تمرين -٤
عين القافية، ثم سم حروفها واحدًا واحدًا، ثم حركات ما هو متحرك عن هذه الحروف، في الأبيات الآتية:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
стр. 142
قد يجمع المال غير آكله ويأكل المال غير من جمعه
стр. 143
أنواع القافية من حيث الإطلاق والتقييد
الشرح
...
أنواع القافية من حيث الإطلاق والتقييد
القافية تسمّى مطلقة ومقيدة تبعًا لرويّها، وقد مر تعريف الروي المطلق والمقيد.
أ- فالمطلقة ستة أقسام:
١- مجردة من التأسيس والردف موصولة بمد؛ كقول النابغة:
ألم تأتِ أهل المشرقين رسالتي ... وأني نصيح لا يبيت على عتب
٢- مجردة من التأسيس والردف موصولة بهاء؛ كقول الشاعر:
تحمل أشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
٣- مؤسسة موصولة بمد؛ كقول الموصلي:
ألا من لقلب مسلم للنوائب ... أحاطت به الأحزان من كل جانب
٤- مؤسسة موصلة بهاء؛ كقول الجاهلي:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما نذرت يومًا بكسرى مرازِبُه
٥- مردوفة موصولة بمد؛ كقول ابن قيس الرقيات:
أنت امرؤ للحزم عندك منزل ... وللدين والإسلام منك نصيب
٦- مردوفة موصولة بهاء كقول الشاعر:
ألا رب ندمان عليَّ دموعه ... تفيض على الخدين سحًّا سجومها
ب- والمقيدة ثلاثة أقسام:
١- مجردة؛ كقول يزيد بن معاوية:
تزين النساء إذا ما بدت ... ويبهت من حسنها من نظر
٢- مردوفة؛ كقول الشاعر:
كل عيش صائر للزوال
٣- مؤسسة؛ كقول الشاعر:
لا يمنعنَّك من بغا ... ءِ الخير تعقاد التمائم
стр. 144
تمرين -٥
سَمِّ القوافي من حيث الإطلاق والتقييد فيما يأتي:
فبابك ألين أبوابهم ودارك مأهولة عامِرَه
стр. 145
أسماء القافية من حيث حركاتها
سبق أن بَيّنَّا أسماء الحركات للحروف التي تشتمل عليها القافية، فسميناها: المجرى، النفاذ، إلخ ...
والآن نبين أسماء القافية كلها بالنظر إلى حركات حروفها مجتمعة فهي:
١- المتكاوس: كل قافية توالت بين ساكنيها أربع حركات، كقول الشاعر:
قد جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرَه
وقول الحطيئة:
الشعر صعب وطويل سُلَّمه ... إذا ارْتَقَى فيه الذي لا يَعْلَمُهْ
زلت به إلى الحضيض قَدَمُهْ
فالقافية وهي: ضيض قدمه، قد انحصر بين ساكنيها أربعة متحركات، وهذا أكثر ما يكون في الشعر العربي، ولذلك كان هذا النوع قليلًا.
٢- المتراكب: كل قافية اجتمع بين ساكنيها ثلاث متحركات مثل:
يا ليتني فيها جذع ... أخُبُّ فيها وأضع
فالقافية: ها وأضع، توالى بين ساكنيها ثلاثة متحركات.
٣- المتدارك: كل قافية اجتمع فيها بين ساكنيها متحركان، كقول الشاعر:
إن ابن ميادة لباس الحلل ... أمرُّ مِنْ مُرٍّ وأَحلى من عَسل
فالقافية من عسل، وبين ساكنيها متحركان فقط.
٤- المتواتر: كل قافية بين ساكنيها حركة واحدة؛ كقول كثير:
ومن يتتبَّع جاهدًا كل عَثْرَة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
فالقافية وهي: صاحب، بين ساكنيها متحرك واحد وهو الحاء.
٥- المترادف: كل قافية التقى ساكنها؛ كقول الشاعر:
كلُّ حيٍّ صائر للزوالْ
стр. 146
عيوب القافية
ومما يتعلق بحديث القافية ما يجب تجنبه فيها من عيوب احترز منها السابقون وعابوا من خانته ملكته فوقع فيها، كما وقع النابغة الذبياني مما سنذكره في حينه.
وعيوب القافية سبعة:
١- الإيطاء: وهو إعادة كلمة الروي بلفظها ومعناها بدون أن يفصل بين اللفظين سبعة أبيات على الأقل، وقال الخليل: "يتحقق الإيطاء بتكرار الكلمة ولو بلفظها فقط، ومثال الإيطاء قول الشاعر:
وواضع البيت في خرساء مظلمة ... تقيِّد العير لا يسري بها الساري
لا يخفض الزِّرّ عن أرض ألم بها ... ولا يضل على مصباحه الساري
وقد استثنوا من الإيطاء تكرار ما يستلذ ذكره، كاسم الله تعالى، واسم محمد رسوله ﵊، واسم محبوبة الشاعر التي يتيم بها.
٢- التضمين: وهو تعليق قافية البيت بصدر البيت الذي بعده، وهو نوعان: قبيح، وجائز. فالأول: ما لا يتم الكلام إلا به: كجواب الشرط والقسم، وكالخبر، والفاعل، والصلة. والثاني: ما يتم الكلام بدونه:
كالجار والمجرور، والنعت والاستثناء وغيرها، ومن القبيح قول النابغة:
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدتُ لهم مواطن صادقات ... شهدن لهم بصدق الودِّ مِنِّي
فخبر إني في البيت الأول هو جملة: شهدت في أول الثاني.
ومن الجائز قول الشاعر:
وما وَجْدُ أعرابية قذفت بها ... صروف النَّوى من حيث لم تَكُ ظنَّت
بأكثرَ مِنِّي لوعةً غير أَنَّنِي ... أُطَامِنُ أحشائي على ما أَجَنَّت
٣- الإقواء: وهو اختلاف المجرى -حركة الروى المطلق- بالضم والكسر
стр. 147
مثل قول النابغة الذبياني:
أمن آل مية رائح أو مغتدى ... عجلان ذا زاد وغير مُزَوَّدِ
زعم البوارح أنَّ رحلتنا غدًا ... وبذاك خَبّرنا الغراب الأسودُ
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليدِ
بمخضَّب رَخْصٍ كأن بَنَانَه ... عَنَمٌ يكاد من اللطافة يُعقدُ
وكان النابغة كثيرًا ما يُقوِي في شعره، وقد أراد أهل يثرب أن يدُلُّوه من طرف خفي على خطئه، فأوحوا إلى جارية تغنيه بالأبيات السابقة، وأن تتعمد إظهار الحركات المختلفة بالضم والكسر؛ ففعلت، ففطن النابغة لشعره؛ فأصلح خطأه فجعل عجز البيت الثاني: وبذاك تنعاب الغراب الأسود، وجعل عجز الرابع: عنم على أغصانه لم يعقد، وقال: "وردت يثرب وفي شعري بعض العهدة -العيب- وصدرتُ عنها وأنا أشعر الناس".
