Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.
стр. 9381
الداءات، فكيف يكون هذا الشراب شفاءٌ لجميع الداءات على اختلاف أنواعها؟ . . نقول: لأن هذا الشراب الذي أعدَّه الله لنا بقدرته سبحانه جاء مختلفاً ألوانه. . من رحيق مُتعدِّد الأنواع والأشكال والطُّعوم والعناصر. . ليس مزيجاً واحداً يشربه كل الناس، بل جاء مختلفاً متنوعاً باختلاف الناس، وتنوّع الداءات عندهم. . وكأن كل عنصر منه يُداوِي داءً من هذه الدَّاءات.
وقوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] . التفكّر: أنْ تُفكّر فيما أنت بصدده لتستنبطَ منه شيئاً لستَ بصدده، وبذلك تُثري المعلومات؛ لأن المعلومات إذا لم تتلاقح، إذا لم يحدث فيها توالد تقف وتتجمّد، ويُصاب الإنسان بالجمود الطموحي، وإذا أصيب الإنسان بهذا الجمود توقّف الارتقاء؛ لأن الارتقاءات التي نراها في الكون هي نتيجة التفكُّر وإعمال العقل.
لذلك فالحق سبحانه يُنبِّهنا حينما نمرُّ على ظاهرة من ظواهر الكون، ألا نمر عليها غافلين مُعرضين، بل نفكر فيها ونأخذها بعين الاعتبار. . يقول تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
ففي الآية حَثٌّ على التفكّر في ظواهر الكون، وفيها تحذير من الإعراض والغفلة عن آيات الله، فبالفكر نستنبط من الكون ما نستفيد به.
стр. 9382
ولو أخذنا مثلاً الذي اخترع الآلة البخارية. . كيف توصل إلى هذا الاختراع الذي أفاد البشرية؟ نجد أنه توصل إليه حينما رأى القِدْر الذي يغلي على النار يرتفع غطاؤه مع بخار الماء المتصاعد أثناء الغليان. . فسأل نفسه: لماذا يرتفع الغطاء؟ واستعمل عقله وأعمل تفكيره حتى توصَّل إلى قوة البخار المتصاعد، واستطاع توظيف هذه القوة في تسيير ودفع العربات.
وكذلك أرشميدس وغيره كثيرون توصلوا بالاعتبار والتفكُّر في ظواهر الكون، إلى قوانين في الطبيعة أدت إلى اختراعات نافعة نتمتع نحن بها الآن، فالذي اخترع العجلة، كم كانت مشقة الإنسان في حَمْل الأثقال؟ وما أقصى ما يمكن أنْ يحمله؟ فبعد أنْ اخترعوا العجلات واستُخدِمت في الحمل تمكّن الإنسان من حَمْل وتحريك أضعاف أضعاف ما كان يحمله.
الذي اخترع خزانات المياه. . كم كانت المشقة في استخراج الماء من البئر؟ أو من النهر؟ فبعد عمل الخزانات وضَخِّ المياه أصبحنا نجد الماء في المنازل بمجرد فَتْح الصنبور.
هذه كلها ثمرات العقل حينما يتدبَّر، وحينما يُفكِّر في ظواهر الكون، ويستخدم المادة الخام التي خلقها الله وحثَّنا على التفكُّر فيها والاستنباط منها. . وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لقد أعطيتكم ضروريات الحياة، فإنْ أردتُم ترفَ الحياة وكمالياتها فاستخدموا نعمة العقل والتفكير والتدبّر لتصلوا إلى هذه الكماليات.
وهنا الحق سبحانه يلفتنا لَفْتةً أخرى. . وهي أنه سبحانه يجعل
стр. 9383
من المحسّات ما يُقرّب لنا المعنويّات ليلفتنا إلى منهجه سبحانه؛ ولذلك ينقلنا هذه النَّقْلة من المحسوس إلى المعنوي، فيقول تعالى: ﴿والله خَلَقَكُمْ ... ﴾ .
стр. 9384
قوله: ﴿والله خَلَقَكُمْ. .﴾ [النحل: ٧٠] .
هذه حقيقة لا يُنكرها أحد، ولم يَدّعِها أحدٌ لنفسه، وقد أمدّكم بمقوِّمات حياتكم في الأرض والنبات والحيوان، والأنعام التي تعطينا اللبن صافياً سائغاً للشاربين، ثم النحل الذي فيه شفاء للناس.
فالحق سبحانه أعطانا الحياة، وأعطانا مٌقوِّمات الحياة، وأعطانا ما يُزيل معاطبَ الحياة. . وما دُمْتم صدَّقتم بهذه المحسَّات فاسمعوا:
﴿والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ... ﴾ [النحل: ٧٠] .
وساعة أن نسمع (خلقكم) ، فنحن نعترف أن الله خلقنا، ولكنْ كيف خلقنا؟ هذه لا نعرفها نحن؛ لأنها ليستْ عملية معملية. . فالذين
стр. 9385
خلق هو الحق سبحانه وحده، وهو الذي يُخبرنا كيف خلق. . أما أنْ يتدخَّل الإنسان ويُقحِمَ نفسه في مسألة لا يعرفُها، فنرى مَنْ يقول إن الإنسان أَصلْه قرد. . إلى آخر هذا الهُراء الذي لا أَصْلَ له في الحقيقة.
ولذلك، فالحق سبحانه يقول لنا: إذا أردتُمْ أن تعرفوا كيف خُلِقْتُم فاسمعوا مِمَّنْ خلقكم. . إياكم أنْ تسمعوا من غيره؛ ذلك لأنني: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] .
هذه عملية لم يُطلع الله عليها أحداً: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] .
أي: ما اتخذتُ مساعداً يعاونني في مسألة الخَلْق.
وما هو المضلّ؟ المضِلّ هو الذي يقول لك الكلام على أنه حقيقة، وهو يُضلُّك.
إذن: ربنا هنا يعطينا فكرة مُقدّماً: احذروا، فسوف يأتي أناس يُضلونكم في موضوع الخَلْق، وسوف يُغيّرون الحقيقة، فإياكم أنْ تُصدِّقوهم؛ لأنهم ما كانوا معي وقت أنْ خلقتكم فيدَّعُون العلم بهذه المسألة.
ونفس هذه القضية في مسألة خَلْق السموات والأرض، فالله سبحانه هو الذي خلقهما، وهو سبحانه الذي يُخبرنا كيف خلق.
стр. 9386
فحين يقول سبحانه:
﴿والله خَلَقَكُمْ. .﴾ [النحل: ٧٠] .
فعلينا أن نقول: سَمْعاً وطاعة، وعلى العين والرأس. . يا ربِّ أنت خلقتنا، وأنت تعلم كيف خلقتنا، ولا نسأل في هذا غيرك، ولا نُصدِّق في هذا غير قَوْلك سبحانك.
