يجعل الله تعالى في تكوينهم الخارجي شيئاً معيناً لما استقر لهم نوم طوال ٣٠٩ أعوام.

стр. 9196

ويقول الحق تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [النحل: ٣٤] . بماذا استهزأ الكافرون؟ استهزأوا بالبعث والحساب وما ينتظرهم من العذاب، فقالوا كما حكى القرآن: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ [الصافات: ١٦ - ١٧] . وقالوا: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] . ثم بلغ بهم الاستهزاء أن تعجَّلوا العذاب فقالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الأعراف: ٧٠] . وقالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ [الإسراء: ٩٢] . وهل يطلب أحد من عدوه أن يُنزِل به العذاب إلا إذا كان مستهزئاً؟ فقال لهم الحق ﵎: إنكم لن تقدروا على هذا العذاب الذي تستهزئون به. فقال:

стр. 9197

﴿وَحَاقَ بِهِم ... ﴾ [النحل: ٣٤] . أي: أحاط ونزل بهم، فلا يستطيعون منه فراراً، ولا يجدون معه منفذاً للفكاك، كما في قوله تعالى: ﴿والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ ... ﴾ .

стр. 9198

نلاحظ أنه ساعة أنْ يأتيَ الفعل نصاً في مطلوبه لا يُذكر المتعلق به. . فلم يَقُلْ: أشركوا بالله. . لأن ذلك معلوم، والإشراك معناه الإشراك بالله، لذلك قال تعالى هنا: ﴿وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ ... ﴾ [النحل: ٣٥] . ثم يورد الحق سبحانه قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] . إنهم هنا يدافعون عن أنفسهم، وهذه هي الشفاعة التي يُعلّق عليها الكفار خطاياهم شماعة أن الله كتب علينا وقضى بكذا وكذا. فيقول المسرف على نفسه: ربُّنا هو الذي أراد لي كذا، وهو

стр. 9199

الذي يهدي، وهو الذي يُضل، وهو الذي جعلني ارتكب الذنوب، إلى آخر هذه المقولات الفارغة من الحق والنهاية؛ فلماذا يعذبني إذن؟ وتعالوا نناقش صاحب هذه المقولات، لأن عنده تناقضاً عقلياً، والقضية غير واضحة أمامه. . ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له: ولماذا لم تقُل: إذا كان الله قد أراد لي الطاعة وكتبها عليَّ، فلماذا يثيبني عليها. . هكذا المقابل. . فلماذا قُلْت بالأولى ولم تقُلْ بالثانية؟ ! واضح أن الأولى تجرُّ عليك الشر والعذاب، فوقفتْ في عقلك. . أما الثانية فتجرُّ عليك الخير، لذلك تغاضيت عن ذِكْرها. ونقول له: هل أنت حينما تعمل أعمالك. . هل كلها خير؟ أم هل كلها شَرّ؟ أَمَا منها ما هو خير، ومنها ما هو شر؟ والإجابة هنا واضحة. إذن: لا أنت مطبوع على الخير دائماً، ولا أنت مطبوع على الشرِّ دائماً، لذلك فأنت صالح للخير، كما أنت صالح للشر. إذن: هناك فَرْق بين أن يخلقك صالحاً للفعل وضِدّه، وبين أنْ يخلقك مقصوراً على الفعل لا ضده، ولما خلقك صالحاً للخير وصالحاً للشر أوضح لك منهجه وبيَّنَ لك الجزاء، فقال: اعمل الخير. . والجزاء كذا، واعمل الشر. . والجزاء كذا. . وهذا هو المنهج.