ومن الإقواء قول حسان:
لا بأس بالقوم من طول ومن قِصَر ... جسم البغال وأحلام العصافيرِ
كأنهم قَصَبٌ جَفَّتْ أسافِلُهُ ... مُثَقَّبٌ نفخت فيه الأعاصيرُ
٤- الإصراف: وهو اختلاف المجرى بالفتح وغيره -الكسر، الضم- فمع الضم مثل قول الشاعر:
أريتك إن منعت كلام يحيى ... أتمنعُني على يحيى البكاءَ
ففي طرفي على يحيى سهاد ... وفي قلبي على يحيى البلاءُ
ومع الكسر:
ألم ترني رددت على ابن ليلى ... منيحتَهُ فَعَجِلْتُ الأداءَ
وقلت لشاته لَمَّا أتتنا ... رماك الله من شاة بداءِ
٥- الإكفاء: وهو اختلاف الروي بحروف متقاربة المخارج كاللام والنون في قول القائل من مشطور السريع:
بنات وطَّاءٍ على خدِّ الليل ... لا يشكين عملًا ما أنقيَن
стр. 148
٦- الإجازة: "بالزاي" وبعضهم يسميها الإجارة من الجور؛ وهي اختلاف الروي بحروف متباعدة المخارج كاللام والميم في قوله:
ألا هل ترى إن لم تكن أم مالك ... بِمِلْكِ يدَي أن الكفاءَ قليلُ
رأى من خليليه جَفَاءً وغلظة ... إذا قام يبتاع القَلُوصَ ذميم
٧- السناد: وهو اختلاف ما يراعى قبل الروي من الحروف والحركات، ونخص السناد بحديث وحده فنقول:
стр. 149
أنواع السناد
هي خمسة: اثنان منها متعلقان بالحروف، وثلاثة متعلقة بالحركات:
١- سناد الرِّدْف: وهو ردف أحد البيتين دون الآخر؛ كقول القائل:
إذا كنت في حاجة مرسلًا ... فأرسل حكيمًا ولا توصِهِ
وإن باب أمر عليك الْتوى ... فشاوِر لبيبًا ولا تَعْصِهِ
فالبيت الأول مردوف بالواو، والثاني لم يردف، وجاءت العين في موضع الواو في الذي قبله.
٢- سناد التأسيس: وهو تأسيس أحد البيتين دون الآخر؛ مثل قول العجاج من مشطور الرجز:
يا دارَ ميَّة اسلمى ثم اسلمي ... فخندف هامة هذا العالَم
فالبيت الثاني مؤسس بالألف في لفظ العالم، والأول لا تأسيس فيه، ويروى عن رؤبة بن العجاج أنه كان يقول: لغة أبي همز العالم، يريد أن يقول إن أباه لم يخطئ لأن كلمة العالم إذا كانت مهموزة فلا تأسيس فيها، وإذن فلا عيب في البيتين.
٣- سناد الإشباع: وهو اختلاف حركة الدخيل بحركتين متقاربتين في الثقل كالضم والكسر؛ مثل:
وهم طردوا منها بليًّا فأصبحت ... بَلِيٌ بواد من تهامة غائر
وهم منعوها من قضاعة كلِّها ... ومن مضر الحمراء عند التَّغاور
فالهمزة في القافية مكسورة والواو في الثانية مضمومة.
стр. 150
ويكون هذا السناد أيضًا بحركتين متباعدتين في الثقل؛ كالفتح مع الضم، أو الكسر؛ مثل قول الشاعر من مشطور الرجز:
يا نخل ذات السِّدر والجداول ... تطاولي ما شئت أن تطاولي
فالواو في الجداول مكسورة وفي تطاولي مفتوحة.
وقد فرقوا بين النوعين فجعلوا الأول -وهو الاختلاف بالضم والكسر- أقل قبحًا من الثاني -وهو الاختلاف بالفتح مع الكسر أو الضم- بل إن بعضهم لا يرى في الأول عيبًا.
٤- سناد الحذو: وهو اختلاف حركة ما قبل الردف بحركتين متباعدتين في النقل: الفتح والكسر، أو الفتح والضم، ومثاله:
لقد ألج الخباء على جَوَارٍ ... كأنَّ عُيونَهُنَّ عيُونُ عِين
كأني بين خافِيَتَيْ غُرَابٍ ... يُريدُ حمامةً في يومِ غَيْن
فـ: عِين، مكسورة العين، وغين مفتوحة الغين.
٥- سناد التوجيه: وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المقيد؛ كقول رؤبة من مشطور الرجز:
وقائم الأعماقِ خاوي الْمُخْتَرَقْ ... ألَّفَ شتَّى ليس بالراعي الحمِق
شذَّابة عنها شَذى الرَّبع السُّحُق
فالراء في: مخترق، مفتوحة، والميم في: الحمق، مكسورة، والحاء في: السحق، مضمومة.
وقيل: إن الإيطاء والتضمين والسناد بجميع أنواعه مباحات للمولدين, ولكننا نرى أن بعضها هَيِّن والآخر غير مقبول.
فالإيطاء لا شك محمول على العي وقلة المادة اللغوية التي هي ضرورية للشاعر، فلا ينبغي أن يدل الشاعر على قلة بضاعته بتكرار لفظ واحد بمعنى واحد في غير فاصل بينهما بسبعة أبيات على الأقل.
стр. 151
وأما التضمين فقد علمت أن منه الثقيل والخفيف، فإذا أبيح فلا ينبغي أن يقبل منه إلا النوع الخفيف الذي لا يشتد فيه الربط بين البيتين.
وأما السناد: فإذا قيل فلا يقبل منه سناد الحذو؛ لأن فيه ثقلًا ظاهرًا.
أما ما عداه فلا نرى فيه ذلك الثقل؛ ولا بأس بوقوعه في الشعر، وإن كان الأولى خلافه.
стр. 152
الضرورات الشعرية
اعتاد المؤلفون في علمي العروض والقوافي أن يختموا بحوثهم في العلمين بالكلام على الضرورات الشعرية.