ثم يقول تعالى:
﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ. .﴾ [النحل: ٧٠] .
أي: منه سبحانه كان المبدأ، وإليه سبحانه يعود المرجع. . وما دام المبدأ من عنده والمرجع إليه، وحياتك بين هذين القوسين؛ فلا تتمرد على الله فيما بين القوسين؛ لأنه لا يليق بك ذلك، فأنت منه وإليه. . فلماذا التمرد؟
ربُّنا هنا يُعطينا دليلاً على طلاقة قدرته سبحانه في أمر الموت، فالموت ليس له قاعدة، بل قد يموت الجنين في بطن أمه، وقد يموت وهو طفل، وقد يموت شاباً أو شيخاً، وقد يرد إلى أرذل العمر، أي: يعيش عمراً طويلاً. . وماذا في أرذل العمر؟!
يُرَدُّ الإنسان بعد القوة والشباب، بعد المهابة والمكان، بعد أنْ كان يأمر وينهي ويسير على الأرض مُخْتالاً، يُرَدُّ إلى الضَّعْف في كل شيء، حتى في أَمْيز شيء في تكوينه، في فكره، فبعد العِلْم والحِفْظ وقوة الذاكرة يعود كالطفل الصغير، لا يذكر شيئاً ولا يقدر على شيء.
стр. 9387
ذلك لتعلم أن المسألة ليست ذاتية فيك، بل موهوبة لك من خالقك سبحانه، ولتعلم أنه سبحانه حينما يقضي علينا بالموت فهذا رحمة بنا وستْر لنا من الضعف والشيخوخة، قبل أن نحتاج لمن يساعدنا ويُعينُنا على أبسط أمور الحياة ويأمر فينا مَنْ كُنّا نأمره.
ومن هنا كان التوفّي نعمة من نِعَم الله علينا، ولكي تتأكد من هذه الحقيقة انظر إلى مَنْ أمدّ الله في أعمارهم حتى بلغوا ما سماه القرآن «أرذل العمر» وما يعانونه من ضعف وما يعانيه ذووهم في خدمتهم حتى يتمنى له الوفاة أقرب الناس إليه.
الوفاة إذن نعمة، خاصة عند المؤمن الذي قدّم صالحاً يرجو جزاءه من الله، فتراه مُسْتبشراً بالموت؛ لأنه عمَّر آخرته فهو يُحب القدوم عليها، على عكس المسرف على نفسه الذي لم يُعِدّ العُدّة لهذا اليوم، فتراه خائفاً جَزِعاً لعلمه بما هو قادم عليه.
و (ثُمَّ) حَرْف للعطف يفيد الترتيب مع التراخي. . أي: مرور وقت بين الحدثين. . فهو سبحانه خلقكم، ثم بعد وقت وتراخٍ يحدث الحدَث الثاني (يتوفّاكم) . على خلاف حرف (الفاء) ، فهو حرف عطف يفيد الترتيب مع التعقيب أي: تتابع الحدثين، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] .
فبعد الموت يكون الإقبار دون تأخير.
стр. 9388
وقوله تعالى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ... ﴾ [النحل: ٧٠] .
وأرذل العمر: أردؤه وأقلّه وأخسُّه؛ ذلك أن الله أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئاً، فقال: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة ... ﴾ [النحل: ٧٨] .
وهذه هي وسائل العلم في الإنسان، فإذا رُدَّ إلى أرذل العمر فقدتْ هذه الحواسّ قدرتها، وضَعُفَ عملها، وعاد الإنسان كما بدأ لا يعلم شيئاً بعد ما أصابه من الخَرف والهرم، فقد توقفتْ آلات المعرفة، وبدأ الإنسان ينسى، وتضعف ذاكرته عن استرجاع ما كان يعلمه.
وقوله: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً. .﴾ [النحل: ٧٠] .
لذلك يُسمُّون هذه الحواس الوارث.
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] .
لأنه سبحانه بيده الخَلْق من بدايته، وبيده سبحانه الوفاة والمرجع، وهذا يتطلَّب عِلْماً، كما قال سبحانه: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ. .﴾ [الملك: ١٤] .
стр. 9389
فلا بُدَّ من عِلم، لأن الذي يصنع صَنْعة لا بُدَّ أن يعرفَ ما يُصلحها وما يُفسِدها، وذلك يتطلَّب قدرة للإدراك، فالعلم وحده لا يكفي.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿والله فَضَّلَ. .﴾ .
стр. 9390
لو نظرنا إلى الكون من حولنا لوجدنا أننا لا نتساوى إلا في شيء واحد فقط، هو أننا عبيدٌ لله. . نحن سواسية في هذه فقط، وما دون ذلك فنحن مختلفون فيه، تختلف ألواننا، تختلف أجسامنا. . صورنا. . مواهبنا. . أرزاقنا.
والعجيب أن هذا الاختلاف هو عَيْنُ الاتفاق؛ ذلك لأن الاختلاف قد ينشأ عنه الاتفاق، والاتفاق قد ينشأ عنه الاختلاف.
مثلاً: إذا دخلتَ أنت وصديقك أحد المطاعم وطلبتما دجاجة. . أنت بطبيعتك تحب صدر الدجاجة وصديقك يحب جزاءً آخر منها. . هذا خلاف. . فساعة أن يأتي الطعام تجد هذا الخلاف هو عين الوفاق حيث تأخذ أنت ما تحب، وهو كذلك. . هذا خلاف أدى إلى وفاق. . فلو فرضنا أن كلانا يحب الصدر مثلاً. . هذا وفاق قد يؤدي إلى خلاف إذا ما حضر الطعام وجلسنا: أينا يأخذ الصدر؟!
فالحق خلقنا مختلفين في أشياء، وأراد أن يكون
стр. 9391
هذا الاختلاف تكاملاً فيما بيننا. . فكيف يكون التكامل إذن؟
هل نتصور مثلاً أن يُوجَد إنسان مجمعاً للمواهب، بحيث إذا أراد بنا بيت مثلاً كان هو المهندس الذي يرسم، والبنَّاء الذي يبني، والعامل الذي يحمل، والنجار والحداد والسباك. . الخ. هل نتصور أن يكون إنسان هكذا؟ . . لا. .
ولكن الخالق سبحانه نثَر هذه المواهب بين الناس نَثْراً لكي يظل كل منهم محتاجاً إلى غيره فيما ليس عنده من مواهب، وبهذا يتم التكامل في الكون.
إذن: الخلاف بيننا هو عَين الوفاق، وهو آية من آياته سبحانه وحكمة أرادها الخالق جَلَّ وعَلا، فقال: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] .
فقد خلقنا هكذا.
