Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.
стр. 9591
وقد تحدَّث العلماء عن الإكراه في قوله تعالى:
﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان. .﴾ [النحل: ١٠٦] .
وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها، على النحو التالي:
إذا أكره الإنسان على أمر ذاتيٍّ فيه. كأن قيل له: اشرب الخمر وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك قالوا: يجب عليه في هذه الحالة أنْ يشربها وينجو بنفسه؛ لأنه أمر يتعلق به، ومن الناس مَنْ يعصون الله بشربها. فإنْ قيل له: اكفر بالله وإلاَّ قتلتُك أو عذبتُك، قالوا: هو مُخيَّر بين أن يأخذ بالتقيّة هنا، ويستخدم الرخصة التي شرعها الله له، أو يصدع بالحق ويصمد.
أما إذا تعلّق الإكراه بحقٍّ من حقوق الغير، كأنْ قيل لك: اقتل فلاناً وإلا قتلتك، ففي هذه الحالة لا يجوز لك قَتْله؛ لأنك لو قتلتهُ لقُتِلْت قِصَاصاً، فما الفائدة إذن؟ .
وبعد أن تحدّث الحق ﵎ عن حكم مَنْ أكرهَ وقلبه مطمئن بالإيمان، يتحدث عن النوع الآخر:
﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً. .﴾ [النحل: ١٠٦] .
أي: نطق كلمة الكفر راضياً بها، بل سعيدة بها نفسه، مُنْشرِحاً بها صدره، وهذا النوع هو المقصود في جواب الشرط.
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
فإنْ كانت الآيات قد سكتت عَمَّنْ أُكرهَ، ولم تجعل له عقوبة لأنه مكره، فقد بيَّنت أن من شرح بالكفر صدراً عليه غضب من الله أي: في الدنيا. ولهم عذاب عظيم أي: في الآخرة.
стр. 9592
وكما رأينا في تاريخ الإسلام نماذج للنوع الأول الذي أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان، كذلك رأينا نماذج لمن شرح بالكفر صَدْراً، وهم المنافقون، ومنهم مَنْ أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه، ومنهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح من عامر بن لؤي.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا. .﴾ .
стр. 9593
﴿ذلك﴾ أي: ما استحقوه من العذاب السابق.
﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. .﴾ [النحل: ١٠٧] .
استحب: أي آثر وتكلَّف الحب؛ لأن العاقل لو نظر إلى الدنيا بالنسبة لعمره فيها لوجدها قصيرة أحقر من أَنْ تُحبَّ لذاتها، ولَوجدَ الأغيار بها كثيرة تتقلَّب بأهلها فلا يدوم لها حال، ينظر فإذا الأحوال تتبدّل من الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى السَّقَم، ومن القوة إلى الضعف، فكيف إذن تستحب الدنيا على الآخرة؟!
والحق ﵎ يريد منّا أنْ نعطي كلاً من الدنيا والآخر ما يستحقه من الحب، فنحب الدنيا دون مبالغة في حبها، نحبها على أنها مزرعة للآخرة، وإلاَّ، فكيف نطلب الجزاء والثواب من الله؟
لذلك نقول: إن الدنيا أهمّ من أنْ تُنسى، وأتفه من أن تكون غاية، وقد قال الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا. .﴾ [القصص: ٧٧] .
стр. 9594
ففهم البعض الآية على أنها دعوة للعمل للدنيا وأخذ الحظوظ منها، ولكن المتأمل لمعنى الآية يجد أن الحق سبحانه يجعل الدنيا شيئاً هيّناً مُعرَّضاً للنسيان والإهمال، فيُذكِّرنا بها، ويحثُّنا على أن نأخذ منها بنصيب، فأنا لا أقول لك: لا تنسَ الشيء الفلاني إلا إذا كنتُ أعلم أنه عُرْضَة للنسيان، وهذا جانب من جوانب الوسطية والاعتدال في الإسلام.
ويكفينا وَصْف هذه الحياة بالدنيا، فليس هناك وَصْفٌ أقلّ من هذا الوصف، والمقابل لها يقتضي أن نقول: العُلْيا وهي الآخرة، نعم نحن لا ننكر قَدْر الحياة الدنيا ولا نبخسها حقها، ففيها الحياة والحسّ والحركة، وفيها العمل الصالح والذكْرى الطيبة. . الخ.
ولكنها مع ذلك إلى زوال وفناء، في حين أن الآخرة هي الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا يعتريها زوال، ولا يهددها موت، كما قال الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
أي: الحياة الحقيقية التي يجب أن نحرص عليها ونحبها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ. .﴾ [الأنفال: ٢٤] .
ما معنى (لِمَا يُحْييكُمْ) والقرآن يخاطبهم وهم أحياء يُرزَقُون؟ قالوا: يُحييكم أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا تزول.
стр. 9595
وقوله:
﴿على الآخرة ... ﴾ [النحل: ١٠٧] .
لقائل أن يقول: إن الآية تتحدث عن غير المؤمنين بالآخرة، فكيف يُقَال عنهم:
﴿استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. .﴾ [النحل: ١٠٧] .
نقول: من غير المؤمنين بالآخرة مَنْ قال الله فيهم:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .
وأيضاً منهم مَنْ قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٦] .
إذن: من هؤلاء مَنْ يؤمن بالآخرة، ولكنه يُفضّل عليها الدنيا.
قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [النحل: ١٠٧] .
