← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10871

أهمية العناية بالتفسير والحديث والفقه

عبد المحسن العباد

Полный текст (63 стр.). Показаны 36–63 · переход к 41.

стр. 36

الرجوع إلى كتب الفقه والاستفادة منها وطالب العلم كما يرجع إلى كتب شروح الحديث المشتملة على بيان ما يستنبط من الأحاديث، ينبغي له أن يرجع إلى الكتب المدونة في الفقه للاستفادة منها؛

стр. 37

وذلك لمعرفة الأقوال وأدلتها وما يترجح منها وفقاً للدليل، والكتب في فقه المذاهب الأربعة كثيرة، منها المختصر، ومنها المطوّل، وأوفى هذه الكتب وأشملها كتاب (المغني) للإمام ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة (٦٢٠هـ) ، وكتاب (المجموع شرح المهذب) للإمام النووي المتوفى سنة (٦٧٦هـ) ، وكتاب (الاستذكار) لأبي عمر بن عبد البر المتوفى سنة (٤٦٣هـ) ، وذلك لاشتمال هذه الكتب الثلاثة على فقه الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم. قال الإمام ابن القيم في كتاب الروح (٣٩٥-٣٩٦) : "فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يُهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم؛ فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقاً من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم؛ فخلافهم في القول الذي جاء النص

стр. 38

بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلبٍ لدليله من الكتاب والسّنّة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه ويقلده به، ولذلك سمي تقليداً، بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى، قال الشافعي: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد" ومع رجوع طالب العلم إلى كتب الفقهاء

стр. 39

للاستفادة منها، عليه أن يوقرهم ويسلك طريق الاعتدال فيهم، فلا يتعصب لأحد منهم، ولا يجفو فيهم، بل يذكرهم بالجميل اللائق بهم، وقد قال الإمام الطحاوي في عقيدة أهل السّنّة والجماعة: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلاّ بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل". وقال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان (٧/٥٥٥) : "اعلم أن موقفنا من الأئمة ﵏ من الأربعة وغيرهم هو موقف سائر المسلمين المنصفين منهم، وهو موالاتهم ومحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم والثناء عليهم بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسّنّة، وتقديمهما على رأيهم، وتعلُّم أقوالهم والاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسّنّة منها.

стр. 40

وأما المسائل التي لا نص فيها، فالصواب النظر في اجتهادهم فيها، وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا؛ لأنهم أكثر علماً وتقوى منّا، لكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضى الله، وأحوطها وأبعدها من الاشتباه؛ كما قال ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وقال: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". وحقيقة القول الفصل في الأئمة ﵏ أنهم من خيار المسلمين، وأنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكل ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وما أخطأوا فيه فهم مأجورون على كل حال، لا يلحقهم ذم ولا عيب ولا نقص في ذلك، ولكن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ حاكمان عليهم وعلى أقوالهم كما لا يخفى. فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم

стр. 41

فلا تك ممن يذمهم وينتقصهم، ولا ممن يعتقد أقوالهم مغنية عن كتاب الله وسنّة رسوله أو مقدّمة عليهما"

стр. 42

وصايا الأئمة الأربعة بالتعويل على الأدلة لا على أقوالهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أهل العلم مجتهدون، فما أصابوا فيه لهم أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ومن أخطأ منهم هو مأجور أجراً واحداً على اجتهاده وبذله وسعه لمعرفة الحق، وقد جاء عن الأئمة الأربعة نصوص فيها وصاياهم لغيرهم بأن يأخذوا بما دلت عليه الأدلة ويتركوا أقوالهم، وقد أورد الشيخ صالح الفلاني المتوفى سنة (١٢١٨هـ) في كتابه (إيقاظ الهمم) نقولاً عنهم في ذلك: منها قول الإمام أبي حنيفة (ص:٥٠) : "إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه، قال: اتركوا قولي

стр. 43

لكتاب الله، فقيل: إذا كان خبر رسول الله ﷺ يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله ﷺ ، فقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة" وقوله (ص:٥٤) : "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذه من الكتاب والسّنّة أو إجماع الأمّة أو القياس الجلي في المسألة"، وقوله (ص:٦٢) : "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي" ومنها قول الإمام مالك (ص:٧٢) : "إنما أنا بشر أخطىء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسّنّة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسّنّة فاتركوه" ومنها قول الإمام الشافعي (ص:١٠٠) : "ما من أحد إلاّ وتذهب عليه سنّةٌ لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن

стр. 44

رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قاله رسول الله ﷺ وهو قولي" وقوله: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول الله ﷺ فقولوا بسنّة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت" وقوله (ص: ١٠٣) : "أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد" وقوله (ص: ١٠٤) :"كل مسألة صحّ فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي"، وقوله (ص: ١٠٧) : "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي" ومنها قول الإمام أحمد (ص: ١١٣) وقد قيل له:" الأوزاعي هو أتبع أم مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيهم مخير".

стр. 45

وقوله: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا" وانظر مقدمة صفة صلاة النبي ﷺ للألباني (ص: ٢٣-٣٧) ، وهذه النقول عن الأئمة الأربعة ﵏ تدل على ورعهم وفقههم وإنصافهم، ومن المتعين على كل ناصح لنفسه الأخذ بهذه الوصايا، وتقدّم قريباً في كلام ابن القيم قوله: "فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يُهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم؛ فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقاً من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم"

стр. 46

بم يُعتذر عمن وُجد له من الأئمة الأربعة وغيرهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه . وهذه الوصايا المذكورة في كلام الأئمة الأربعة تدل على فضلهم ونبلهم واتباعهم للسّنّة ودعوة

стр. 47

غيرهم إلى اتباعها وألاّ يصار إلى أقوالهم وأقوال غيرهم إذا وُجد سنّة عن رسول الله ﷺ بخلافها، ومن وُجد له من الأئمة الأربعة وغيرهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فإن لهم في ذلك أعذاراً أوضحها العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ألّف في ذلك رسالة خاصّة وهي (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، قال فيها: ((وليُعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين قبولاً عاماً يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنّته، دقيق ولا جليل؛ فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلاّ رسول الله ﷺ ، ولكن إذا وُجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلابد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله، والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة

стр. 48

بذلك القول، والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ، وهذه الأصناف الثلاثة تتفرّع إلى أسباب متعددة" فذكرها وهي عشرة أسباب، وهذه الرسالة تقع ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/٢٣١-٢٩٠) . وهي رسالة مختصرة قليلة المبنى واسعة المعنى أثنى عليها الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المتوفى سنة (١٣٣٢هـ) ، في كتابه (الجرح والتعديل ص:٢٦) ، فقال: ((ومن أنفع ما ألف في هذا الباب كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀، فإنه جدير لو كان في الصين أن يرحل إليه، وأن يُعض بالنواجذ عليه، فرحم الله من أقام المعاذير للأئمة، وعلم أن سعيهم إنما هو إلى الحق والهدى)) .

стр. 49

حكم تقليد أحد المذاهب الأربعة . الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، علماء مجتهدون دائرون في اجتهادهم بين الأجر والأجرين، وقد تقدّم ذكر جملة من وصاياهم، في ترك تقليدهم، والتعويل على الأدلة، ومن تمكن من معرفة الحق بدليله، تعيّن عليه الأخذ به، تنفيذا لوصاياهم، وقد قال الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد" وقال ابن خزيمة: "ويحرم على العالم أن يخالف السّنّة بعد علمه بها)) فتح الباري (٣/٩٥) ، وقال أيضاً في رفع اليدين عند القيام من الركعتين:"هو سنّة وإن لم يذكره الشافعي، فالإسناد صحيح، وقد قال: قولوا بالسنة ودعوا قولي". فتح الباري (٢/٢٢٢) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن أهل السّنّة لم يقل أحد منهم: إن إجماع الأئمة

стр. 50

الأربعة حجة معصومة، ولا قال: إن الحق منحصر فيها، وأن ما خرج عنها باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة كسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد ومن قبلهم من المجتهدين قولاً يخالف قول الأئمة الأربعة، ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وكان القول الراجح هو القول الذي قام عليه الدليل". منهاج السنّة (٣/٤١٢) . ومن المعلوم أن أول الأئمة أبو حنيفة المولود سنة (٨٠ هـ) ، والمتوفى سنة (١٥٠هـ) ، وما كان عليه الناس قبل زمان الأئمة الأربعة، هو الذي عليهم أن يكونوا عليه في أزمانهم وبعد أزمانهم، وهو التعويل على الأدلة، وترك التقليد، وأما العامي ومن لم يتمكن من معرفة الحق في المسائل الفقهية، ولم يجد من أهل العلم من يبصره فيها فله أن يقلّد أحد المذاهب الأربعة، لأنه مضطر، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ

стр. 51

مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، قال شيخنا الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ في رده على الصابوني في قوله عن تقليد الأئمة الأربعة: "إنه من أوجب الواجبات" قال: "لا شك أن هذا الإطلاق خطأ، إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسّنّة لا في تقليد أحد من الناس، وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغاً عند الضرورة لمن عرف بالعلم والفضل واستقامة العقيدة، كما فصل ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) ولذلك كان الأئمة ﵏ لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلاّ ما كان موافقاً للكتاب والسّنّة، قال الإمام مالك ﵀: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلاّ صاحب هذا القبر"، يشير إلى قبر رسول الله ﷺ ، وهكذا قال إخوانه من الأئمة في هذا المعنى، فالذي يتمكّن من

стр. 52

الأخذ بالكتاب والسّنّة يتعين عليه ألاّ يقلّد أحداً من الناس، ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق، والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم، كما قال الله : ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] )) . مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٣/٥٢) . وقال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان (٧/٥٥٣) : "لا خلاف بين أهل العلم في أن الضرورة لها أحوال خاصّة تستوجب أحكاماً غير أحكام الاختيار، فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاءً صحيحاً حقيقياً فهو في سعة من أمره فيه"، إلى أن قال: "وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطراراً حقيقياً بحيث يكون لا قدرة له البتّة على غيره، مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلاً على الفهم، أو له قدرة على الفهم وقد عاقته

стр. 53

عوائق قاهرة عن التعلم، أو هو في أثناء التعلم، ولكنه يتعلم تدريجاً؛ لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد، أو لم يجد كفؤاً يتعلم منه ونحو ذلك، فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة؛ لأنه لا مندوحة له عنه، وأما القادر على التعلم المفرط فيه والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي فهو الذي ليس بمعذور"

стр. 54

دراسة الفقه في مذهب من مذاهب أهل السّنّة الأربعة ومن المناسب لطلاب العلم دراسة الفقه في مذهب من مذاهب أهل السّنّة الأربعة على مشايخ متمكنين في الفقه ومعرفة أقوال العلماء وأدلتها وترجيح ما يعضده الدليل، كما هي وصايا الأئمة الأربعة، وقد كانت عادة العلماء في القديم والحديث دراسة الفقه على هذه الطريقة، ثم ينتهي الأمر بهم إلى

стр. 55

التمكن في العلم والبروز فيه وترجيح ما يؤيده الدليل ولو كان في غير المذهب الذي درسوه، ولهذا يُنسب بعض أهل العلم الذين برّزوا فيه إلى المذاهب التي نشؤوا عليها واعتنوا بها وإن لم يكونوا مقلدين فيها، كابن عبد البر من المالكية، والذهبي وابن كثير من الشافعية، وابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من الحنابلة. وإنما قلت بمناسبة دراسة الفقه في مذهب من مذاهب أهل السّنّة الأربعة؛ لأن المسائل في هذه المذاهب اعتُني بجمعها وترتيبها وتحريرها وتدوينها، وفي ذلك تسهيل لمهمة الشيخ المدرس والتلميذ الدارس، لكن تكون هذه الدراسة مبنية على معرفة الأقوال في المسألة وأدلتها وترجيح الراجح منها بالدليل.

стр. 56

الجمع في دراسة الفقه بين الحديث والفقه ... الجمع في دراسة العلم بين الحديث والفقه ومن أهم المهمات لطالب العلم أن يكون في دراسته جامعاً بين الحديث والفقه، بين الدليل

