العلم الممدوح في الكتاب والسنة والعلم الشرعي
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، قيوم السموات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، ﷺ وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن العلم المحمود المُثنى عليه وعلى أهله في الكتاب والسّنّة علم الشريعة، التي بعث الله بها رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فكل ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ من مدح للعلم وثناء على حملته إنما يراد به هذا العلم الشرعي، علم الكتاب والسّنّة والفقه في الدين.
стр. 2
ومما جاء في كتاب الله قول الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] ، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] ، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] .
ومن سنّة رسول الله ﷺ ، قوله ﷺ : "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهّل الله له به طريقاً إلى الجنّة" أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وقوله ﷺ : "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنّة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان
стр. 3
في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" وهو حديث حسن رواه أبو داود (٣٦٤١) و (٣٦٤٢) ، والترمذي (٢٦٨٢) ، وابن ماجه (٢٢٣) ، وغيرهم عن أبي الدرداء ﵁، وقد شرحه الحافظ ابن رجب في جزء. وقوله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاّ من ثلاثة، إلاّ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم (١٦٣١) عن أبي هريرة ﵁.
стр. 4
مدار العلم الشرعي علي التفسير والحديث والفقه
...
وأصول هذا العلم ترجع إلى التفسير والحديث والفقه، وقد بدأ البخاري كتاب العلم من صحيحه بباب فضل العلم وقول الله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
стр. 5
خَبِيرٌ﴾ ، وقوله : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ، قال الحافظ في شرحه فتح الباري (١/١٤١) في معنى الآية الأولى: "قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم"، وقال في الآية الثانية: قوله: "وقوله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلاّ من العلم، والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه، وقد ضرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب".
وتتّضح أهمية العناية بهذه العلوم الثلاثة التي عليها مدار العلم الشرعي، وهي التفسير والحديث والفقه بما يلي:
стр. 6
أهمية العناية بالتفسير
...
أما التفسير فلتوضيحه معاني كلام الله ، واشتماله على نتائج التدبر لآياته، قال الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ، وقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] ، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ، وروى البخاري في صحيحه (٥٠٢٧) عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه"، وروى مسلم في صحيحه (٨١٧) عن عامر بن واثلة: أن نافع ابن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: مَن استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومَن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟! قال: إنه قارىء لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع
стр. 7
بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين".
وفي صحيح مسلم أيضاً (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الطهور شطر الإيمان" وفي آخره: "والقرآن حجّة لك أو عليك".
وخير ما يفسّر به القرآن القرآن، ثم سنّة الرسول ﷺ ، ثم كلام السلف من الصحابة والتابعين بإحسان، وأهم الكتب في ذلك: تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠هـ) ، وتفسير الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة (٥١٦هـ) ، وتفسير إسماعيل بن كثير المتوفى سنة (٧٧٤هـ) ، وكتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المتوفى سنة (١٣٩٣هـ) .
стр. 8
أهمية العناية بالحديث
...
وأما الحديث ـ وهو مرادف للسّنّة عند عطفها على الكتاب ـ فهو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو
стр. 9
فعل أو تقرير أو وصف خُلُقي أو خَلْقي، وهو وحي من الله أوحاه الله على رسوله ﷺ ، كما قال الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] ، وفي صحيح البخاري (١٤٥٤) كتاب أبي بكر إلى أنس الطويل في بيان فرائض الصدقة، وفي أوله قال: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله"، وروى مسلم في صحيحه (١٨٨٥) عن أبي قتادة أنه حدث عن رسول الله ﷺ أنه قام فيهم، فذكر لهم: "أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله تكفَّر عنّي خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : نعم! إن قتلتَ في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلاّ الدَّين؛ فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك" ورواه النسائي (٣١٥٥) عن أبي هريرة، وفي
стр. 10
آخره: "نعم! إلاّ الدَّين، سارَّني به جبريل آنفاً"، وفي صحيح البخاري (١٧٨٩) ومسلم (١١٨٠) عن يعلى ابن أمية في قصّة الرجل الذي عليه جبّة وهو متضمخ بالخلوق، وقد سأل النبي ﷺ بالجعرانة: "كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ " فنزل عليه الوحي، وفي آخر الحديث: "فلما سُرِّي عن الرسول ﷺ قال: "أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبّة، واغسل أثر الخلوق منك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك"
والعمل بالسّنّة والحديث لازم كالعمل بالقرآن، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] ،وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
стр. 11
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] ، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] .