أي: لا يهديهم هداية معونة وتوفيق. وسبق أنْ قُلْنا: إن الهداية نوعان: هداية دلالة، ويستوي فيها المؤمن والكافر، وهداية معونة خاصة بالمؤمن.
إذن: إذا نفيتَ الهداية، فالمراد هداية المعونة، فعدم هداية الله انصبتْ على الكافر لكونه كافراً، فكأن كُفْره سبق عدم هدايته، أو نقول: لكونه كافراً لم يَهْده الله.
стр. 9596
ولذلك يحكم الله على هؤلاء بقوله سبحانه: ﴿أولئك الذين طَبَعَ. .﴾ .
стр. 9597
طبع: أي ختم عليها، وإذا تأملتَ الختْم وجدتَ المقصود منه أن الشيء الداخل يظلّ داخلاً لا يخرج، وأن الخارج يظل خارجاً لا يدخل.
وفَرْقٌ بين ختم البشر وختم ربِّنا سبحانه، فقصارى ما نفعله أن نختم الأشياء المهمة كالرسائل السرية مثلاً، أو نريد إغلاق مكان ما نختم عليه بالشمع الأحمر لنتأكد من غلقه، ومع ذلك نجد مَنْ يحتال على هذا الختم ويستطيع فضّه وربما أعاده كما كان.
أما إذا ختم الحق على شيء فلا يستطيع أحد التحايل عليه سبحانه.
فالمراد إذن بقوله تعالى:
﴿طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ. .﴾ [النحل: ١٠٨] .
أن ما فيها من الكفر لا يخرج منها، وما هو خارجها من الإيمان لا يدخل فيها؛ ذلك لأن القلب هو الوعاء الذي تصبّ فيه الحواس التي هي وسائل الإدراكات المعلومية، وأهمها السمع والبصر.
стр. 9598
فالبسمع تسمع الوحي والتبليغ عن الله، وبالبصر ترى دلائل قدرة الله في كونه وعجيب صُنْعه مما يلفتك إلى قدرة الله، ويدعوك للإيمان به سبحانه، فإذا ما انحرفتْ هذه الحواسّ عما أراده الله منها، وبدل أن تمدّ القلب بدلائل الإيمان تعطَّلتْ وظيفتها.
فالسمع موجود كآلة تسمع ولكنها تسمع الفارغ من الكلام، فلا يوجد سَمْع اعتباريّ، وكذلك البصر موجود كآلة تُبصر ما حرم الله فلا يوجد بصر اعتباري، فما الذي سيصل إلى القلب إذن من خلال هذه الحواس؟
فما دام القلب لا يسمع الهداية، ولا يرى دلائل قدرة الله في كونه فلن نجد فيه غير الكفر، فإذا أراد الإيمان قلنا له: لا بُدَّ أن تُخرِج الكفر من قلبك أولاً، فلا يمكن أن يجتمع كفر وإيمان في قلب واحد؛ لذلك عندنا قانون موجود حتى في الماديات يسمونه (عدم التداخل) يمكن أن تشاهده حينما تملأ زجاجة فارغة بالماء، فترى أن الماء لا يدخل إلا بقدر ما يخرج من الهواء.
فكذلك الحال في الأوعية المعنوية.
فإن أردت الإيمان أيها الكافر فأخرجْ أولاً ما في قلبك من الكفر؛ واجعله مُجرّداً من كل هوى، ثم ابحث بعقلك في أدلة الكفر وأَدلة الإيمان، وما تصل إليه وتقتنع به أدْخله في قلبك، لكن أنْ تبحث أدلة الإيمان وفي جوفك الكفر فهذا لا يصحّ، لا بُدَّ من إخلاء القلب أولاً وتجعل الأمريْن على السواء.
لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] .
стр. 9599
وفي الأثر: «لا يجتمع حب الدنيا وحب الله في قلب واحد» .
لأن الإنسان قلباً واحداً لا يجتمع فيه نقيضان، هكذا شاءت قدرة الله أن يكون القلب على هذه الصورة، فلا تجعلْه مزدحماً بالمظروف فيه.
كما أن طَبْع الله على قلوب الكفار فيه إشارة إلى أن الحق يعطي عبده مراده، حتى وإنْ كان مراده الكفر، وكأنه سبحانه يقول لهؤلاء: إنْ كنتم تريدون الكفر وتحبونه وتنشرح له صدوركم فسوف اطبع عليها، فلا يخرج منها الكفر ولا يدخلها الإيمان، بل وأزيدكم منه إنْ أحببتُمْ، كما قال تعالى:
﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً. .﴾ [البقرة: ١٠] .
فهنيئاً لكم بالكفر، واذهبوا غَيْرَ مأسوف عليكم.
وقوله: ﴿وأولئك هُمُ الغافلون﴾ [النحل: ١٠٨] .
الغافل: مَنْ كان لديه أمر يجب أن يتنبه إليه، لكنه غفل عنه، وكأنه كان في انتظار إشارة تُنبّه عقله ليصل إلى الحق.
ثم يُنهي الحق سبحانه الكلام عن هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ ... ﴾ .
стр. 9600
فقوله تعالى:
﴿لاَ جَرَمَ. .﴾ [النحل: ١٠٩] .
أي: حقاً ولا بُدَّ، أولاً جريمة في أن يكون هؤلاء خاسرين في الآخرة، بما اقترفوه من مُوجبات الخسارة، وبما أَتَوْا به من حيثيّات ترتَّبَ عليها الحكم بخسارتهم في الآخرة، فقد حقَّ لهم وثبت لهم ذلك.
والمتتبع للآيات السابقة يجد فيها هذه الحيثيات، بدايةً من قَوْلهم عن رسول الله: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ... ﴾ [النحل: ١٠١] .
وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وعدم إيمانهم بآيات الله، وكونهم كاذبين مفترين على الله، واطمئنانهم بالكفر، وانشراح صدورهم به، واستحبابهم الحياة الدنيا على الآخرة.
هذه كلها حيثيات وأسباب أوجبتْ لهم الخسران في الآخرة يوم تُصفّي الحسابات، وتنكشف الأرباح والخسائر، وكيف لا يكون عاقبته خُسْراناً مَن اقتراف كل هذه الجرائم؟!
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ ... ﴾ .
стр. 9601
قوله تعالى: ﴿فُتِنُواْ ... ﴾ [النحل: ١١٠] .
أي: ابتلوا وعُذِّبوا عذاباً أليماً؛ لأنهم أسلموا.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
من رحمة الله تعالى أن يفتح باب التوبة لعبادة الذين أسرفوا على أنفسهم، ومن رحمته أيضاً أن يقبل توبة مَنْ يتوب؛ لأنه لو لم يفتح الله باب التوبة للمذنب ليئسَ من رحمة الله، ولتحوَّل وإن أذنب ولو ذنباً واحداً إلى مجرم يشقَى به المجتمع، فلم يَرَ أمامه بارقة أمل تدعوه إلى الصلاح، ولا دافعاً يدفعه إلى الإقلاع.
أما إذا رأى باب ربه مفتوحاً ليل نهار يقبل توبة التائب، ويغفر ذنب المسيء، كما جاء في الحديث الشريف: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» .
بل ويزيده ربنا من فضله إنْ أحسن التوبة، وندم على ما كان منه، بأن يُبدِّل سيئاته حسناتٍ، كما قال سبحانه: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: ٧٠] .
стр. 9602
لو رأى المذنب ذلك كان أَدْعى لإصلاحه، وأجْدَى في انتشاله من الوَهْدة التي تردَّى فيها.
إذن: تشريع التوبة من الحق سبحانه رحمة، وقبولها من المذنب رحمة أخرى؛ لذلك قال سبحانه: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا. .﴾ [التوبة: ١١٨] .
أي: شرع لهم التوبة ودَلَّهم عليها، ليتوبوا هم.
فإنْ اغترَّ مُغْترٌّ برحمة الله وفضله فقال: سأعمل سيئات كثيرة حتى يُبدِّلها الله لي حسنات. نقول له: ومَنْ يدريك لعله لا ينطبق عليك شروط الذين يُبدّل الله سيئاتهم حسنات، وهل تضمن أنْ يُمهِلك الأجل إلى أن تتوب، وأنت تعلم أن الموت يأتي بغتة؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي ... ﴾ .
стр. 9603
قد يكون المعنى في هذه الآية على اتصال بالآية السابقة، ومتعلق بها، فيكون المراد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
يحدث هذا:
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا ... ﴾ [النحل: ١١١] .
أي: يوم القيامة. أو يكون المعنى: اذكر يا محمد:
стр. 9604
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] .
وهل للإنسان أكثر من نفس، فتجادل إحداهما عن الأخرى؟
الحقيقة أن للإنسان نفساً واحدة في الدنيا والآخرة، ولكنها تختلف في الدنيا عنها يوم القيامة؛ لأن الحق سبحانه منحها في الدنيا الاختيار، وجعلها حرة في أن تفعل أو لا تفعل، فكان من النفوس: الطائعة، والعاصية، والمنصاعة، والمكابرة.
فإذا ما وقفت النفس في موقف القيامة، وواجهتْ الحق الذي كانت تخالفه علمت أن الموقف لا تفيد فيه مكابرة، ولا حيلة لها إلا أن تجادل وتدافع عن نفسها، فكأن النفس القيامة تجادل عن نفس الدنيا في موقف ينادي فيه الحق ﵎: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] .
وقد حكى القرآن الكريم نماذج من جدال النفس يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى. .﴾ [الزمر: ٣] .
﴿رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ... ﴾ [فصلت: ٢٩] .
إذن: هي نفس واحدة، تجادل عن نفسها في يوم لا تجزي فيه نفس عن نفس، فكلٌّ مشغول بكَرْبه، مُحاسَب بذنبه، كما قال تعالى:
стр. 9605
﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] .
وقوله تعالى:
﴿وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] .
الحق سبحانه يعطينا لقطة سريعة للحساب والجزاء يوم القيامة، فالميزان ميزان عَدْل وقسطاس مستقيم لا يظلم أحداً. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] .
وقوله تعالى: ﴿وتوفى. .﴾ [النحل: ١١١] .
يدلُّ على أن الجزاء من الله يكون وافياً، لا نقص فيه ولا جَوْر، فالجميع عبيد الله، لا يتفاضلون إلا بأعمالهم، فإنْ رحمهم فبفضله، وإنْ عذَّبهم فبعدْله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً. .﴾ .
стр. 9606
الحق بعد أنْ تكلَّم عن الإيمان بالله والإيمان بصدق رسوله في البلاغ عنه، واستقبال منهج الله في الكتاب والسنة، وتكلم عن المقابل لذلك من الكفر واللجاج والعناد لله وللرسول وللمنهج. أراد سبحانه أنْ يعطينا واقعاً ملموساً في الحياة لكل ذلك، فضرب لنا هذا المثل.
