Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.
стр. 9626
بعد أن تكلمت الآيات فيما أحلَّ الله وفيما حرَّم، وبيَّنتْ أن التحليل أو التحريم لله تعالى، جاءت لنا بصورة من التحريم، لا لأن الشيء ذاته مُحرَّم، بل هو مُحرَّم تحريم عقوبة، كالذي مثَّلْنَا له سابقاً بحرمان الطفل من الحلوى عقاباً له على سُوء فِعْله.
والذين هادوا هم: اليهود عاقبهم الله بتحريم هذه الأشياء، مع أنها حلال في ذاتها، وهذا تحريم خاصٌّ بهم كعقوبة لهم.
وقوله تعالى:
﴿مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ. .﴾ [النحل: ١١٨] .
المراد ما ذُكِر في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .
كل ذي ظفر: الحيوان ليس منفرجَ الأصابع، والحوايا: هي المصارين والأمعاء، ونرى أن كل هذه الأشياء المذكورة في الآية حلال في ذاتها، ومُحلَّلة لغير اليهود، ولكن الله حرَّمها عليهم عقوبةً لهم على ظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] .
أي: بسبب ظلمهم حَرَّمنا عليهم هذه الطيبات.
стр. 9627
ذلك لأن مَنْ أخذ حكماً افتراءً على الله فحرَّم ما أحلَّ الله. أو حلَّل ما حرَّم الله لا بُدَّ أنْ يُعاقبَ بمثله فيُحرِّم عليه ما أحِلّ لغيره، وقد وقع الظلم من اليهود لأنهم اجترأوا على حدود الله وتعاليمه، وأول الظلم وقمته الشرك بالله تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والظلم نَقْل الحق من صاحبه إلى غيره.
ومن ظلمهم: ما قالوه لموسى ﵇ بعد أن عبر بهم البحر، ومرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ البحر فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] .
ومن ظلمهم: أنهم عبدوا العجل من دون الله.
ومن ظلمهم لموسى ﵇: أنهم لم يؤمنوا به. كما قال تعالى: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣] .
ومن ظلمهم: ﴿وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾ [النساء: ١٦١] .
стр. 9628
إذن: بسبب ظلمهم وأخذهم غير حَقِّهم حرَّم الله عليهم أشياء كانت حلالاً لهم؛ قال تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] .
ظلموا أنفسهم بأن أعطوا لأنفسهم متاعاً قليلاً عاجلاً، وحرموها من المتعة الحقيقية الباقية.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ. .﴾ .
стр. 9629
الحق يعطي عبده فرصة، ويفتح له باب التوبة والرجاء، فمن رحمته سبحانه بعباده أنْ شرع لهم التوبة من الذنوب، ومن رحمته أيضاً أن يقبلها منهم فيتوب عليهم. ولو أغلق باب التوبة لَتحوَّل المذنب ولو لمرة واحدة إلى مجرم يُعربد في المجتمع، وبفتح باب التوبة يقي الله المجتمع من هذه العربدة.
ويبين الرسول ﷺ َ مكانة التوبة فيقول: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ
стр. 9630
هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح» .
وقوله تعالى في بداية الآية: ﴿ثُمَّ﴾ تدلُّ على كثرة ما تقدم من ذنوب، ومع ذلك غفرها الله لهم لِيُبيِّن لك البَوْن الشاسع بين رحمة الله وإصرار العُصَاة على الكفران بالله، وعلى المعصية.
وقوله تعالى: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ .
أي: بطيش وحُمْق وسَفَه، وجميعها داخلة في الجهل بمعنى أنْ تعتقد شيئاً وهو غير واقع، فالجهل هنا ليس المراد منه عدم العلم، إنما الجاهل مَنْ كانت لديه قضية مخالفة للواقع وهو متمسك بها، والمراد أن ينظر إلى خير عاجل في نظره، ويترك خيراً آجلاً في نظر الشرع.
وقد ورد هذا المعنى في قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] .
بجهالة: يعني في لحظة سَفَه وطيْش، فالعاصي يعلم الحكم تماماً، ولكنه في غفلة عنه، وعدم تبصُّر بالعواقب، ولو فكَّر في عاقبة أمره ما تجرَّأ على المعصية.
لذلك نقول: إن صاحب المعصية لا يُقدِم عليها إلا في غيبة العقل.
стр. 9631
ولذلك قال ﷺ َ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» .
ولو استحضر قسوة الجزاء لما أقدم على معصيته، ولكن سفهه وطيْشه يُغلّف الجزاء ويستره عنه ويُزيّن له ما ينتظره من لذة ومتعة عاجلة.
وهَبْ أن شخصاً ألحتْ عليه غريزة الجنس، وهي أشرس الغرائز في الإنسان، ففكّر في الفاحشة والعياذ بالله، وقبل أنْ يقع في هذه الوهدة السحيقة أخذناه إلى موقد النار، وذكّرناه بما غفل عنه من جزاء وعقوبة هذه الجريمة.
بالله عليك، ماذا تراه يفعل؟ هل يُصِرّ على جريمته؟ لا، لأنه كان ذاهلاً غافلاً، وبمجرد أن تذكره يرجع.
إذن: طيشه وسفهه صرفه عن التفكر في العاقبة وأذهله عن رَدِّ الفعل، وجعله ينظر إلى الأمور نظرة سطحية متعجِّلة.
وقوله: ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصلحوا. .﴾ [النحل: ١١٩] .
والتوبة هنا هي التوبة النصوح الصادقة، التي ينوي صاحبها الإقلاع عنها وعدم العَوْد إليها مرة أخرى، ويعزم على ذلك حال توبته، فإذا فعل ذلك قَبِل الله منه وتاب عليه.
ولا يمنع ذلك أن يعود للذنب مرة أخرى إذا ضعُفَتْ نفسه عن المقاومة، فإنْ عاد عاد إلى التوبة من جديد، لأن الله سبحانه من
стр. 9632
أسمائه (التواب) أي: كثير التوبة، فلم يقل: تائب بل تواب، فلا تنقطع التوبة في حق العبد مهما أذنب، وعليه أنْ يُحدِث لكل ذنبٍ توبة.
بل وأكثر من ذلك، إذا تاب العبد وأحسن التوبة، وأتى بالأعمال الصالحة بدلاً من السيئة، منَّ الله عليه بأن يُبدِّل سيئاته حسنات، وهذه معاملة رب كريم غفور رحيم.
وقوله سبحانه:
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] فيه إشارة لحرص النبي ﷺ َ علينا، وأنه يسرُّه أن يغفر الله لنا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد غفور رحيم، فكأنه سبحانه يمتنُّ على نبيه ﷺ َ أنه سيغفر للمذنبين من أمته.
ثم يقول الحق سبحانه واصفاً نبيه إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ. .﴾ .
стр. 9633
بعد أن ذكرتْ الآيات طرفاً من سيرة اليهود، وطرفاً من سيرة أهل مكة تعرَّضتْ لخليل الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
والسؤال: لماذا إبراهيم بالذات دون سائر الأنبياء؟
ذلك لأنه أبو الأنبياء، ولو مكانته بين الأنبياء، والجميع يتمحكون فيه، حتى المشركون يقولون: نحن على دين إبراهيم، والنصارى قالوا عنه: إنه نصراني. واليهود قالوا: إنه يهودي.
стр. 9634
فجاءت الآية الكريمة تحلل شخصية إبراهيم ﵇، وتُوضِّح مواصفاتها، وتردُّ وتُبطِل مزاعمهم في إبراهيم ﵇، وهاكم مواصفاته:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً. .﴾ [النحل: ١٢٠] .
أُمَّة: الأمة في معناها العام: الجماعة، وسياق الحديث هو الذي يُحدِّد عددها، فنقول مثلاً: أمة الشعراء. أي: جماعة الشعراء، وقد تكون الأمة جماعة قليلة العدد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ. .﴾ [القصص: ٢٣] .
فسمي جماعة من الرعاة أمة؛ لأنهم خرجوا لغرض واحد، وهو سَقْي دوابهم.
وتُطلَق الأمة على جنس في مكان، كأمة الفرس، وأمة الروم، وقد تُطلِق على جماعة تتبع نبياً من الأنبياء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] .
وحين نتوسَّع في معنى نجدها في رسالة محمد ﷺ َ تشمل جميع الأمم؛ لأنه أُرسِل للناس كافّة، وجمع الأمم في أمة واحدة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] .
ومعنى أمة واحدة. أي: جامعة لكل الأمم.
стр. 9635
فالمعنى إذن أن إبراهيم ﵇ يقوم مقام أمة كاملة؛ لأن الكمالات المطلقة لله وحده، والكمالات الموهوبة من الله لخلْقه في الرسل تُسمَّى كمالات بشرية موهوبة من الله.
أما ما دون الرسل فقد وُزِّعت عليهم هذه الكمالات، فأخذ كل إنسان واحداً منها، فهذا أخذ الحلم، وهذا الشجاعة، وهذا الكرم، وهكذا لا تجتمع الكمالات إلا في الرسل.
فإذا نظرتَ إلى إبراهيم ﵇ وجدتَ فيه من المواهب ما لا يُوجد إلا في أمة كاملة.
كذلك رسولنا محمد ﷺ َ حينما حَدَّد موقعه بين رسالات الله في الأرض يقول: «الخير فيَّ وهذا هو الكمال البشري الذي أعطاه الله إياه وفي أمتي» .
أي: أن كل واحد منهم أخذ جزءًا من هذا الكمال، فكأن كماله ﷺ َ مُبعثر في أمته كلها.
لذلك حين تتتبع تاريخ إبراهيم ﵇ في كتاب الله تعالى تجد كل موقف من مواقفه يعطيك خَصْلة من خصال الخير، وصِفة من صفات الكمال، فإذا جمعتَ هذه الصفات وجدتها لا توجد إلا في أمة بأسْرها، فهو إمام وقدوة جامعة لكل خصال الخير.
стр. 9636
ومن معاني أمة: أنه ﵇ يقوم مقام أمة في عبادة الله وطاعته.
وقوله: ﴿قَانِتاً لِلَّهِ. .﴾ [النحل: ١٢٠] .
أي: خاشعاً خاضعاً لله تعالى في عبادته.
﴿حَنِيفاً. .﴾ [النحل: ١٢٠] .
الحنف في الأصل: الميْل، وقد جاء إبراهيم ﵇ والكون على فساد واعوجاج في تكوين القيم، فمال إبراهيم عن هذا الاعوجاج، وحَاد عن هذا الفساد.
والحق لا يبعث الرسل إلا إذا طَمَّ الفساد، إذن: ميْله عن الاعوجاج والفساد، فمعناه أنه كان مستقيماً معتدلاً على الدين الحق، مائلاً عن الاعوجاج حائداً عن الفساد.
ثم يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين﴾ [النحل: ١٢٠] .
وهذه هي الصفة الرابعة لخليل الله إبراهيم بعد أن وصفه بأنه كان أمة قانتاً لله حنيفاً، وجميعها تنفي عنه الشرك بالله، فما فائدة نَفْي الشرك عنه مرة أخرى في:
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين﴾ [النحل: ١٢٠] .
يجب أنْ نُفرّق بين أنواع الشرك، فمنه الشرك الأكبر، وهو أن تجعل لله شركاء، وهو القمة في الشرك. ومنه الشرك الخفي، بأن تجعل للأسباب التي خلقها دَخْل في تكوين الأشياء.
стр. 9637
فالآية هنا: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين﴾ [النحل: ١٢٠] .
أي: الشرك الخفي، فالأوصاف السابقة نفتْ عنه الشرك الأكبر، فأراد سبحانه أن ينفي عنه شركَ الأسباب أيضاً، وهو دقيق خفيّ.
ولذلك عندما أُلقِيَ ﵇ في النار لم يلتفت إلى الأسباب وإنْ جاءت على يد جبريل ﵇، فقال له حينما عرض عليه المساعدة: أما إليك فلا. فأين الشرك الخفي إذن والأسباب عنده معدومة من البداية؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿شَاكِراً لأَنْعُمِهِ. .﴾ .
стр. 9638
قوله تعالى: ﴿شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] .
فيه تلميح لأهل مكة الذين جحدوا نعمة الله وكفروها، وكانت بلدهم آمنة مطمئنة، فلا يليق بكم هذا الكفر والجحود، وأنتم تدَّعُون أنكم على ملِّة إبراهيم ﵇ فإبراهيم لم يكن كذلك، بل كان شاكراً لله على نعمه.
وقوله: ﴿اجتباه﴾ [النحل: ١٢١] .
اصطفاه واختاره للنبوة، واجتباء إبراهيم ﵇ كان عن اختبار، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. .﴾ [البقرة: ١٢٤] .
أي: اختبره ببعض التكاليف، فأتمها إبراهيم على أكمل وجه، فقال له ربه:
стр. 9639
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤] .
ولكنه لحبه أن تتصل الإمامة في ذريته قال: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] .
فعدَّل الله له هذه الرغبة، وصحَّح له، بأن ذريتك ستكون منها الظالم، فقال: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] .
لذلك تعلَّم إبراهيم ﵇ من هذا الموقف، وأراد أن يحتاط لنفسه بعد ذلك، فعندما أراد أن يطلب من ربه أن يرزق أهل مكة من الثمرات قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر. .﴾ [البقرة: ١٢٦] .
فصحَّح الله له أيضاً هذا المطلب، فالموقف هنا مختلف عن الأول، الأول كان في إمامة القيم والدين، وهذه لا يقوم بها ظالم، أما هذه فرزق وعطاء ربوبية يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالجميع في الرزق سواء، فقال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ. .﴾ [البقرة: ١٢٦] .
أي: سأرزق الكافر أيضاً.
стр. 9640
وهنا تتجلى عظمة الربوبية التي تُربِّي الأنبياء، وتصنعهم على عَيْنها، فكل مواقف الأنبياء تتجمع في النهاية، وتعطينا خلاصة الكمال البشري.
ويدل على دقة إبراهيم ﵇ في أداء ما طُلِب منه موقفه في بناء البيت، فبعد أن دَلَّه الله على مكانه أخذ يُزيح عنه آثار السيول، ويكشف عن قواعده، وكان يكفي إبراهيم لتنفيذ أمر ربه أنْ يرفع البناء إلى ما تناله يده من ارتفاع، ولكنه أحب أن يأتي بالأمر على أتمِّ وجوهه، وينفذه بدقة واحتياط، ففكَّر أن يأتي بحجر مرتفع، ويقف عليه ليزيد من ارتفاع البناء، فجاء بالحجر الذي هو مقام إبراهيم، كل ذلك وولده يساعده؛ لذلك لما أتى بالحجر جاء بحجر لا يرفعه إلا رجلان.
وكذلك موقفه الإيماني وتخلِّيه عن الأسباب، حينما ترك زوجه هاجر وصغيره إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع، وفي مكان خالٍ من مُقوِّمات الحياة وأسباب العيش.
إنه لا يؤمن بالأسباب، إنما يؤمن بمُسبِّبها، وطالما أنه سبحانه موجود فسوف يُوفِّر لهم من الأسباب ما يحفظ حياتهم؛ لذلك حينما سألته هاجر: أهذا منزل أنزلكه الله أم من عندك؟
فلما علمت أنه من الله قالت: إذن لن يُضيِّعنا. وكأن إيمان
стр. 9641
إبراهيم نضح على زوجته، وملأ قلبها يقيناً في الله تعالى.
وقوله سبحانه:
﴿وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] .
كيف. . بعد كل هذه الأوصاف الإيمانية تقول الآيات (وَهَدَاهُ) أليست هذه كلها هداية؟
نقول: المراد زاده هداية، كما قال تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدنيا. .﴾ .
стр. 9642
الحق سبحانه يُبيِّن أن جزاء إبراهيم ﵇ عظيم في الدنيا قبل جزاء الآخرة، والمراد بحسنة الدنيا محبة جميع أهل الأديان له، وكثرة الأنبياء في ذريته والسيرة الطيبة والذكر الحسن.
وها نحن نتحدث عن صفاته ومناقبه ونفخر ونعتز به. وهذا العطاء من الله لإبراهيم في الدنيا؛ لأنه بالغ في طاعة ربه وعبادته.
وقد طلب إبراهيم ﵇ من ربه هذه المكانة، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٤] .
حُكْماً: أي: حكمة أضع بها الأشياء في مواضعها.
стр. 9643
ولسان صدق: هو الذكر الطيب والثناء الحسن بعد أن أموت.
وقوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [النحل: ١٢٢] .
فإنْ كان هذا جزاءَه في الدنيا، فلا شكَّ أن جزاء الآخرة أعظم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ. .﴾ .
стр. 9644
الحق بعد أن ذكر بعضاً من صفات الخليل إبراهيم من كونه أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، وأنه شاكر لأنعمه، واجتباه ربه وهداه. . الخ قال:
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [النحل: ١٢٣] .
يا محمد:
﴿أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النحل: ١٢٣] .
كأن قمة مناقب إبراهيم وحسناته أننا أوحينا إليك يا خاتم الرسل أن تتبع ملته.
وملة إبراهيم: أي شريعة التوحيد.
ثم يُؤكّد الحق سبحانه براءة إبراهيم من الشرك فيقول:
﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ [النحل: ١٢٣] .
стр. 9645
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السبت. .﴾ .
стр. 9646
بعد أن تحدَّث الحق سبحانه عن إبراهيم أبي الأنبياء، وذكر جانباً من صفاته ومناقبه تكلَّم عن بني إسرائيل في قضية خالفوا فيها أمر الله بعد أن طلبوها بأنفسهم، وكأن القرآن يقول لهم: لقد زعمتم أن إبراهيم كان يهودياً، فهاهي صفات إبراهيم، فماذا عن صفاتكم أنتم؟ وأين أنتم من إبراهيم ﵇؟
ويعطينا الحق سبحانه مثالاً عن مخالفتهم لربهم فيما يأمر به، وأنهم ليسوا كإبراهيم في اتباعه، فيذكر ما كان منهم في أمر السبت.
و (السبت) هو يوم السبت المعروف التالي للجمعة السابق للأحد، والسبت مأخوذ من سَبَتَ يَسْبِت سَبْتاً. يعني: سكن واستقرَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ [النبأ: ٩] .
ذلك أن بني إسرائيل طلبوا يوماً يرتاحون فيه من العمل، ويتفرغون فيه لعبادة الله، وقد اقترح عليهم نبيهم موسى ﵇ أن يكون يوم الجمعة، فهو اليوم الذي أتمَّ الله فيه خَلْق
стр. 9647
الكون في ستة أيام، وهو اليوم الذي اختاره الخليل إبراهيم، ولكنهم رفضوا الجمعة واختاروا هم يوم السبت وقالوا:
إن الله خلق الدنيا في ستة أيام بدأها بيوم الأحد، وانتهى منها يوم الجمعة، وارتاح يوم السبت، وكذلك نحن نريد أن نرتاح ونتفرغ لعبادة الله يوم السبت، وهكذا كانت هذه رغبتهم واختيارهم.
أما العيسويون فرفضوا أن يتبعوا اليهود في يوم السبت، أو إبراهيم ﵇ في يوم الجمعة، واختاروا الأحد على اعتبار إنه أول بَدْء الخلق.
أما أمة محمد ﷺ َ فقد اختار لها الله يوم الجمعة يوم الانتهاء وتمام النعمة.
إذن: اليهود طلبوا يوم السبت واختاروه للراحة من العمل والتفرغ للعبادة، فهذا مطلبهم، وقد وافقهم ربُّهم عليه، وأمرهم أنْ يتفرغوا لعبادته في هذا اليوم، وافقهم ليُبيّن لجاجتهم وعنادهم، وأنهم لن يُوفُوا بما التزموا به وإن اختاروه بأنفسهم، ووافقهم ليقطع حجتهم، فلو اختار لهم يوماً لاعترضوا عليه، ولكن هاهم يختارونه بأنفسهم.
كما أن قصة السبت مع اليهود جاءت لتخدم قضية عقدية عامة،
стр. 9648
هي أن الآيات التي تأتي مُصدِّقة للرسل في البلاغ عن الله تعالى قد تكون من عند الله وباختياره سبحانه، وقد تكون باختيار المرسَل إليهم أنفسهم، وقد كان من بني إسرائيل أنْ كذَّبوا بهذه وهذه ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون﴾ [الإسراء: ٥٩] .
أي: لكونهم يقترحون الآية ثم يُكذِّبونها، فأمْرهم تكذيب في تكذيب.
وقصة السبت ذُكِرَتْ في مواضع كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] .
لقد نقض اليهود عهدهم مع الله كعادتهم، وأخلفوا ما التزموا به، وذهبوا للصيد في يوم السبت، فكادهم الله وأغاظهم، فكانت تأتيهم الحيتان والأسماك تطفو على سطح الماء كالشراع، ولا ينتفعون منها بشيء إلا الحسرة والأسف، فيقولون: لعلها تأتي في الغد فيخيب الله رجاءهم:
﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] .
وقد سمَّى القرآن الكريم ذلك منهم اعتداءً؛ لأنهم اعتدوا على ما شرع الله، قال تعالى:
стр. 9649
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] .
وقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ ... ﴾ [النحل: ١٢٤] .
كلمة (اخْتَلَفُوا) تُوحي بوجود طائفتين متناقضتين في هذه القضية، والحقيقة أن الخلاف لم يكُنْ بين اليهود بعضهم البعض، بل بينهم وبين نبيهم الذي اختار لهم يوم الجمعة، فخالفوه واختاروا السبت، فجعل الله الخلاف عليهم.
فالمعنى: إنما جُعِل السبت حُجّة على الذين اختلفوا فيه؛ لأنه اثبت عدوانهم على يوم العبادة، فبعد أن اقترحوه اختاروه انقلب حُجة عليهم، ودليلاً لإدانتهم.
ولو تأملنا قوله:
﴿على الذين. .﴾ [النحل: ١٢٤] .
نجد أن كلمة (عَلَى) تدلُّ على الفوقية أي: أن لدينا شيئاً أعلى وشيئاً أدنى؛ فكأن السبت جاء ضد مصلحتهم، وكأن خلافهم مع نبيهم انقلب عليهم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ. .﴾ [الرعد: ٦] .
стр. 9650
يؤولها بعضهم على معنى (مع ظلمهم) نقول: المعنى صحيح، ولكن المعية لا تقتضي العلو، فلو قلنا: مع ظلمهم فالمعنى أن المغفرة موجودة مع الظلم مجرد معية، أما قول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ. .﴾ [الرعد: ٦] .
أي: أن المغفرة عَلَت على الظلم، فالظلم يتطلب العقاب، ولكن رحمة الله ومغفرته عَلَتْ على أنْ تُعامِل الظالم بما يستحق، فرحمة الله سبقتْ غضبه، ونفس الملحظ نجده في قول الحق سبحانه: ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
فالكبر كان يقتضي عدم الإنجاب ولكن هبة الله علت على سنة الكِبَر.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ. .﴾ .
стр. 9651
فبعد أن تحدثتْ الآيات عن النموذج الإيماني الأعلى في الإنسان في شخص أبي الأنبياء إبراهيم، وجعلتْ من أعظم مناقبه أن الله أمر خاتم رسُله باتباعه، أخذتْ في بيان الملامح العامة لمنهج الدعوة إلى الله.
قوله: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ. .﴾ [النحل: ١٢٥] .
الحق ﵎ لا يُوجّه هذا الأمر بالدعوة إلى رسوله ﷺ َ إلا وهو يعلم أنه سيُنفِّذ ما أُمِر به، وسيقوم بأمر الدعوة، ويتحمل مسئوليتها.
стр. 9652
﴿ادع﴾ : بمعنى دُلَّ الناس وارشدهم.
﴿سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] .
السبيل هو الطريق والمنهج، والحكمة: وَضْع الشيء في موضعه المناسب، ولكن لماذا تحتاج الدعوةُ إلى الله حكمةً؟
لأنك لا تدعو إلى منهج الله إلا مَنِ انحرف عن هذا المنهج، ومَنِ انحرف عن منهج الله تجده أَلِف المعصية وتعوَّد عليها، فلا بُدَّ لك أنْ ترفقَ به لِتُخرجه عما ألف وتقيمه على المنهج الصحيح، فالشدة والعنف في دعوة مثل هذا تنفره، لأنك تجمع عليه شدتين:
شدة الدعوة والعنف فيها، وشدة تَرْكه لما أحبَّ وما أَلِفَ من أساليب الحياة، فإذا ما سلكتَ معه مَسْلَك اللِّين والرِّفق، وأحسنت عَرْض الدعوة عليه طاوعك في أنْ يترك ما كان عليه من مخالفة المنهج الإلهي.
ومعلوم أن النصْح في عمومه ثقيل على النفس، وخاصة في أمور الدين، فإياك أن تُشعِر مَنْ تنصحه أنك أعلم منه أو افضل منه، إياك أن تواجهه بما فيه من النقص، أو تحرجه أمام الآخرين؛ لأن كل هذه التصرّفات من الداعية لا تأتي إلا بنتيجة عكسية، فهذه الطريقة تثير حفيظته، وربما دَعَتْه إلى المكابرة والعناد.
وهذه الطريقة في الدعوة هي المرادة من قوله تعالى:
﴿بالحكمة والموعظة الحسنة. .﴾ [النحل: ١٢٥] .
ويُروى في هذا المقام مقام الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة
стр. 9653
الحسنة قصة دارت بين الحسن والحسين ﵄، هذه القصة تجسيدٌ صادق لما ينبغي أنْ يكون عليه الداعية.
فيُروى أنهما رَأيَا رجلاً لا يُحسِن الوضوء، وأراد أنْ يُعلِّماه الوضوء الصحيح دون أنْ يجرحَا مشاعره، فما كان منهما إلا أنهما افتعلا خصومة بينهما، كل منهما يقول للآخر: أنت لا تُحسِن أنْ تتوضأ، ثم تحاكما إلى هذا الرجل أنْ يرى كلاً منهما يتوضأ، ثم يحكم: أيهما أفضل من الآخر، وتوضأ كل منهما فأحسن الوضوء، بعدها جاء الحُكْم من الرجل يقول: كل منكما أحسن، وأنا الذي ما أحسنْتُ.
إنه الوعظ في أعلى صورة، والقدوة في أحكم ما تكون.
«مثال آخر للدعوة يضربه لنا الرسول ﷺ َ، حينما أتاه شاب في فَوْرة شبابه، يشتكي عدم صَبْره عن رغبة الجنس، وهي كما قلنا من أشرس الغرائز في الإنسان.
جاء الشاب وقال:» يا رسول الله إئذن لي في الزنا «.
هكذا تجرأ الشاب ولم يُخْفِ عِلّته، هكذا لجأ إلى الطبيب ليطلب الدواء صراحة، ومعرفة العلة أولَ خَطوات الشفاء. فماذا قال رسول الله؟
انظر إلى منهج الدعوة، كيف يكون، وكيف استلَّ رسول الله ﷺ َ الداء من نفس هذا الشاب؟ فلم يزجره، ولم ينهره، ولم يُؤذه، بل أخذه وربَّت على كتفه في لطف ولين، ثم قال:» أتحبه لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، جُعِلْتَ فِدَاك. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، قال: أَتُحبه لأختكَ؟
стр. 9654
قال: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِدَاك، قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم «.
وهكذا حتى ذكر العمة والخالة والزوجة، ثم وضع رسول الله ﷺ َ يده الشريفة على صدر الشاب ودعا له:» اللهم نَقِّ صدره، وحَصِّن فَرْجه «فقام الشاب وأبغض ما يكون إليه أن يزني، وهو يقول: فوالله ما هَمَّتْ نفسي بشيء من هذا، إلا ذكرْتُ أمي وأختي وزوجتي» .
فلنتأمل هذا التلطُّف في بيان الحكم الصحيح، فمعالجة الداءات في المجتمع تحتاج إلى فقه ولباقة ولين وحُسْن تصرف، إننا نرى حتى الكفرة حينما يصنعون دواءً مُرّاً يغلفونه بغُلالة رقيقة حُلْوة المذاق ليستسيغه المريض، ويسهل عليه تناوله. وما أشبه علاج الأبدان بعلاج القلوب في هذه المسألة.
ويقول أهل الخبرة في الدعوة إلى الله: النصح ثقيل فلا تُرْسِله جبلاً، ولا تجعله جدلاً. . والحقائق مُرّة فاستعيروا لها خِفّة البيان.
وكان ﷺ َ إذا سمع عن شيء لا يرضيه من ذنب أو فاحشة في مجتمع الإيمان بالمدينة كان يصعد منبره الشريف، ويقول: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» .
стр. 9655
ويكتفي بالتوجيه العام دون أنْ يجرحَ أحداً من الناس على حَدِّ قولهم في الأمثال: إياك أعني واسمعي يا جاره.
ومن ذلك ما كان يلجأ إليه العقلاء في الريف حينما يتعرض أحدٌ للسرقة، أو يضيع منه شيء ذو قيمة، فكانوا يعتلون عن فَقْد الشيء الذي ضاع أو سُرِق ويقول: ليلة كذا بعد غياب القمر سوف نرمي التراب.
ومعنى «نرمي التراب» أن يحضر كل منهم كمية من التراب يلقيها أمام بيت صاحب هذا الشيء المفقود، وفي الصباح يبحثون في التراب حتى يعثروا على ما فقد منهم، ويصلوا إلى ضالَّتهم دون أنْ يُفتضحَ الأمر، ودون أن يُحرَج أحد، وربما لو واجهوا السارق لأنكر وتعقدت المسألة.
وقوله سبحانه:
﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ. .﴾ [النحل: ١٢٥] .
والجدل مناقشة الحجج في قضية من القضايا، وعلى كُلِّ من الطرفين أنْ يعرضَ حُجّته بالتي هي احسن. أي: في رفق ولين ودون تشنُّج أو غَطْرسة.
ويجب عليك في موقف الجدال هذا ألاَّ تُغضِبَ الخصْم، فقد يتمحَّك في كلمة منك، ويأخذها ذريعة للانصراف من هذا المجلس.
وقوله سبحانه:
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ [النحل: ١٢٥] .
стр. 9656
قد يتساءل البعض: ما علاقة هذا التذييل للآية بموضوع الدعوة إلى الله؟
يريد الحق سبحانه أن يُبيّن لنا حساسية هذه المهمة، وأنها تُبنى على الإخلاص لله في توجيه النصيحة، ولا ينبغي للداعية أبداً أنْ يغُشَّ في دعوته، فيقصد من ورائها شيئاً آخر، وقد تقوم بموعظة وفي نفسه استكبار على الموعوظ، أو شعور أنك أفضل منه أو أعلم منه.
ومن الناس والعياذ بالله مَنْ يجمع القشور عن موضوع ما، فيظن أنه أصبح عالماً، فيضر الناس أكثر مِمّا ينفعهم.
إذن: إنْ قُبِل الغش في شيء فإنه لا يُقبل في مجال الدعوة إلى الله، فإياك أنْ تغشَّ بالله في الله؛ لأنه أعلم بمَنْ يضل الناس، ويصدهم عن سبيل الله، وهو أعلم بالمهتدين.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ ... ﴾ .
стр. 9657
نلاحظ أن هذا المعنى ورد في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ. .﴾ [البقرة: ١٩٤] .
стр. 9658
وبمقارنة الآيتين نرى أنهما يقرران المثلية في رد الاعتداء:
﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ ... ﴾ [النحل: ١٢٦] .
و ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
إذن: الحق سبحانه، وإنْ شرع لنا الرد على الاعتداء بالمثل، إلا أن جعله صعباً من حيث التنفيذ، فمن الذي يستطيع تقدير المثلية في الرد، بحيث يكون مثله تماماً دون اعتداء، ودون زيادة في العقوبة، وكأن في صعوبة تقدير المثلية إشارةً إلى استحباب الانصراف عنها إلى ما هو خير منها، كما قال تعالى:
﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .
فقد جعل الله في الصبر سَعة، وجعله خيراً من رَدِّ العقوبة، ومقاساة تقدير المثلية فيها، فضلاً عما في الصبر من تأليف القلوب ونَزْع الأحقاد، كما قال الحق سبحانه: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] .
ففي ذلك دَفْع لشراسة النفس، وسَدٌّ لمنافذ الانتقام، وقضاء على الضغائن والأحقاد.
وقوله: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل: ١٢٦] .
الخيرية هنا من وجوه:
أولاً: في الصبر وعدم رَدِّ العقوبة بمثلها إنهاءٌ للخصومات،
стр. 9659
وراحة للمجتمع أن تفزعه سلسلة لا تنتهي من العداوة.
ثانياً: مَنْ ظُلِم من الخلق، فصبر على ظلمهم، فقد ضمن أن الله تعالى في جواره؛ لأن الله يغار على عبده المظلوم، ويجعله في معيته وحفظه؛ لذلك قالوا: لو علم الظالم ما أعدَّه الله للمظلوم لَضنَّ عليه بالظلم.
والمتتبع لآيات الصبر في القرآن الكريم يجد تشابهاً في تذييل بعض الآيات.
يقول تعالى: ﴿واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [لقمان: ١٧] .
وفي آية أخرى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: ٤٣] .
ولا ننسى أن المتكلم هو الله، إذن: ليس المعنى واحداً، فلكل حرف هنا معنى، والمواقف مختلفة، فانظر إلى دِقّة التعبير القرآني.
ولما كانت المصائب التي تصيب الإنسان على نوعين:
النوع الأول: هناك مصائب تلحق الإنسان بقضاء الله وقدره، وليس له غريم فيها، كمن أُصيب في صحته أو تعرَّض لجائحة في ماله، أو انهار بيته. . الخ.
وفي هذا النوع من المصائب يشعر الإنسان بألم الفَقْد ولذْعة الخسارة، لكن لا ضغن فيها على أحد.
стр. 9660
إذن: الصبر على هذه الأحداث قريب؛ لأنه ابتلاء وقضاء وقدر، فلا يحتاج الأمر بالصبر هنا إلى توكيد، ويناسبه قوله تعالى: ﴿واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [لقمان: ١٧] .
أما النوع الآخر: فهو المصائب التي تقع بفعل فاعل، كالقتل مثلاً، فإلى جانب الفَقْد يوجد غريم لك، يثير حفيظتك، ويهيج غضبك، ويدعوك إلى الانتقام كلما رأيته، فالصبر في هذه أصعب وحَمْل النفس عليه يحتاج إلى توكيد كما في الآية الثانية:
﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: ٤٣] .
فاستعمل هنا لام التوكيد؛ لأن الصبر هنا شاقّ، والفرصة مُتَاحَة للشيطان لِيُؤلّب القلوب، ويثير الضغائن والأحقاد.
كما نلاحظ في الآية الأولى قال: (وَاصْبِرْ) .
وفي الثانية قال: (صَبَر وغَفَر) لأن أمامه غريماً يدعوه لأنْ يغفر له.
ويُحكى في قصص العرب قصة اليهودي المرابي الذي أعطى رجلاً مالاً على أنْ يردَّه في أجل معلوم، واشترط عليه إنْ لم يَفِ بالسداد في الوقت المحدد يقطع رَطْلاً من لحمه، ووافق الرجل، وعند موعد السداد لم يستطع الرجل أداء ما عليه.
فرفع اليهودي الأمر إلى القاضي وقَصَّ عليه ما بينهما من اتفاق، وكان القاضي صاحب فِطْنة فقال: نعم العقد شريعة المتعاقدين، وأمر له بسكين. وقال: خُذْ من لحمه رَطْلاً، ولكن في ضربة
стр. 9661
واحد، وإنْ زاد عن الرطل أو نقص أخذناه من لحمك أنت.
ولما رأى اليهودي مشقة ما هو مُقْدِم عليه آثر السلامة وتصالح مع خصمه.
والسؤال الآن: ما علاقة هذه الآية:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ. .﴾ [النحل: ١٢٦] .
بما قبلها: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل: ١٢٥] .
الدعوة إلى منهج يلفت الإنسان خليفة الله في أرضه أنْ يلتزمَ بمنهج الله الذي استخلفه، ووضع له هذا المنهج لِيُنظّم حركة حياته، والداعية يواجه هؤلاء الذين يُفسدون في الأرض، ويحققون لأنفسهم مصالح على حساب الغير، والذي يحقق لنفسه مصلحة على حساب غيره لا بُدَّ أن يكون له قوة وقدرة، بها يطغى ويستعلي ويظلم.
فإذا جاء منهج الله تعالى ليعدل حركة هؤلاء ويُخرجهم مما أَلفُوه، وينزع منهم سلطان الطغيان والظلم، ويسلبهم هذا السوط الذي يستفيدون به، فلا بُدَّ أنْ يُجادلوه ويصادموه ويقفوا في وجهه، فقد جمع عليهم شدة النصح والإصلاح، وشدة تَرْك ما ألفوه.
стр. 9662
فعلَى الداعية إذن أن يتحلى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلهم بالتي هي احسن، فإذا ما تعدَّى أمرُهم إلى الاعتداء على الداعية، إذا ما استشرى الفساد وغلبت شراسة الطباع، فسوف نحتاج إلى أسلوب آخر، حيث لم يَعُدْ يُجدي أسلوب الحكمة.
ولا بُدَّ لنا أن نقفَ الموقف الذي تقتضيه الرجولة العادية، فضلاً عن الرجولة الإيمانية، وأن يكون لدينا القدرة على الرد الذي شرعه لنا الحق ، دون أن يكون عندنا لَدَد في الخصومة، أو إسراف في العقوبة.
فجاء قوله تعالى:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ. .﴾ [النحل: ١٢٦] .
وفي الآية تحذير أن يزيدَ الردّ على مثله، وبذلك يتعلم الخصوم أنك خاضع لمنهج رباني عادل يستوي أمامه الجميع، فهم وإن انحرفوا وأجرموا فإن العقاب بالمثل لا يتعداه، ولعل ذلك يلفتهم إلى أن الذي أمر بذلك لم يطلق لشراسة الانتقام عنانها، بل هَدَّأَها ودعاها إلى العفو والصفح، ليكون هذا أدعى إلى هدايتهم.
وهذا التوجيه الإلهي في تقييد العقوبة بمثلها قبل أن يتوجه إلى أمته ﷺ َ توجّه إليه ﷺ َ في تصرُّف خاص، لا يتعلق بمؤمن على عموم إيمانه، ولكن بمؤمن حبيب إلى رسول الله، وصاحب منزلة عظيمة عنده، إنه عمه وصاحبه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ﵁.
فقد مثَّل به الكفار في أُحُد، وشقَّتْ هند بطنه، ولاكت كبده،
стр. 9663
فشقَّ الأمر على رسول الله ﷺ َ، وأثَّر في نفسه، وواجه هذا الموقف بعاطفتين: عاطفته الإيمانية، وعاطفة الرحم والقرابة فهو عمه الذي آزره ونصره، ووقف إلى جواره، فقال في انفعاله بهذه العاطفة: «لئن أظهرني الله عليهم لأُمثِّلنَّ بثلاثين رجلاً منهم» .
ولكن الحق سبحانه العادل الذي أنزل ميزان العدل والحق في الخلق هَدَّأ من رَوْعه، وعدَّل له هذه المسألة ولأمته من بعده، فقال:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ. .﴾ [النحل: ١٢٦] .
والمتأمل للأسلوب القرآني في هذه الآية يلحظ فيها دعوة إلى التحنُّن على الخصم والرأفة به، فالمتحدث هو الله سبحانه، فكل حرف له معنى، فلا تأخذ الكلام على إجماله، ولكن تأمل فيه وسوف تجد من وراء الحرف مراداً وأن له مطلوباً. لماذا قال الحق سبحانه: (وإنْ) ولم يستخدم (إذا) مثلاً؟
إن عاقبتم: كأن المعنى: كان يحب ألاَّ تعاقبوا.
أما (إذا) فتفيد التحقيق والتأكيد، والحق سبحانه يريد أنْ يُحنِّن القلوب، ويضع ردَّ العقوبة بمثلها في أضيق نطاق، فهذه رحمة حتى من الأعداء، هذه الرحمة تُحبِّبهم في الإسلام، وتدعوهم إليه، وبها يتحوَّل هؤلاء الأعداء إلى جنود في صفوف الدعوة إلى الله.
стр. 9664
كما أن في قوله: (عَاقَبْتُمْ) دليل على أن ردَّ العقوبة يحتاج إلى قوة واستعداد، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ. .﴾ [الأنفال: ٦٠] .
كأنه يقول: كونوا دائماً على استعداد، وفي حال قوة تُمكنكم من الردِّ إذا اعتُدِي عليكم، كما أن في وجود القوة والاستعداد ما يردع العدو ويرهبه، فلا يجرؤ على الاعتداء من البداية، وبالقوة والاستعداد يُحفظ التوازن في المجتمع، فالقوي لا يفكّر أحد في الاعتداء عليه.
وهذا ما نراه الآن بين دول العالم في صراعها المحموم حول التسلُّح بأسلحة فاتكة.
وكلمة: ﴿مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ. .﴾ [النحل: ١٢٦] .
نلاحظ أن الردَّ على الاعتداء يُسمَّى عقوبة، لكن الاعتداء الأول لماذا نُسميه أيضاً عقوبة؟
قالوا: لأن هذه طريقة في التعبير تسمَّى «المشاكلة» ، أي: جاءت الأفعال كلها على شاكلة واحدة.
ومن ذلك قوله تعالى:
стр. 9665
﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
لأن ردَّ السيئة لا يُسمَّى سيئة.
ولسائل في هذه القضية أن يسأل: طالما أن الإسلام يسعى في هذه المسألة إلى العفو، فلماذا لم يُقرِّره من البداية؟ وما فائدة الكلام عن العقوبة بالمثل؟
نقول: لأن المجتمع لا يكون سليم التكوين إلا إذا أَمِن كل إنسان فيه على نفسه وعِرْضه وماله.
. الخ. وهذا الأمن لا يتأتَّى إلا بقوة تحفظه، كما أن للمجتمع توازناً، هذا التوازن في المجتمع لا يُحفظ إلا بقوة تضمن أداء الحقوق والواجبات، وتضمن أن تكون حركة الإنسان في المجتمع دون ظلم له.
كما أن للحق سبحانه حكمة سامية في تشريع العقوبة على الجرائم، فهدف الشارع الحكيم أن يَحُدَّ من الجريمة، ويمنع حدوثها، فلو علم القاتل أنه سيُقتل ما تجرّأ على جريمته، ففي تشريع العقوبة رحمة بالمجتمع وحفظ لسلامته وأمْنه.
ونرى البعض يعترض على عقوبة الردة، فيقول: كيف تقتلون مَن يرتد عن دينكم؟ وأين حرية العقيدة إذن؟
نقول: في تشريع قتل المرتد عن الإسلام تضييق لمنافذ الدخول في هذا الدين، بحيث لا يدخله أحد إلا بعد اقتناع تام وعقيدة راسخة، فإذا علم هذا الحكم من البداية فللمرء الحرية يدخل
следующие страницы →