وإلا فلو اتحدنا واتفقنا في المواهب، فهل يعقل أن نكون جميعاً فلاسفة، أطباء، علماء، فمَنْ يبني؟ ومَنْ يزرع؟ ومَنْ يصنع؟ . . الخ.
إذن: من رحمة الله أنْ جعلنا مختلفين متكاملين.
فالحق سبحانه يقول:
﴿فِي الرزق ... ﴾ [النحل: ٧١] .
ينظر الناس إلى الرزق من ناحية واحدة، فهو عندهم المال، فهذا غنيّ وهذا فقير. . والحقيقة أن الرزق ليس المال فقط، بل كُلّ
стр. 9392
شيء تنتفع به فهو رِزْقك. . فهذا رِزْقه عقله، وهذا رِزْقه قوته العضلية. . هذا يفكر وهذا يعمل.
إذن: يجب ألاَّ ننظر إلى الرزق على أنه لَوْن واحد، بل ننظر إلى كل ما خلق الله لخَلْقه من مواهب مختلفة: صحة، قدرة، ذكاء، حِلْم، شجاعة. . كل هذا من الرزق الذي يحدث فيه التفاضل بين الناس.
والحق حينما تعرَّض لقضية الرزق جعل التفاضل هنا مُبْهماً، ولم تحدد الآية مَنِ الفاضل ومَنِ المفضول، فكلمة بَعْضٍ مُبْهمة لنفهم منها أن كل بعض منَ الأبعاض فاضل في ناحية، ومفضول في ناحية أخرى.
. فالقوي فاضل على الضعيف بقوته، وهو أيضاً مفضول، فربما كان الضعيف فاضلاً بما لديه من علم أو حكمة. . وهكذا.
إذن: فكلُّ واحد من خَلْق الله رَزَقه الله موهبة، هذه الموهبة لا تتكرر في الناس حتى يتكامل الخَلْق ولا يتكررون. . وإذا وجدت موهبة في واحد وكانت مفقودة في الآخر فالمصلحة تقتضي أن يرتبط الطرفان، لا ارتباط تفضُّل، وإنما ارتباط حاجة. . كيف؟
القويُّ يعمل للضعيف الذي لا قوةَ له يعمل بها، فهو إذن فاضل في قوته، والضعيف فاضل بما يعطيه للقوي من مال وأجر يحتاجه القوي ليقُوتَ نفسه وعياله، فلم يشأ الحق سبحانه أنْ يجعلَ الأمر تفضُّلاً من أحدهما على الآخر، وإنما جعله تبادلاً مرتبطاً بالحاجة التي يستبقي بها الإنسان حياته.
стр. 9393
وهكذا يأتي هذا الأمر ضرورة، وليس تفضَّلاً من أحد على أحد؛ لأن التفضُّل غير مُلْزَم به فليس كل واحد قادراً على أن يعطي دون مقابل، أو يعمل دون أجر. . إنما الحاجة هي التي تحكم هذه القضية.
إذن: ما الذي ربط المجتمع؟ هي الحاجة لا التفضُّل، وما دام العالم سيرتبط بالحاجة، فكل إنسان يرى نفسه فاضلاً في ناحية لا يغترّ بفاضليته، بل ينظر إلى فاضلية الآخرين عليه؛ وبذلك تندكُّ سِمَة الكبرياء في الناس، فكلٌّ منهما يُكمل الآخر.
وقد ضربنا لذلك مثلاً بالباشا الغني صاحب العظمة والجاه. . والذي قد تُلْجِئه الظروف وتُحوجه لعامل بسيط يُصلح له عُطْلاً في مرافق بيته، وربما لم يجده أو وجده مشغولاً، فيظل هذا الباشا العظيم نَكِداً مُؤرّقاً حتى يُسعفه هذا العامل البسيط، ويقضي له ما يحتاج إليه.
هكذا احتاج صاحب الغنى والجاه إلى إنسان ليس له من مواهب الحياة إلا أنْ يقضي مثل هذه المهام البسيطة في المنزل. . وهو في نفس الوقت فاضل على الباشا في هذا الشيء.
فالجميع إذن في الكون سواسية، ليس فينا مَنْ بينه وبين الله سبحانه نسب أو قرابة فيجامله. . كلنا عبيد لله، وقد نثر الله المواهبَ في الناس جميعاً ليتكاملوا فيما بينهم، وليظل كُلٌّ منهم محتاجاً إلى الآخر، وبهذا يتم الترابط في المجتمع.
وقد عُرِضَتْ هذه القضية في آية أخرى في قوله تعالى:
стр. 9394
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً. .﴾ [الزخرف: ٣٢] .
البعض يفهم أن الفقير مُسخّر للغنيّ، لكن الحقيقة أن كلاً منهما مُسخَّر للآخر. . فالفقير مُسخّر للغني حينما يعمل له العمل، والغني مُسخّر للفقير حينما يعطي له أجره. .
ولذلك فالشاعر العربي يقول:
النَّاسُ لِلْناسِ مِنْ بَدْوٍ وحاضرة ... بَعْضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ
ونضرب هنا مثلاً بأخسِّ الحرف في عُرْف الناس وإنْ كانت الحِرف كلها شريفة، وليس فيها خِسَّة طالما يقوت الإنسان منها نفسه وعياله من الحلال.
. فالخِسَّة في العاطل الأخرق الذي يُتقِن عملاً.
هذا العامل البسيط ماسح الأحذية ينظر إليه الناس على أنهم افضل منه، وأنه أقل منهم، ولو نظروا إلى علبة الورنيش التي يستخدمها لوجدوا كثيرين من العمال والعلماء والمهندسين والأغنياء يعملون له هذه العلبة، وهو فاضل عليهم جميعاً حينما يشتري علبة الورنيش هذه. . لكن الناس لا ينظرون إلى تسخير كل هؤلاء لهذا العامل البسيط.
فقوله تعالى: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً. .﴾ [الزخرف: ٣٢] .
стр. 9395
مَنْ مِنّا يُسخّر الآخر؟! كُلٌّ منا مُسخَّر للآخر، أنت مُسخَّر لي فيما تتقنه، وأنا مُسخَّر لك فيما أتقنه. . هذه حكمة الله في خَلْقه ليتم التوازن والتكامل بين أفراد المجتمع.
وربُّنا لم يجعل هذه المهن طبيعية فينا. . يعني هذا لكذا وهذا لكذا. . لا. . الذي يرضى بقدر الله فيما يُناسبه من عمل مهما كان حقيراً في نظر الناس، ثم يُتقن هذا العمل ويجتهد فيه ويبذل فيه وُسْعه يقول له الحق سبحانه: ما دُمْتَ رضيتَ بقدري في هذا العمل لأرفعنّك به رِفْعة يتعجَّب لها الخَلْق. .