وتتبين أهمية العناية بأحاديث رسول الله ﷺ وسنّته في قوله ﷺ : "نضّر الله امرءاً سمع منّا حديثاً فحفظه حتى يبلّغه، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" رواه أبو داود (٣٦٦٠) وهذا لفظه، والترمذي (٢٦٥٦) ، وابن ماجه (٢٣٠) عن زيد بن ثابت ﵁، وهو حديث متواتر، جاء عن أكثر من عشرين صحابياً، ذكرت رواياتهم وما اشتمل عليه من الفقه في كتابي" دراسة حديث نضّر الله امرءاً سمع مقالتي رواية ودراية"، وفي هذا الحديث بيان فضل من اشتغل بسنّة الرسول ﷺ ؛ حيث دعا له الرسول ﷺ بهذه الدعوة العظيمة، وقال العرباض بن سارية ﵁: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 12
موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء المهديين الراشدين تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" رواه أبو داود (٤٦٠٧) ـ وهذا لفظه ـ والترمذي (٢٦٧٦) ، وابن ماجه (٤٣-٤٤) ، وقال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)) ، وروى مسلم في صحيحه (٨٦٧) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب يوم الجمعة قال:" أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، وقال رسول الله ﷺ : "فمن رغب عن سنّتي فليس منّي" رواه
стр. 13
البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) ، وروى البخاري في صحيحه (٧٢٨٠) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمّتي يدخلون الجنّة إلاّ مَن أبى، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنّة، ومَن عصاني فقد أبى".
وأهم الكتب المؤلفة في حديث رسول الله ﷺ الكتب السّتّة وهي: صحيح الإمام البخاري المتوفى سنة (٢٥٦هـ) ، وصحيح الإمام مسلم المتوفى سنة (٢٦١هـ) ، وسنن أبي داود المتوفى سنة (٢٧٥هـ) ، وسنن الترمذي المتوفى سنة (٢٧٩هـ) ، وسنن النسائي المتوفى سنة (٣٠٣هـ) ، وسنن ابن ماجه المتوفى (٢٧٣هـ) ، وقد لقيَت هذه الكتب من العلماء عناية خاصة، وكتبتُ في ذلك رسالة مختصرة بعنوان: "كيف نستفيد من الكتب الحديثية السّتّة"، ذكرت فيها جملة من كلامهم وجهودهم في هذه الكتب.
стр. 14
والكتب المؤلفة في حديث رسول الله ﷺ كثيرة جدّاً، ومن أشهرها سوى ما تقدّم: موطّأ الإمام مالك، وسنن الدارمي ومسند الإمام أحمد.
стр. 15
أهمية العناية بالفقه
...