стр. 9200

ويحلو للمسرف على نفسه أنْ يقولَ: إن الله كتبه عليَّ. . وهذا عجيب، وكأنِّي به قد اطَّلع على اللوح المحفوظ ونظر فيه، فوجد أن الله كتب عليه أن يشرب الخمر مثلاً فراحَ فشربها؛ لأن الله كتبها عليه. ولو أن الأمر هكذا لكنتَ طائعاً بشُرْبك هذا، لكن الأمر خلاف ما تتصور، فأنت لا تعرف أنها كُتِبت عليك إلا بعد أنْ فعلتَ، والفعل منك مسبوق بالعزم على أنْ تفعلَ، فهل اطلعتَ على اللوح المحفوظ كي تعرف ما كتبه الله عليك؟ وانتبه هنا واعلم أن الله تعالى كتب أزلاً؛ لأنه علم أنك تفعل أجلاً، وعِلْم الله مُطْلق لا حدودَ له. ونضرب مثلاً ولله المثل الأعلى الوالد الذي يلاحظ ولده في دراسته، فيجده مُهملاً غير مُجدٍّ فيتوقع فشله في الامتحان. . هل دخل الوالد مع ولده وجعله يكتب خطأ؟ لا. . بل توقّع له الفشل لعلمه بحال ولده، وعدم استحقاقه للنجاح. إذن: كتب الله مُسبْقاً وأزلاً؛ لأنه يعلم ما يفعله العبد أصلاً. . وقد أعطانا الحق ﵎ صورة أخرى لهذا المنهج حينما وجَّه المؤمنين إلى الكعبة بعد أنْ كانت وجْهتهم إلى بيت المقدس، فقال تعالى:

стр. 9201

﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] . ثم أخبر نبيه ﷺ َ بقوله: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] . جاء الفعل هكذا في المستقبل: سيقول. . إنهم لم يقولوا بَعْد هذا القول، وهذا قرآن يُتلَى على مسامع الجميع غير خافٍ على أحد من هؤلاء السفهاء، فلو كان عند هؤلاء عقل لَسكتُوا ولم يُبادروا بهذه المقولة، ويُفوِّتوا الفرصة بذلك على محمد ﷺ َ وعلى صِدْق القرآن الكريم. كان باستطاعتهم أن يسكتوا ويُوجّهوا للقرآن تهمة الكذب، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. وبذلك تمَّتْ إرادة الله وأمره حتى على الكافرين الذين يبحثون عن مناقضة في القرآن الكريم.

стр. 9202

وهذه الآية: ﴿وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ [النحل: ٣٥] . تشرح وتُفسِّر قول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] . فهنا ﴿سَيَقُولُ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿قَالَ﴾ ؛ لنعلم أنه لا يستطيع أحد معارضة قَوْل الله تعالى، أو تغيير حكمه. ثم يقول تعالى: ﴿نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا ... ﴾ [النحل: ٣٥] . لماذا لم يتحدث هؤلاء عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة في دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنهم سيحتاجون لهذه القضية فيما بعد وسوف يجعلونها حُجَّة حينما يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . إذن: لا حُجَّة لهؤلاء الذين يُعلِّقون إسرافهم على أنفسهم على شماعة القدر، وأن الله تعالى كتب عليهم المعصية؛ لأننا نرى حتى من المسلمين مَنْ يتكلم بهذا الكلام، ويميل إلى هذه الأباطيل، ومنهم مَنْ تأخذه الجَرْأة على الله فيُشبِّه هذه القضية بقول الشاعر: أَلْقَاهُ في اليَمِّ مَكتُوفاً وَقَالَ لَهُ ... إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ

стр. 9203

وما يفعل هذا إلا ظالم!! تعالى الله وتنزَّه عن قَوْل الجُهَّال والكافرين، وأيضاً هناك مَنْ يقول: إن الإنسان هو الذي خلق الفعل، ويعارضهم آخرون يقولون: لا بل رَبَّنا هو الذي يخلق الفِعْل. نقول لهم جميعاً: افهموا، ليس هناك في الحقيقة خلافٌ. . ونسأل: ما هو الفعل؟ الفعل توجيه جارحة لحدثٍ، فأنت حينما تُوجِّه جارحة لحدثٍ، ما الذي فعلته أنت؟ هل أعطيتَ لليد مثلاً قوة الحركة بذاتها؟ أم أن إرادتك هي التي وجَّهَتْ حركتها؟ والجارحة مخلوقة لله تعالى، وكذلك الإرادة التي حكمتْ على الجارحة مخلوقة لله أيضاً. . إذن: ما فعلته أنت ما هو إلا أن وجَّهْتَ المخلوق لله إلى مَا لا يحب الله في حالة المعصية وإلى ما يحبه الله في حالة الطاعة. كذلك لا بُدَّ أن نلاحظ أن لله تعالى مرادات كونية ومرادات شرعية. . فالمراد الكونيّ هو ما يكون فِعلاً، كُلُّ ما تراه في الكون أراد الله أن يكون. والمراد الشرعي: هو طَلَبُ الشيء لمحبوبيته. ولنأخذ مثلاً لتوضيح ذلك: كُفْر الكافر، أراد الله كَوْنياً أن يكون، لأنه خلقه مختاراً وقال: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وطالما خلقك الله مختاراً تستطيع أن تتوجه إلى الإيمان، أو تتوجه إلى الكفر، ثم كفرتَ. إذن: فهل كفرتَ غَصْباً عنه وعلى