стр. 57

والمدلول، فلا تكون دراسته متمحضة في معرفة كثرة الطرق للأحاديث، مغفلة معرفة المسائل الفقهية وأقوال أهل العلم فيها، وفي مقابل ذلك لا تكون مهمته منحصرة في معرفة المسائل الفقهية دون عناية بمعرفة أدلتها وترجيح الراجح فيها؛ لأنه إذا أخلّ بجانب الفقه فاته الكثير من معرفة مسائله وأحكامها، وإن أخلّ بجانب الحديث فاته العلم بأدلة المسائل الفقهية، وقد يستدل بالأحاديث الضعيفة لعدم عنايته وتمكنه من معرفة الصحيح الذي يعوّل عليه والضعيف الذي لا يحتج به، وقد أوضح الإمام أبو سليمان الخطابي المتوفى سنة (٣٨٨هـ) في كتابه معالم السنن (سنن أبي داود) أهمية الجمع بين معرفة الحديث والفقه، وأن الفقيه لابد له من الحديث، والمحدّث لابد له من الفقه، فقال في مقدّمة كتابه (١/٣-٤) : "وقد رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين،

стр. 58

وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميّز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب. فأما الطبقة الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما وكدهم الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون سيرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون، وأما

стр. 59

الطبقة الأخرى، وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلاّ على أقله، ولا يكادون يميّزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيّده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي وغبناً فيه ... ".

стр. 60

اختلاف التنوع والتضاد وهل كل مجتهد فيها نصيب ؟ ... اختلاف التنوع والتضاد، وهل كل مجتهد فيهما مصيب؟ والاختلاف في المسائل الفقهية ينقسم إلى قسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، واختلاف التنوع لا

стр. 61

يؤثر؛ لأن من أخذ بشيء منه أخذ بنوع من أنواع الحق، ومن أمثلة ذلك: ألفاظ الاستفتاح في الصلاة وألفاظ التشهد فيها، فإن كل ما ثبت عن رسول الله ﷺ منها فهو حق، والآخذ به آخذ بنوع من أنواع الحق، لكن لا يجمع المسلم بينها في صلاة واحدة، فإذا اجتهد عالم في اختيار نوع منها، واختار عالم نوعاً آخر، فإن هذا الاختلاف غير مؤثر، وكل مجتهد في ذلك مصيب أجراً، كما أنه مصيب حقاً، وأما اختلاف التضاد فهو أن يقول عالم في مسألة قولاً، ويقول آخر فيها قولاً مضاداً، كأن يقول قائل في أمر: هذا حلال، ويقول آخر: هو حرام، أو يقول قائل في أمر: إنه ينقض الوضوء مثلاً، ويقول آخر: لا ينقضه، أو يقول قائل: هذا يبطل الصلاة، ويقول آخر: لا يبطلها، وهذا النوع من الاختلاف كل مجتهد فيه مصيب أجراً، مع التفاوت فيه بين الأجر والأجرين، ولا يكون كل

стр. 62

مجتهد فيه مصيباً حقاً، بل من المجتهدين من يصيب فيؤجر أجرين على اجتهاده وإصابته، ومنهم من يخطىء فيؤجر أجراً واحداً على اجتهاده، ويدل لذلك قوله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". رواه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو ابن العاص ﵁. ولو كان كل مجتهد في هذا الخلاف مصيباً حقاً لم يكن لتقسيم المجتهدين في هذا الحديث إلى مصيب ومخطىء معنى. وأسأل الله أن يوفق الجميع للفقه في الدين والثبات على الحق، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين في كل مكان إلى ما تحمد عاقبته في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 63

المحتويات العلم الممدوح في الكتاب والسّنّة العلم الشرعي ٣ مدار العلم الشرعي على التفسير والحديث والفقه ٥ أهمية العناية بالتفسير ٧ أهمية العناية بالحديث ٨ أهمية العناية بالفقه ١٤ الفقه الفهم في الكتاب والسّنّة ١٧ الفقه فقهان أكبر وأصغر ٢٩ اشتهار مذاهب الأئمة الأربعة في الفقه دون غيرهم ٣٠ الرجوع إلى كتب الفقه والاستفادة منها ٣٣ وصايا الأئمة الأربعة بالتعويل على الأدلة لا على أقوالهم ٣٨ بم يعتذر عمن وجد له من الأئمة الأربعة وغيرهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه ٤١ حكم تقليد أحد المذاهب الأربعة ٤٤ دراسة الفقه في مذهب من مذاهب أهل السّنّة الأربعة ٤٨ الجمع في دراسة الفقه بين الحديث والفقه ٤٩ اختلاف التنوع والتضاد، وهل كل مجتهد فيهما مصيب؟ ٥٢