وأما الفقه فهو استنباط الأحكام من أدلة الكتاب والسّنّة، وقد اعتنى بذلك المفسرون وشرّاح الحديث، وقد قال ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية ﵁، وهو يدل على أن من علامة إرادة الله الخير بالعبد أن يفقهه في الدين؛ لأنه إذا فقه في دين الله يعبد الله على بصيرة، ويدعو غيره إلى الحق والهدى على بصيرة، وروى البخاري (٣٣٥٣) ومسلم (٢٣٧٨) عن أبي هريرة ﵁: "قيل يا رسول الله! مَن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن
стр. 16
معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، وهذا الحديث دال على أن من كان خياراً في الجاهلية لما اتصف به من صفات حسنة وأخلاق كريمة ثم أسلم على هذه الصفات وفقه في دين الله، فإنه يكون جمع بين الشرف والسؤدد في الجاهلية والإسلام، قال النووي في شرح مسلم (١٥/١٣٥) : "ومعناه أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا، فهم خيار الناس، قال القاضي: وقد تضمّن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كله عمومه وخصوصه ومجمله ومبانه إنما هو الدين من التقوى والنبوة والإعراق فيها والإسلام مع الفقه، ومعنى معادن العرب أصولها، وفقهوا بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها، أي صاروا فقهاء عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية، والله أعلم"
стр. 17
وفي صحيح البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢) عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"، والحديث يدل على أن الناس في الوحي ثلاثة أصناف: صنف فقه
في دين الله فعلم وعلّم، وصنف حفظ ما جاء عن النبي ﷺ ، فحصلت الفائدة والمنفعة من حفظه، وإلى هذين الصنفين الإشارة في حديث زيد بن ثابت المتقدّم، وهو قوله ﷺ : "نضّر الله امرءاً سمع منا
стр. 18
حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه"، وأما الصنف الثالث فهو الذي لم يحفظ ولم يفقه، فلم ينتفع ولم ينفع.
стр. 19
الفقه الفهم في الكتاب والسّنّة
والفقه في الدين هو الفهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واستنباط الأحكام منهما، فأما الفهم في الكتاب العزيز، ففي صحيح البخاري (٣٠٤٧) عن أبي جحيفة ﵁ قال: قلت لعلي ﵁: "هل عندكم شيء من الوحي إلاّ ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! ما أعلمه إلاّ فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر"
ومن أمثلة فهم علي ﵁ في كتاب الله استنباطه
стр. 20
من آيات البقرة ولقمان والأحقاف، أن أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر، قال ابن كثير في تفسيره عند قوله في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ "وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع التي في لقمان:
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ وقوله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ على أن أقل مدّة الحمل ستّة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃"
ومن الفهم في كتاب الله استنباط شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ صحّة إمامة أبي بكر ﷺ من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧] ، قال في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/٣٦) : "يؤخذ من هذه
стр. 21
الآية الكريمة صحّة إمامة أبي بكر الصديق ﵁؛ لأنه داخل فيمن أمرَنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم ـ أعني الفاتحة ـ بأن نسأله أن يهدينا صراطهم، فدلّ ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم، وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، وقد بيّن الذين أنعم عليهم فعدّ منهم الصديقين، وقد بيّن ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين، فاتّضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرَنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم، فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق"
وكتابه أضواء البيان حافل بالأمثلة الكثيرة من الفهم في كتاب الله .
ومن الفهم في كتاب الله فهم عمر وابن عباس ﵃ من قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً
стр. 22
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١-٣] ، قرب أجل رسول الله ﷺ ، فقد روى البخاري في صحيحه (٤٢٩٤) عن ابن عباس قال:" كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما أُريته دعاني يومئذ إلاّ ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ ؟ حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئاً، فقال لي: يا ابن عباس! أكذاك تقول. قلت: لا! قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلَمَه الله له ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ
стр. 23
تَوَّاباً﴾ قال عمر: ما أعلم منها إلاّ ما تعلم"
ومن كتب التفسير التي عُنيت باستنباط الأحكام من القرآن، كتاب الجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المتوفى سنة (٦٧١هـ) ، ومما يُنَبَّه عليه أن لديه تخليطاً في صفات الله ، يتّضح ذلك بما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، في سورة الأعراف.
وأما الفهم في سنّة الرسول ﷺ فيكون باستنباط الأحكام الشرعية مما ثبت عن الرسول ﷺ فكان من قبيل الصحيح أو الحسن، وأما الأحاديث الضعيفة التي لا تستفاد الأحكام إلاّ منها، فلا يعوَّل عليها، وإنما التعويل على ما ثبتت نسبته إلى رسول الله ﷺ ، وهو الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة.