وقد عرفوا الضرورة بأنها: ما وقع في الشعر مما لا يجوز وقوعه في النثر، وفصلوها على ثلاثة أنواع:
١- ما كان بالزيادة مثل:
أ- تنوين ما لا ينصرف؛ كقول امرئ القيس:
ويوم دخلتُ الخدر خدر عنيزةٍ ... فقلت: لك الويلاتُ إنَّك مُرْجِلي
ب- تنوين المنادى المبني؛ مثل:
ليتَ التَّحيَّة لي فأشكرها ... مكان يا جملٌ حُيِّيتَ يا رجُل
وقول الآخر:
ضرَبت صدْرَهَا إلَيّ وقالت ... يا عَدِيًّا لقد وقتك الأواقي
ج- مد المقصور؛ كقوله:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غَنَاء
د- زيادة حرف الإشباع كالألف في قوله:
أعوذ بالله من العقراب
أراد: من العقرب، فأشبع مدة الراء.
وقول الآخر وقد أشبع بالياء:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
فالياء في الدراهيم والصياريف إشباع لحركتي الهاء والراء.
٢- ما كان بالحذف؛ مثل:
أ- قصر الممدود في قوله:
لا بد منْ صَنْعَا وإن طالَ السَّفر ... وإن تَحَنَّى كلُّ عُودٍ ودَبَر
стр. 153
فكلمة: صنعا، أصلها صنعاء فقصرت، ومثل قول الشاعر:
القارح العَدَّا وكل طمرَّة ... ما إن تنال يد الطويل قذالَهَا
فكلمة: العدا، أصلها: العداء، فقصرت.
ب- ترخيم غير المنادى مما يصلح للنداء؛ كقول الشاعر:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخطر
أراد ابن مالك فحذف الكاف.
ج- ترك تنوين المنصرف؛ كقول عباس بن مرداس:
وما كانَ حصنٌ ولا فارسٌ ... يفوقان مِرْدَاسَ في مَجمع
فكلمة مرداس ممنوعة من الصرف وكان الصرف من حقها. وقول الآخر:
طلب الأرازق بالكتائب إذ هوت ... بشبيبَ غائلة النفوس غُرور
فكلمة شبيب ممنوعة من الصرف وكان الصرف من حقها.
٣- ما كان بالتغيير:
أ- قطع همزة الوصل؛ مثل:
إذا جاوز الإثنين سرٌّ فإنه ... بِنَثٍ وتكثير الحديث قمين
ب- وصل همزة القطع؛ مثل قول حاتم:
أبوه أبي والأمهات امَّهاتنا ... فأنعم فذاك اليوم أهلي ومعشري
فكلمة: امهاتنا، حذفت همزتها مع أنها همزة قطع، ومثل:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير امّ عامِرِ
فهمزة أم وصلت مع أنها همزة قطع.
جـ- فكُّ المدغم؛ كقول أبي النجم:
الحمد لله العلي الأجلل ... أنت مليك الناس ربًّا فأقبل
د- إدغام المفكوك؛ مثل:
وكأنها بين النساء سبيكة ... تمشي بسدة بيتها فَتُعيّ
стр. 154
الأصل: فتعيي؛ فأدغم على خلاف الأصل.
هـ- تقديم المعطوف؛ مثل:
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
و تحريك المضارع المجزوم، أو الأمر المبني على السكون بالكسر؛ لأجل الروي؛ مثل:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلَّمه عني ولم أتكلَّمِ
لو كنت أدري كم حياتي قسمتها ... وصيرت ثلثيها انتظارك فاعلم
ولا نستطيع هنا أن نستقرئ جميع أمثلة الضرورة الشعرية؛ لأنها كثيرة موزعة في كتب الشعر وغيرها؛ ولكننا نذكر أنها تنقسم انقسامًا آخر من حيث القبح والقبول: قبيحة ومقبولة.
فالقبيحة: ما كانت غير مألوفة الوقوع؛ كمد المقصور، ومنع المصروف، وقطع همزة الوصل، وفك الإدغام وعكسه، وتقديم المعطوف، وغيره ذلك.
والمقبولة: ما كانت مألوفة الوقوع؛ كقصر الممدود، وتخفيف المشدد، وإشباع الحركة حتى يتولد منه مَدّ، وتحريك المضارع المجزوم أو الأمر المبني على السكون بالكسر، ووصل همزة القطع بشرط أن يليها ساكن؛ كبيت حاتم المتقدم.
وقد ذكروا أن الضرورة بأقسامها كلها جائزة للعربي والمولَّد.
قال ابن جني في الخصائص: "سألت أبا علي: هل يجوز لنا في الشعر ضرورة ما جاز للعرب؟ فقال: كما جاز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم، فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا وما حظرته عليهم حظرته علينا، وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم يكون من أحسن ضروراتنا، وما كان من أقبحها عندهم يكون من أقبحها عندنا، ومن بين ذلك يكون بين ذلك".
стр. 155
ما أحدثه المولَّدون في أوزان الشعر وقوافيه
نظر الخليل بن أحمد الفراهيدي فيما ورد عن العرب من الشعر فاستطاع أن يضبطه ويرجع أوزانه إلى خمسة عشر أصلا؛ سماها بحور الشعر، وخالفه في ذلك الأخفش فجعلها ستة عشر، وكان بحر المتدارك هو الذي نفاه الخليل وأثبته الأخفش.
فكلُّ ما خرج عن الأوزان الستة عشر أو الخمسة عشر فليس بشعر عربي، وما يصاغ على غير هذه الأوزان فهو عملُ المولَّدين؛ الذين رأوا أن حصر الأوزان في هذا العدد يضيِّق عليهم مجال القول، وهم يريدون أن يجري كلامهم على الأنغام الموسيقية التي نقلتها إليهم الحضارة، وهذه لا حد لها؛ وإنما جنحوا إلى تلك الأوزان؛ لأن أذواقهم تَرَبَّتْ على إلفها واعتادت التأثر بها، ثم لأنهم يرون أن كلامًا يوقع على الأنغام الموسيقية يسهل تلحينه والغناء به، وأمر الغناء بالشعر العربي مشهور ورغبة العرب فيه خصوصًا في هذه المدنية العباسية أكيدة.
стр. 156
الأوزان الستة المستحدثة من عكس البحور
*
...
لذلك رأينا أن المولدين لم يطيقوا أن يلتزموا تلك الأوزان الموروثة من العرب، فأحدثوا أوزانًا أخرى، منها ستة استنبطوها من عكس دوائر البحور وهي:
١- المستطيل: وهو مقلوب الطويل، وأجزاؤه: مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مرتين؛ كقول القائل:
لقد هاج اشتياقي غرير الطرف أحور ... أُديرَ الصدغُ منه على مسك وعنبر
٢- الممتد: وهو مقلوب المديد، وأجزاؤه فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن مرتين؛ كقول القائل:
صاد قلبي غزال أحور ذو دلال ... كلَّما زدت حبًّا زاد مني نفورا
стр. 157
٣- المتوافر: وهو محرَّف الرمل، وأجزاؤه: فاعلاتن فاعلاتن فاعلن مرتين، ومثاله:
ما وقوفك بالكرائب في الطَّلل؟ ... ما سؤالك عن حبيبك قد رحل؟
ما أصابك يا فؤادي بعدهم؟ ... أين صبرك يا فؤادي ما فَعَل؟
٤- الْمُتَّئد: وهو مقلوب المجتث، وأجزاؤه: فاعلاتن فاعلاتن مستفع لن مرتين، وقد نظم منه بعض المولدين:
كن لأخلاق التصابي مستمريًا ... ولأحوال الشباب مستحليًا
٥- المنسرد: مقلوب المضارع، وأجزاؤه: "مفاعيلن مفاعيلن فاع لاتن" مرتين، وقد نظم منه بعضهم:
على العقل فعوِّل في كل شان ... ودان كلّ من شئت أن تداني
٦- الْمطَّرد: صورة أخرى من مقلوب المضارع، وأجزاؤه: فاع لاتن مفاعيلن مفاعيلن مرتين؛ كقول بعضهم:
ما على مستهام رِيعَ بالصَّدِّ ... فاشتكى ثم أبكاني مِنَ الوجدِ
ومن الأوزان التي استحدثوها ما فعله أبو العتاهية، قد ذكر أنه نظم على أوزان لا توافق ما استنبطه الخليل، إذ جلس يومًا عند قصَّار، فسمع صوت المدق، فحكى وزنه في شعر وهو:
للمنون دائرا ... ت يدرن صرفها
ثُمَّ ينتقيننا ... واحدًا فواحدا
فلمَّا انتقد في هذا قال: أنا أكبر من العروض.
ب- ومن أشهر ما استحدث غير ما تقدم الفنون السبعة؛ وهي: السلسلة، والدوبيت، والقوما، والموشح، والزجل، وكان وكان، والمواليا، "والموشحات والأزجال من اختراع الأندلسيين، وتبعهم فيه المشارقة".
стр. 158
١- فالسلسلة: أجزاؤه: فعلن فعلاتن مفتعلن فعلاتان، ومنه:
السحر بعينيك ما تحرك أو جال ... إلا ورماني من الغرام بأوجال
يا قامة غصن نشا بروضة إحسان ... أيَّان هفت نسمة الدلال به مال
٢- والدوبيت: وهو وزن فارسي نسج على منواله العرب، و"دو" بالفارسية معناها اثنان؛ أي أنه مركب من بيتين، ويسميه الفرس الرباعي، ولعله لاشتماله على أربعة أشطر، وأوزانه كثيرة وأشهرها: فعلن متفاعلن فعولن فعلن، مرتين ومنه قول ابن الفارض:
روحي لك يا مواصل الليل فدا ... يا مؤنس وحدتي إذا الليل هدا
إن كان فراقنا الصبح بدا ... لا أسفَرَ بعد ذاك صبحٌ أبدا
وهو كما ترى متحد القوافي في جميع مصاريعه، فإن اختلفت الثالثة منها سُمّي أعرج؛ مثل قول شرف الدين بن الفارض:
أهوى رَشًا لي الأسى قد بعثا ... مذ عاينه تَصَبُّري ما لبثا
ناديت وقد فكرت في خلقته: ... سبحانك ما خلقت هذا عبثا
٣- القوما: اخترع هذا الفن البغداديون القائمون بالسحور في رمضان واسمه مأخوذ من قول بعضهم لبعض: قوما نسَّحَّر قوما، وقد شاع هذا الفن، ونظموا فيه الزهري والخمري والعتاب وسائر الأنواع، ولغته عامية ملحونة، ووزنه: مستفعلن فعلان مرتين.
وأول من اخترعه أبو نقطة للخليفة الناصر، وكان يطرب له، فجعل له عليه وظيفة كل سنة، ولَمّا توفي كان ابنه ماهرًا في نظم القوما، فأراد أن يعرفه الخليفة ليجري على مفروضه فتعذر عليه ذلك إلى رمضان، ثم جمع أتباع والده ووقف أول ليلة من تحت شرفة القصر وغنى القوما بصوت رقيق، فأصغى الخليفة له وطرب، فلما أراد الانصراف قال:
يا سيِّد السَّادات ... لك بالكَرَم عادات
أنا ابن أبو نقطه ... تَعِش أبُويا ماتْ
стр. 159
فخلع عليه الخليفة وجعل له ضعف ما كان لوالده.
٤- الموشحات: اخترعها الأندلسيين، وأول من نظمها منهم مُقَدَّمُ بن معافر من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني في أواخر القرن الثالث، وقد كسدت هذه الصناعة في أول الأمر حتى نشأ عبادة القزاز المتوفى سنة ٤٢٣هـ فأجاد فيه، وانتقل هذا الفن إلى المشرق فنسج المشارقة على منواله، وأوزانه كثيرة منها: مستفعلن فاعل فعيل مرتين مثال:
يا جيرة الأبرق اليمان ... هل لي إلى وصلكم سبيل
ومنها فاعلاتن فاعلن مستفعلن فاعلن مرتين؛ مثل موشحة ابن سناء الملك المصري المتوفى سنة ٦٠٨هـ:
كلِّلي ... يا سُحُبُ تيجانَ الرُّبَا بالْحُلى
واجعلي ... سوارك مُنْعطَفَ الجدول
٥- الزجل: وقد اخترع هذا الفن بالأندلس بعد أن نضجت الموشحات وتداولها الناس بكثرة وحركت نفوس العامة فنسجوا على منوال الموشح بلغتهم الحضرية وقد كثرت أوزانه حتى قيل: "صاحب ألف وزن ليس بزجّال". وأول من اخترعه رجل يقال له: راشد ولكنه لم يظهر فيه رشاقته كما أبدع فيه بعده ابن قزمان المتوفى سنة ٥٥٥هـ وهو إمام الزجّالين على الإطلاق. ومن قوله فيه:
وعريش قام على دكان ... بحال رواق
وأسد ابتلع ثعبان ... في غُلظِ ساق
وفتح فَمُّو بحال إنسان ... فيه الفواق
وانطلق يجري على الصُّفَّاح ... ولقى الصَّباح
٦- كان وكان: اخترعه البغداديون، وسُمّي بذلك؛ لأنهم لم ينظموا فيه سوى الحكايات والخرافات.
стр. 160
فكان قائله يحكي ما كان، حتى ظهر الإمام الجوزي والواعظ شمس الدين فنظما منه الحكم والمواعظ، ويصاغ معرب بعض الألفاظ على وزن واحد وقافية واحدة ولا تكون قافيته إلا مردوفة ساكنة الآخر وقبله حرف لين ساكن، ووزنه:
مستفعلن فاعلاتن ... مستفعلن مستفعلان
ومثاله:
قم يا مصلي تضرّع ... قبل أن يقولوا كانَ وكانْ
مستفعلن فاعلاتن ... مستفعلن فَعْلان
لِلْبَرِّ تَجْرِي الْجَوَارِي ... في السِّحر كالأعلام
٧- المواليا: وهو من الفنون التي لا يلزم فيها مراعاة قوانين العربية، وهو من البسيط، لولا أن له أضربًا تخرجه عنه.
وقد ذكروا في سبب نشأته أن الرشيد لما نكب البرامكة أمر ألا يُرْثوا بشعر، فرثتهم جارية بهذا الوزن، جعلت تنشد وتقول: يا مواليا، ليكون ذلك منجاة لها من الرشيد؛ لأنها لا ترثيهم بالشعر المنهي عنه.
وهو في الاصطلاح ثلاثة أنواع:
رباعي وهو ما كان أشطر بيتيه مصرعة مثل قول جارية البرامكة:
يا دار أين الملوك أين الفرس ... أين الذين رعوها بالقنا والترس
قالت تراهم زمم تحت الأراضي الدرس ... سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس
وأعرج: وهو ما اختلف مصرع منه عن الثلاثة الباقية؛ مثل قول بعضهم في الوعظ:
يا عبد ابكي على فعل المعاصي ونوح ... هم فين جدودك أبوك آدم وبعده نوحْ
دنيا غرورة تجي لك في صفة مركب ... ترمي حمولها على شط البحور وتْروحْ
стр. 161
ونعماني: مثل قول بعضهم:
الأهيف اللي بسيف اللحظ جارحنا ... بيده سقانا الطَّلا وجارحنا
رمش رمي سهم قَطَّع به جوارحنا ... أهين على لوعتي في الحب يا وعدي
هجره كواني وحيَّرني على وعدي ... يا خِلِّ واصل ووافي بالمنى وعدي
من حر هجرك ومن نار الجوى رحنا
стр. 162
الإفلات من قيود القافية
إن الذي دعاهم إلى الإفلات من قيود الوزن -وهو على زعمهم ضيق الأوزان في الشعر العربي- قد دعاهم مثله إلى الإفلات من قيود القافية.
ذلك بأن الشعر العربي إذا زاد المقول فيه على بيت واحد وَجَبَ أن يتحد مع الأصل في الوزن والقافية. ولم يُعهد عن العرب القدماء أنهم قالوا بيتين أو أكثر من معرض واحد إلا جاءوا بذلك من بحر واحد، وجعلوا أواخر الأبيات حرفًا واحدًا مع ما اشترطوا في هذه الأواخر من شروط مجموعها هو
стр. 163
علم القوافي
حقًّا إن هذا -إذا نظرنا إليه نظرة عامة- نراه التزامًا شديدًا لم تشترطه لغة غير العربية، فأكثر اللغات يكفي فيها شرط الوزن مع خلاف بين اللغات واللغة العربية فيما يراد بهذا الشرط أيضًا.
ولكننا ننظر إلى العربية في سابق عهودها؛ فنجدها قد نهضت بجميع أغراض القول مع اشتراط الوزن والقافية، وكان أكثر كلام العرب شعرًا، ولم يعرف أن أحدًا منهم شكا من ذلك أو تبرَّم به أو حاول الخروج عليه لا في جاهلية ولا إسلام حتى كان العصر العباسي.
فإذا كان بعض الشعراء في العصر العباسي قد تبرم بهذين القيدين فليس العيب عيب اللغة، ولكنه عيب من يحاول ما لا يستطيع، وهو عيب من لا يستكمل الوسائل ثم يريد الطفور إلى الغايات وما كان لنا أن نتابع هؤلاء الباغين على العربية الذين يريدون أن يتحيَّفوا جمالها من أطرافه فننادي معهم بطرح هذه القيود؛ فإنها ليست كما ظنوا قيود منع وإرهاق ولكنها حُجَزُ زينة، ومعاقد رشاقة، ونظام كأنه نظام فريد لا يحسن إلا إذا روعي فيه التناسق والتناظر.
ومن أمثلة هذه المحاولة المزرية بقدر الشعر ما أنشد القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الإعجاز قول بعضهم:
стр. 164
رُبَّ أخ كنت به مغتبطًا ... أشدّ كفِّي بعرَى صحبته
تمسكًا مني بالود ولا ... أحسبه يزهد في ذِمِّي أمل
ولكن هذا الناعق لم يجد من يتابعه؛ لأن الأذن لم ترتح إلى صنيعه، ولكنهم قبلوا من ذلك نوعًا سَمّوه
стр. 165
المزدوج: وهو أن يؤتى ببيتين من مشطور؛ أي بحر مقفيين وبعدهما غيرهما بقافية أخرى وهكذا، وقد احتاجوا إلى ذلك وأكثروا منه في نظم القصص الطويلة والحكم والأمثال ومسائل العلوم مما لا يراد به إلا مجرد الضبط؛ لسهولة الحفظ، وحرّموا هذا النوع أن يسمّى قصيدة مهما طال، وأول من نظم فيه بشار وأبو العتاهية ثم تتابع عليه الشعراء. ومن مزدوجة لأبي العتاهية في الحكم، وقد سماها ذات الأمثال، وله فيها أربعة آلاف مثل قوله:
حسبك مما تبتغيه القوت ... ما أكثر القوت لمن يموت
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فيما أخطا القدر
إن الشباب حجة التصابي ... روائح الجنة في الشباب
ومن هذا النوع ألفية ابن مالك وما على شاكلتها من متون العلوم.
ومما استحدثوا في القافية أيضًا نوع يسمى
стр. 166
المسمط: وهو أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع، ثم يأتي بأربعة أقسمة من غير قافيته، ثم يعيد قسمًا واحدًا من جنس ما ابتدأ به، وهكذا إلى آخر القصيدة، وقد نسبوا إلى امرئ القيس قوله في هذا النوع:
توهَّمت من عند معالم أطلال ... عفاهن طول الدهر في الزمن الخالي
مرابع من هند خلت ومصايف ... يصيح بمعناها صدى وعوازف
وغيَّرها هوج الرياح العواصف ... وكلّ مسفٍّ ثُمَّ آخر رادف
بأسحم من نوء السماكين مطّالي
وقد يكون بأقلَّ من أربعة أقسمة وبلا بيت مصرع؛ مثل قول بعضهم:
стр. 167
زال هاج لي شجنا ... فبت مكابدًا حزنا
عميد القلب مرتهنا ... بذكر اللهو والطرب
سبتني ظبية عُطُلُ ... كأن رضابها عسل
ينوء بخمرها كفل ... ثقيل روادف الحقب
стр. 168
كذلك أحدثوا فيها الْمُخُمَّس: وهو أن يؤتى بخمسة أقسمة كلها من وزن القافية للأقسمة الأربعة الأولى، ويتحد القسيم الخامس مع الخامس من الأولى في القافية؛ كقول الشاعر:
ورقيب يردد اللحظ ردًّا ... ليس يرضى سوى ازدياديَ بُعدَا
ساحر الطّرف مذ جني الخد وردًا ... إنَّ يومًا لناظري قد تبدَّى
فتملى من حسنه تكحيلا
وتصدى من فحشه في اشتياق ... يمنع اللحظ من جنى واعتناق
أيأس العين من لحاظ اعتناق ... قال جفني لصفوه: لا تلاقي
إن بيني وبين لقياك ميلا
стр. 169
الخاتمة
مدخل
...
الخاتمة
تم بحمد الله ما قصدنا إليه من تحرير مسائل العلمين الجليلين، ورجاؤنا إلى الله أن يعمم النفع بكتابنا، والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله الكرام.
محمود مصطفى
стр. 170
إضافات أضافها للكتاب الأستاذ الدكتور عبد المنعم خفاجي
الشعر الحر
*
...
إضافات أضافها للكتاب: الأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي
الشعر الحر
"١"
كل تراثنا الشعري يتمثل في القصيد العربية العمودية، التي ورثناها عن امرئ القيس، وحسان، وجرير، والبحتري، والمتنبي، والبارودي، وشوقي وأضرابهم من الشعراء الذين أغنوا الشعر العربي، ولقّحوه بالأخيلة الطريفة، والمعاني الجديدة، والأغراض المنوعة، والأساليب العربية الأصيلة، وبالموسيقى المأثورة ذات التفاعيل الارتكازية العذبة، التي أُثِرَت عن الإمام العربي الجليل، الخليل بن أحمد، وعن نقادنا الخالدين الذين أضافوا إلى أوزانه أوزانًا أخرى شبيهة بما كشف عنه الخليل من بحور.
إن كل هذا التراث الشعري الأصيل جزء من كيان القصيدة العربية، التي لا تسمى قصيدة شعرية؛ حتى تكون أبياتها من بحر شعري واحد، وحتى تلتزم فيها قافية واحدة، وإن كان شعراؤنا المعاصرون بتأثير الرغبة في التجديد، وتسهيلًا على أنفسهم من قيود الفن والتزاماته؛ أجازوا لأنفسهم أن تشتمل القصيدة على عدة أوزان؛ إذا تعددت مواقفها وأفكارها، ونظموا من ذلك بعض قصائد، من أشهرها قصيدة: الشاعر والسلطان الجائر، لإيليا أبي ماضي، وأجازوا كذلك تعدد قوافي القصيدة الواحدة مجاراةً لفن الموشحات الأندلسية، وتحرروا من سلطان القافية، وجعل الكثير منهم لكل مقطع في القصيدة قافية، إذا كان كل مقطع يمثل تيارًا فكريًّا متميزًا في القصيدة.
ومع ذلك بقى للقصيدة العمودية سلطانها العظيم؛ لموسيقاها المؤثرة، ونغمها الموقَّع، وجمالها الفني الأخّاذ. والفن هو الفن لا بد فيه من القيود؛ والمثل الفرنسي السائد يقول: لا يحيا الفن بغير القيود، فمن خلال القيود
стр. 171
الفنية تظهر عبقرية الشاعر وموهبته الأصلية، وعمق تكوينه الفني المتميز.
ومع ذلك ففي تراثنا في الشعر: نظام الأرجوزة والموشحة، وهي عكس البحور المعروفة، والأوزان التي أحدثها المولّدون، وفيه كذلك الكثير مما أضيف إلى التراث في مختلف العصور، وبخاصة في عصرنا الحديث من تنويع القافية، وتنويع للوزن في القصيدة الواحدة، مع بقاء الروح الشعري الأصيل للقصيدة، وهيكلها العربي العمودي ذي التأثير الموسيقي الرفيع.
٢- وبدأت مدارسنا الجديدة تدعو إلى التجديد في القصيدة الشعرية، فدعا مطران ومدرسة أبولو إلى الشعر المرسل والشعر الحر؛ لتصبح القصيدة العربية أكثر مرونة وطواعية في يدي الشاعر، وليمكن استخدامها في الشعر القصصي والمسرحي والملحمي الطويل النفس، ولتكون أكثر تعبيرًا عن ذاتية الشاعر ومشاعره العميقة.
حجج كثيرة برَّرُوا بها هذا التجديد، وإن كان شوقي قد طوع القصيدة العمودية فجعلها صالحة للشعر القصصي والمسرحي، وكذلك فعل أبو ماضي وعزيز أباظة وغيرهما؛ والقافية لم تحل بين الشعر العربي القديم والحديث وبين ظهور الملاحم فيه؛ ومن مثل ذلك قصيدة ابن المعتز المتوفى عام "٢٩٦هـ"، أو ملحمته في ابن عمه الخليفة المعتضد بالله العباسي: "٢٧٩-٢٨٩هـ"، أو وقصيدة ابن عبد ربه الأندلسي: "ت ٣٢٨هـ"، وملحمة حافظ إبراهيم العمرية، وملحمة أحمد محرم المشهورة: الإلياذة الإسلامية، وغيرها ... فالشاعر الموهوب لا تعوقه أبدًا قيود الوزن والقافية -كما يقول الدكتور أبو شادي في مقدمة ديوانه: "الينبوع".