ومعنى المثل: أن يتشابه أمران تشابهاً تاماً في ناحية معينة بحيث تستطيع أن تقول: هذا مثل هذا تماماً.
والهدف من ضرب الأمثال أنْ يُوضِّح لك مجهولاً بمعلوم، فإذا كنتَ مثلاً لا تعرف شخصاً نتحدث عنه فيمكن أن نقول لك: هو مثل فلان المعلوم لك في الطول ومثل فلان في اللون. . إلخ من الصور المعلومة لك، وبعد أن تجمع هذه الصور تُكوِّن صورة كاملة لهذا الشخص الذي لا تعرفه.
لذلك، فالشيء الذي لا مثيلَ له إياك أن تضرب له مثلاً، كما قال الحق سبحانه: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال﴾ [النحل: ٧٤] .
لأنه سبحانه لا مثيل له، ولا نظير له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو سبحانه الذي يضرب المثل لنفسه، أما نحن فلا نضرب المثل إلا للكائنات المخلوقة له سبحانه.
لذلك نجد في القرآن الكريم أمثالاً كثيرة توضح لنا المجهول بمعلوم لنا، وتوضح الأمر المعنوي بالأمر الحسيِّ الملموس لنا.
стр. 9607
ومن ذلك ما ضربه الله لنا مثلاً في الإنفاق في سبيل الله، وأن الله يضاعف النفقة، ويُخلِف على صاحبها أضعافاً مضاعفة، فانظر كيف صوَّر لنا القرآن هذه المسألة: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
وهكذا أوضح لنا المثل الأمر الغيبي المجهول بالأمر المحسِّ المُشَاهد الذي يعلمه الجميع، حتى استقرَّ هذا المجهول في الذهن، بل أصبح أمراً مُتيقّناً شاخصاً أمامنا.
والمتأمل في هذا المثل التوضيحي يجد أن الأمر الذي وضّحه الحق سبحانه أقوى في العطاء من الأمر الذي أوضح به، فإنْ كانت هذه الأضعاف المضاعفة هي عطاء الأرض، وهي مخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء الخالق ؟
وكلمة (ضَرَبَ) مأخوذة من ضَرْب العملة، حيث كانت في الماضي من الذهب أو الفضة، ولخوف الغش فيها حيث كانوا يخلطون الذهب مثلاً بالنحاس، فكان النقاد أي: الخبراء في تمييز العملة يضربونها أي: يختمون عليها فتصير مُعتمدة موثوقاً بها، ونافذة وصالحة للتداول.
كذلك إذا ضرب الله مثلاً لشيء مجهول بشيء معلوم استقرَّ في الذهن واعتُمِد.
فقال تعالى في هذا المثل:
стр. 9608
﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً. .﴾ [النحل: ١١٢] .
الهدف من ضرب هذا المثل أن الحق يريد أن يوضح لنا أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بشتى أنواع النعم فجحدها، ولم يشكره عليها، ولم يُؤدِّ حق الله فيها، واستعمل نعمة الله في معصيته فقد عرَّضها للزوال، وعرَّض نفسه لعاقبة وخيمة ونهاية سيئة، فقيَّد النعمة بشكرها وأداء حق الله فيها، لذلك قال الشاعر:
إذَا كُنْتَ في نعمةٍ فَارْعَها ... فَإِنَّ المَعَاصِي تُزيلُ النِّعَم
وحَافِظْ عليها بشُكْرِ الإلهِ ... فَإنَّ الإلَه شَدِيدُ النِّقَم
ولكن، القرية التي ضربها الله لنا مثلاً هنا، هل هي قرية معينة أم المعنى على الإطلاق؟ قد يُراد بالقرية قرية معينة كما قال البعض إنها مكة، أو غيرها من القرى، وعلى كلٍّ فتحديدها أمر لا فائدة منه، ولا يُؤثِّر في الهدف من ضَرْب المثل بها.
والقرية: اسم للبلد التي يكون بها قِرىً لمن يمرُّ بها، أي: بلد استقرار. وهي اسم للمكان فإذا حُدِّث عنها يراد المكين فيها، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا. .﴾ [يوسف: ٨٢] .
فالمراد: اسأل أهل القرية؛ لأن القرية كمكان لا تُسأل. . هكذا
стр. 9609
قال علماء التفسير، على اعتبار أن في الآية مجازاً مرسلاً علاقته المحلية.
ولكن مع تقدُّم العلم الحديث يعطينا الحق ﵎ مدداً جديداً، كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ. .﴾ [فصلت: ٥٣] .
والآن تطالعنا الاكتشافات بإمكانية التقاط صور وتسجيل أصوات السابقين، فمثلاً يمكنهم بعد انصرافنا من هذا المكان أن يُسجِّلوا جلستنا هذه بالصوت والصورة.
ومعنى ذلك أن المكان يعي ويحتفظ لنا بالصور والأصوات منذ سنوات طويلة، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن القرية يمكن أنْ تُسأل، ويمكن أن تجيب، فلديها ذاكرة واعية تسجِّل وتحتفظ بما سجَّلته، بل وأكثر من ذلك يتطلعون لإعادة الصور والأصوات من بَدْء الخليقة على اعتبار أنها موجودة في الجو، مُودعة فيه على شكل موجات لم تُفقد ولم تَضِع.