وفعلاً تراهم ينظرون إلى أحدهم ويشيرون إليه: كان شيالاً. . كان أجيراً. . نعم كان. . لكنه رَضِي بما قسم الله وأتقن وأجاد، فعوَّضه الله ورفعه وأعلى مكانته.
ولذلك يقولون: مَنْ عمل بإخلاص في أيّ عمل عشر سنين يُسيّده الله بقية عمره، ومَنْ عمل بإخلاص عشرين سنة يُسيّد الله أبناءه، ومَنْ عمل ثلاثين سنة سيَّد الله أحفاده. . لا شيء يضيع عند الله سبحانه.
فليس فينا أَعْلى وأَدْنى، وإياك أنْ تظنَّ أنك أعلى من الناس، نحن سواسية، ولكن مِنَّا من يُتقِن عمله، ومِنَّا مَنْ لا يتقن عمله؛ ولذلك قالوا: قيمة كل امرئ ما يُحسِنه.
ولا تنظر إلى زاوية واحدة في الإنسان، ولكن انظر إلى مجموع الزوايا، وسوف تجد أن الحق سبحانه عادلٌ في تقسيم المواهب على الناس.
стр. 9396
وقد ذكرنا أنك لو أجريتَ معادلة بين الناس لوجدتَ مجموع كل إنسان يساوي مجموع كُلِّ إنسان، بمعنى أنك لو أخذتَ مثلاً: الصحة والمال والأولاد والقوة والشجاعة وراحة البال والزوجة الصالحة والجاه والمنزلة. . الخ لوجدت نصيب كُلٍّ منّا في نهاية المعادلة يساوي نصيب الآخر، فأنت تزيد عني في القوة، وأنا أزيد عنك في العلم، وهكذا. . لأننا جميعاً عبيدٌ لله، ليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسب أو قرابة.
وقوله تعالى:
﴿فَمَا الذين فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ... ﴾ [النحل: ٧١] .
فما ملكت أيمانهم: هم العبيد المماليك. . والمعنى: أننا لم نَرَ أحداً منكم فضّله الله بالرزق، فأخذه ووزّعه على عبيده ومماليكه، أبداً. . لم يحدث ذلك منكم. . والله سبحانه لا يعيب عليهم هذا التصرف، ولا يطلب منهم أنْ يُوزّعوا رزق الله على عبيدهم، ولكن في الآية إقامةٌ للحجة عليهم، واستدلال على سُوء فعلهم مع الله .
وكأن القرآن يقول لهم: إذا كان الله قد فُضَّل بعضكم في
стр. 9397
الرزق، فهل منكم مَنْ تطوع برزق الله له، ووزَّعه على عبيده؟ . . أبداً. . لم يحدث منكم هذا. . فكيف تأخذون حق الله في العبودية والألوهية وحقّه في الطاعة والعبادة والنذر والذبح، وتجعلونه للأصنام والأوثان؟!
فأنتم لم تفعلوا ذلك فيما تملكون. . فكيف تسمحون لأنفسكم أنْ تأخذوا حقَّ الله، وتعطوه للأصنام والأوثان؟
ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ. .﴾ [الروم: ٢٨] .
أي: أنكم لم تفعلوا هذا مع أنفسكم، فكيف تفعلونه مع الله؟ فهذه لَقْطة: أنكم تُعاملون الله بغير ما تُعاملون به أنفسكم:
﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ... ﴾ [النحل: ٧١] .
أي: أنكم سوَّيتُم بين الله سبحانه وبين أصنامكم، وجعلتموهم شركاء له وتعبدونهم مع الله.
والحق سبحانه وإنْ رزقنا وفضَّلَنا فقد حفظ لنا المال، وحفظ لنا الملكية، ولم يأمرنا أن نعطي أموالنا للناس دون عمل وتبادل منافع، فإذا ما طلب منك أن تعطي أخاك المحتاج فوق ما افترض عليك من زكاة يقول لك: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ. .﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
مع أن الحق سبحانه واهب الرزق والنِّعَم، يطلب منك أنْ
стр. 9398
تُقرِضه، وكأنه سبحانه يحترم عملك ومجهودك، ويحترم ملكيتك الخاصة التي وهبها لَك. . فيقول: أقرضني. لعلمه سبحانه بمكانة المال في النفوس، وحِرْص المقرض على التأكد من إمكانية الأداء عند المقترض، فجعل القرض له سبحانه لتثقَ أنت أيها المقرض أن الأداء مضمون من الله.
ويختم الحق سبحانه الآية بقوله:
﴿أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] .
أي: بعد أنْ أنعم الله عليهم بالرزق، ولم يطلب منهم أنْ ينثروه على الغير، جحدوا هذه النعمة، وأنكروا فَضْل الله، وجعلوا له شركاء من الأصنام والأوثان، وأخذوا حَقَّ الله في العبودية والألوهية وأعطوْهُ للأصنام والأوثان، وهذا عَيْنُ الجحود وإنكار الجميل.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ ... ﴾ .
стр. 9399
الحق سبحانه في الآية السابقة قنَّن لنا قضية القمة قضية العقيدة في أننا لا نعطي شيئاً جعله الله لنفسه سبحانه من العبودية والألوهية والطاعة وغيرها، لا نعطيها لغيره سبحانه. . وإذا صَحَّتْ هذه القضية العَقدية صَحَّتْ كل قضايا الكون.
стр. 9400
ثم بيَّن سبحانه أنه خلقنا من واحد، ثم خلق من الواحد زوجة له، ليتم التناسل والتكاثر. . إذ إن استمرارَ بقائكم خاضعٌ لأمرين:
الأمر الأول: استبقاء الحياة، وقد ضمنه سبحانه بما أنعم به علينا من الأرزاق، فنأكل ونشرب فنستبقي الحياة، فبعد أنْ تحدّث عن استبقاء الحياة بالرزق في الآية السابقة ذكر:
الأمر الثاني: وهو استبقاء الحياة ببقاء النوع، فقال سبحانه:
﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ... ﴾ [النحل: ٧٢] .
والأزواج: جمع زوج، والزوج لا يعني الرجل فقط، بل يعني الرجل والمرأة؛ لأن كلمة (زوج) تُطلَق على واحد له نظير من مثله، فكلُّ واحد منهما زَوْج. . الرجل زوج، والمرأة زوج، فتُطلق إذن على مُفْرد، لكن له نظير من مثل.
و ﴿مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [النحل: ٧٢] .
أي: من نَفْس واحدة، كما قال في آية أخرى: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... ﴾ [الزمر: ٦] .
يعني: أخذ قطعة من الزوج، وخلق منها الزوجة، كما خلق سبحانه حواء من آدم ﵉.