стр. 9204

غير مُراده ؟ حاشا لله ومعنى ذلك أن كُفْر الكافر مُراد كونيّ، وليس مراداً شرعياً. وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مُراداً كونياً ومُراداً شرعياً، أما كفر المؤمن، المؤمن حقيقة لم يكفر. إذن: هو مراد شرعي وكذلك مراد كوني، وهكذا، فلا بُدَّ أن نُفرِّق بين المراد كونياً والمراد شرعياً. ولذلك لما حدثت ضجة في الحرم المكي منذ سنوات، وحدث فيه إطلاق للنار وترويع للآمنين، قال بعضهم: كيف يحدث هذا وقد قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] . وها هو الحال قَتْل وإزعاج للآمنين فيه؟! والحقيقة أن هؤلاء خلطوا بين مراد كوني ومراد شرعي، فالمقصود بالآية: فَمْن دخله فأمِّنوه. أي: اجعلوه آمناً، فهذا مطلَب من الله ﵎، وهو مراد شرعي قد يحدث وقد لا يحدث. . أما المراد الكوني فهو الذي يحدث فعلاً. وبذلك يكون ما حدث في الحرم مراداً كونياً، وليس مراداً شرعياً. ثم يقول تعالى على لسانهم: ﴿وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ... ﴾ [النحل: ٣٥] . وقد ورد توضيح هذه الآية في قوله تعالى:

стр. 9205

﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] . ثم يقول تعالى مقرراً: ﴿كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ [النحل: ٣٥] أي: هذه سُنَّة السابقين المعاندين. ﴿فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين﴾ [النحل: ٣٥] . البلاغ هو ما بين عباد الله وبين الله، وهو بلاغ الرسل، والمراد به المنهج «افعل أو لا تفعل» . ولا يقول الله لك ذلك إلا وأنت قادر على الفِعْل وقادر على التَّرْك. لذلك نرى الحق ﵎ يرفع التكليف عن المكْره فلا يتعلق به حكم؛ لأنه في حالة الإكراه قد يفعل ما لا يريده ولا يُحبه، وكذلك المجنون والصغير الذي لم يبلغ التعقل، كُلُّ هؤلاء لا يتعلق بهم حكْم. . لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يضمن السلامة لآلة الترجيح في الاختيار. . وهي العقل. وحينما يكون الإنسان محلَّ تكليف عليه أنْ يجعلَ الفيصل في:

стр. 9206

﴿فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين﴾ [النحل: ٣٥] . بلاغ المنهج بافعل ولا تفعل؛ لذلك استنكر القرآن الكريم على هؤلاء الذين جاءوا بقول من عند أنفسهم دون رصيد من المبلّغ ﷺ َ، فقال تعالى في حَقِّ هؤلاء: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ ... ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٠] . فأنكر عليهم سبحانه ذلك، وسألهم: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] . وخاطبهم سبحانه في آية أخرى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] . وكلمة ﴿البلاغ المبين﴾ أي: لا بُدَّ أن يُبَلِّغ المكَلَّف، فإنْ حصل تقصير في ألاَّ يُبَلَّغ المكلَّف يُنسَب التقصير إلى أهل الدين الحق، المنتسبين إليه، والمُنَاط بهم تبليغ هذا المنهج لمنْ لَمْ يصلْه. وقد وردت الأحاديث الكثيرة في الحَثِّ على تبليغ دين الله لمن لم يصِلْه الدين. كما قال ﷺ َ: «بلِّغُوا عَنِّي ولو آية» وقوله ﷺ َ: «نَضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعَاهَا ثم أدّاها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ مُبلِّغٍ أَوْعَى من سامع» .

стр. 9207

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا. .﴾ .

стр. 9208

فالحق سبحانه يقول هنا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً ... ﴾ [النحل: ٣٦] . وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٤] . فهذه لها معنى، وهذه لها معنى. . فقوله: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٤] . أي: من أنفسهم، منهم خرج، وبينهم تربَّى ودَرَج، يعرفون خِصَاله وصِدْقه ومكانته في قومه. أما قوله تعالى: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٣٦] . ف «في» هنا تفيد الظرفية. أي: في الأمة كلها، وهذه تفيد التغلغل في جميع الأمة. . فلا يصل البلاغ منه إلى جماعة دون أخرى، بل لا بُدَّ من عموم البلاغ لجميع الأمة.

стр. 9209

وكذلك يقول تعالى مرة: ﴿أَرْسَلْنَا ... ﴾ [الحديد: ٢٦] . ومرة أخرى يقول: ﴿بَعَثْنَا﴾ [النحل: ٣٦] . وهناك فرق بين المعنيين ف ﴿أَرْسَلْنَا﴾ تفيد الإرسال، وهو: أن يتوسط مُرْسَل إلى مُرْسَل إليه. أما ﴿بَعَثْنَا﴾ فتفيد وجود شيء سابق اندثر، ونريد بعثه من جديد. ولتوضيح هذه القضية نرجح إلى قصة آدم ﵇ حيث عَلّمه الله الأسماء كلها، ثم أهبطه من الجنة إلى الأرض. وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] . وقال في آية أخرى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى﴾ [طه: ١٢٣] . إذن: هذا منهج من الله تعالى لآدم ﵇ والمفروض أن يُبلِّغ آدم هذا المنهج لأبنائه، والمفروض في أبنائه أن يُبلِّغوا هذا المنهج لأبنائهم، وهكذا، إلا أن الغفلة قد تستحوذ على المبلِّغ للمنهج، أو عدم رعاية المبلِّغ للمنهج فتنطمس المناهج، ومن هنا يبعثها الله من جديد، فمسألة الرسالات لا تأتي هكذا فجأة فجماعة من الجماعات، بل هي موجودة منذ أول الخلق.

стр. 9210

فالرسالات إذن بَعْثٌ لمنهج إلهي، كان يجب أنْ يظلَّ على ذكر من الناس، يتناقله الأبناء عن الآباء، إلا أن الغفلة قد تصيب المبلّغ فلا يُبلّغ، وقد تصيب المبلَّغ فلا يلتزم بالبلاغ؛ لذلك يجدد الله الرسل. وقد وردت آياتٌ كثيرة في هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] . وقوله: ﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] . وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] . لذلك نرى غير المؤمنين بمنهج السماء يَضعُون لأنفسهم القوانين التي تُنظِّم حياتهم، أليس لديهم قانون يُحدِّد الجرائم ويُعاقب عليها؟ فلا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريمَ إلا بنصٍّ، ولا نصَّ إلا بإبلاغ. ومن هنا تأتي أهمية وَضْع القوانين ونشرها في الصحف والجرائد العامة ليعلمها الجميع، فلا يصح أنْ نعاقبَ إنساناً على جريمة هو لا يعلم أنها جريمة، فلا بُدَّ من إبلاغه بها أولاً، ليعلم أن هذا العمل عقوبته كذا وكذا، ومن هنا تُقام عليه الحُجة. وهنا أيضاً نلاحظ أنه قد يتعاصر الرسولان، ألم يكُنْ إبراهيم ولوط متعاصريْن؟ ألم يكُنْ شعيب وموسى متعاصريْن؟ فما عِلَّة ذلك؟
следующие страницы →