Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.
стр. 9556
معنى يتولونه: أي يتخذونه وَليّاً يطيعون أمره، ويخضعون لوسوسته، ويتبعون خطواته:
стр. 9557
﴿الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .
أي: مشركون بالله، أو يكون المعنى: وهُمْ به أي بسببه أشركوا؛ لأنه أصبح له أوامر ونواه وهم يطيعونه، وهذه هي العبادة بعينها، فكأنهم عبدوه من دون الله بما قدّموه من طاعته في أمره ونَهْيه.
وقد سَمَّى الله طريقة الشيطان في الإضلال والغواية وَسْوسةً، والوسوسة في الحقيقة هي صَوْت الحُليّ حينما يتحرك في أيدي النساء، فيُحدِث صوتاً رقيقاً فيه جاذبية وإغراء تهيج له النفس، وكذلك الشيطان يدخل إليك عن طريق الإغراء والتزيين، فإذا ما هاجتْ عليك نفسُك وحدّثتْك بالمعصية تركك لها، فعند هذه النقطة تنتهي مُهمته.
ولكن، هل النفس لا تفعل المعصية إلا بوسوسة الشيطان؟
قالوا: لا، فالنفس والمراد هنا النفس الأمّارة بالسوء قد تفعل المعصية من نفسها دون وسوسة من الشيطان، وقد يُوسْوِسُ الشيطان لها، وينزغها نَزغاً ويُؤلِّبها، ويُزِّين لها معصية ما كانت على بالها.
فكيف إذن يُفرّق بين هاتين المعصيتين؟
النفس حينما ترغب في معصية أو شهوة تراها تقف عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها، وإذا قاومتَ نفسك، وحاولتَ صَرْفها عن هذه الشهوة ألحَّتْ عليك بها، وطلبتها بعينها، فشهوة النفس إذن ثابتة؛ لأنها تشتهي شيئاً واحداً تُلح عليه.
стр. 9558
ولكن حينما يُوسوِسُ الشيطان لك بشهوة فوجد منك مقاومة وقدرة على مجابهته صرف نظرك إلى أخرى؛ لأنه يريدك عاصياً بأيِّ شكل من الأشكال، فتراه يُزيِّن لك معصية أخرى وأخرى، إلى أنْ ينال منك ما يريد.
ومن ذلك ما نراه في الرشوة مثلاً والعياذ بالله فإنْ رفضتَ رشوة المال زيَّن لك رشوة الهدية، وإنْ رفضتَ رشوة الهدية زيَّنَ لك الرشوة بقضاء مصلحة مقابلة.
وهكذا يظل هذا اللعين وراءك حتى يصل إلى نقطة ضَعْف فيك، إذن: فهو ليس كالنفس يقف بك عند شهوة واحدة، ولكنه يريد أن يُوقِع بك على أيِّ صورة من الصور.
ولكي نقفَ على مداخل الشيطان ونكون منه على حَذر يجب أنْ نعلم أن الشيطان على علم كبير وصل به إلى صفوف الملائكة، بل سَمَّوه «طاووس الملائكة» ، ويمكن أن نقف على شيء من علم الشيطان في دِقّة قَسَمه، حينما أقسم للحق ﵎ أن يُغوي بني آدم، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] .
هكذا عرف الشيطان أنْ يُقسِم القسَم المناسب، فلم يَقُلْ: بقوتي ولا بحجتي سأغوي الخَلْق، بل عرف لله تعالى صفة العزة، فهو سبحانه عزيز لا يُغلب؛ لذلك ترك لخلْقه حرية الإيمان به، فقال: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
стр. 9559
فالمعنى: فبعزتك عن خَلْقك: يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، سوف أدخل من هذا الباب لإغواء البشر، ولكني لا أجرؤ على الاقتراب ممَّنْ اخترتَهم واصطفيتَهم، لن أتعرَّضَ لعبادك المخلصين، ولا دَخْلَ لي بهم، ولا سلطان لي عليهم.
كذلك يجب أن نعلم أن الشيطان دقيق في تخطيطه، وهذا من مداخله وتلبيسه الذي يدعونا إلى الحذر من هذا اللعين. فالشيطان لا حاجة له في أن يذهب إلى الخمارات مثلاً، فقد كفاه أهلُها مشقة الوَسْوسة، ووفّروا عليه المجهود، هؤلاء هم أولياؤه وأحبابه ومُريحوه بما هم عليه من معصية الله، ولكنه في حاجة إلى أن يكون في المساجد ليُفسِد على أهل الطاعة طاعتهم.
وقد أوضح هذه القضية وفطن إليها الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان، وكان مشهوراً بالفِطْنة، وعلى دراية بمداخل الشيطان وتلبيسه، وكل هذا جعل له باعاً طويلاً في الإفتاء، وقد عرض عليه أحدهم هذه المسألة:
قال: يا إمام كان لديّ مال دفنته في مكان كذا، وجعلتُ عليه علامة، فجاء السَّيْل وطمس هذه العلامة، فلم أَهتدِ إليه، فماذا أفعل؟
فتبسَّم أبو حنيفة وقال: يا بُني ليس في هذا علم، ففي أيّ باب من أبواب الفقه سيجد أبو حنيفة هذه القضية؟! ولكني سأحتال لك.
وفعلاً تفتقتْ قريحة الإمام عن هذه الحيلة التي تدل على عِلْمه وفقهه، قال له: إذا جئتَ في الليل فتوضّأ، وقُمْ بين يدي ربّك
стр. 9560
مُتهجِّداً. وفي الصباح أخبرني خبرك.
