← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

فهذه مقولات ثلاث كاذبة: قوله: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ [الكهف: ٣٥] . هذه الأولى، فكم من أشياء تغيَّرت، ومن يضمن لك بقاء ما أنت فيه، والحق ﵎ يقول في آية أخرى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠] . الكذبة الثانية: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] . فقد أنكر الساعة. الكذبة الثالثة: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٦] . وهذا هو الشاهد في الآية هنا، ففيها اغترار وتمنٍّ على الله دون حقٍّ، كمن ادعوْا أن لهم الحسنى، وهم ليسوا أهلاً لها. وفي موضع آخر تأتي نفس المقولة:

стр. 9347

﴿لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير وَإِن مَّسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: ٤٩ - ٥٠] . وهكذا الإنسان في طَبْعه أنه لا يسأم من طلب الخير، وكلما وصل فيه إلى مرتبة تمنّى أعلى منها، يقنط إنْ مسَّه شر، وإنْ رفع الله عنه ورحمه قال: هذا لي. . أنا استحقه، وأنا جدير به. . ألاَ قلتَ: هذا فضل من الله ونعمة، ثم بعد ذلك هو يتمنى على الله الأماني ويقول: ﴿إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: ٥٠] . ويُروى أن سيدنا داود ﵇ مع ما أعطاه الله من الملْك والعظمة أنه صعد يوماً سطح منزله، فابتلاه الله بسِرْب من الجراد الذهب، فحينما رآه داود جعل يجمع منه في ثوبه، فقال له ربه: ألم أُغْنِك يا داود؟ قال: نعم ولكن لا غِنَى لي عن فضلك. وقوله تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار ... ﴾ [النحل: ٦٢] . لا جرم: أي حقاً أن لهم النار على ما تقدم منهم أن جعلوا لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب، وهذه أفعال يستحقون النار عليها. وكلمة ﴿لاَ جَرَمَ﴾ منها جارم بمعنى مجرم، فالمعنى: لا جريمة في عقاب هؤلاء، لأنه لا يُقال على عقوبة الجريمة أنها

стр. 9348

جريمة. . إذن: لها معنيان، لا بُدَّ أن لهم النار، أو لا جريمة في أن لهم النار جزاء أعمالهم. ﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] . جاءت في كلمة مُفْرطون عدة قراءات: مفرَطون، مفرِطون، مفرِّطون، مفرَّطون. وجمعيها تلتقي في المعنى. نحن حينما نصلي على جنازة مثلاً، إذا كان الميت مكلّفاً نقول في الدعاء له: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. . اللهم إنْ كان مُحسناً فزِدْ في إحسانه، وإنْ كان مُسِيئاً فتجاوز عن سيئاته» . فإنْ كان صغيراً غير مُكلَّف قُلْنا في الدعاء له «اللهم اجعله فرَطاً وذخراً» . فما معنى فرَطاً هنا؟ معناه: أن يكون الطفل فَرَطاً لأبويه ومُقدّمة لهما إلى الجنة. . يمرُّ بين يديْ والديْه ويسبقهما إلى الجنة، وكأنه يقدم عليهما لِيُمهد لهما الطريق ليغفر الله لهما. . إذن: معنى مُفْرطون أي مُقدِّمون. ولكن إلى النار.

стр. 9349

ومنه قوله تعالى عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة. .﴾ [هود: ٩٨] . أي: يتقدمهم إلى النار. . كما كنتَ مُقدّماً عليهم، وإماماً لهم في الدنيا، فسوف تتقدمهم هنا وتسبقهم إلى النار.

стр. 9350

نعلم أن الحق يُقسِم بما يشاء على ما يشاء، أما نحن فلا نقسم إلا بالله، وفي الحديث الشريف: «مَنْ كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت» . والحق ﵎ هنا يحلف بذاته سبحانه ﴿تالله﴾ ، مثل: والله وبالله. وقد جاء القسم لتأكيد المعنى؛ ولذلك يقول أحد الصالحين: من أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟! وقد يؤكد الحق سبحانه القسم بذاته، أو القسم ببعض خَلْقه، وقد ينفي القسم وهو يُقسِم، كما في قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: ١] .

стр. 9351

وقوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] . ومعنى: لا أقسم أن هذا الأمر واضح جَليّ وضوحاً لا يحتاج إلى القسم، ولو كنت مُقسِماً لأقسمتُ به، بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] . إذن: الحق سبحانه يُقسِم بذاته ليؤكد لنا الأمر تأكيداً، وتأكيد الأمر عند الحكم في القضاء مَثلاً: إما بالإقرار، وإما باليمين. . فإذا ما أقسمت له وحلفتَ فقد سددْتَ عليه منافذ التكذيب. والحق سبحانه يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣] . أي: لسْتَ بِدْعاً في أنْ تُكذَّب من قومك، فهذه طبيعة الذين يستقبلون الدعوة من الله على ألسنة الرسل؛ لأن الرسل لا يرسلهم الله إلا حينما يطمّ الفساد ويعُم. ومعنى إرسال الرسل إذن أنه لا حَلَّ إلا أنْ تتدخلَ السماء؛ ذلك لأن الإنسان فيه مناعات يقينية في ذاته، وهي نفسه اللوامة التي تلومه إذا أخطأ وتُعدِّل من سلوكه، فهي رادع له من نفسه. فإذا ما تبلَّدتْ هذه النفس، وتعوَّدتْ على الخطأ قام المجتمع من حولها بهذه المهمة، فمَنْ لا تُردِعه نفسه اللوامة يُردعه المجتمع من حوله. . فإذا ما فسدَ المجتمع أيضاً، فماذا يكون الحل؟ الحل أن تتدخل السماء لإنقاذ هؤلاء. إذن: تتدخل السماء بإرسال الرسل حينما يعُمّ الفسادُ المجتمعَ