ولكن الداعين باسم التجديد، تحدثوا عن هذا التجديد، وإن لم يحددوه، ومن بينهم بعض الكلاسيكيين: كالزهاوي والرصافي، وكثير من الرومانسيين؛
стр. 172
كمطران وشكري والمازني وغيرهم، ودعا أحمد أمين إلى التجديد في عنصر الوزن والمعنى.
стр. 173
و رأى الزهاوي: أن القافية في القصيدة تمثل حركة النادب في نهاية كل مقطع من مقاطيع حزنه، ورأى الدكتور زكي المحاسني في كتابه: نظرات في أدبنا المعاصر، أن وحدة القافية العربية تشبه شكل البيداء العربية نفسها، التي تمتد ساحة منها وراء ساحة في تماثل كامل يشبهه سرد القصيدة العربية الجاهلية، وهناك شاعر من رواد النهضة الشعرية في فرنسا هو: لويس أرجوان، نظم بعض شعره على نهج قريب من النهج الشعري العربي، وعُدّ ذلك كشفًا جديدًا، فقسم بيته إلى مصراعين، وقَفَّاهما تقفيةً عربيةً.
٣- بدأت الدعوة إلى الشعر الحر تظهر بين بعض النقاد المعاصرين؛ ومن بينهم مطران وأبو شادي، وهذه الدعوة تأثرت في أكثر الأمر بمذهب الشاعر الأمريكي: والت هوتمان، الذي هجر الأوزان في معظم شعره، كذلك لم يهتم بالقافية، ووجه جل اهتمامه إلى الإيقاع للشعر. وكان بعض الشعراء في أوربا قد شكوا في ضرورة الوزن للشعر، وإن لم يلق رأيهم ذلك أنصارًا كثيرين إلا في الولايات المتحدة وفي بلجيكا، أما في إنجلترا وفرنسا فلم يصادفوا نجاحًا يُذكر.
والخروج على الوزن الشعري مع ملاحظة تنغيمات موسيقية خاصة يسمى شعرًا حرًّا عند أبي شادي والسحرتي الذي يقول: "ليس الشعر الحر ضربًا من الفوضى، بل إن له صناعة فنية تخلق إيقاعات موسيقية، وإن خالفت الإيقاعات التقليدية الموروثة. ثم صار الشعر الحر في رأي نازك الملائكة في كتابها: قضايا الشعر المعاصر، لا يطلق إلا على تنويع التفعيلات في أشطر القصيدة، ولباكثير ومحمد فريد أبي حديد وسهير القلماوي وغيرهم تجارب كثيرة تمثل أوّلية الشعر الحرّ.
стр. 174
وكان بعض الذين ينظمون منه يقيّدون أنفسم بالشكل الهرمي، فيبدءون البيت الأول بتفعيلة، والثاني بتفعيلتين، والثالث بثلاث، والرابع بأربع، والخامس بخمس تفاعيل، ثم يعودون في البيت بعده إلى أربع تفاعيل فثلاث فاثنتين فواحدة.
ومن الشعراء الذين ينظموا الشعر الحر من يتأثرون بالطريقة القديمة فيلتزمون في أحيان كثيرة القافية كنزار والفيتوري، ومنهم من يتركها؛ كنازك، وبدر شاكر السيَّاب، والبياتي في أغلب شعرهم.
وللدكتور طه حسين رأي في الشعر الجديد، عبّر عنه في أحاديث مختلفة له، نشرت في أمهات المجلات الأدبية.
стр. 175
رأى طه حسين: أن النزعة إلى التجديد في الأوزان والقوافي دعوة غير منكرة، وغير جديدة؛ فقد سبق إلى التجديد شعراء من العرب ومن غير العرب؛ وإنما الجدير بالبحث في الشعر الجديد هو البحث عن توافر الأسس التي يجب أن تُراعى في الفن الشعري، والخصائص التي ينبغي أن تتحقق فيه، ولا يمكن أن نعد هذا الجديد شعرًا إلا إذا قام على تلك الأسس، وتوافرت فيه تلك الخصائص؛ فقد نشر في مجلة الأديب البيروتية عدد شهر مايو ١٩٦٠ مقالًا عن الشعر الجديد أكد فيه ذلك، وجاء في خاتمة هذا المقال: فليتوكل شبابنا من الشعراء على الله ولينشئوا لنا شعرًا حرًّا أو مقيدًا، جديدًا أو حديثًا، ولكن ليكن هذا الشعر شائقًا رائعًا.
ونُشر للدكتور طه من قبل رأي في مجلة الآداب البيروتية عدد فبراير عام ١٩٧٥ حول الشعر الحرّ، قال فيه: إني لا أرى بهذا التجديد في أوزان الشعر وقوافيه بأسًا، ولا على الشباب المجدّدين أن ينحرفوا عن عمود الشعر فليس عمود الشعر وحيًا قد نزل من السماء، وقديمًا خالف أبو تمام عمود الشعر، وضاق به المحافظون أشدّ الضيق، وهو زعيم الشعر العربي كله غير منازع، ولست أرفض الشعر؛ لأنه انحرف عن عمود الشعر القديم، أو
стр. 176
خالف الأوزان التي التي أحصاها الخليل؛ وإنما أرفضه حين يقصر في أمرين: أولهما: الصدق والقوة وجمال الصور وطرافتها.
وثانيهما: أن يكون عربيًّا لا يدركه فساد اللغة والإسفاف في اللفظ، وقديمًا قال أرسطو: "يجب قبل كل شيء أن تتكلم اليونانية، فلنقل: يجب قبل كل شيء أن نتكلم العربية".
٤- ومن النقاد المعاصرين كثيرون رفضوا الشعر الحر؛ وللعقاد رأي في الشعر الحر، فحين رأى التجارب الجديدة من الشعر الحرّ لزميليه شكري والمازني؛ وهي أولى التجارب من الشعر الجديد، قال: "لا مكان للريب في أن القيود الصناعية ستجري وستُجرى عليها أحكام التغيير والتنقيح؛ فإن أوزاننا وقوافينا أضيق من أن تتفسح لأغراض شاعر تفتحت مغالق نفسه، وقرأ الشعر الغربي، فرأى كيف ترحب أوزانهم بالأقاصيص المطولة والأناشيد المختلفة، وكيف تلين في أيديهم القوالب الشعرية فيودعونها ما لا قدرة لشاعر عربي على وضعه في غير النثر ... ورحّب العقاد بالشعر المرسل والشعر المتعدد القوافي عند شكري والمازني ... ولكن العقاد عدل عن هذا الرأي فيما بعد، وذكر أنه هو وصديقه المازني كانا يشايعان زميليهما شكري بالرأي في إهمال القافية دون استطابة إهمال القافية بالأذن، وأنه هو نظم القصائد الكثار من شتى القوافي، ولكنه طواها كلها؛ لأنه لم يستسغها، وأشار إلى أنه يوم كتب مقدمة الجزء الأول من ديوان المازني ورحب فيها بهذه النزعات التجديدية ومنها الشعر المرسل وذلك عام ١٩١٤، كان يظنّ أن الأذن ستألفها، ولكنه إلى اليوم لا يزال ينقبض لاختلاف القوافي بين البيت والبيت عن الاسترسال في السماع، وَذَكَر أن سليقة الشعر العربي تنفير من إلغاء القافية كل النفور١.
стр. 177
٥- إن الشعر الحر لا يتقيد الشاعر فيه بنظام التفاعيل العروضية؛ إذ يتنوع فيه النغم وتتجدد التفعيلات. ولا يقيد البيت بنظام الشطرين المعروف في البيت الشعري، ونظم منه شعراء من مدرسة أبولو، وكثير من الشعراء الواقعيين والرمزيين في مصر وسوريا ولبنان والعراق، والتفعيلة العروضية هي الإناء الموسيقي للشعر الجديد ... ومن أشهر دعاته: نازك الملائكة ومصطفى السحرتي ومحمد مندور.
والشعر الحر -ولا شك- تغيير كامل لنظام القصيدة الشعرية العمودية. وفيه محاولة لسَدْلِ الستار على تراثنا الشعري المأثور.
إن كنّا نؤثر القصد في الحكم، والتوسط في الأمر، بحيث لا تصبح الأوزان جامدة كما يريده المحافظون وبعض شعراء الغرب؛ مثل: وردزورث، ولا يصبح الأمر فوضى كما يريده دعاة الشعر الحر وبعض شعراء الغرب مثل: كولردج.
وشعراؤنا المعاصرون يمكنهم أن يجددوا في روح القصيدة الشعرية وجوهرها، كحرصهم على تمثل التجربة الشعرية كاملة في قصائدهم، وكذلك الوحدة العضوية للقصيدة، وكذلك سيرهم بالمضمون الشعري ليكون أكثر تعبيرًا عن حاجات الإنسان والمجتمع العربي وآماله؛ أما التجديد في شكل القصيدة العربية الموروث، فنحن نقبله، ولكن في أناة وبقدر، حتى لا يفجأ القراء والسامعون بما لم يألفوا، وربما لا يمت إلى قديمنا بأية صلة، ولنا أسوة بما صنع أسلافنا من ألوان التجديد في البناء الفني للقصيدة العربية.
ويزيد من إيماني برأيي في الشعر الحر -وهو أنه تجديد متطرف لا يقبله الذوق العربي، ولا يتفق مع تراثنا الشعري، ولا يصلح منهجًا شعريًّا لجيلنا العربي- إن كثيرًا من الشعوبيين الحاقدين على العربية وتراثها قد حشروا
стр. 178
أنفسهم في زمرة الداعين إلى حركة الشعر الحر، بل المتطرفين في الدعوة إليه.
والأولى بنا أن نسير في التجديد الشعري بخطوات معتدلة، وفي رفق وأناة وبقدر، بعيدين عن هذا الهدم المقصود أو غير المقصود للبناء الفني الموروث للقصيدة العربية.
والبدء بالتجديد في المضمون الشعري أولى من الإقدام في تطرف على تغيير شكل القصيدة العريبة وبنائها الموروث، الذي يكاد يعصف بمقومات الروح الشعري جملةً، ويصرف أجيالنا المقبلة عن شعرنا القديم وشعرائنا القدماء، مثل أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، والمعري، والشريف الرضي، وشوقي، وحافظ، والزهاوي، والرصافي وأضرابهم من الشعراء الخالدين.
стр. 179
شعر مجمع البحور
يقوم مجمع البحور على عدم التقيد بوزن واحد من أوزان الشعر في القصيدة الواحدة، والذين يذهبون إليه يجيزون للشاعر أن ينظم قصيدته أجزاء، كل جزء من بحر ... ويقول محمد عوض فيه١: "إنه ضرب جديد من الشعر لم يعرفه الأوائل"، وإنه هو الذي سَمّاه: مجمع البحور، وإنه يسوغ للشاعر في القصيدة الواحدة أن يجمع ما شاء من وزن إلى وزن، كان شوقي لا يلتزم وزونًا واحدًا في رواياته؛ وقد برر بعض النقاد صنيع شوقي بأنه متبع لكبار الشعراء الروائيين والقصصيين في ذلك. وهذا خطأ فإن ملحمتي هوميروس، كلتاهما من بحر واحد، وكذلك الفردوس المفقود لملتون والشاهنامة للفردوسي كلها من وزن واحد، وكثير من النقاد يقر بأنّ هذا الإكثار من الأوزان في روايات شوقي قد أفقدها قسطًا كبيرًا من الحسن.
ويقول بعض النقاد: إن شوقيًّا لو أجهد نفسه، وجاء برواياته من بحر واحد وقافية واحدة؛ لقيل إنه وضع في عنق الشعر طوقًا يغلّه به١.
وممن نظم من مجموع البحور إيليا أبو ماضي، وقصيدته: الشاعر والسلطان الجائر، مشهورة؛ وكذلك نظم ميخائيل نعيمة وغيره من: مجمع البحور، وللشاعر محمود غنيم قصيدة في ديوانه: ديوان غيم، من مجمع البحور.
ومن مثله كذلك قصيدة: عبقر، لشفيق معلوف، والراعي لإلياس فرحات.
стр. 180
قصيدة النثر
يسمونها قصيدة، وهي نثر خالٍ من الوزن والقافية.
لقد كتب المنفلوطي، وتلاه أمين الريحاني نثرًا، قيل عنه: إنه شعر منثور، ونثر الرافعي والزيات يمكن أن يدخل في مضماره؛ ولكن هؤلاء لم يطلقوا على نثرهم اسم الشعر، أما المبتدعون اليوم فيكتبون نثرًا خليًا من الوزن والقافية ويسمونه شعرًا، ومما كتبته د. سامية الساعاتي في ديوانها: شخصي جدًّا، ومن نماذجه:
يوم هويتك هويت الكتابة
والنقاد ينكرون هذا الشعر ويقولون: إنه نثر، وليس له صلة بالشعر بحال.