وفي صلاة الفجر قابله الرجل مُبتسِماً. يقول: لقد وجدتُ المال، فقال: كيف؟ قال الرجل: حينما وقفتُ بين يديْ ربي في الصلاة تذكرت المكان وذهبتُ فوجدت مالي، فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعَك تُتِم ليلتك مع ربك.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ. .﴾ .
стр. 9561
قوله: ﴿بَدَّلْنَآ﴾ ومنها: أبدلت واستبدلْتُ، أي: رفعتُ آية وطرحتُها. وجئت بأخرى بدلاً منها، وقد تدخل الباء على الشيء المتروك، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ. .﴾ [البقرة: ٦١] .
أي: تتركون ما هو خير، وتستبدلون به ما هو أدنى.
وما معنى الآية؟ كلمة آية لها مَعَانٍ متعددة منها:
الشيء العجيب الذي يُلفت الأنظار، ويُبهر العقول، كما نقول: هذا آية في الجمال، أو في الشجاعة، أو في الذكاء، أي: وصل فيه إلى حَدِّ يدعو إلى التعجُّب والانبهار.
стр. 9562
ومنها الآيات الكونية، حينما تتأمل في كون الله من حولك تجد آياتٍ تدلُّ على إبداع الخالق سبحانه وعجيب صنعته، وتجد تناسقاً وانسجاماً بين هذه الآيات الكونية.
يقول تعالى عن هذا النوع من الآيات: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر﴾ [فصلت: ٣٧] . ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢] .
ونلاحظ أن هذه الآيات الكونية ثابتة دائمة لا تتبّدل، كما قال الحق ﵎: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً. .﴾ [الفتح: ٢٣] .
ومن معاني الآية: المعجزة، وهي الأمر العجيب الخارق للعادة، وتأتي المعجزة على أيدي الأنبياء لتكون حُجّة لهم، ودليلاً على صدق ما جاءوا به من عند الله.
ونلاحظ في هذا النوع من الآيات أنه يتبدّل ويتغيّر من نبي لآخر؛ لأن المعجزة لا يكون لها أثرها إلا إذا كان في شيء نبغ فيه القوم؛ لأن هذا هو مجال الإعجاز، فلو أتيناهم بمعجزة في مجال لا عِلْمَ لهم به لقالوا: لو أن لنا عِلْماً بهذا لأتيْنا بمثله؛ لذلك تأتي المعجزة فيما نبغُوا فيه، وعَلموه جيداً حتى اشتهروا به.
فلما نبغَ قوم موسى ﵇ في السحر كانت معجزته من
стр. 9563
نوع السحر الذي يتحدى سحرهم، فلما جاء عيسى ﵇ ونبغ قومه في الطب والحكمة كانت معجزته من نفس النوع، فكان ﵇ يبريء الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله.
فلما بُعِث محمد ﷺ َ، ونبغ قومه في البلاغة والفصاحة والبيان، وكانوا يقيمون لها الأسواق، ويُعلّقون قصائدهم على أستار الكعبة اعتزازاً بها، فكان لا بُدَّ أنْ يتحدّاهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وهي القرآن الكريم، وهكذا تتبدّل المعجزات لتناسب كُلٌّ منها حال القوم، وتتحدّاهم بما اشتهروا به، لتكون أَدْعى للتصديق وأثبت للحجة.
ومن معاني كلمة آية: آيات القرآن الكريم التي نُسميّها حاملة الأحكام، فإذا كانت الآية هي الأمر العجيب، فما وجه العجب في آيات القرآن؟
وجه العجب في آيات القرآن أن تجدَ هذه الآيات في أُمّة أُمية، وأُنزِلتْ على نبي أُميٍّ في قوم من البدو الرُّحل الذين لا يجيدون شيئاً غير صناعة القول والكلام الفصيح، ثم تجد هذه الآيات تحمل من القوانين والأحكام والآداب ما يُرهب أقوى حضارتين معاصرتين، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الرومان في الغرب، فنراهم يتطلّعون للإسلام، ويبتغون في أحكامه ما ينقذهم، أليس هذا عجيباً؟
وهذا النوع الأخير من الآيات التي هي آيات الكتاب الكريم، والتي نُسمّيها حاملة الأحكام، هل تتبدّل هي الأخرى كسابقتها؟
стр. 9564
نقول: آيات الكتاب لا تتبدّل؛ لأن أحكام الله المطلوبة مِمَّن عاصر رسول الله ﷺ َ كالأحكام المطلوبة مِمَّنْ تقوم عليه الساعة.
وقد سُبق الإسلام باليهودية والمسيحية، فعندنا أمر رسول الله ﷺ َ بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. اعترض على ذلك اليهود وقالوا: ما بال محمد لا يثبتُ على حال، فيأمر بالشيء اليوم، ويأمر بخلافه غداً، فإنْ كان البيت الصحيح هو الكعبة فصلاتكم لبيت المقدس باطلة، وإنْ كان بيت المقدس هو الصحيح، فصلاتكم للكعبة باطلة.
لذلك قال الحق ﵎:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ. .﴾ [النحل: ١٠١] .
فالمراد بقوله الحق سبحانه:
﴿آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ... ﴾ [النحل: ١٠١] .
أي: جِئْنا بآية تدلُّ على حكم يخالف ما جاء في التوراة، فقد كان استقبال الكعبة في القرآن بدل استقبال بيت المقدس في التوراة.
وقوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ. .﴾ [النحل: ١٠١]
стр. 9565
أي: يُنزل كل آية حَسْب ظروفها: أمةً وبيئةً ومكاناً وزماناً.