стр. 9352

كله؛ ولذلك فأمة محمد ﷺ َ من شرفها عند ربها أنْ قال لهم: أنتم مأمونون على رعاية منهجي في ذواتكم، لوَّامون لأنفسكم، آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر في غيركم؛ لذلك لن أرسل فيكم رسولاً آخر، فأنتم سوف تقومون بهذه المهمة. لذلك قال الحق سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ... ﴾ [آل عمران: ١١٠] . فقد آمن أمة محمد ﷺ َ على أن تكون حارسة لمنهجه، إما بالنفس اللوامة، وإما بالمجتمع الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وهذا شرف عظيم لهذه الأمة. إذن: يأتي الرسول حينما يعُمُّ الفساد. . فما معنى الفساد؟ . . الفساد: أن تُوجد مصالح طائفة على حساب طائفة أخرى، فأهل الفساد والمنتفعون به إذا جاءهم رسول ليُخلِّص الناس من فسادهم، كيف يقابلونه؟ أيقابلونه بالترحاب؟ بالطبع لا. . لا بُدّ وأن يقابلوه بالكراهية والإنكار، ويعلنوا عليه الحرب دفاعاً عن مصالحهم. ويُتبع الحق سبحانه هذا بقوله: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ. .﴾ [النحل: ٦٣] . هنا يتدخل الشيطان، ويُزيّن لأهل الفساد أعمالهم، ويحثّهم على محاربة الرسل؛ فهؤلاء الذين سيقضون على نفوذكم، سوف يأخذون ما في أيديكم من مُتَع الدنيا، سوف يهزُّون مراكزكم،

стр. 9353

ويحطُّون من مكانتكم بين الناس. . هؤلاء سوف يرفعون عليكم السِّفْلة والعبيد. . وهكذا يتمسَّك أهل الفساد والظلم بظلمهم، ويعضون عليه بالنواجذ، ويقفون من الرسل موقف العداء، فوطِّنْ نفسك على هذا، فلن تُقابلَ من السادة إلا بالجحود وبالإنكار وبالمحاربة. ثم يقول تعالى: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ... ﴾ [النحل: ٦٣] . أي: في الآخرة، فما دام الشيطان تولاَّهم في الدنيا، وزيَّن لهم، وأغراهم بعداء الرسل، فَلْيتولَّهم الآن، وليدافع عنهم يوم القيامة. . وقد عرض لنا القرآن الكريم هذا الموقف في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ [الحشر: ١٦] . وفي جدالهم يوم القيامة مع الشيطان يقولون له: أنت أغويتَنا وزيَّنْتَ لنا. . ماذا يقول؟ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ. .﴾ [إبراهيم: ٢٢] . والسلطان هنا: إمّا بالحجة التي تُقنع، وإما بالقهر والغلبة والقوة التي تفرض ما تريد، وليس للشيطان شيء من ذلك. . لا يملك حُجة يُقنعك بها لتفعل، ولا يملك قوة يُجبرك بها أنْ تفعل وأنت كاره.

стр. 9354

وهكذا يجادلهم الشيطان ويردُّ عليهم دعواهم، فليس له عليكم سلطان، بل مجرد الإشارة أوقعتْكم في المعصية. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله. .﴾ [الأنفال: ٤٨] . وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣] . يَصف العذاب هنا بأنه أليم شديد مُهلِك، وقد وصف الله العذاب بأنه أليم، عظيم، مُهين، شديد. . والعذاب شعور بالألم وإحساسٌ به، وقد توصَّل العلماء إلى أن الإحساس كله في الجلد؛ لذلك قال الحق سبحانه لِيُديمَ على هؤلاء العذاب: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب. .﴾ [النساء: ٥٦] . وهكذا يستمر العذاب باستمرار الجلود وتبديلها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب. .﴾ .

стр. 9355

فالكتاب هو القرآن الكريم. وقَوْل الحق سبحانه: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ. .﴾ [النحل: ٦٤] . دليل على أن أتباع الرسل السابقين نشأ بينهم خلاف، فأيُّ خلاف هذا طالما أنهم تابعون لنبي واحد؟ ما سببه؟ قالوا: سبب هذا الخلاف ما يُسمُّونه بالسلطة الزمنية. . ولتوضيح معنى السلطة الزمنية نضرب مثلاً بواحد كان شيخاً لطريقة مثلاً، بواحد كان شيخاً لطريقة مثلاً، فلما مات تنازع الخلافة أبناؤه من بعده. . كُلٌ يريدها له، وأخذ يجمع حوله مجموعة من أتباع أبيه. . فلو كانت الخلافة هذه واضحة في أذهانهم ما حدث هذا الخلاف. وكذلك السلطة الزمنية حدثت في أتباع الرسل الذين أخذوا يكتبون الصكوك، ويذكرون ما يحبون وما يرونه صواباً من وجهة نظرهم، كل هؤلاء كان لهم نفوذ بما نُسميه السلطة الزمنية. فكيف إذن يتركون محمداً ﷺ َ يأخذ منهم هذه السلطة، ويُضيع عليهم ما هم فيه من سيادة، فقد جاء الرسول ﷺ َ لِيُبيّن لهم. أي: يردّهم إلى جَادّة الحق، وإلى الطريق المستقيم. وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً. .﴾ [النحل: ٦٤] . الهدى: معناه بيان الطريق الواضح للغاية النافعة، والطريق