وما أشبه هذه الموجات باندياح الماء إذا ألقيتَ فيه بحجر، فينتج عنه عدة دوائر تبتعد عن مركزها إلى أنْ تتلاشى بالتدريج.
إذن: يمكن أن يكون سؤال القرية على الحقيقة، ولا شك أن سؤال القرية سيكون أبلغ من سؤال أهلها، لأن أهلها قد يكذبون، أما هي فلا تعرف الكذب.
وبهذا الفهم للآية الكريمة يكون فيها إعجاز من إعجازات الأداء القرآني.
стр. 9610
وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً ... ﴾ [النحل: ١١٢] .
آمنةً: أي في مَأْمَن من الإغارة عليها من خارجها، والأمن من أعظم نِعَم الله تعالى على البلاد والعباد.
وقوله: ﴿مُّطْمَئِنَّةً. .﴾ [النحل: ١١٢] .
أي: لديها مُقوِّمات الحياة، فلا تحتاج إلى غيرها، فالحياة فيها مُستقرَّة مريحة، والإنسان لا يطمئن إلا في المكان الخالي من المنغِّصات، والذي يجد فيه كل مقومات الحياة، فالأمن والطمأنينة هما سِرُّ سعادة الحياة واستقرارها.
وحينما امتنَّ الله تعالى على قريش قال: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾
[قريش: ١ - ٤] .
فطالما شبعت البطن، وأمنتْ النفس استقرت بالإنسان الحياة.
والرسول ﷺ َ يعطينا صورة مُثْلى للحياة الدنيا، فيقول: «مَنْ أصبح معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» .
ويصف الحق سبحانه هذه القرية بأنها:
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ... ﴾ [النحل: ١١٢] .
стр. 9611
معلوم أن الناس هم الذين يخرجون لطلب الرزق، لكن في هذه القرية يأتي إليها الرزق، وهذا يُرجِّح القول بأنها مكة؛ لأن الله تعالى قال عنها: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] .
ومن تيسَّر له العيش في مكة يرى فيها الثمرات والمنتجات من كل أنحاء العالم، وبذلك تمَّتْ لهم النعمة واكتملتْ لديهم وسائل الحياة الكريمة الآمنة الهانئة، فماذا كان منهم؟ هل استقبلوها بشكر الله؟ هل استخدموا نعمة عليهم في طاعته ومَرْضاته؟ لا. . بل:
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله. .﴾ [النحل: ١١٢] .
أي: جحدت بهذه النعم، واستعملتها في مصادمة منهج الله وشريعته، فكانت النتيجة:
﴿فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
وكأن في الآية تحذيراً من الحق سبحانه لكل مجتمع كفر بنعمة الله، واستعمل النعمة في مصادمة منهجه سبحانه، فسوف تكون عاقبته كعاقبة هؤلاء.
﴿فَأَذَاقَهَا الله. .﴾ [النحل: ١١٢] .
من الذوق، نقول: ذاق وتذوَّق الطعام إذا وضعه على لسانه وتذوَّقه. والذَّوْق لا يتجاوز حلمات اللسان. إذن: الذوْق خاصٌّ بطعْم الأشياء، لكن الله سبحانه لم يقُلْ: أذاقها طعم الجوع، بل قال:
стр. 9612
﴿لِبَاسَ الجوع والخوف. .﴾ [النحل: ١١٢] .
فجعل الجوع والخوف وكأنهما لباسٌ يلبسه الإنسان، والمتأمل في الآية يطالع دقّة التعبير القرآني، فقد يتحول الجوع والخوف إلى لباس يرتديه الجائع والخائف، كيف ذلك؟
الجوع يظهر أولاً كإحساس في البطن، فإذا لم يجد طعاماً عوّض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا ما انتهتْ الشحوم تغذَّى الجسم على اللحم، ثم بدأ ينحت العظام، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوباً، وعلى الجلد هُزَالاً وذبولاً، ثم ينكمش ويجفّ، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد، وكأنه لباس يرتديه الجائع.
وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وشُحوب لونه وتغيُّر بشرته، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً. .﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه.
وهكذا جَسَّد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية، وجعلها محسوسة تراها العيون، ولكنه أدخلها تحت حاسَّة التذوق؛ لأنها أقوى الحواسّ.
وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يُوحي بشمولهما الجسم
стр. 9613
كله، كما يلفّه اللباس فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط.
ومن ذلك ما اشتُهِر بين المحبين والمتحدثين عن الحب أن محله القلب، فنراهم يتحدثون عن القلوب، كما قال الشاعر:
خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَسِيغُ مَودَّتي ... فَأُحِسُّ مِنْها في الفُؤادِ دَبِيبَا
فإذا ما زاد الحب وتسامى، وارتقت هذه المشاعر، تحوَّل الحب من القلب، وسكَن جميع الجوارح، وخالط كل الأعضاء، على حَدِّ قول الشاعر:
لاَ عُضْو لِي إِلاَّ وَفِيهِ صَبَابةٌ ... فَكأنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا
وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
أي: أن الحق سبحانه ما ظلمهم وما تجنَّى عليهم، بل ما أصابهم هو نتيجة عملهم وصدودهم عن سبيل الله، وكفرهم بأنعمه، فحبسها الله عنهم، فهم الذين قابلوا رسول الله ﷺ َ بالصُّدود والجحود والنكران، وتعرَّضوا له ولأصحابه بالإيذاء وبيَّتوا لقتله، حتى دعا عليهم قائلاً: «اللهم اشْدُدْ وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» .
فاستجاب الحق سبحانه لنبيه، وألبسهم لباس الجوع والخوف،
стр. 9614
حتى إنهم كانوا يأكلون الجيف، ويخلطون الشعر والوبر بالدم فيأكلوه.
وظلوا على هذا الحال سبع سنين حتى ضَجُّوا، وبلغ بهم الجَهْد والضَّنْك مُنْتهاه، فأرسلوا وفداً منهم لرسول الله، فقالوا: هذا عملك برجال مكة، فما بال صبيانها ونسائها؟ فكان ﷺ َ يرسل لهم ما يأكلونه من الحلال الطيب.
أما لباس الخوف فتمثَّل في السرايا التي كان يبعثها رسول الله ﷺ َ من المدينة لترهبهم وتزعجهم؛ ليعلموا أن المسلمين أصبحتْ لهم قوة وشوكة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ ... ﴾ .
стр. 9615
رأينا كيف كانت النعمة تامة على أهل مكة، وقد تمثلت هذه النعمة في كَوْنها آمنة مطمئنة، وهذه نعمة مادية يحفظ الله بها القالب الإنساني، لكنه ما يزال في حاجة إلى ما يحفظ قِيَمه وأخلاقه.
وهذه هي نعمة النعم، وقد امتنَّ الله عليهم بها حينما أرسل فيهم رسولاً منهم، فما فائدة النعم المادية في بلد مهزوزة القيم، مُنْحلة الأخلاق، فجاءهم رسول الله ﷺ َ ليُقوِّم ما اعوجّ من سلوكهم، ويُصلح ما فسد من قِيَمهِم ومبادئهم.
وقوله: ﴿مِّنْهُمْ ... ﴾ [النحل: ١١٣] .
стр. 9616
أي: من جنسهم، وليس غريباً عنهم، وليس من مُطْلق العرب، بل من قريش أفضل العرب وأوسطها.
يقول تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ. .﴾ [النحل: ١١٣] .
وكان المفترض فيهم أن يستقبلوه بما علموا عنه من صفات الخير والكمال، وبما اشتهر به بينهم من الصدق والأمانة، ولكنهم كما كفروا بالنعم المادية كفروا أيضاً بالنعم القيمية متمثلة في رسول الله ﷺ َ. وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ العذاب. .﴾ [النحل: ١١٣] .
مَنِ الذي أخذهم؟
لم تقُلْ الآية: أخذهم الله بالعذاب، بل: أخذهم العذاب، كأن العذابَ نفسه يشتاق لهم، وينقضُّ عليهم، ويسارع لأخذهم، ففي الآية تشخيص يُوحي بشدة عذابهم.
كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] .
ثم يقول تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ... ﴾ .
стр. 9617
قُلْنا: إن الرسول ﷺ َ حينما اشتد الحال بأهل مكة حتى أكلوا الجيف، كان يرسل إليهم ما يأكلونه من الحلال الطيب رحمة منه ﷺ َ بهم فيقول:
﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله. .﴾ [النحل: ١١٤] .
أي: أن هذا الرزق ليس من عندي، بل من عند الله.
﴿حَلالاً طَيِّباً ... ﴾ [النحل: ١١٤] .
ذلك لأنهم كانوا قبل ذلك لا يتورَّعون عن أكل ما حرم الله، ولا عن أكل الخبيث، فأراد أن يُنبِّههم أن رِزْق الله لهم من الحلال الطيب الهنيئء، فيبدلهم الحلال بدل الحرام، والطيب بدل الخبيث.
وقوله تعالى: ﴿واشكروا نِعْمَتَ الله ... ﴾ [النحل: ١١٤] .
وهنا إشارة تحذير لهم أنْ يقعوا فيما وقعوا فيه من قَبْل من جُحود النعمة ونكْرانها والكفر بها، فقد جَرَّبوا عاقبة ذلك، فنزع الله منهم الأمْنَ، وألبسهم لباسَ الخوف، ونزع منهم الشَّبَع ورَغَد العيش، وألبسهم لباس الجوع، فخذوا إذن عبرة مما سلف:
﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ... ﴾ [النحل: ١١٤] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ... ﴾ .
стр. 9618
الحق بعد أنْ قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلالاً طَيِّباً﴾ [النحل: ١١٤] .
أراد أن يُكرِّر معنًى من المعاني سبق ذكره في البقرة والمائدة، فقال في البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ. .﴾ [المائدة: ٣] .
وهذه الأشياء كنتم تأكلونها وهي مُحرّمة عليكم، والآن ما دُمْنَا ننقذكم، ونجعل لكم معونة إيمانية من رسول الله، فكلوا هذه الأشياء حلالاً طيباً.
ولكن، لماذا كرَّر هذا المعنى هنا؟
التكرار هنا لأمرين:
الأول: أنه سبحانه لا يريد أنْ يعطيهم صورة عامة بالحكم، بل صورة مُشخَّصة بالحالة؛ لأنهم كانوا جَوْعى يريدون ما يأكلونه، حتى وإنْ كانت الجيف، ولكن الإسلام يُحرِّم الميتة، فأوضح لهم أنكم بعد ذلك ستأكلون الحلال الطيب.
стр. 9619
ثانياً: أن النص يختلف، ففي البقرة: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله. .﴾ [البقرة: ١٧٣] .
وهنا: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ. .﴾ [النحل: ١١٥] .
وليس هنا من قبيل التفنُّن في الأسلوب، بل المعنى مختلف تماماً؛ ذلك لأن الإهلال هو رَفْع الصوت عند الذبح، فكانوا يرفعون أصواتهم عند الذبح، ولكن والعياذ بالله يقولون: باسم اللات، أو باسم العُزّى، فيُهلون بأسماء الشركاء الباطلين، ولا يذكرون اسم الله الوهاب.
فمرَّة يُهلُّون به لغير الله، ومرة يُهِلُّون لغير الله به. كيف ذلك؟
قالوا: لأن الذبْح كان على نوعين: مرة يذبحون للتقرُّب للأصنام، فيكون الأصل في الذبح أنه أُهِلَّ لغير الله به. أي: للأصنام.
ومرَّة يذبحون ليأكلوا دون تقرُّب لأحد، فالأصل فيه أنه أُهِلَّ به لغير الله.
إذن: تكرار الآية لحكمة، وسبحان مَنْ هذا كلامه.
وقوله: ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ. .﴾ [النحل: ١١٥] .
الاضطرار: أَلاَّ تجد ما تأكله، ولا ما يقيم حياتك.
والحق يعطينا هنا رخصة عندما تُلجِئنا الضرورة أن نأكل من هذه الأشياء المحرَّمة بقدر ما يحفظ الحياة ويسُدُّ الجوع، فمَعنى (غَيْر بَاغٍ) غير مُتجاوزٍ للحدِّ، فلو اضطررْتَ وعندك مَيْتة
стр. 9620
وعندك طعام حلال، فلا يصحّ أن تأكل الميتة في وجود الحلال.
﴿وَلاَ عَادٍ﴾ [النحل: ١١٥] .
أي: ولا مُعْتَدٍ على القدر المرخَّص به، وهو ما يمسك الحياة ويسُدُّ جوعك فقط، دون شِبَع منها.
ويقول تعالى: ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] .
وفي البقرة: ﴿فلا إِثْمَ عَلَيْهِ ... ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
فالمعنى واحد، ولكن هنا ذكر المغفرة والرحمة، وهناك ذكر سببهما.
وتجد الإشارة هنا إلى ما يتشدَّق به البعض من الملاحدة الذين يبحثون في القرآن عن مَغْمز، فيقولون: طالما أن الله حرَّم هذه الأشياء، فما فائدتها في الكون؟
نقول: أتظنون أن كل موجود في الكون وُجِد ليُؤكل، أليس له مهمة أخرى؟ ومن ورائه مصلحة أخرى غير الأَكْل، فإنْ حرَّم الإسلام أكْله فقد أباح الانتفاع به من وجه آخر.
فالخنزير مثلاً حَرَّم الله أكْله، ولكن خَلقه لمهمة أخرى، وجعل له دَوْراً في نظافة البيئة، حيث يلتهم القاذورات، فهو بذلك يُؤدِّي مهمة في الحياة.
стр. 9621
وكذلك الثعابين لا نأكلها، ولها مهمة في الحياة أيضاً، وهي أنْ تُجهِّز لنا السُّم في جوفها، وبهذا السم تعالج بعض الداءات والأمراض، وغير ذلك من الأمثلة كثير.
وكذلك يجب أنْ نعلمَ أن الحق سبحانه ما حرَّم علينا هذه الأشياء إلا لحكمة، وعلى الإنسان أن يأخذ من واقع تكوينه المادي وتجاربه ما يُقرِّب له المعاني القيمية الدينية، فلو نظر إلى الآلات التي تُدار من حوله من ماكينات وسيارات وطائرات وخلافه لوجد لكل منها وقوداً، ربما لا يناسب غيرها، حتى في النوع الواحد نرى أن وقود السيارات وهو البنزين مثلاً لا يناسب الطائرات التي تستخدم نفس الوقود، ولكن بدرجة نقاء أعلى.
إذن: لكل شيء وقود مناسب، وكذلك أنت أيها الإنسان لك وقودك المناسب لك، وبه تستطيع أداء حركتك في الحياة، وأنت صَنْعة ربك سبحانه، وهو الذي يُحدِّد لك ما تأكله وما لا تأكله، ويعلم ما يُصلحك وما يضرُّك.
والشيء المحرَّم قد يكون مُحرَّماً في ذاته كالميتة لما فيها من ضرر، وقد يكون حلالاً في ذاته، ولكنه مُحرَّم بالنسبة لشخص معين، كأن يُمنَع المريض من تناول طعام ما؛ لأنه يضرُّ بصحته أو يُؤخِّر شفاءه، وهو تحريم طاريء لحين زوال سببه.
وصورة أخرى للتحريم، وهي أن يكون الشيء حلالاً في ذاته ولا ضررَ في تناوله، ومع ذلك تحرمه عقوبةً، كما تفعل في معاقبة الطفل إذا أساء فنحرمه من قطعة الحلوى مثلاً.
стр. 9622
إذن: للتحريم أسباب كثيرة، سوف نرى أمثلة منها قريباً.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا. .﴾ .
стр. 9623
معنى ﴿تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب﴾ : تُظهِره على أوضح وجوهه، فليس كلامهم كذباً فقط، بل يصفه، فمَنْ لا يعرف الكذب فليعرفه من كلام هؤلاء.
والمراد بالكذب هنا قولهم:
﴿هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ. .﴾ [النحل: ١١٦] .
فهذا كذب وافتراء على الله سبحانه؛ لأنه وحده صاحب التحليل والتحريم، فإياك أنْ تُحلِّل شيئاً من عند نفسك، أو تُحرِّم شيئاً حَسْب هواك؛ لأن هذا افتراءٌ على الله:
﴿لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب ... ﴾ [النحل: ١١٦] .
وقوله تعالى:
﴿إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] .
стр. 9624
فإن انطلى كذبهم على بعض الناس، فأخذوا من ورائه منفعة عاجلة، فعمَّا قليل سيُفتضح أمرهم، وينكشف كذبهم، وتنقطع مصالحهم بين الخلق.
ويصف الحق سبحانه ما يأخذه هؤلاء من دنياهم بأنه: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ. .﴾ .
стр. 9625
أي: ما أخذتموه بكذبكم وافترائكم على الله متاعٌ قليل زائل، سيحرمكم من المتاع الكثير الباقي الذي قال الله عنه: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] .
ليس هذا فقط بل:
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وعلى الذين هَادُواْ. .﴾ .
стр. 9626
بعد أن تكلمت الآيات فيما أحلَّ الله وفيما حرَّم، وبيَّنتْ أن التحليل أو التحريم لله تعالى، جاءت لنا بصورة من التحريم، لا لأن الشيء ذاته مُحرَّم، بل هو مُحرَّم تحريم عقوبة، كالذي مثَّلْنَا له سابقاً بحرمان الطفل من الحلوى عقاباً له على سُوء فِعْله.
والذين هادوا هم: اليهود عاقبهم الله بتحريم هذه الأشياء، مع أنها حلال في ذاتها، وهذا تحريم خاصٌّ بهم كعقوبة لهم.
وقوله تعالى:
﴿مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ. .﴾ [النحل: ١١٨] .
المراد ما ذُكِر في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .
كل ذي ظفر: الحيوان ليس منفرجَ الأصابع، والحوايا: هي المصارين والأمعاء، ونرى أن كل هذه الأشياء المذكورة في الآية حلال في ذاتها، ومُحلَّلة لغير اليهود، ولكن الله حرَّمها عليهم عقوبةً لهم على ظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] .
أي: بسبب ظلمهم حَرَّمنا عليهم هذه الطيبات.
стр. 9627
ذلك لأن مَنْ أخذ حكماً افتراءً على الله فحرَّم ما أحلَّ الله. أو حلَّل ما حرَّم الله لا بُدَّ أنْ يُعاقبَ بمثله فيُحرِّم عليه ما أحِلّ لغيره، وقد وقع الظلم من اليهود لأنهم اجترأوا على حدود الله وتعاليمه، وأول الظلم وقمته الشرك بالله تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والظلم نَقْل الحق من صاحبه إلى غيره.
ومن ظلمهم: ما قالوه لموسى ﵇ بعد أن عبر بهم البحر، ومرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ البحر فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] .
ومن ظلمهم: أنهم عبدوا العجل من دون الله.
ومن ظلمهم لموسى ﵇: أنهم لم يؤمنوا به. كما قال تعالى: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣] .
ومن ظلمهم: ﴿وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾ [النساء: ١٦١] .
стр. 9628
إذن: بسبب ظلمهم وأخذهم غير حَقِّهم حرَّم الله عليهم أشياء كانت حلالاً لهم؛ قال تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] .
ظلموا أنفسهم بأن أعطوا لأنفسهم متاعاً قليلاً عاجلاً، وحرموها من المتعة الحقيقية الباقية.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ. .﴾ .
стр. 9629
الحق يعطي عبده فرصة، ويفتح له باب التوبة والرجاء، فمن رحمته سبحانه بعباده أنْ شرع لهم التوبة من الذنوب، ومن رحمته أيضاً أن يقبلها منهم فيتوب عليهم. ولو أغلق باب التوبة لَتحوَّل المذنب ولو لمرة واحدة إلى مجرم يُعربد في المجتمع، وبفتح باب التوبة يقي الله المجتمع من هذه العربدة.
ويبين الرسول ﷺ َ مكانة التوبة فيقول: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ
стр. 9630
هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح» .
وقوله تعالى في بداية الآية: ﴿ثُمَّ﴾ تدلُّ على كثرة ما تقدم من ذنوب، ومع ذلك غفرها الله لهم لِيُبيِّن لك البَوْن الشاسع بين رحمة الله وإصرار العُصَاة على الكفران بالله، وعلى المعصية.
وقوله تعالى: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ .
أي: بطيش وحُمْق وسَفَه، وجميعها داخلة في الجهل بمعنى أنْ تعتقد شيئاً وهو غير واقع، فالجهل هنا ليس المراد منه عدم العلم، إنما الجاهل مَنْ كانت لديه قضية مخالفة للواقع وهو متمسك بها، والمراد أن ينظر إلى خير عاجل في نظره، ويترك خيراً آجلاً في نظر الشرع.
وقد ورد هذا المعنى في قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] .
بجهالة: يعني في لحظة سَفَه وطيْش، فالعاصي يعلم الحكم تماماً، ولكنه في غفلة عنه، وعدم تبصُّر بالعواقب، ولو فكَّر في عاقبة أمره ما تجرَّأ على المعصية.
لذلك نقول: إن صاحب المعصية لا يُقدِم عليها إلا في غيبة العقل.
следующие страницы →