ومن أمثلة الاستنباط الدقيق من الحديث ما اشتملت عليه تراجم الإمام البخاري في صحيحه، من
стр. 24
فهم دقيق واستنباط عجيب، جعل كتابه كتاب رواية ودراية، جمع فيه بين الحديث والفقه، ومن أمثلة ذلك: ترجمة "باب صب النبي ﷺ وَضوءه على مغمى عليه"، وأورد تحتها الحديث (١٩٤) عن جابر ﵁ قال: "جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضّأ وصبّ عليَّ من وَضوئه فعقلت، فقلت: يا رسول الله! لمن الميراث، إنما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض" فتعبيره ﵀ في الترجمة بـ "صب النبي ﷺ وَضوءه على مغمى عليه" إشارة إلى أنه من خصائصه ﷺ ، ولهذا لم يقل: باب صب الإمام أو العالم أو الكبير أو الزائر وَضوءه على مغمى عليه.
ومن ذلك ترجمة "باب إذا استأجر أجيراً ليعمل له بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد سنة جاز، وهما على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل"، وأورد تحتها حديث عائشة ﵂ (٢٢٦٤) قالت: "واستأجر
стр. 25
رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث" وقد استنبط بهذه الترجمة من هذا الحديث أن وقت تنفيذ المعقود عليه يجوز أن يكون متراخياً عن وقت إبرام العقد.
ومن الفهم في سنة رسول الله ﷺ ما استنبطه النسائي (٧) من قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، فقال في الترجمة لهذا الحديث: "الرخصة في السواك بالعشي للصائم" والمراد أن الصائم يستاك في آخر النهار لأن صلاة العصر تكون فيه، خلافاً لمن قال بمنعه آخر النهار لأنه يُذهب الخلوف، وقد أثنى السندي على هذا الاستنباط، فقال في حاشيته على سنن النسائي: "ولا يخفى أن هذا من المصنف استنباط دقيق وتيقظ
стр. 26
عجيب، فلله درّه؛ ما أدقّ وأحدّ فهمه! "
ومن الفهم الدقيق ما ذكره الحافظ في فتح الباري (١/٥٤) عند شرح حديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، أخرجه البخاري (١٠) ومسلم (٦٤) ، قال: "وخصّ اللسان بالذكر لأنه المعبّر عما في النفس، وهكذا اليد لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم! يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة وإن أثرها في ذلك لعظيم، ويستثنى من ذلك شرعاً تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعا زير على المسلم المستحق لذلك، وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء
стр. 27
على حق الغير بغير حق".
وقد اشتملت كتبُ الشروح الحديثية على إيراد الفوائد الفقهية المستنبطة من الأحاديث، فمستقل ومستكثر، ومن أهم الكتب التي عنيت بذلك فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وقد ذكر عند شرح حديث عتق بريرة ﵂ (٢٥٦٣) جملة كبيرة من الفوائد المستنبطة منه، وقال (٥/١٩٤) :" قال ابن بطّال: أكثرَ الناسُ في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلَّغوها نحو مائة وجه، وسيأتي الكثير منها في كتاب النكاح، وقال النووي: صنَّفَ فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين، أكثرا فيهما من استنباط الفوائد، فذكرا أشياء، قلت: ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه تهذيب الآثار، ولخصت منه ما تيسر بعون الله تعالى، وقد بلَّغ بعض
стр. 28
المتأخرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف، كما وقع نظير ذلك للذي صنَّف في الكلام على حديث المجامع في رمضان، فبلغ به ألف فائدة وفائدة".
وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً في شرح حديث أنس (٦٢٠٣) في قصّة أخيه أبي عمير الذي قال له النبي ﷺ : "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ " جملة كبيرة من الفوائد، بعضها من استنباطه، وبعضها من استنباط ابن القاص، قال (١٠/٥٨٤) : "وفي هذا الحديث عدّة فوائد، جمعها أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص الفقيه الشافعي صاحب التصانيف في جزء مفرد، بعد أن أخرجه من وجهين عن شعبة عن أبي التياح، ومن وجهين عن حميد عن أنس، ومن طريق محمد بن سيرين، وقد جمعتُ في هذا الموضع طرقه وتتبّعت ما في رواية كل منهم من فائدة
стр. 29
زائدة، وذكر ابن القاص في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثَّل ذلك بحديث أبي عمير هذا، قال: وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجهاً، ثم ساقها مبسوطة، فلخصتها مستوفياً مقاصده، ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه، فقال: ... "، ثم ذكر فوائد ابن القاص إلى قوله:"وفيما يسره الله تعالى من جمع طرق هذا الحديث واستنباط فوائده ما يحصل به التمييز بين أهل الفهم في النقل وغيرهم ممن لا يهتدي لتحصيل ذلك، مع أن العين المستنبط منها واحدة، لكن من عجائب اللطيف الخبير أنها تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، هذا آخر كلامه ملخصاً"، ثم ذكر الفوائد التي زادها على ابن القاص.
ومن الشروح الحديثية التي عنيت بسرد الفوائد
стр. 30
المستنبطة من الأحاديث كتاب (طرح التثريب في شرح التقريب) لزين الدين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦ هـ) وابنه أبي زرعة المتوفى سنة (٨٢٦ هـ) ، فإنه يذكر عند كل حديث الفوائد المستنبطة منه مسرودة، وأول حديث فيه حديث عمر بن الخطاب ﵁: "إنما الأعمال بالنيات"، وقد اشتمل على ثلاث وستين فائدة.
وقد ألّف بعض العلماء شروحاً لأحاديث مفردة، ذكروا فيها ما اشتملت عليه تلك الأحاديث من الفوائد الفقهية، ومن تلك المؤلفات: ((بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد)) للقاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤ هـ) ، و ((نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد)) لصلاح الدين العلائي المتوفى سنة (٧٦٣ هـ) ، وهما مطبوعان.
стр. 31
الفقه فقهان: أكبر وأصغر
وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما الينبوعان الصافيان النقيان، وهما مصدر كل خير وأساس كل صلاح وفلاح، ومنهما تستنبط الأحكام في الأصول والفروع، في العقائد والعبادات والمعاملات، والفقه في الدين فقهان: فقه أكبر، وهو ما يتعلق بأمور الاعتقاد، وهي من أمور الغيب التي لا مجال للرأي فيها، وإنما التعويل فيها على الاستنباط من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ .
والفقه الثاني، ما يتعلق بالفروع من عبادات ومعاملات، والتعويل فيها أيضاً على ما جاء في الكتاب والسّنّة، فإذا وُجد نص فيهما على مسألة من المسائل تعيَّن المصير إليه والأخذ به، وحيث لا يوجد نص ساغ الاجتهاد، والمجتهد المصيب فيما يسوغ فيه الاجتهاد مأجور أجرين، والمجتهد المخطىء مأجور أجراً واحداً، كما ثبتت بذلك السّنّة عن رسول الله ﷺ .
стр. 32
اشتهار مذاهب الأئمة الأربعة في الفقه دون غيرهم
الذين اشتهروا في الفقه كثيرون، ذكر ابن القيم في أول كتابه إعلام الموقعين عدداً كبيراً من الصحابة والتابعين ومن بعدهم اشتهروا بالفقه والفتوى.