стр. 9356

لا يكون واضحاً إلا إذا خَلا من الصِّعاب والعقبات، وخلا أيضاً من المخاوف، فهو طريق واضح مأمون سهل، وأيضاً يكون قصيراً يُوصّلك إلى غايتك من أقصر الطرق. وضد الهدى: الضلال. وهو أنْ يُضلّك، فإنْ أردتَ طريقاً وجَّهك إلى غيره، ودَلّك على سواه، أو دَلّك على طريق به مخاوف وعقبات. أما الرحمة، فقد وصف الحق ﵎ القرآن بأنه رحمة فقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ [الإسراء: ٨٢] . فكيف يكون القرآن شفاءً؟ وكيف يكون رحمة؟ الشفاء: إذا أصابنا داء ربنا يقول: طيّبوا داءكم وداووا أمراضكم بكذا وكذا، ورُدُّوا الحكم إلى الله. . هذا شفاء. أما الرحمة: فهي أن يمنع أن يأتي الداء مرة أخرى، فتكون وقاية تقتلع الداء من أصله فلا يعود. ومِثْل هذا يحدث في عالم الطب، فقد تذهب إلى طبيب لِيُعالجك من داء معين. . بثور في الجلد مثلاً، فلا يهتم إلا بما يراه ظاهراً، ويصف لك ما يداوي هذه البثور. . ثم بعد ذلك تُعاودك مرة أخرى. أما الطبيب الحاذق الماهر فلا ينظر إلى الظاهر فقط، بل يبحث عن سببه في الباطن، ويحاول أن يقتلع أسباب المرض من جذورها، فلا تُعاودك مرة أخرى.

стр. 9357

ولذلك، لو نظرنا إلى قصة أيوب ﵇ وما ابتلاه الله به نرى فيها مثالاً رائعاً لعلاج الظاهر والباطن معاً، فقد ابتلاه ربُّه ببلاء ظهر أثره على جسمه واضحاً، ولما أذن له سبحانه بالشفاء قال له: ﴿اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] . (مُغْتَسَلٌ) : أي. يغسل ويُزيل ما عندك من آثار هذا البلاء. (وَشَرَابٌ) : أي. شراب يشفيك من أسباب هذا البلاء فلا يعود. وكذلك الحال في علاج المجتمع، فقد جاء القرآن الكريم وفي العَالَم فساد كبير، وداءاتٌ متعددة، لا بُدَّ لها من منهج لشفاء هذه الداءاتِ، ثم نعطيها مناعاتٍ تمنع عودة هذه الداءات مرة أخرى. وقوله تعالى: ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] . أي: أن هذا القرآن فيه هدى ورحمة لمَنْ آمن بك وبرسالتك؛ لأن الطبيب الذي ضربناه مثلاً هنا لا يعالج كل مريض، بل يعالج مَنْ وثق به، وذهب إليه وعرض عليه نفسه ففحصه الطبيب وعرف عِلّته. وهكذا القرآن الكريم يسمعه المؤمن به، فيكون له هدىً ورحمة،

стр. 9358

ويترك في نفسه إشراقات نورانية تتسامى به وترتفع إلى أعلى الدرجات، في حين يسمعه آخر فلا يَعي منه شيئاً، ويقول كما حكى القرآن الكريم: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً ... ﴾ [محمد: ١٦] . وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ. .﴾ [فصلت: ٤٤] . ﴿والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. .﴾ [فصلت: ٤٤] . إذن: فالقرآن واحد، ولكن الاستقبال مختلف. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿والله أَنْزَلَ مِنَ ... ﴾ .

стр. 9359

الحق ﵎ في هذه الآية ينقلنا إلى آية مادية مُحسّة لا ينكرها أحد، وهي إنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض الميتة بهذا المطر؛ ليكون ذلك دليلاً محسوساً على قدرته تعالى، وأنه مأمون على خَلْقه. وكأنه سبحانه يقول لهم: إذا كنتُ أنا أعطيكم كذا وكذا، وأُوفّر لكم الأمر المادي الذي يفيد عنايتي بكم، فإذا أنزلتُ لكم منهجاً ينفعكم ويُصلح أحوالكم فصدّقوه.

стр. 9360

فهذا دليل ماديّ مُحَسّ يُوصِّلهم إلى تصديق المنهج المعنوي الذي جاء على يد الرسول ﷺ َ في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ. .﴾ [الإسراء: ٨٢] . وقوله: ﴿والله أَنْزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ... ﴾ [النحل: ٦٥] . هذه آية كونية مُحسَّة لا ينكرها أحد. ثم يقول: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ ... ﴾ [النحل: ٦٥] . موت الأرض، أي حالة كَونْها جدباء مُقفرة لا زرعَ فيها ولا نبات، وهذا هو الهلاك بعينه بالنسبة لهم، فإذا ما أجدبتْ الأرض استشرفوا لسحابة، لغمامة، وانتظروا منها المطر الذي يُحيي هذه الأرض الميتة. . يُحييها بالنبات والعُشْب بعد أنْ كانت هامدة ميتة. فلو قبض ماء السماء عن الأرض لَمُتُّمْ جوعاً، فخذوا من هذه الآية المحسَّة دليلاً على صدق الآية المعنوية التي هي منهج الله إليكم على يد رسوله ﷺ َ، فكما أمِنْتَنِي على الأولى فأْمَنِّي على الثانية. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥] . مع أن هذه الآية تُرَى بالعين ولا تُسْمع، قال القرآن: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥] . . . لماذا؟ قالوا: لأن الله سبحانه أتى بهذه الآية لِيلْفتَهم إلى المنهج الذي سيأتيهم على يد الرسول ﷺ َ، وهذا المنهج سَيُسمع من الرسول المبلّغ لمنهج الله.

стр. 9361

مثال ذلك أيضاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] . فالضياء يُرى لا يُسمع. . لكنه قال: ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ لأنه يتكلم عن الليل، ووسيلة الإدراك في الليل هي السمع. ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ... ﴾ .

стр. 9362

الكون الذي خلقه الله تعالى فيه أجناس متعددة، أدناها الجماد المتمثل في الأرض والجبال والمياه وغيرها، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان. وفي الآية السابقة أعطانا الحق ﵎ نموذجاً للجماد الذي اهتزَّ بالمطر وأعطانا النبات، وهنا تنقلنا هذه الآية إلى جنس أعلى وهو الحيوان. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً ... ﴾ [النحل: ٦٦] .

стр. 9363

والمقصود بالأنعام: الإبل والبقر والغنم والماعز، وقد ذُكِرتْ في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين ... ﴾ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤] . هذه هي الأنعام. وقوله سبحانه: ﴿لَعِبْرَةً﴾ العِبْرة: الشيء الذي تعتبرون به، وتستنجون منه ما يدلكم على قدرة الصانع الحكيم ، وتأخذون من هذه الأشياء دليلاً على صِدْق منهجه سبحانه فتصدقونه. ومن معاني العبرة: العبور والانتقال من شيء لآخر. . أي: أن تأخذ من شيء عبرة تفيد في شيء آخر. ومنها العَبْرة (الدمعة) ، وهي: شيء دفين نبهْتَ عنه وأظهرتَهُ. والمراد بالعبرة في خلق الأنعام: ﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] . مادة: سقى جاءت في القرآن مرة «سقى» . ومرة «أَسْقى» ، وبعضهم قال: إن معناهما واحد، ولكن التحقيق أن لكل منهما

стр. 9364

معنًى، وإن اتفقا في المعنى العام. سقى: كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] . أي: أعطاهم ما يشربونه. . ومضارعه يَسقي. ومنها قوله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فسقى لَهُمَا ... ﴾ [القصص: ٢٤] . أما أسقى: كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] . فمعناه أنه سبحانه أنزل الماء من السماء لا يشربه الناس في حال نزوله، ولكن ليكون في الأرض لمن أراد أنْ يشربَ. . فالحق ﵎ لم يفتح أفواه الناس أثناء نزول المطر ليشربوا منه. . لا. . بل هو مخزون في الأرض لمن أراده. والمضارع من أَسْقى: يُسقي. إذن: هناك فَرْق بين الكلمتين، وإنِ اتفقنا في المعنى العام. . وفرْق بين أن تُعطي ما يُستفَادُ منه في ساعته، مثل قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ. .﴾ [الإنسان: ٢١] . وبين أنْ تعطي ما يمكن الاستفادة منه فيما بعد كما في قوله:

стр. 9365

﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] . لذلك يقولون: إن الذي يصنع الخير قد يصنعه عاجلاً، فيعطي المحتاج مثلاً رغيفاً يأكله، وقد يصنعه مؤُجّلاً فيعطيه ما يساعده على الكسْب الدائم ليأكل هو متى يشاء من كسْبه. والحق ﵎ أعطانا هذه الفكرة في سورة الكهف، في قصة ذي القرنين، قال تعالى: ﴿حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ [الكهف: ٩٣] . فما داموا لا يفقهون قَوْلاً. . فكيف تفاهم معهم ذو القرنين، وكيف قالوا: ﴿ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ [الكهف: ٩٤] . نقول: الذي يريد أن يفعل الخير والمعروف يسعى إليه ويحتال للوصول إليه وكأنه احتال أنْ يفهمهم، وصبر عليهم حتى توصّل إلى طريقة للتفاهم معهم، في حين أنه كان قادراً على ترْكهم والانصراف عنهم، وحُجّته أنهم لا يفقهون ولا يتكلمون. فلما أراد ذو القرنين أن يبني لهم السد لن يَبْنِ هو بنفسه، بل علَّمهم كيف يكون البناء، حتى يقوموا به بأنفسهم متى أرادوا ولا يحتاجون إليه. . فقال:

стр. 9366

﴿آتُونِي زُبَرَ الحديد حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين قَالَ انفخوا حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: ٩٦] . إذن: علَّمهم وأحسن إليهم إحساناً دائماً لا ينتهي. وقوله: ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ... ﴾ [النحل: ٦٦] . أي: مما في بطون الأنعام، فقد ذكَّر الضمير في (بطونه) باعتبار إرادة الجنس. وقد أراد الحق سبحانه أن يخرج هذا اللبن: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً﴾ [النحل: ٦٦] . والفَرْث في كرش الحيوان من فضلات طعامه. فالعبرة هنا أن الله تعالى أعطانا من بين الفَرْث، وهو رَوَثُ الأنعام وبقايا الطعام في كرشها، وهذا له رائحة كريهة، وشكل قذر مُنفّر، ومن بين دم، والدم له لونه الأحمر، وهو أيضاً غير مستساغ؛ ومنهما يُخرِج لنا الخالق سبحانه لبناً خالصاً من الشوائب نقياً سليماً من لون الدم ورائحة الفَرْث. ومَنْ يقدر على ذلك إلا الخالق سبحانه؟ ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله واصفاً هذا اللبن: ﴿لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] .

стр. 9367

أي: يسيغه شاربه ويستلذّ به، ولا يُغَصُّ به شاربه، بل هو مُسْتساغ سَهْل الانزلاق أثناء الشُّرْب؛ لأن من الطعام أو الشراب ما يحلو لك ويسُوغ وتهنأ به، ولكنه قد لا يكون مريئاً. ولذلك، فالحق سبحانه يقول: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤] . هنيئاً أي: تستلِذّون به، ومريئاً: أي نافعاً للجسم، يمري عليك؛ لأنك قد تجد لَذة في شيء أثناء أَكْله أو شُرْبه، ثم يسبِّب لك متاعب فيما بَعْد، فهو هَنِيءٌ ولكنه غير مَرِيء. فاللبن من نِعَم الله الدالة على قدرته سبحانه، وفي إخراجه من بين فَرْث ودم عبرة وعِظَة، وكأن الحق سبحانه يعطينا هذه العبرة لينقلنا من المعنى الحسيِّ الذي نشاهده إلى المعنى القيميّ في المنهج، فالذي صنع لنا هذه العبرة لإصلاح قالبنا قادرٌ على أن يصنعَ لنا من المنهج ما يُصلِح قلوبنا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ ... ﴾ .

стр. 9368

ثمرات النخيل هي: البلح. والأعناب هو: العنب الذي نُسمّيه الكَرْم. والتعبير القرآني هنا وإن امتنَّ على عباده بالرزق الحسن، فإنه لا يمتنّ عليهم بأن يتخذوا من الأعناب سكراً: أي مُسْكِراً، ولكن يعطينا الحق سبحانه هنا عبرةً فقد نزلتْ هذه الآيات قبل تحريم الخمر.

стр. 9369

وكأن الآية تحمل مُقدّمة لتحريم الخمر الذي يستحسنونه الآن ويمتدحونه؛ ولذلك يقول العلماء: إن الذي يقرأ هذه الآية بفِطنة المستقْبِل عن الله يعلم أن لله حُكْماً في السَّكر سيأتي. كيف توصَّلوا إلى أن لله تعالى حُكْماً سيأتي في السَّكر؟ قالوا: لأنه قال في وصف الرزق بأنه حسن، في حين لم يَصِفْ السَّكر بأنه حسن، فمعنى ذلك أنه ليس حسناً؛ ذلك لأننا نأكل ثمرات النخيل (البلح) كما هو، وكذلك نأكل العنب مباشرة دون تدخُّل مِنّا فيما خلق الله لنا. أما أنْ نُغيّر من طبيعته حتى يصير خمراً مُسْكراً، فهذا إفساد في الطبيعة التي اختارها الله لنا لتكون رزقاً حَسناً. وكأنه سبحانه يُنبّه عباده، أنَا لا أمتنُّ عليكم بما حرَّمْتُ، فأنا لم أُحرِّمه بَعْد، فاجعلوا هذا السَّكر كما ترونه متعةً لكم، ولكن خذوا منه عبرة أَنِّي لم أَصِفْه بالحُسْن؛ لأنه إنْ لم يكُنْ حَسَناً فهو قبيح، فإذا ما جاء التحريم فقد نبهتكم من بداية الأمر. ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] . لأن العقل يقتضي أنْ نُوازِنَ بين الشيئين، وأن نسأل: لماذا لم يوصف السَّكر بأنه حَسَن؟ . . أليس معناه أن الله تعالى لا يحب هذا الأمر ولا يرضاه لكم؟ إذن: كأن في الآية نيّة التحريم، فإذا ما أنزل الله تحريم الخمر كان هذا تمهيداً له.

стр. 9370

والآية هي: الأمر العجيب الذي يُنبئكم الله الذي خلق لكم هذه الأشياء لسلامة مبانيكم وقوالبكم المادية، قادر ومأمون على أن يُشرّع لكم ما يضمن سلامة معانيكم وقلوبكم القيمية الروحية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وأوحى رَبُّكَ. .﴾ .

стр. 9371

النحل خَلْق من خَلْق الله، وكل خَلْق لله أودع الله فيه وفي غرائزه ما يُقيم مصالحه، يشرح ذلك قوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣] . أي: خلق هذه كذا، وهذه كذا حَسْب ما يتناسب مع طبيعته؛ ولذلك تجد ما دون الإنسان يسير على منهج لا يختلف. . فالإنسان مثلاً قد يأكل فوق طاقته، وقد يصل إلى حَدِّ التُّخْمة، ثم بعد ذلك يشتكي مرضاً ويطلب له الدواء. أما الحيوان فإذا ما أكل وجبته، وأخذ ما يكفيه فلا يزيد عليه أبداً، وإنْ أجبرته على الأكل؛ ذلك لأنه محكوم بالغريزة الميكانيكية، وليس له عقل يختار به. وضربنا مثلاً للغريزة في الحيوان بالحمار الذي يتهمونه دائماً ويأخذونه مثلاً للغباء، إذا سُقْتَه ليتخطى قناة ماء مثلاً وجدته ينظر إليها وكأنه يقيس المسافة بدقة. . فإذا ما وجدها في مقدوره قفزها دون تردد، وإذا وجدها فوق طاقته، وأكبر من قدرته تراجع

стр. 9372

ولم يُقدِم عليها، وإنْ ضربتَه وصِحْتَ به. . فلا تستطيع أبداً إجباره على شيء فوق قدرته. ذلك لأنه محكوم بالغريزة الآلية التي جعلها الله سبحانه فيه، على خلاف الإنسان الذي يفكر في مثل هذه الأمور ليختار منها ما يناسبه، فهذه تكون كذا، وهذه تكون كذا، فنستطيع أن نُشبِّه هذه الغريزة في الحيوان بالعقل الإلكتروني الذي لا يعطيك إلا ما غذَّيته به من معلومات. . أما العقل البشري الرباني فهو قادر على التفكير والاختيار والمفاضلة بين البدائل. يقول الحق سبحانه: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ... ﴾ [النحل: ٦٨] . الحق ﵎ قد يمتنّ على بعض عبادة ويُعلّمهم لغة الطير والحيوان، فيستطيعون التفاهم معه ومخاطبته كما في قصة سليمان ﵇. . والله سبحانه الذي خلقها وأبدعها يُوحِي إليها ما يشاء. . فما هو الوحي؟ الوحي: إعلام من مُعْلِم أعلى لمُعْلَم أدنى بطريق خفيّ لا نعلمه نحن، فلو أعلمه بطريق صريح فلا يكون وَحْياً. فالوَحْي إذن يقتضي: مُوحِياً وهو الأعلى، ومُوحَىً إليه وهو الأَدْنَى، ومُوحًى به وهو المعنى المراد من الوَحْي.

стр. 9373

والحق ﵎ له طلاقة القدرة في أنْ يُوحي ما يشاء لما يشاء من خَلْقه. . وقد أوحى الحق إلى الجماد في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ١ - ٥] . أعلمها بطريق خفيّ خاص بقدرة الخالق في مخلوقه. وهنا أوحى الله إلى النحل. وأوحى الله إلى الملائكة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ ... ﴾ [الأنفال: ١٢] . وأوحى إلى الرسل: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ... ﴾ [النساء: ١٦٣] . وأوحى إلى المقربين من عباده: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي. .﴾ [المائدة: ١١١] . وقد أوحى إليهم بخواطر نورانية تمرُّ بقلوبهم وأوحى سبحانه إلى أم موسى:

стр. 9374

﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ. .﴾ [القصص: ٧] . هذا هو وَحْي الله إلى ما يشاء من خَلْقه: إلى الملائكة، إلى الأرض، إلى الرسل، إلى عباده المقرّبين، إلى أم موسى، إلى النحل. . الخ. وقد يكون الوحي من غيره سبحانه، ويُسمَّى وَحْياً أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ. .﴾ [الأنعام: ١٢١] . وقوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً. .﴾ [الأنعام: ١١٢] . لكن إذا أُطلِقَتْ كلمة (الوَحْي) مُطْلقاً بدون تقييد انصرفتْ إلى الوحي من الله إلى الرسل؛ لذلك يقول علماء الفقه: الوحي هو إِعلامُ الله نبيه بمنهجه، ويتركون الأنواع الأخرى: وَحْي الغرائز، وَحْي التَكوين، وَحْي الفطرة. . الخ. وقوله: ﴿أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] . كثير من الباحثين شغوفون بدراسة النحل ومراحل حياته منذ القدم، ومن هؤلاء باحث تتبّع المراحل التاريخية للنحل، فتوصّل إلى أن النحل أول ما وُجِد عاش في الجبال، ثم اتخذ الشجر، وجعل فيها أعشاشه، ثم اتخذ العرائش التي صنعها له البشر، وهي ما نعرفه الآن باسم الخلية الصناعية أو المنحل، ووَجْه العجب هنا أن هذا الباحث لا يعرف القرآن الكريم، ومع ذلك فقد تطابق ما ذهب إليه مع القرآن تمام التطابق.

стр. 9375

وكذلك توصَّل إلى أن أقدمَ أنواع العسل ما وُجِد في كهوف الجبال، وقد تَوصَّلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق حَرْق العسل وتحويله إلى كربون، ثم عن طريق قياس إشعاع الكربون يتم التوصّل إلى عمره. . وهكذا وجدوا أن عسل الكهوف أقدم أنواع العسل، ثم عسل الشجر، ثم عسل الخلايا والمناحل. إذن: أوحى الله تعالى إلى النحل بطريق خفيّ لا نعلمه نحن، وعملية الوحي تختلف باختلاف الموحِي والموحَي إليه، ويمكن أنْ نُمثّل هذه العملية بالخادم الفَطِن الذي ينظر إليه سيده مُجرد نظرة فيفهم منها كل شيء: أهو يريد الشراب؟ أم يريد الطعام؟ أم يريد كذا؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن ... ﴾ .

стр. 9376

عِلّة كَوْن العسل فيه شفاء للناس أنْ يأكلَ النحل من كُلِّ الثمرات ذلك لأن تنوُّع الثمرات يجعل العسل غنيّاً بالعناصر النافعة، فإذا ما تناوله الإنسان ينصرف كل عنصر منه إلى شيء في الجسم، فيكون فيه الشفاء بإذن الله. ولكن الآن ماذا حدث؟ نرى بعض الناس يقول: أكلتُ كثيراً من

стр. 9377

العسل، ولم أشعر له بفائدة. . نقول: لأننا تدخّلنا في هذه العملية، وأفسدنا الطبيعة التي خلقها الله لنا. . فالأصل أن نتركَ النحل يأكل من كُلّ الثمرات. . ولكن الحاصل أننا نضع له السكر مثلاً بدلاً من الزَّهْر والنوار الطبيعي، ولذلك تغيّر طعم العسل، ولم تَعُدْ له مَيْزته التي ذكرها القرآن الكريم. لذلك؛ فالمتتبع لأسعار عسل النحل يجد تفاوتاً واضحاً في سعره بين نوع وآخر، ذلك حَسْب جودته ومدى مطابقته للطبيعة التي حكاها القرآن الكريم. والحق سبحانه يقول: ﴿فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً. .﴾ [النحل: ٦٩] . أي: تنقّلي حُرّة بين الأزهار هنا وهناك؛ ولذلك لا نستطيع أنْ نَبني للنحل بيوتاً يقيم فيها، لا بُدَّ له من التنقُّل من بستان لآخر، فإذا ما جَفَّتْ الزراعات يتغذَّى النحل من عسله، ولكن الناس الآن يأخذون العسل كله لا يتركون له شيئاً، ويضعون مكانه السكر ليتغذَّى منه طوال هذه الفترة. وقوله تعالى: ﴿ذُلُلاً. .﴾ [النحل: ٦٩] . أي: مُذلَّلة مُمهّدة طيِّعة، فتخرج النحل تسعى في هذه السُّبل، فلا يردها شيء، ولا يمنعها مانع، تطير هنا وهناك من زهرة لأخرى، وهل رأيت شجرة مثلاً رَدَّتْ نحلة؟ ﴿. . لا. . قد ذَلَّلَ الله لها حياتها ويسَّرها.

стр. 9378

ومن حكمته تعالى ورحمته بنا أنْ ذلَّلَ لنا سُبُل الحياة. . وذلَّل لنَا ما ننتفع به، ولولا تذليله هذه الأشياء ما انتفعنا بها. . فنرى الجمل الضخم يسوقه الصبي الصغير، ويتحكَّم فيه يُنيخه، ويُحمّله الأثقال، ويسير به كما أراد، في حين أنه إذا ثار الجمل أو غضب لا يستطيع أحدٌ التحكم فيه. . وما تحكَّم فيه الصبي الصغير بقوته ولكن بتذليل الله له. أما الثعبان مثلاً فهو على صِغَر حجمه يمثِّل خطراً يفزع منه الجميع ويهابون الاقتراب منه، ذلك لأن الله سبحانه لم يُذلِّلْه لنا، فأفزعنا على صِغَر حجمه. . كذلك لو تأمنا البرغوث مثلاً. . كم هو صغير حقير، ومع ذلك يقضّ مضاجعنا، ويحرمنا لذة النوم في هدوء. . فهل يستطيع أحدٌ أنْ يُذلِّل له البرغوث؟﴾ وفي ذلك حكمة بالغة وكأن الحق سبحانه يقول لنا: إذا ذللتُ لكم شيئاً، ولو كان اكبر المخلوقات كالجمل والفيل تستطيعون الانتفاع به، وإن لم أذلِّله لكم فلا قدرة لكم على تذليله مهما كان حقيراً صغيراً. . إذن: الأمور ليست بقدرتك، ولكن خُذْها كما خلقها الله لك. ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا. .﴾ [النحل: ٦٩] . ذلك أن النحلة تمتصّ الرحيق من هنا ومن هنا، ثم تتم في بطنها عملية طَهْي ربانية تجعل من هذا الرحيق شَهْداً مُصفَّى؛ لأنه قد يظن أحدهم أنها تأخذ الرحيق، ثم تتقيؤه كما هو. . فلم يَقُلْ القرآن: من أفواهها، بل قال: من بطونها. . هذا المعمل الإلهي الذي يعطينا عسلاً فيه شفاء للناس.

стр. 9379

﴿شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ. .﴾ [النحل: ٦٩] . ما دام النحل يأكل من كُلّ الثمرات، والثمرات لها عطاءاتٌ مختلفة باختلاف مادتها، واختلاف ألوانها، واختلاف طُعومها وروائحها. . إذن: لا بُدَّ أن يكون شراباً مختلفاً ألوانه. ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ... ﴾ [النحل: ٦٩] . لذلك وجدنا كثيراً من الأطباء، جزاهم الله خيراً يهتمون بعسل النحل، ويُجْرون عليه كثيراً من التجارب لمعرفة قيمته الطبية، لكن يعوق هذه الجهود أنهم لا يجدون العسل الطبيعي كما خلقه الله. ومع ذلك ومع تدخّل الإنسان في غذاء النحل بقيت فيه فائدة، وبقيت فيه صفة الشفاء، وأهمها امتصاص المائية من الجسم، وأيّ ميكروب تريد أنْ تقضيَ عليه قم بامتصاص المائية منه يموت فوراً. فإذا ما توفَّر لنا العسل الطبيعي الذي خلقه الله تجلَّتْ حكمة خالقه فيه بالشفاء، ولكنه إذا تدخّل الإنسان في هذه العملية أفسدها. . فالكون كله الذي لا دَخْلَ للإنسان فيه يسير سَيْراً مستقيماً لا يتخلَّف، كالشمس والقمر والكواكب. . الخ إلا الإنسان فهو المخلوق الوحيد الذي يخرج عن منهج الله. فالشيء الذي لك دَخْلٌ فيه، إما أنْ تتدخّل فيه بمنهج خالقه أو تتركه؛ لأنك إذا تدخلْتَ فيه بمنهج خالقه يعطيك السلامة والخير، وإنْ تدخلْتَ فيه بمنهجك أنت أفسدتَه. والحق يقول:

стр. 9380

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] . إنهم لا يعرفون. . لا يُفرِّقون بين الفساد والصلاح. وفي القرآن أمثلة للناس الذين يُفسِدون في الأرض ويحسَبون أنهم يُحسِنون صُنْعاً، يقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] . فالذي اخترع السيارة وهذه الآلات التي تنفث سمومها وتُلوّث البيئة التي خلقها الله. . صحيح وفَّر لنا الوقت والمجهود في الحمل والتنقُّل، ولكن انظر إلى ما أصاب الناس من عَطَب بسبب هذه الآلات. . انظر إلى عوادم السيارات وآثارها على صحة الإنسان. كان يجب على مخترع هذه الآلات أنْ يوازنَ بين ما تؤديه من منفعة وما تُسبِّبه من ضرر، وأضاف إلى الأضرار الصحية ما يحدث من تصادمات وحوادث مُروّعة تزهق بسببها الأرواح. . وبالله هل رأيت أن تصادمَ جملان في يوم من الأيام. . فلا بُدَّ إذن أن نقيسَ المنافع والأضرار قبل أنْ نُقدِم على الشيء حتى لا نُفِسد الطبيعة التي خلقها الله لنا. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ... .﴾ [النحل: ٦٩] . الناس: جَمْعٌ مختلفُ الداءات باختلاف الأفراد وتعاطيهم لأسباب

стр. 9381

الداءات، فكيف يكون هذا الشراب شفاءٌ لجميع الداءات على اختلاف أنواعها؟ . . نقول: لأن هذا الشراب الذي أعدَّه الله لنا بقدرته سبحانه جاء مختلفاً ألوانه. . من رحيق مُتعدِّد الأنواع والأشكال والطُّعوم والعناصر. . ليس مزيجاً واحداً يشربه كل الناس، بل جاء مختلفاً متنوعاً باختلاف الناس، وتنوّع الداءات عندهم. . وكأن كل عنصر منه يُداوِي داءً من هذه الدَّاءات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] . التفكّر: أنْ تُفكّر فيما أنت بصدده لتستنبطَ منه شيئاً لستَ بصدده، وبذلك تُثري المعلومات؛ لأن المعلومات إذا لم تتلاقح، إذا لم يحدث فيها توالد تقف وتتجمّد، ويُصاب الإنسان بالجمود الطموحي، وإذا أصيب الإنسان بهذا الجمود توقّف الارتقاء؛ لأن الارتقاءات التي نراها في الكون هي نتيجة التفكُّر وإعمال العقل. لذلك فالحق سبحانه يُنبِّهنا حينما نمرُّ على ظاهرة من ظواهر الكون، ألا نمر عليها غافلين مُعرضين، بل نفكر فيها ونأخذها بعين الاعتبار. . يقول تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . ففي الآية حَثٌّ على التفكّر في ظواهر الكون، وفيها تحذير من الإعراض والغفلة عن آيات الله، فبالفكر نستنبط من الكون ما نستفيد به.

стр. 9382

ولو أخذنا مثلاً الذي اخترع الآلة البخارية. . كيف توصل إلى هذا الاختراع الذي أفاد البشرية؟ نجد أنه توصل إليه حينما رأى القِدْر الذي يغلي على النار يرتفع غطاؤه مع بخار الماء المتصاعد أثناء الغليان. . فسأل نفسه: لماذا يرتفع الغطاء؟ واستعمل عقله وأعمل تفكيره حتى توصَّل إلى قوة البخار المتصاعد، واستطاع توظيف هذه القوة في تسيير ودفع العربات. وكذلك أرشميدس وغيره كثيرون توصلوا بالاعتبار والتفكُّر في ظواهر الكون، إلى قوانين في الطبيعة أدت إلى اختراعات نافعة نتمتع نحن بها الآن، فالذي اخترع العجلة، كم كانت مشقة الإنسان في حَمْل الأثقال؟ وما أقصى ما يمكن أنْ يحمله؟ فبعد أنْ اخترعوا العجلات واستُخدِمت في الحمل تمكّن الإنسان من حَمْل وتحريك أضعاف أضعاف ما كان يحمله. الذي اخترع خزانات المياه. . كم كانت المشقة في استخراج الماء من البئر؟ أو من النهر؟ فبعد عمل الخزانات وضَخِّ المياه أصبحنا نجد الماء في المنازل بمجرد فَتْح الصنبور. هذه كلها ثمرات العقل حينما يتدبَّر، وحينما يُفكِّر في ظواهر الكون، ويستخدم المادة الخام التي خلقها الله وحثَّنا على التفكُّر فيها والاستنباط منها. . وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لقد أعطيتكم ضروريات الحياة، فإنْ أردتُم ترفَ الحياة وكمالياتها فاستخدموا نعمة العقل والتفكير والتدبّر لتصلوا إلى هذه الكماليات. وهنا الحق سبحانه يلفتنا لَفْتةً أخرى. . وهي أنه سبحانه يجعل

стр. 9383

من المحسّات ما يُقرّب لنا المعنويّات ليلفتنا إلى منهجه سبحانه؛ ولذلك ينقلنا هذه النَّقْلة من المحسوس إلى المعنوي، فيقول تعالى: ﴿والله خَلَقَكُمْ ... ﴾ .

стр. 9384

قوله: ﴿والله خَلَقَكُمْ. .﴾ [النحل: ٧٠] . هذه حقيقة لا يُنكرها أحد، ولم يَدّعِها أحدٌ لنفسه، وقد أمدّكم بمقوِّمات حياتكم في الأرض والنبات والحيوان، والأنعام التي تعطينا اللبن صافياً سائغاً للشاربين، ثم النحل الذي فيه شفاء للناس. فالحق سبحانه أعطانا الحياة، وأعطانا مٌقوِّمات الحياة، وأعطانا ما يُزيل معاطبَ الحياة. . وما دُمْتم صدَّقتم بهذه المحسَّات فاسمعوا: ﴿والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ... ﴾ [النحل: ٧٠] . وساعة أن نسمع (خلقكم) ، فنحن نعترف أن الله خلقنا، ولكنْ كيف خلقنا؟ هذه لا نعرفها نحن؛ لأنها ليستْ عملية معملية. . فالذين

стр. 9385

خلق هو الحق سبحانه وحده، وهو الذي يُخبرنا كيف خلق. . أما أنْ يتدخَّل الإنسان ويُقحِمَ نفسه في مسألة لا يعرفُها، فنرى مَنْ يقول إن الإنسان أَصلْه قرد. . إلى آخر هذا الهُراء الذي لا أَصْلَ له في الحقيقة. ولذلك، فالحق سبحانه يقول لنا: إذا أردتُمْ أن تعرفوا كيف خُلِقْتُم فاسمعوا مِمَّنْ خلقكم. . إياكم أنْ تسمعوا من غيره؛ ذلك لأنني: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . هذه عملية لم يُطلع الله عليها أحداً: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] . أي: ما اتخذتُ مساعداً يعاونني في مسألة الخَلْق. وما هو المضلّ؟ المضِلّ هو الذي يقول لك الكلام على أنه حقيقة، وهو يُضلُّك. إذن: ربنا هنا يعطينا فكرة مُقدّماً: احذروا، فسوف يأتي أناس يُضلونكم في موضوع الخَلْق، وسوف يُغيّرون الحقيقة، فإياكم أنْ تُصدِّقوهم؛ لأنهم ما كانوا معي وقت أنْ خلقتكم فيدَّعُون العلم بهذه المسألة. ونفس هذه القضية في مسألة خَلْق السموات والأرض، فالله سبحانه هو الذي خلقهما، وهو سبحانه الذي يُخبرنا كيف خلق.
следующие страницы →