وقوله: ﴿قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ. .﴾ [النحل: ١٠١] .
أي: اتهموا رسول الله ﷺ َ بالكذب المتعمد، وأن هذا التحويل من عنده، وليس وَحْياً من الله تعالى؛ لأن أحكام الله لا تتناقض. ونقول: نعم أحكام الله لا تتناقض في الدين الواحد، أما إذا اختلفتْ الأديان فلا مانعَ من اختلاف الأحكام.
إذن: فآيات القرآن الكريم لا تتبدّل، ولكن يحدث فيها نَسْخ، كما قال الحق ﵎: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. .﴾ [البقرة: ١٠٦] .
وإليك أمثلة للنسْخ في القرآن الكريم:
حينما قال الحق سبحانه: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم. .﴾ [التغابن: ١٦] .
جعل الاستطاعة ميزاناً للعمل، فالمشرّع سبحانه حين يرى أن الاستطاعةَ لا تكفي يُخفّف عنَّا الحكم، حتى لا يُكلِّفنا فوق طاقتنا، كما في صيام المريض والمسافر مثلاً، وقد قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] .
فليس لنا بعد ذلك أنْ نلويَ الآيات ونقول: إن الحكم الفلاني لم تَعُدْ النفس تُطيقه ولم يَعُد في وُسْعنا، فالحق سبحانه هو الذي يعلم الوُسْع ويُكلّف على قَدْره، فإنْ كان قد كلّف فقد علم الوُسْع، بدليل أنه سبحانه إذا وجد مشقة خفَّف عنكم من تلقاء نفسه سبحانه، كما قال
стр. 9566
تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً. .﴾ [الأنفال: ٦٦] .
ففي بداية الإسلام حيث شجاعة المسلمين وقوتهم، قال تعالى:
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] .
أي: نسبة واحد إلى عشرة، فحينما علم الحق سبحانه فيهم ضَعْفاً، قال: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ. .﴾ [الأنفال: ٦٦] .
أي: نسبة واحد إلى اثنين. فالله تعالى هو الذي يعلم حقيقة وُسْعنا، ويُكلِّفنا بما نقدر عليه، ويُخفِّف عَنَّا عند الحاجة إلى التخفيف، فلا يصح أنْ نُقحِم أنفسنا في هذه القضية، ونُقدّر نحن الوُسْع بأهوائنا.
ومن أمثلة النسخ أن العرب كانوا قديماً لا يعطون الآباء شيئاً من المال على اعتبار أن الوالد مُنْته ذاهب، ويجعلون الحظ كله للأبناء على اعتبار أنهم المقبلون على الحياة.
وحينما أراد الحق سبحانه أن يجعل نصيباً للوالدين جعلها وصية فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ. .﴾ [البقرة: ١٨٠] .
стр. 9567
فلما استقر الإيمان في النفوس جعلها ميراثاً ثابتاً، وغَيَّر الحكم من الوصية إلى خير منها وهو الميراث، فقال تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس. .﴾ [النساء: ١١] .
إذن: الحق ﵎ حينما يُغيّر آية ينسخها بأفضل منها.
وهذا واضح في تحريم الخمر مثلاً، حيث نرى هذا التدريج المحكم الذي يراعي طبيعة النفوس البشرية، وأن هذا الأمر من العادات التي تمكَّنَتْ من النفوس، ولا بُدًَّ لها من هذا التدرُّج، فهذا ليس أمراً عَقَدياً يحتاج إلى حُكْم قاطع لا جدال فيه.
فانظر إلى هذا التدرج في تحريم الخمر: قال تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] .
أهل التذوق والفهم عن الله حينما سمعوا هذه الآية قالوا: لقد بيَّت الله للخمر أمراً في هذه الآية؛ ذلك لأنه وصف الرزق بأنه حَسَن، وسكت عن السَّكَر فلم يصفه بالحُسْن، فدلَّ ذلك على أن الخمر سيأتي فيه كلام فيما بعد.
وحينما سُئِل ﷺ َ عن الخمر رَدَّ القرآن عليهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا. .﴾ [البقرة: ٢١٩] .
стр. 9568
جاء هذا على سبيل النصح والإرشاد، لا على سبيل الحكم والتشريع، فعلى كل مؤمن يثق بكلام ربه أن يرى له مَخْرجاً من أَسرْ هذه العادة السيئة.
ثم لُوحِظ أن بعض الناس يُصلي وهو مخمور، حتى قال بعضهم في صلاته: أعبد ما تعبدون، فجاء الحكم: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ. .﴾ [النساء: ٤٣] .
ومقتضى هذا الحكم أنْ يصرفهم عن الخمر معظم الوقت، فلا تتأتى لهم الصلاة دون سُكْر إلا إذا امتنعوا عنها قبل الصلاة بوقت كافٍ، وهكذا عوَّدهم على تركها معظم الوقت، كما يحدث الآن مع الطبيب الذي يعالج مريضه من التدخين مثلاً، فينصحه بتقليل الكمية تدريجياً حتى يتمكَّن من التغلب على هذه العادة.
وبذلك وصل الشارع الحكيم سبحانه بالنفوس إلى مرحلة ألفَتْ فيها تَرْك الخمر، وبدأت تنصرف عنها، وأصبحت النفوس مُهيّئة لتقبُّل التحريم المطلق، فقال تعالى:
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه. .﴾ [المائدة: ٩٠] .
стр. 9569
إذن: الحق نسخ آية وحُكْماً بما هو أحسن منه.
والعجيب أنْ نرى من علمائنا مَنْ يتعصّب للقرآن، فلا يقبل القول بالنسخ فيه، كيف والقرآن نفسه يقول: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. .﴾ [البقرة: ١٠٦] .
قالوا: لأن هناك شيئاً يُسمَّى البداء. . ففي النسخ كأن الله تعالى أعطى حُكْماً ثم تبيّن له خطؤه، فعدل عنه إلى حُكْم آخر.
ونقول لهؤلاء: لقد جانبكم الصواب في هذا القول، فمعنى النسخ إعلان انتهاء الحكم السابق بحكم جديد أفضل منه، وبهذا المعنى يقع النسخ في القرآن الكريم.
ومنهم مَنْ يقف عند قوه الحق ﵎: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. .﴾ [البقرة: ١٠٦] .
فيقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ فيها عِلَّة للتبديل، وضرورة تقتضي النسخ وهي الخيرية، فما عِلَّة التبديل في قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ ؟
أولاً: في قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ قد يقول قائل: ولماذا لم يَأْتِ بالخيرية من البداية؟
نقول: لأن الحق سبحانه حينما قال:
стр. 9570
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ. .﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
وهذه منزلة عالية في التقوى، لا يقوم بها إلا الخواصّ من عباد الله، شَقَّتْ هذه الآية على الصحابة وقالوا: ومَنْ يستطيع ذلك يا رسول الله؟
فنزلت: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم. .﴾ [التغابن: ١٦] .
وجعل الله تعالى التقوى على قدر الاستطاعة، وهكذا نسخت الآية الأولى مطلوباً، ولكنها بقيت ارتقاء، فَمنْ أراد أنْ يرتقي بتقواه إلى (حَقّ تُقَاتِهِ) فبها ونِعْمت، وأكثر الله من أمثاله وجزاه خيراً، ومَنْ لم يستطع أخذ بالثانية.
ولو نظرنا إلى هاتين الآيتين نظرة أخرى لوجدنا الأولى: ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ... ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
وإنْ كانت تدعو إلى كثير من التقوى إلا أن العاملين بها قِلَّة، في حين أن الثانية: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم. .﴾ [التغابن: ١٦] .
وإنْ جعلتَ التقوى على قَدْر الاستطاعة إلا أن العاملين بها كثير،
стр. 9571
ومن هنا كانت الثانية خَيْراً من الأولى، كما نقول: قليل دائم خير من كثير منقطع.
أما في قوله تعالى: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي: أن الأولى مِثْل الثانية، فما وَجْه التغيير هنا، وما سبب التَبديل؟
نقول: سببه هنا اختبار المكلَّف في مدى طاعته وانصياعه، إنْ نُقِل من أمر إلى مثله، حيث لا مشقَّة في هذا، ولا تيسيرَ في ذاك، هل سيمتثل ويطيع، أم سيجادل ويناقش؟
مثل هذه القضية واضحة في حادث تحويل القبلة، حيث لا مشقة على الناس في الاتجاه نحو بيت المقدس، ولا تيسير عليهم في الاتجاه نحو الكعبة، الأمر اختبار للطاعة والانصياع لأمر الله، فكان من الناس مَنْ قال: سمعاً وطاعة ونفّذوا أمر الله فوراً دون جدال، وكان منهم مَن اعترض وأنكر واتهم رسول الله بالكذب على الله.
ومن ذلك أيضاً ما نراه في مناسك الحج مما سنَّه لنا رسول الله ﷺ َ حيث نُقبل الحجر الأسعد وهو حجر، ونرمي الجمرات وهي أيضاً حجر، إذن: هذه أمور لا مجال للعقل فيها، بل هي لاختبار الطاعة والانقياد للمشرع .
ثم يقول تعالى:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] .
بل: حرف يفيد الإضراب عن الكلام السابق وتقرير كلام جديد،
стр. 9572
فالحق يُلغي كلامهم السابق:
﴿قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ... ﴾ [النحل: ١٠١] .
ويقول لهم: لا ليس بمفتر ولا كذاب، فهذا اتهام باطل، بل أكثرهم لا يعلمون.
وكلمة ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ هنا ليس بالضرورة أنْ تقابل بالأقل، فيمكن أن نقول: أكثرهم لا يعلمون. وأيضاً: أكثرهم يعلمون كما جاء في قول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب. .﴾ [الحج: ١٨] .
هكذا بالإجماع، تسجد لله تعالى جميع المخلوقات إلا الإنسان، فمنه كثير يسجد، يقابله أيضاً كثير حَقَّ عليه العذاب، فلم يقُلْ القرآن: وقليل حَقَّ عليه العذاب.
وعلى فَرْض أن:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] .
إذن: هناك أقلية تعلم صِدْق رسول الله ﷺ َ في البلاغ عن ربه، وتعلم كذبهم وافتراءهم على رسول الله حينما اتهموه بالكذب، ويعلمون صِدْق كل آية في مكانها، وحكمة الله المرادة من هذه الآية.
فَمنْ هم هؤلاء الذين يعلمون في صفوف الكفار والمشركين؟
стр. 9573
قالوا: لقد كان بين هؤلاء قَوْم أصحاب عقول راجحة، وفَهْم للأمور، ويعلمون وجه الحق والصواب في هذه المسألة، ولكنهم أنكروها، كما قال الحق ﵎: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤] .
وأيضاً من هؤلاء أصحاب عقول يفكرون في الهدى، ويُراودهم الإسلام، وكأن لديهم مشروعَ إسلام يُعِدون أنفسهم له، وهم على علم أن كلام الكفار واتهامهم لرسول الله باطل وافتراء.
وأيضاً من هؤلاء مؤمنون فعلاً، ولكن تنقصهم القوة الذاتية التي تدفع عنهم، والعصبية التي تردّ عنهم كَيْد الكفار، وليس عندهم أيضاً طاقة أنْ يهاجروا، فهم ما يزالون بين أهل مكة إلا أنهم مؤمنون ويعلمون صِدْق رسول الله وافتراء الكفار عليه، لكن لا قدرة لهم على إعلان إيمانهم.
وفي هؤلاء يقول الحق ﵎: ﴿وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٥] .
أي: تدخلوا على أهل مكة وقد اختلط الحابل بالنابل، والمؤمن
стр. 9574
بالكافر، فتقتلوا إخوانكم المؤمنين دون علم. ﴿لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥] .
أي: لو كانوا مُميّزين، الكفار في جانب، والمؤمنون في جانب لَعذَّبْنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً.
إذن: فإن كان أكثرهم لا يعلمون ويتهمونك بالكذب والافتراء فإنَّ غير الأكثرية يعلم أنهم كاذبون في قولهم:
﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] .
وما داموا اتهموك بالافتراء فقُلْ رداً عليهم: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ... ﴾ .
стр. 9575
الحق ﵎ في هذه الآية يرد على الكفار افتراءهم على رسول الله، واتهامهم له بالكذب المتعمد، وأنه جاء بهذه الآيات من نفسه، فقال له: يا محمد قُلْ لهؤلاء: بل نزَّله روح القُدس.
والقدس: أي المطهّر، من إضافة الموصوف للصفة، كما نقول: حاتم الجود مثلاً. والمراد ب «روح القُدُس» سفير الوحي جبريل ﵇، وقد قال عنه في آية أخرى:
стр. 9576
﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
وقال عنه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] .
وقوله الحق سبحانه:
﴿مِن رَّبِّكَ بالحق ... ﴾ [النحل: ١٠٢] .
أي: أن جبريل لم يأْتِ بهذا القرآن من عنده هو، بل من عند الله بالحق، فمُحمد ﷺ َ لم يَأْتِ بالقرآن من عنده، وكذلك جبريل، فالقرآن من عند الله، ليس افتراءً على الله، لا من محمد، ولا من جبريل ﵉.
وقوله تعالى:
﴿لِيُثَبِّتَ الذين آمَنُواْ وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
أي: ليُثبِّتَ الذين آمنوا على تصديق ما جاء به الرسول من الآيات، أن الله تعالى أعلمُ بما يُنزل من الآيات، وأن كل آية منها مُناسِبة لزمانها ومكانها وبيئتها، وفي هذا دليلٌ على أن المؤمنين طائعون مُنصَاعون لله تعالى مُصدِّقون للرسول ﷺ َ في كُلِّ ما بلغ عن ربه تعالى.
ثم يقول الحق سبحانه:
стр. 9577
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ ... ﴾ .
стр. 9578
وفي هذه الآية اتهام آخر لرسول الله ﷺ َ وافتراء جديد عليه، لا يأنف القرآن من إذاعته، فمَنْ سمع الاتهام والافتراء يجب أن يسمع الجواب، فالقرآن يريد أنْ يفضحَ أمر هؤلاء، وأنْ يُظهِر إفلاس حُججهم وما هم فيه من تخبُّط.
يقول الحق ﵎:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. .﴾ [النحل: ١٠٣] .
وقد سبق أنْ قالوا عن رسول الله «مجنون» وبرَّأه الله بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .
والخلقُ العظيم لا يكون في مجنون؛ لأن الخلُق الفاضل لا يُوضع إلا في مكانه، بدليل قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] .
وسبق أنْ قالوا: ساحر وهذا دليل على أنهم مغفلون يتخبَّطون في ضلالهم، فلو كان محمد ساحراً، فَلِمَ لم يسحركم كما سحر المؤمنين به وتنتهي المسألة؟
стр. 9579
وسبق أنْ قالوا «شاعر» مع أنهم أدْرى الناس بفنون القول شِعْراً ونثراً وخطابة، ولم يُجرِّبوا على محمد ﷺ َ شيئاً من ذلك، لكنه الباطل حينما يَلجّ في عناده، ويتكبّر عن قبول الحق.
وهنا جاءوا بشيء جديد يُكذِّبون به رسول الله، فقالوا:
﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... ﴾ [النحل: ١٠٣] .
أي: أن رسول الله ﷺ َ يتردد على أحد أصحاب العلم ليعلمه القرآن فقالوا: إنه غلام لبي عامر بن لؤي اسمه (يعيش) ، وكان يعرف القراءة والكتاب، وكان يجلب الكتب من الأسواق، ويقرأ قصص السابقين مثل عنترة وذات الهمة وغيرها من كتب التاريخ.
وقد تضاربتْ أقوالهم في تحديد هذا الشخص الذي يزعمون أن رسول الله ﷺ َ تعلّم على يديه، فقالوا: اسمه «عداس» وقال آخرون: سلمان الفارسي. وقال آخرون: بَلْعام وكان حداداً رومياً نصرانياً يعلم كثيراً عن أهل الكتاب. . الخ.
والحق ﵎ يردُّ على هؤلاء، ويُظهِر إفلاسهم الفكري، وإصرارهم على تكذيب رسول الله ﷺ َ فيقول:
﴿لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
стр. 9580
اللسان هنا: اللغة التي يُتحدَّث بها.
ويُلحِدون إليه: يميلون إليه وينسبون إليه أنه يُعلِّم رسول الله ﷺ َ.
أعجمي: أي لغته خفية، لا يُفصح ولا يُبين الكلام، كما نرى الأجانب يتحدثون العربية مثلاً.
ونلاحظ هنا أن القرآن الكريم لم يقُلْ (عجمي) ، لأن العجم جنس يقابل العرب، وقد يكون من العجم مَنْ يجيد العربية الفصيحة، كما رأينا سيبوَيْه صاحب (الكتاب) أعظم مراجع النحو حتى الآن وهو عَجمي.
أما الأعجمي فهو الذي لا يُفصح ولا يُبين، حتى وإنْ كان عربياً. وقد كان في قبيلة لؤي رجل اسمه زياد يُقال له «زياد الأعجمي» لأنه لا يُفصح ولا يُبين، مع أنه من أصل عربي.
إذن: كيف يتأتَّى لهؤلاء الأعاجم الذين لا يُفصحون، ولا يكادون ينطقون اللغة العربية، كيف لهؤلاء أنْ يُعلِّموا رسول الله ﷺ َ وقد جاء بمعجزة في الفصاحة والبلاغة والبيان؟
كيف يتعلم من هؤلاء، ولم يثبت أنه ﷺ َ التقى بأحد منهم إلا (عداس) يُقال: إنه قابله مرة واحدة، ولم يثبت أنه ﷺ َ تردَّد إلى معلم، لا من هؤلاء، ولا من غيرهم؟
стр. 9581
كما أن ما يحويه القرآن من آيات وأحكام ومعجزات ومعلومات يحتاج في تعلُّمه إلى وقت طويل يتتلمذ فيه محمد على يد هؤلاء، وما جرّبْتم على محمد شيئاً من هذا كله.
وهل يُعقل أن ما في القرآن يمكن أن يطويه صَدْرُ واحدٍ من هؤلاء؟! لو حدث لكان له من المكانة والمنزلة بين قومه ما كان للنبي ﷺ َ من منزلة، ولأشاروا إليه بالبنان ولذَاع صِيتُه، واشتُهر أمره، وشيء من ذلك لم يحدث.
وقوله تعالى:
﴿وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
أي: لغته ﷺ َ، ولغة القرآن الكريم عربية واضحة مُبِينة، لا لَبْسَ فيها ولا غموض.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ. .﴾ .
стр. 9582
الحق ﵎ في قوله:
﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله. .﴾ [النحل: ١٠٤] .
ينفي عن هؤلاء صفة الإيمان، فكيف يقول بعدها:
﴿لاَ يَهْدِيهِمُ الله ... ﴾ [النحل: ١٠٤] .
стр. 9583
أليسوا غير مؤمنين، وغير مُهْتدين؟
قُلْنا: إن الهداية نوعان:
هداية دلالة وإرشاد، وهذه يستوي فيها المؤمن والكافر، فقد دَلَّ الله الجميع، وأوضح الطريق للجميع، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ... ﴾ [فصلت: ١٧] أي: أرشدناهم ودَلَلْناهم.
وهداية المعونة والتوفيق، وهذه لا تكون إلا للمؤمن، ومنها قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] .
إذن: معنى:
﴿لاَ يَهْدِيهِمُ الله. .﴾ [النحل: ١٠٤] .
أي: هداية معونة وتوفيق.
ويصح أن نقول أيضاً: إن الجهة هنا مُنفكّة إلى شيء آخر، فيكون المعنى: لا يهديهم إلى طريق الجنة، بل إلى طريق النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ. .﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩] .
بدليل قوله تعالى بعدها:
стр. 9584
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٤] .
ولأنه سبحانه في المقابل عندما تحدِّث عن المؤمنين قال: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] .
أي: هداهم لها وعرَّفهم طريقها.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي. .﴾ .
стр. 9585
كأن الحق يقول: وإن افتريتم على رسول الله واتهمتموه بالكذب الحقيقي أنْ تُكذِّبوا بآيات الله، ولا تؤمنوا بها.
ونلاحظ في تذييل هذه الآية أن الحق سبحانه لم يَقُلْ: وأولئك هم الكافرون. بل قال: الكاذبون. ليدل على شناعة الكذب، وأنه صفة لا تليق بمؤمن.
ولذلك حينما «سُئِل رسول الله ﷺ َ: أيسرق المؤمن؟ قال:» نعم «لأن الله قال: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] .
فما دام قد شرَّع حُكْماً، وجعل عليه عقوبة فقد أصبح الأمر وارداً ومحتمل الحدوث.»
стр. 9586
وسئل: أيزني المؤمن؟ قال: «نعم» ، لأن الله قال: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢] . «وسئل: أيكذب المؤمن؟ قال:» لا «.
والحديث يُوضّح لنا فظاعة الكذب وشناعته، وكيف أنه أعظم من كل هذه المنكرات، فقد جعل الله لكل منها عقوبة معلومة في حين ترك عقوبة الكذب ليدل على أنها جريمة أعلى من العقوبة وأعظم.
إذن: الكذب صفة لا تليق بالمؤمن، ولا تُتصوّر في حَقِّه؛ ذلك لأنه إذا اشتُهِر عن واحد أنه كذاب لما اعتاده الناس من كذبه، فنخشى أن يقول مرة: أشهد ألاَّ إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فيقول قائل: إنه كذاب وهذه كذبة من أكاذيبه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿مَن كَفَرَ بالله ... ﴾ .
стр. 9587
الحق سبق وأنْ تحدث عن حكم المؤمنين وحكم الكافرين، ثم تحدّث عن الذين يخلفون العهد ولا يُوفون به، ثم تحدث عن الذين افترَوْا على رسول الله والذين كذَّبوا بآيات الله، وهذه كلها قضايا إيمانية كان لا بُدَّ أنْ تُثار.
وفي هذه الآية الكريمة يوضح لنا الحق أن الإيمان ليس مجرد أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فالقول وحده لا يكفي ولا بُدَّ وأنْ تشهدَ بذلك، ومعنى تشهد أنْ يُواطِيء القلب واللسان كل منهما الآخر في هذه المقولة.
والمتأمل لهذه القضية يجد أن القسمة المنطقية تقتضي أن يكون لدينا أربع حالات:
الأولى: أنْ يُواطِيءَ القلب اللسان إيجاباً بالإيمان؛ ولذلك نقول: إن المؤمن منطقيّ في إيمانه؛ لأنه يقول ما يُضمره قلبه.
الثانية: أنْ يُواطِيءَ القلب اللسان سلباً أي: بالكفر، وكذلك الكافر منطقي في كفره بالمعنى السابق.
الثالثة: أنْ يؤمن بلسانه ويُضمِرَ الكفر في قلبه، وهذه حالة المنافق، وهو غير منطقي في إيمانه حيث أظهر خلاف ما يبطن ليستفيد من مزايا الإيمان.
الرابعة: أن يؤمن بقلبه، وينطق كلمة الكفر بلسانه.
وهذه الحالة الرابعة هي المرادة في هذه الآية. فالحق ﵎ يعطينا هنا تفصيلاً لمن كفر بعد إيمان، وما سبب هذا الكفر؟ وما جزاؤه؟
стр. 9588
قوله:
﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ. .﴾ [النحل: ١٠٦] .
هذه جملة الشرط تأخَّر جوابها إلى آخر الآية الكريمة، لنقف أولاً على تفصيل هذا الكفر، فإما أن يكون عن إكراه لا دَخْلَ للإنسان فيه، فيُجبر على كلمة الكفر، في حين قلبه مطمئن بالإيمان.
﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان. .﴾ [النحل: ١٠٦] .
ثم سكت عنه القرآن الكريم ليدلّنا على أنه لا شيءَ عليه، ولا بأسَ أن يأخذ المؤمن بالتقية، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال.
وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقتْ كلمة الكفر وهي مطمئنة بالإيمان.
وفي الحديث الشريف: «رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
ويذكر التاريخ أن ياسر أبا عمار وزوجه سُمية أول شهيدين في الإسلام، فكيف استشهدا؟ كانا من المسلمين الأوائل، وتعرّضوا لكثير من التعذيب حتى عرض عليهم الكفار النطق بكلمة مقابل
стр. 9589
العفو عنهما، فماذا حدث من هذين الشهيدين؟ صَدَعا بالحق وأصرَّا على الإيمان حتى نالا الشهادة في سبيل الله، ولم يأخذا برخصة التقية.
وكان ولدهما عمار أول مَنْ أخذ بها، حينما تعرّض لتعذيب المشركين. «وقد بلغ رسول الله ﷺ َ أن عمار بن ياسر كفر، فأنكر ﷺ َ هذا، وقال:» إن إيمان عمار من مفرق رأسه إلى قدمه، وإن الإيمان في عمار قد اختلط بلحمه ودمه «.
فلما جاء عمار أقبل على رسول الله وهو يبكي، ثم قص عليه ما تعرَّض له من أذى المشركين، وقال: والله يا رسول الله ما خلَّصني من أيديهم إلا أنِّي تناولتك وذكرت آلهتهم بخير، فما كان من النبي ﷺ َ إلا أن مسح دموع عمار بيده الشريفة وقال له» إنْ عادوا إليك فَقُلْ لهم ما قلت «.
وقد أثارت هذه الرخصة غضب بعض الصحابة، فراجعوا فيها
стр. 9590
رسول الله ﷺ َ وقالوا: فما بال بلال؟ فقال:» عمار استعمل رخصة، وبلال صدع بالحق «.
ولا شكَّ أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله، وأن الصَّدْعَ بالحق والصبر على البلاء أعْلَى منزلةً، وأَسْمَى درجة من الأَخْذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر.
لذلك، «ففي حركة الردة حاول مسيلمة الكذاب أن يطوف بالقبائل لينتزع منهم شهادة بصدق نُبوّته، فقال لرجل: ما تقول في محمد؟ قال: رسُول الله، قال: فما تقول فَّي؟ فقال الرجل في لباقة: وأنت كذلك، يعني أخرج نفسه من هذا المأزق دون أن يعترف صراحة بنبوة هذا الكذاب.
فقابل آخر وسأله: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: وما تقول فَّي؟ فقال الرجل متهكماً: اجهر لأني أصبحت أصمَّ الآن، وأنكر على مسيلمة ما يدعيه فكان جزاؤه القتل. فلما علم رسول الله ﷺ َ خبرهما قال:» أحدهما استعمل الرخصة، والآخر صدع بالحق «.
стр. 9591
وقد تحدَّث العلماء عن الإكراه في قوله تعالى:
﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان. .﴾ [النحل: ١٠٦] .
وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها، على النحو التالي:
إذا أكره الإنسان على أمر ذاتيٍّ فيه. كأن قيل له: اشرب الخمر وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك قالوا: يجب عليه في هذه الحالة أنْ يشربها وينجو بنفسه؛ لأنه أمر يتعلق به، ومن الناس مَنْ يعصون الله بشربها. فإنْ قيل له: اكفر بالله وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك، قالوا: هو مُخيَّر بين أن يأخذ بالتقيّة هنا، ويستخدم الرخصة التي شرعها الله له، أو يصدع بالحق ويصمد.
أما إذا تعلّق الإكراه بحقٍّ من حقوق الغير، كأنْ قيل لك: اقتل فلاناً وإلا قتلتك، ففي هذه الحالة لا يجوز لك قَتْله؛ لأنك لو قتلتهُ لقُتِلْت قِصَاصاً، فما الفائدة إذن؟ .
وبعد أن تحدّث الحق ﵎ عن حكم مَنْ أكرهَ وقلبه مطمئن بالإيمان، يتحدث عن النوع الآخر:
﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً. .﴾ [النحل: ١٠٦] .
أي: نطق كلمة الكفر راضياً بها، بل سعيدة بها نفسه، مُنْشرِحاً بها صدره، وهذا النوع هو المقصود في جواب الشرط.
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
فإنْ كانت الآيات قد سكتت عَمَّنْ أُكرهَ، ولم تجعل له عقوبة لأنه مكره، فقد بيَّنت أن من شرح بالكفر صدراً عليه غضب من الله أي: في الدنيا. ولهم عذاب عظيم أي: في الآخرة.
стр. 9592
وكما رأينا في تاريخ الإسلام نماذج للنوع الأول الذي أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان، كذلك رأينا نماذج لمن شرح بالكفر صَدْراً، وهم المنافقون، ومنهم مَنْ أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه، ومنهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح من عامر بن لؤي.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا. .﴾ .
стр. 9593
﴿ذلك﴾ أي: ما استحقوه من العذاب السابق.
﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. .﴾ [النحل: ١٠٧] .
استحب: أي آثر وتكلَّف الحب؛ لأن العاقل لو نظر إلى الدنيا بالنسبة لعمره فيها لوجدها قصيرة أحقر من أَنْ تُحبَّ لذاتها، ولَوجدَ الأغيار بها كثيرة تتقلَّب بأهلها فلا يدوم لها حال، ينظر فإذا الأحوال تتبدّل من الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى السَّقَم، ومن القوة إلى الضعف، فكيف إذن تستحب الدنيا على الآخرة؟!
والحق ﵎ يريد منّا أنْ نعطي كلاً من الدنيا والآخر ما يستحقه من الحب، فنحب الدنيا دون مبالغة في حبها، نحبها على أنها مزرعة للآخرة، وإلاَّ، فكيف نطلب الجزاء والثواب من الله؟
لذلك نقول: إن الدنيا أهمّ من أنْ تُنسى، وأتفه من أن تكون غاية، وقد قال الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا. .﴾ [القصص: ٧٧] .
стр. 9594
ففهم البعض الآية على أنها دعوة للعمل للدنيا وأخذ الحظوظ منها، ولكن المتأمل لمعنى الآية يجد أن الحق سبحانه يجعل الدنيا شيئاً هيّناً مُعرَّضاً للنسيان والإهمال، فيُذكِّرنا بها، ويحثُّنا على أن نأخذ منها بنصيب، فأنا لا أقول لك: لا تنسَ الشيء الفلاني إلا إذا كنتُ أعلم أنه عُرْضَة للنسيان، وهذا جانب من جوانب الوسطية والاعتدال في الإسلام.
ويكفينا وَصْف هذه الحياة بالدنيا، فليس هناك وَصْفٌ أقلّ من هذا الوصف، والمقابل لها يقتضي أن نقول: العُلْيا وهي الآخرة، نعم نحن لا ننكر قَدْر الحياة الدنيا ولا نبخسها حقها، ففيها الحياة والحسّ والحركة، وفيها العمل الصالح والذكْرى الطيبة. . الخ.
ولكنها مع ذلك إلى زوال وفناء، في حين أن الآخرة هي الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا يعتريها زوال، ولا يهددها موت، كما قال الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
أي: الحياة الحقيقية التي يجب أن نحرص عليها ونحبها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ. .﴾ [الأنفال: ٢٤] .
ما معنى (لِمَا يُحْييكُمْ) والقرآن يخاطبهم وهم أحياء يُرزَقُون؟ قالوا: يُحييكم أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا تزول.
стр. 9595
وقوله:
﴿على الآخرة ... ﴾ [النحل: ١٠٧] .
لقائل أن يقول: إن الآية تتحدث عن غير المؤمنين بالآخرة، فكيف يُقَال عنهم:
﴿استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. .﴾ [النحل: ١٠٧] .
نقول: من غير المؤمنين بالآخرة مَنْ قال الله فيهم:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .
وأيضاً منهم مَنْ قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٦] .
إذن: من هؤلاء مَنْ يؤمن بالآخرة، ولكنه يُفضّل عليها الدنيا.
قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [النحل: ١٠٧] .
أي: لا يهديهم هداية معونة وتوفيق. وسبق أنْ قُلْنا: إن الهداية نوعان: هداية دلالة، ويستوي فيها المؤمن والكافر، وهداية معونة خاصة بالمؤمن.
إذن: إذا نفيتَ الهداية، فالمراد هداية المعونة، فعدم هداية الله انصبتْ على الكافر لكونه كافراً، فكأن كُفْره سبق عدم هدايته، أو نقول: لكونه كافراً لم يَهْده الله.
следующие страницы →