أو: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا. .﴾ [النساء: ١] .
أي: من جنسها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ. .﴾ [التوبة: ١٢٨] .
стр. 9401
أي: من جنسكم.
فالمسألة تحتمل المعنيين. . مَن اتسع ظنُّه إلى أن الله خلق حواء من ضِلع آدم أي: منه، من بعضه فلا مانع، ومَنْ قال: خلق الله حواء كما خلق آدم خَلْقاً مستقلاً، ثم زَاوَج بينهما بالزواج فلا مانع. . فالأول على معنى البَعْضية، والثاني على معنى من جنسكم.
قلنا: إن الجمع إذا قابل الجمع اقتضت القسمةُ آحاداً. . كما لو قال المعلم لتلاميذه: أخرجوا كتبكم، فهو يخاطب التلاميذ وهم جمع. وكتبهم جمع، فهل سيُخرِج كل تلميذ كُتب الآخرين؟! . . لا. . بل كل منهم سيُخرج كتابه هو فقط. . إذن: القسمة هنا تقتضي آحاداً. . وكذلك المعنى في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ... ﴾ [الروم: ٢١] .
أي: خلق لكل منكم زَوْجاً.
ولكي نتأكد من هذه الحقيقة، وأن الخَلْق بدأ بآدم ﵇ نردُّ الأشياء إلى الماضي، وسوف نجد أن كُلَّ متكاثر في المستقبل يتناقص في الماضي. . فمثلاً سُكّان العالم اليوم أكثر من العام الماضي. . وهكذا تتناقص الأعداد كلما أوغلنا في الماضي، إلى أن نصلَ إلى إنسان واحد هو آدم ﵇ ومعه زوجه حواء، لأن أقلَّ التكاثر من اثنين.
إذن: قوله سبحانه: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا. .﴾
[النساء: ١] .
стр. 9402
كلام صحيح يؤيّده الاستقراء والإحصاء.
لذلك يمتنُّ ربّنا سبحانه علينا أنْ خلقَ لنا أزواجاً، ويمتنُّ علينا أن جعل هذا الزوج من أنفسنا، وليس من جنس آخر، لأن إلْفَ الإنسان وأنْسه لا يتم إلا بجنسه، وهذه من أعظم نعم الله علينا، ولك أن تتصوَّر الحال إذا جعل الله لنا أزواجاً من غير جنسنا! ﴿كيف يكون؟﴾
هذا الزوج اشترك معنا في أشياء، واختلف عنّا في شيء واحد، اتفقنا في أشياء: فالشكل واحد، والقالب واحد، والعقل واحد، والأجزاء واحدة: عينان وأذنان. . يدان ورجْلان. . الخ، وهذا الاشتراك يُعين على الارتقاء والمودة والأنْس والألْفة.
واختلفنا في شيء واحد هو النوع: فهذا ذكر، وهذه أنثى. إذن: جمعنا جنس، وفرَّقنا النوع لِيتمّ بذلك التكامل الذي أراده سبحانه لعمارة الأرض.
وهناك احتمال أن يتحوَّل الذكر إلى أنثى أو الأنثى إلى ذكر، لذلك خلق الله الاحتياط لهذه الظاهرة، كأنْ يكونَ للرجل ثَدْي صغير، أو غيره من الأعضاء القابلة للتحويل، إذا ما دَعَتْ الحاجة لتغيير النوع. . فهذا تركيب حكيم وقدرة عالية.
إذن:
﴿مِّنْ أَنْفُسِكُمْ ... ﴾ [النحل: ٧٢] .
ليزداد الإلْف والمحبة والأُنْس والمودّة بينكم؛ ولذلك نجد في
стр. 9403
قصة سيدنا سليمان ﵇ والهدهد، حينما تفقَّد الطير وعرف غياب الهدهد قال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] .
وهذا سلطان الملْك الذي أعطاه الله لسليمان. . قالوا في: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً. .﴾ [النمل: ٢١] .
أي: يضعه في غير جنْسه. . إذن: وَضْعه في غير جنسه نوع من العذاب. . وتكون (من أنفسكم) نعمة ورحمة من الله.
وفي الآية الأخرى يذكر سبحانه عناصر ثلاثة لاستبقاء العلاقة الزوجية، فيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] .
ولو تأملنا هذه المراحل الثلاثة لوجدنا السكن بين الزوجين، حيث يرتاح كُلٌّ منهما إلى الآخر، ويطمئن له ويسعد به، ويجد لديه حاجته. . فإذا ما اهتزتْ هذه الدرجة ونفرَ أحدهما من الآخر جاء دور المودّة والمحبة التي تُمسِك بزمام الحياة الزوجية وتوفر لكليهما قَدْراً كافياً من القبول.
فإذا ما ضعف أحدهما عن القيام بواجبه نحو الآخر جاء دور الرحمة، فيرحم كل منهما صاحبه. . يرحم ضَعْفه. . يرحم مرضه. . وبذلك تستمر الحياة الزوجية، ولا تكون عُرْضة للعواصف في رحلة الحياة.
стр. 9404
فإذا ما استنفدنا هذه المراحل، فلم يَعُدْ بينهما سَكَن ولا مودّة، ولا حتى يرحم أحدهما صاحبه فقد استحالتْ بينهما العِشرة، وأصبح من الحكمة مفارقة أحدهما للآخر.
وهنا شرع الحق سبحانه الطلاق ليكون حلاً لمثل هذه الحالات، ومع ذلك جعله ربنا سبحانه أبغض الحلال، حتى لا نقدم عليه إلا مُضطرِّين مُجْبرين.
وقوله تعالى:
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً.
.﴾ [النحل: ٧٢] .
البنون هم الحلقة الأولى لاستبقاء الحياة، والحفَدة وهم وَلَدُ الولد، هم الحلقة الثانية لاستبقاء الحياة؛ ذلك لأن الإنسان بطبْعه يحب الحياة ويكره الموت، وهو يراه كل يوم يحصد النفوس من حَوْله. . فإيمانه بالموت مسألة محققة، فإذا ما تيقَّن أن الحياة تفوته في نفسه أراد أنْ يستبقيَها في وَلَده. . ومن هنا جاء حُبُّ الكثيرين مِنَّا، للذكور الذين يُمثِّلون امتداداً للآباء.
فإذا ما رزقه الله الأبناء، وضمن له الجيل الأول تطلّع إلى أنْ يرى أبناء الأبناء؛ ليستبقي الحياة له ولولده من بعده؛ ولذلك فالشاعر الذي يخاطب ابنه يقول له:
أبُنيّ. . يَا أنَا بَعْدَمَا أَقْضِي ...
стр. 9405
وهذه هي نظرة الناس إلى الأولاد، أنهم ذِكْر لهم بعد موتهم. . وكأن اسمه موصولٌ لا ينتهي.
ويقول الله ﵎:
﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً ... ﴾ [النحل: ٧٢] .
تدلُّنا على ضرورة الحرص على اندماج الأجيال. . زوجين، ثم أبناء وحفدة. . فما فائدة اندماج الأجيال؟ ما فائدة المعاصرة والمخالطة بين الجدِّ وحفيده؟
نلاحظ أن الوليد الصغير يبدأ عنده الإدراك بمجرد أنْ تعملَ وسائل الإدراك عنده، فيبدأ يلتقط مِمَّنْ حوله ويتعلَّم منهم. . فإذا كان له أخوة اكبر منه تعلّم منهم مثلاً بابا. . ماما. . فإذا لم يكُنْ له أخوة نُعلّمه نحن هذه الكلمات.
ولذلك نرى الطفل الثاني أذكى من الأول، والثالث أذكى من الثاني. . وهكذا لأنه يأخذ ممَّنْ قبله وممَّنْ حوله، فيزداد بذلك إدراكه، وتزداد خبراته ومعلوماته.
ولنتصور أن هذا الابن أصبح أباً، وجاء الحفيد الذي يعاصر الجيلين؛ جيل الأب وجيل الجدِّ، يشبّ الصغير في أحضانهما، فتراه يأخذ من أبيه نشاطه في حركة الحياة وسَعْيه للرزق.
في حين أنه يأخذ من جَدِّه القيم الدينية حيث الجد في البيت باستمرار بعد أن تقدَّم به العمر فأقبل على الطاعة والعبادة. . فيسمع منه الصغير قراءة القرآن. . متى يؤذن للظهر. . يا ولد هات
стр. 9406
المصحف. . يا ولد هات السجادة لأصلي، إلى غير هذه من الكلمات التي يأخذ منها الصغير هذه القيم.
إذن: الحفيد يلتقط لوناً من النشاط والحركة في جيل أبيه، ويلتقط لوناً من القيم في جيل جَدِّه؛ ولذلك فإن ابتعاد الأجيال يُسبِّب نقصاً في تكوين الأطفال، والحق سبحانه يريد أنْ تلتحمَ الأجيال لتكتمل للطفل عناصر التربية بين القيم المعنوية والحركة والنشاط.
وقوله تعالى:
﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطيبات ... ﴾ [النحل: ٧٢] .
الطيبات في الرزق الذي جعله الله لاستبقاء الحياة، وفي الزواج الذي جعله الله لاستبقاء النوع.
ثم يقول تعالى:
﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ الله هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] .
الباطل: هو الأصنام التي اتخذوها من دون الله.
وفي الآية استفهام للتعجُّب والإنكار. . كيف تكفرون بنعمة الله وقد خلقكم في البَدْء من نفس واحدة، وخلق منها زوجها.
. وجعل لكم من أنفسكم أزواجاً. . وجعل بينكم سكناً ومودة ورحمة، ثم جعل لكم البنين والحفدة، ورزقكم من نِعم الحياة ما يستبقي حياتكم، ومن نِعَم الأزواج ما يستبقي نوعكم، وجعلكم في نعمة ورفاهية. . خلقكم من عدم، وأمدَّكم من عُدم.
стр. 9407
أبعد ذلك كله تجحدون نعمته وتكفرونها، وبدل أنْ تُقبِلوا عليه وتلتفتوا إليه تنصرفون إلى عبادة الأصنام التي لا تضرُّ ولا تنفع. . وهل عملتْ لكم الأصنامُ شيئاً من ذلك؟ ﴿هل أنعمتْ عليكم بنعمة من هذه النعم؟﴾
هذه الأصنام محتاجة إليكم. . تأخذ منكم ولا تعطيكم. . فهذا مائل يريد مَنْ يقيمه. . وهذا كُسِر يحتاج لمن يُصلحه. . انقل الإله. . ضَع الإله في مكان كذا. . الخ.
ولذلك يقول تعالى في الآية بعدها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ... ﴾ .
стр. 9408
والعبادة أن يطيع العابد معبوده، وهذه الطاعة تقتضي تنفيذ الأمر واجتناب النهي. . فهل العبادة تنفيذ الأمر واجتناب النهي فقط؟ نقول: لا بل كل حركة في الحياة تُعين على عبادة فهي عبادة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولتوضيح هذه القضية نضرب هذا المثل:
إذا أردتَ أن تُؤدّي فرض الله في الصلاة مثلاً، فأنت تحتاج إلى قوة لتؤدي هذه الفريضة، ولن تجد هذه القوة إلا بالطعام والشراب، ولنأخذ أبسط ما يمكن تصوّره من الطعام. . رغيف العيش. . فانظر كم يّدٌ شاركتْ فيه منذ كان حبةَ قمح تلقى في الأرض إلى أنْ أصبح رغيفاً شهياً.
стр. 9409
إن هؤلاء جمعياً الذين أداروا دولاب هذه العملية يُؤدّون حركة إيجابية في الحياة هي في حَدِّ ذاتها عبادة لأنها أعانتْك على عبادة.
أيضاً إذا أردت أنْ تُصلّي، فواجب عليك أنْ تستر عورتك. . انظر إلى هذا القماش الذي لا تتم الصلاة إلا به. . كُلّ مَنْ أسهم في زراعته وصناعته حتى وصل إليك. . جميعهم يؤدون عبادة بحركتهم في صناعة هذا القماش.
إذن: كل شيء يُعينك على عبادة الله فهو عبادة، وكل حركة في الكون تؤدي إلى شيء من هذا فهي عبادة.
والحق حينما استدعى المؤمنين لصلاة الجمعة، قال سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ... ﴾ [الجمعة: ٩] .
لم يأخذهم من فراغ، بل من عمل، ولكن لماذا قال سبحانه: (وَذَرُوا البَيْعَ) . . لماذا البيع بالذات؟
قالوا: لأن البيع هو غاية كل حركات الحياة، فهو واسطة بين مُنتج ومُسْتهلك. . ولم يَقُل القرآن: اتركوا المصانع أو الحقول، لأن هناك أشياء لا تأتي ثمرتها في ساعتها. . فمَنْ يزرع ينتظر شهوراً ليحصد ما زرع، والصانع ينتظر إلى أن يبيعَ صناعته. . لكن البيع صفقة حاضرة، فهي محلّ الاهتمام. . وكذلك لم يَقُلْ: ذروا الشراء، قالوا: لأن البائع يحب أن يبيعَ، ولكن المشتري قد يشتري وهو
стр. 9410
كاره. . فأتى القرآن بأدقِّ شيء يمكن أن يربطك بالزمن، وهو البيع.
فإذا ما انقضتْ الصلاة أمرنا بالعودة إلى العمل والسعي في مناكب الأرض: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله ... ﴾ [الجمعة: ١٠] .
فقوله تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله. .﴾ [النحل: ٧٣] .
أراد الحق سبحانه أن يتكلم عن الجهة التي يُؤثِرونها على الله. . وهي الأصنام. . فالله سبحانه الذي خلقهم ورزقهم من الطيبات، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، وجعل لهم بنين وحفدة. . كان يجب أن يعبدوه لنعمته وفَضْله. . فالذي لا يعبد الله لذاته سبحانه يعبده لنعمه وحاجته إليه. . فعندنا عبادة للذات لأنه سبحانه يستحق العبادة لذاته، وعبادة لصفات الذات في معطياتها، فمَنْ لم يعبده لذاته عبده لنعمته.
وطالما أن العبادة تقتضي تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي. . فكيف تكون العبادة إذن في حق هذه الأصنام التي اتخذوها؟ ﴿كيف تعبدونها وهي لم تأمركم بشيء ولم تنهكُمْ عن شيء؟﴾ .
стр. 9411
وهذا أول نَقْد لعبادة غير الله من شمس أو قمر أو صنم أو شجر.
وكذلك. . ماذا تعطي الأصنام أو غيرها من معبوداتكم لمن عبدها، وماذا أعدَّتْ لهم من ثواب؟ ﴿وبماذا تعاقب مَنْ كفر بها؟ . . إذن: فهو إله بلا منهج.
والتديّن غريزة في النفس يلجأ إليها الإنسان في وقت ضعفه وحاجته. . والله سبحانه هو الذي يحب أن نلجأ إليه وندعو ونطلب منه قضاء الحاجات. . وله منهج يقتضي مطلوبات تدكُّ السيادة والطغيان في النفوس ويقتضي تكليفات شاقة على النفس.
إذن: لجأ الكفار إلى عبادة الأصنام والأوثان لأنها آلهة بلا تكليف، ومعبودات بلا مطلوبات.
ما أسهل أن يتمحّك إنسان في إله ويقول: أنا أعبده دون أن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء﴾ ما أسهل أن يُرضي في نفسه غريزة التدين بعبادة مثل هذا الإله.
لكن يجب ألاّ تنسوا أن هذا الإله الذي ليس له تكليف لن تستطيعوا أنْ تطلبوا منه شيئاً، أو تلجأوا إليه في شدة. . فهذا غير معقول فكما أنهم لا يطلبوا منكم شيئاً، كذلك لا يملكون لكم نَفْعاً ولا ضراً.
لذلك وجدنا الذين يدَّعُون النبوة. . هؤلاء الكذابون يُيسِّرون على الناس سُبُل العبادة، ويُبيحون لهم ما حرَّمه الدين مثل اختلاط الرجال والنساء وغيره؛ ذلك لاستقطاب اكبر عدد ممكن من الأتباع.
стр. 9412
فجاء مسيلمة الكذاب وأراد أن يُسهِّل على الناس التكليف فقال بإسقاط الصلاة، وجاء الآخر فقال بإسقاط الزكاة. . وقد جذب هذا التسهيل كثيراً من المغفلين الذين يَضِيقون بالتكليف، ويميلون لدين سَهْل يناسب هِمَمهم الدَّنية.
وهكذا وجدنا لهؤلاء الكذابين أنصاراً يُؤيّدونهم ويُناصرونهم. . ولكن سرعان ما تتكشف الحقائق، ويقف هؤلاء المخدوعون على حقيقة أنبيائهم.
وقوله تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً. .﴾ [النحل: ٧٣] .
نلاحظ في هذه الآية نَوْعاً من الارتقاء في الاستدلال على بطلان عبادة الأصنام؛ ذلك لأن الحق ﵎ قال عنهم في آية أخرى: ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] .
فنفى عنهم القدرة على الخَلْق، بل إنهم هم المخلوقون. . يذهب الواحد منهم فيُعجبه حجر، فيأخذه ويُعمل فيه مِعْوله حتى يُصوِّره على صورة ما، ثم يتخذه إلهاً يعبده من دون الله.
فلما نفى عنهم القدرة على الخَلْق أراد هنا أنْ يترقّى في الاستدلال، فنفى عنهم مجرد أنْ يملكوا، فقد يملك الواحد ما لا يخلقه، فتُقرّر الآية هنا أنهم لا يملكون. . مجرد الملك.
وقوله تعالى:
стр. 9413
﴿مِّنَ السماوات والأرض شَيْئاً.
.﴾ [النحل: ٧٣] .
فالرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، ومن المصدرين يأتي رزق الله، وبذلك يضمن لنا الحق ﵎ مُقوِّمات الحياة وضرورياتها من ماء السماء ونبات الأرض.
فإنْ أردتُمْ ترفَ الحياة فاجتهدوا فيما أعطاكم الله من مُقوِّمات الحياة لِتصلوا إلى هذا الترف.
فالرزق الحقيقي المباشر ما أنزله الله لنا من مطر السماء فأنبت لنا نبات الأرض.
ونُوضِّح ذلك فنقول: هَبْ أن عندك جبلاً من ذهب، أو جبلاً من فضة، وقد عضَّك الجوع في يوم من الأيام. . هل تستطيع أنْ تأكلَ من الذهب أو الفضة؟
إنك الآن في حاجة لرغيف عيش، لا لجبل من ذهب أو فضة. . رغيف العيش الذي يحفظ لك حياتك في هذا الموقف افضل من هذا كله.
وهذا هو الرزق المباشر الذي رزقه الله لعباده، أما المال فهو رِزْق غير مباشر، لا تستطيع أن تأكل منه أو تعيش عليه.
وكلمة: (شَيْئَاً) أي: أقلّ ما يُقَال له شيء، فالأصنام والأوثان لا تملك لهم رزقاً مهما قَلَّ؛ لأنه قد يقول قائل: لا يملكون رِزْقاً يكفيهم. . لا. . بل لا يملكون شيئاً.
ثم يعطينا الحق سبحانه لمحة أخرى في قوله تعالى:
﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] .
أي: لا يملكون لهم رِزْقاً في الحاضر، ولن يملكوا في المستقبل، وهذا يقطع الأمل عندهم، فهُمْ لا يملكون اليوم، ولن يملكوا غداً؛ ذلك لأن هناك أشياء ينقطع الحكم فيها وَقْتاً. . وأشياء مُعلّقة يمكن أن تُسْتأنفَ فيما بعد، فهذه الكلمة:
﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] .
حُكْم قاطع لا استئناف له فيما بَعْد.
ولذلك؛ نجد هؤلاء الذين يُحِبّون أنْ يجدوا في القرآن مَأْخذاً يجادلون في قوله تعالى: ﴿قُلْ ياأيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٥] .
فهؤلاء يروْن في السورة تكراراً يتنافى وبلاغةَ القرآن الكريم. . نقول: ليس في السورة تكرار لو تأملتُم. . ففي السورة قَطْع علاقات على سبيل التأبيد والاستمرار، فالحق سبحانه يقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
стр. 9414
في الحاضر، وفي المستقبل، وإلى يوم القيامة.
فقوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٢ - ٣] .
وهذا قَطْع علاقات في الوقت الحاضر. . ولكن مَنْ يُدرِينا لعلَّنا نستأنف علاقات أخرى فيما بعد. . فجاء قوله تعالى: ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٤ - ٥] .
لا للتكرار، ولكن لقطع الأمل في إعادة العلاقات في المستقبل، فالقضية إذن منتهية من الآن على سبيل القَطْع.
كذلك المعنى في قوله تعالى:
стр. 9415
﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ... ﴾ [النحل: ٧٣] .
أي: لا يستطيعون الآن، ولا في المستقبل.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ... ﴾ .
стр. 9416
الأمثال: جمع مِثْل، وهو النِّد والنظير.
стр. 9417
وفي الآية نَهْي عن أن نُشبِّه الله سبحانه بشيء آخر؛ لأن الحق ﵎ واحدٌ في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله. . إياك أن تقول عن ذات: إنها تشبه ذاته سبحانه، أو صفات تشبه صفاته سبحانه، فإنْ وجدت صفة لله تعالى يُوجد مثلها في البشر فاعلم أنها على مقياس. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
فالحق سبحانه ينهانا أنْ نضرب له الأمثال، إنما هو سبحانه يضرب الأمثال؛ لأنه حكيم يضرب المثَل في محلّه لِيُوضّح القضية الغامضة بالقضية المشاهدة؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى. .﴾ [النحل: ٦٠] .
أي: الصفة العليا في كل شيء، فإذا وجدتَ صفات مشتركة بينكم وبين الحق سبحانه فنزِّه الله عن الشبيه والنظير والنِّد والمثيل وقل: (ليس كمثله شيء) .
فأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك مسبوقٌ بعدم ويلحقه العدم، ووجوده سبحانه لا يسبقه عدم ولا يلحقه العدم.
وقد ضرب الله لنا مثلاً لنفسه سبحانه لِيُوضِّح لنا تنويره سبحانه للكون، وليس مثَلاً لنوره كما نظنّ. . بل هو مثَل لتنويره لا لنوره.
يقول تعالى في سورة النور:
стр. 9418
﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ [النور: ٣٥] .
نور السموات والأرض؛ لأنه بالنور تكون الهداية حِسّية أو معنوية. . فالنور الحسِّيُّ مثل نور الشمس والقمر وغيرهما من مصادر الضوء. . هذا النور الحسي هو الذي يُبيّن لنا الأشياء لتسير في الكون على بصيرة وهدى. . فلو حاولتَ السَّيْر ليلاً دون ضَوْء يهديك فسوف تصطدم بالأشياء من حولك: إما أقوى منك يُحطّمك ويُؤذيك، وإما تكون أنت أقوى منه فتُحطِّمه أنت. . فالذي يهدي خُطَاك هو النور الحسيُّ.
وقد يكون النور معنوياً، وهو نور القيَم والأخلاق، وهذا النور يجعلك أيضاً تسير في الحياة على بصيرة وهُدًى، ويحميك من التخبّط في مجاهل الأفكار والنظريات، هذا هو النور القِيَمي الذي أنزله الله لنا في كتابه الكريم، وقال عنه: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع
стр. 9419
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] .
فهو نور لكن معنوي. . بالقيم والأخلاق والفضائل. . ولا تقُلْ في هذا المثل: إنه مَثَلٌ لنور الله. . بل مَثَلٌ لسلطان تنويره للكون، ولو تأمَّلنا بقية الآية لأدركنا ذلك.
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ... ﴾ [النور: ٣٥] .
البعض يقولون: المشكاة هي المصباح. . لا. . المشكاة هي الكُوّة أو الطاقة المسدودة في الجدار يعرفها أهل الريف في بِنَاياتهم القديمة، وهي تجويف غير نافذ في الجدار يُوضَع فيه المصباح. ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] .
أي: ليس مصباحاً عادياً بل في زجاجة، وهي تحمي ضَوْء المصباح أنْ يبعثره الهواء من كل ناحية، وفي نفس الوقت تسمح له بالقدر الكافي من الهواء لاستمرار الاشتعال، وبذلك يكون الضوء ثابتاً صافياً لا يصدر عنه دُخان يُعكِّر صَفْو الزجاجة.
وأهل الريف يعرفون شعلة الجاز التي ليس لها زجاجة، وما يصدر عنها من دُخان أسود ضارّ. . إذن: المصباح هنا في غاية الصفاء والقوة؛ لأن الزجاجة أيضاً ليستْ زجاجة عادية، بل زجاجة كأنها كوكب دُريٌّ، وكَوْنها كالكوكب الدريّ يعني أنها تُضِيء بنفسها. ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ... ﴾ [النور: ٣٥] .
стр. 9420
هذا المصباح يُوقد بزيت ليس عادياً، بل هو زيت من زيتونه. . شجرة زيتون معتدلة المناخ. ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ... ﴾ [النور: ٣٥] .
هذا الزيت وصل من الصفاء والنقاء أنه يُضيء، ولو لم تمسسه نار؛ ولذلك أعطانا منتهى القوة: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ. .﴾ [النور: ٣٥] .
ولذلك قال تعالى في وصف هذا المصباح: ﴿نُّورٌ على نُورٍ. .﴾ [النور: ٣٥] .
وبعد أنْ وقفتَ على أوصاف هذا المصباح، وأنه يُوضَع في كُوَّة صغيرة، بالله عليك هل يمكن وجود نقطة مظلمة في هذه الكُوّة؟
إذن: فهذا مَثَلٌ ليس لنوره سبحانه. . فنُوره لا يُدرَكُ، وإنما هو مثَلٌ لتنويره للكون، الذي هو كالكُوّة والطاقة في هذا المثل. . فمعنى قوله تعالى: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض. .﴾ [النور: ٣٥] .
أي: مُنِّورهما، فكما أنه لا يُعقل وجود نقطة مظلمة في هذه الكُوّة، فكذلك نوره سبحانه وتنويره للكون. . وهذا هو النور الحسيّ الذي أمدَّ الله به الكون.
ثم تحدَّث القرآن بعد ذلك عن النور المعنوي الذي يُنزِل على عباد الله الصالحين تجليّاتٍ نورانية، وفيُوضاتٍ ربانية نتلقّاها في بيوت الله:
следующие страницы →