ومن أشهر الذين اشتهروا بالفقه الأئمة الأربعة، وهم: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة (١٥٠هـ) ، والإمام مالك بن أنس المتوفى سنة (١٧٩هـ) ، والإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة (٢٠٤هـ) ، والإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة (٢٤١هـ) ، وقد نظم تاريخ وفياتهم بالحروف الأبجدية الشاعر فقال:
فنعمانهم (قن) و (طعق) لمالك
وللشافعي (در) و (رام) ابن حنبل (١)
стр. 33
وقد اشتهر الإمام أبو حنيفة بكنيته، وأما الثلاثة الباقون، فكل منهم يكنى بأبي عبد الله، والشافعي تلميذ لمالك، وأحمد تلميذ للشافعي، وقد وردت رواية بعضهم عن بعض في مسند الإمام أحمد (١٥٧٧٨) ،
стр. 34
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن إدريس ـ يعني الشافعي ـ عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه"، وقد أورده الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ، وقال: "وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة"
وقد اشتهر بالفقه والفتوى جماعة من العلماء في زمن الأئمة الأربعة ولم تشتهر مذاهبهم كما اشتهرت مذاهب الأئمة الأربعة؛ لأن الأئمة الأربعة صار لهم تلاميذ وأتباع اعتنوا بجمع أقوالهم وترتيبها وتحريرها وتدوينها، ولم يحصل مثل ذلك لغيرهم، ومن هؤلاء
стр. 35
العلماء المشهورين بالفقه: الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه الشام ومحدثها المتوفى سنة (١٥٧هـ) ، والإمام سفيان بن سعيد الثوري فقيه الكوفة ومحدثها المتوفى سنة (١٦١هـ) ، وهو ممن وُصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، والإمام الليث بن سعد فقيه مصر ومحدثها المتوفى سنة (١٧٥هـ) ، والإمام إسحاق ابن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي المتوفى سنة (٢٣٨هـ) ، وهو ممن وُصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وكان الإمام الترمذي يورد في جامعه أقواله في مسائل الفقه، وكثيراً ما كان يقرنه بالشافعي وأحمد أو أحدهما.
стр. 36
الرجوع إلى كتب الفقه والاستفادة منها
وطالب العلم كما يرجع إلى كتب شروح الحديث المشتملة على بيان ما يستنبط من الأحاديث، ينبغي له أن يرجع إلى الكتب المدونة في الفقه للاستفادة منها؛
стр. 37
وذلك لمعرفة الأقوال وأدلتها وما يترجح منها وفقاً للدليل، والكتب في فقه المذاهب الأربعة كثيرة، منها المختصر، ومنها المطوّل، وأوفى هذه الكتب وأشملها كتاب (المغني) للإمام ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة (٦٢٠هـ) ، وكتاب (المجموع شرح المهذب) للإمام النووي المتوفى سنة (٦٧٦هـ) ، وكتاب (الاستذكار) لأبي عمر بن عبد البر المتوفى سنة (٤٦٣هـ) ، وذلك لاشتمال هذه الكتب الثلاثة على فقه الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم.
قال الإمام ابن القيم في كتاب الروح (٣٩٥-٣٩٦) : "فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يُهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم؛ فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقاً من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم؛ فخلافهم في القول الذي جاء النص
стр. 38
بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلبٍ لدليله من الكتاب والسّنّة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه ويقلده به، ولذلك سمي تقليداً، بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى، قال الشافعي: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد"
ومع رجوع طالب العلم إلى كتب الفقهاء
стр. 39
للاستفادة منها، عليه أن يوقرهم ويسلك طريق الاعتدال فيهم، فلا يتعصب لأحد منهم، ولا يجفو فيهم، بل يذكرهم بالجميل اللائق بهم، وقد قال الإمام الطحاوي في عقيدة أهل السّنّة والجماعة: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلاّ بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل".
وقال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان (٧/٥٥٥) : "اعلم أن موقفنا من الأئمة ﵏ من الأربعة وغيرهم هو موقف سائر المسلمين المنصفين منهم، وهو موالاتهم ومحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم والثناء عليهم بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسّنّة، وتقديمهما على رأيهم، وتعلُّم أقوالهم والاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسّنّة منها.
стр. 40
وأما المسائل التي لا نص فيها، فالصواب النظر في اجتهادهم فيها، وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا؛ لأنهم أكثر علماً وتقوى منّا، لكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضى الله، وأحوطها وأبعدها من الاشتباه؛ كما قال ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وقال: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه".
وحقيقة القول الفصل في الأئمة ﵏ أنهم من خيار المسلمين، وأنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكل ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وما أخطأوا فيه فهم مأجورون على كل حال، لا يلحقهم ذم ولا عيب ولا نقص في ذلك، ولكن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ حاكمان عليهم وعلى أقوالهم كما لا يخفى.
فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميم